نساء ناجحات و لكن …

فازت بانتخابات الحزب، وبرزت كأقوى النساء في بلادها الإسلامية، حتى أصبحت أول رئيسة وزراء مسلمة تدعمها دول الغرب الكبرى، تحت شعار تمكين المرأة ونشر الديمقراطية، وعندما اغتالها المتمردون، اكتشف مناصري المرأة والديمقراطية، أنها كانت امرأة متسلطة، فقد أورثت حكم الحزب لابنها الأكبر، دون أن توصي بعمل انتخابات ديمقراطية.

انتسبت لإحدى أحزاب المعارضة، وثارت مع الثوار تطالب بالحرية والعدالة والقضاء على الاحتلال، فناضلت وانتفضت وقاطعت، وعند أقرب فرصة لنيل منصب حكومي ما، تنازلت عن مبادئها وتخلت عن ثورتها حتى تحافظ على راتبها الشهري، وأصبحت تتنافس مع غيرها من المدراء في المؤسسات الحكومية، من أجل السفر للمشاركة في مؤتمرات بالخارج على نفقة الدولة.

***

كانت فتاة متمردة تنتقد العادات والتقاليد، وتطالب بحرية المرأة، فتهافت عليها الصحف الغربية من أجل الاستشهاد برأيها حول مدى الاضطهاد الذي تشعر به المرأة العربية في مجتمعها، حتى أصبحت من أشهر الناشطات النسويات بمجتمعها، فتسابق عليها الرجال من أجل صداقتها والتعرف على أفكارها الجريئة، ووقعت بالحب مرارا، وألهمت مشاعر المثقفين من الرجال الذين كانوا بعد أن يعيشوا قصص ثورة الحب معها في زمن القهر السياسي، يتراجعون ويستسلمون لعادات مجتمعهم، فتصبح هي عاشقة لهم ويصبحوا هم أزواجا مثاليين لنساء غيرها.

 فأصبحت تلك الفتاة تعشق سيجارتها، وتصادق فنجان قهوتها، وتقوم بنشر قصص تمردها على الحياة والمجتمع المغلق، عبر فتحة صغيرة محفورة في جدران موقعها الإلكتروني، التي تُعد متنفس صغير من السجن الكبير الذي يحاصر أفكارها المتمردة وأحلامها الثائرة.

***

أصبحت فنانة مشهورة، وتألقت عبر أكبر شاشات السينما العربية، فانجذب إليها كبار رجال الأعمال، وأشهر الأثرياء، وأهدوها أثمن المجوهرات، حتى وقعت في فخ الأجهزة الأمنية الفاسدة ببلادها، الذين فرضوا عليها أن تمثل دور العاشقة مع نجوم السياسة والإعلام، وعندما انتهت صلاحيتها الجمالية، أصابها المرض، وذهب سُلطانها ثم نشرت الصحف خبر انتحارها الغامض.

***

ذهبت لأداء العمرة، لكي تدعو ربها بأن يوفقها في حياتها العملية، ويحمي أبنائها وزوجها من شر حاسد إذا حسد، وعندما عادت إلي بيتها، أسرعت لكي تتفقد بلهفة شديدة بريدها الإلكتروني، وتتابع بنهم كبير الرسائل التي وصلت إليها من مديرها، فقطعت إجازتها وتركت أبنائها، لكي تُثبت نفسها بالعمل أنها موظفة مثالية وذات كفاءة وتستحق الترقية، أصبح الوقت متأخرا، وهي مازالت تعمل بالمكتب وأطفالها ينتظرونها بالبيت، وكانت في كل مرة تتأخر بها عن العودة للمنزل تحاول تُقنع زوجها المخلص أنها مجبرة على الدوام الطويل، من أجل إرضاء مدراء العمل، وتمديد عقد عملها، وبعد أن انتهت فترة المشروع التي تعمل عليه، أرسل لها صاحب العمل رسالة شكر وإنهاء للخدمة، فعادت إلي منزلها لكي تبدأ من جديد، وتبحث عن عمل جديد، لعلها تسترجع مرةً أخرى مجدها المهني.

كانت جميلة ورقيقه مثل النسمة، وابتسم لها الحظ، وتزوجت من رجل مهم، ثم أنجبت الأطفال، وتفوقت بعملها، وحصلت على وظيفة دولية مرموقة، وبمرتب مرتفع، وتهافت أصحاب المصالح للتقرب منها، من أجل نيل مصلحة أو منفعة ما، فاغترت بنفسها، وتجاهلت غيرها من النساء العاديات المحدودات الدخل، وعندما بلغت عمر الستين عاماً، تقاعدت عن عملها، وأصبحت مجرد امرأة عادية، تقضي وقتها بمشاهدة مسلسلات التلفزيون الرمضانية، ولم يرن هاتفها المحمول إلا مرة واحدة بالشهر، فوجدت نفسها معزولة عن عملها الاجتماعي، ولم تجد حولها سوى ذكريات، وروايات ترويها للأحفاد حول إنجازاتها المهنية السابقة، وعن غدر وخداع أصدقاء المصلحة، الذين تخلوا عنها فور انتهاء صلاحية منصبها.

تلك نماذج واقعية لنساء نصادفهن غالبا بحياتنا اليومية، نعتقد أنهن ناجحات ومتميزات وأنهن يتمتعن بحياة أفضل منا ويتمتعن بحظوظ أكثر منا، لكن ليس كل ما يلمع ذهبا! فالنجاح لا يقاس بمدى الشهرة أو حجم الثروة أو التفوق المهني والأكاديمي، النجاح هو مدى قدرة الشخص في المساهمة بخدمة مجتمعه، ونهضة وطنه، بدون انتظار مقابل مادي أو معنوي من أجل الشعور بالرضا عن النفس وتحقيق الذات، والمشاركة في خدمة الإنسانية جمعاء ليشعر بطعم السعادة الحقيقية، التي يمكن أن تتحقق عندما يجد نفسه قادر على التأثير، وأحداث تغيير إيجابي، ليس فقط بمحيط مجتمعه الصغير بل على مستوى المساهمة في تطوير البشرية كلها لصالح الخير والسلام .لذا علينا أن لا ننخدع بالكلمات المتألقة ولا المظاهر الزائفة، فالناس مصالح، والمناصب زائلة، والعبرة في النهايات.

Advertisements

المرأة الفلسطينية والانتخابات البلدية: مشاركة رمزية و تحديات مجتمعية

تم نشر المقال في مجلة سياسات العدد 38

منذ أن أعلنت لجنة الانتخابات المركزية  بتاريخ 16/8/2016  عن فتح باب الترشح للانتخابات المحلية  2016  في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة  ، طبقا لقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005 وتعديلاته، دبت روح  الأمل  و التفاؤل في نفوس  معظم   المواطنين  الفلسطينيين ،  بأن يكون هذا الإعلان الرسمي بادرة خير على الشعب الفلسطيني و خطوة ايجابية اتجاه إنهاء الانقسام الفلسطيني.

و على الرغم من الشعور بالتفاؤل  الحذر عند المواطنين الفلسطينيين ، إلا و انه كان هناك شعور كبير بالقلق و الشك من قبل بعض الناشطين  السياسيين و الفاعلين بالمجتمع المحلي حيال  مدى إمكانية نجاح تلك التجربة الانتخابية  البلدية التي تم تأجيلها بالسابق و لعدة مرات بسبب الانقسام الفلسطيني و الصراع  السياسي  بين الأحزاب  الفلسطينية و وعدم وجود اتفاق نهائي من قبل الفصائل الفلسطينية لإجراء أي نوع من الانتخابات  بموعدها الطبيعي.

لكن تلك المشاعر المتذبذبة بين التفاؤل و التشاؤم ، لم تثبط من همة  عدد كبير من  المواطنين الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة الذين لم يترددوا بتحديث بياناتهم  في سجلات لجنة الانتخابات المركزية،  أو أن يقوم بعضهم بترشيح نفسه،  وفق قوائم انتخابية حسب ما  نص عليه قانون الانتخابات  الهيئات المحلية لعام 2005.

إن تلك الانتخابات البلدية التي كانت من المخطط لها أن تتم  بتاريخ 8 /10/2016،  تم اعتبارها   بمثابة فرصة كبيرة  لبعض النساء الفلسطينيات  لكي يشاركن ضمن  القوائم الانتخابية للمجالس المحلية ، وذلك حسب ما نصت عليه المادة رقم ( 17) من قانون رقم 10 لعام 2005،  الذي شدد على أنه يجب أن لا يقل تمثيل المرأة في المجالس المحلية عن نسبة (20 %) من العدد الكلي لأعضاء المجلس المحلي.

لذا انضمت بعض النساء للقوائم الانتخابية  تطبيقا لقانون انتخابات الهيئات المحلية و من أجل تحقيق  أيضاً ، عدة أهداف معينة  تتنوع وتعتمد حسب مكانة النساء الأعضاء بتلك القوائم  وحسب الدوافع السياسية و الاجتماعية و القانونية التي شجعت المرأة الفلسطينية التي تعيش في كل من القرية أو المدينة  لتسجيل اسمها كمرشحة ضمن نظام القوائم لكي تمثل أفراد مجتمعها المحلي في المجالس المحلية.

و تتعدد تلك الأسباب التي دفعت المرأة الفلسطينية للموافقة على الانضمام لقوائم انتخابات الهيئات المحلية، حسب الطبيعة والخلفية السياسية و الثقافية و الدينية و الاجتماعية للمرأة المرشحة. لذا  أرى هنا أن من أهم تلك  الأسباب  التي جعلت المرأة الفلسطينية ترشح نفسها في قوائم الانتخابات البلدية لعام 2016 هي ما يلي:

أولاً) أسباب حزبية و سياسية

أقصد هنا بالأسباب الحزبية و السياسية ، أن من دفع المرأة للمشاركة بالانتخابات البلدية هو حزب سياسي معين اتخذ قرار سياسي لضم ضمن قوائمه الانتخابية  عضوات  منتسبات رسمياً للحزب أو  أخريات ذات علاقة جيدة  بالحزب  ولكنهن مستقلات  أو قريبات لشخصيات قيادية بالحزب. و أعتقد هنا أن مشاركة النساء في قوائم الانتخابات البلدية،  كانت بمثابة تلبية للشروط القانونية  و مجرد مشاركة رمزية  و تجميلية  حتى لا يتم اتهام الحزب من قبل الحركات النسوية،  بأنه لا يعترف بحقوق المرأة و أنه  لا يأخذ بعين الاعتبار قضايا الجندر.

لذلك من يطلع على القوائم الانتخابية المدعومة من قبل الأحزاب الرئيسية الفاعلة بفلسطين ، سيلاحظ  أن عدد النساء في  القوائم الانتخابية  لا يتجاوز اثنتين و أن معظم المقاعد الانتخابية يحتلها الرجال،  حتى أنه  من  من ناحية ترتيب أسماء الأعضاء بالقائمة الواحدة ، نجد  أن المرأة لا  تترأس  أي قائمة انتخابية  بل كان يذكر اسم المرشحة الثانية  في نهاية القائمة.

ثانيا) أسباب عشائرية وعائلية

ومن الأسباب الأخرى لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، هو رغبة العائلات الفلسطينية الكبرى و العشائر الفلسطينية بأن يشارك أعضائها  بشكل كبير وقوي في المجالس المحلية ، فقد  شهدت عملية تشكيل القوائم الانتخابية البلدية  في القرى والبلدات الفلسطينية في محافظات الضفة الغربية صراعاً بين العائلات والعشائر في السباق نحو انتخابات مقاعد المجالس البلدية ، و تغلبت العصبية العشائرية على الانتماء الحزبي للفصائل الفلسطينية.

و من أجل ضمان قانونية القوائم الانتخابية التي شكلتها العشائر الفلسطينية تم إدراج أسماء بعض نساء العشيرة في القوائم الانتخابية البلدية كمتطلب قانوني و ليس من منطلق الإيمان بحقوق المرأة بالمشاركة السياسية و المجتمعية.

وعند الاطلاع على القوائم الانتخابية للعشائر الفلسطينية بالضفة الغربية،  تم  ملاحظة أنه  تم  اختيار النساء المرشحات حسب مكانة الرجل بالعشيرة ، فقد تم دعوة زوجات و أخوات و بنات رجال العشيرة اللذين يتمتعون بمناصب قيادية بالعشيرة  للانضمام للقوائم الانتخابية ، بغض النظر عن المستوى التعليمي و الثقافي  لهؤلاء النساء،   وبغض النظر عن مدى وعي هؤلاء النساء بحقوقهن السياسية،   حيث تم تهميش عدد كبير من هؤلاء النساء المرشحات  من قبل رجال العشيرة،  بالرغم من مشاركتهن بشكل رسمي في القوائم الانتخابية،   ذلك التهميش صريح وعلني،  حيث لم يتم الإعلان عن أسماء بعض مرشحات العشائر  بشكل كامل ضمن القوائم  الانتخابية العشائرية، و تم الاكتفاء بوضع كنية أو لقب عائلي  بدلا من الاسم الرباعي للمرأة،  فعلى سبيل المثال  تم استبدال اسم المرأة الرسمي   ب “زوجة فلان”  أو “أخت فلان”  و قد وصلت الأمور أيضا بأن لا يتم كتابة أي كنية بل الاكتفاء فقط بذكر كلمة “أخت”  أو وضع رسم  “زهرة”  كإشارة  أن المشاركة بالانتخابات هي امرأة،  مما أثار انتقادات لاذعة من قبل عدد كبير من المؤسسات النسوية و الناشطين  في  الإعلام الاجتماعي،  الذين تداولوا الموضوع عبر صفحاتهم  الاجتماعية الالكترونية،   بشكل من الاستهجان الكبير و السخرية من العادات البالية و العقلية الذكورية المتطرفة التي تعتبر ذكر  اسم المرأة  هو نوع من العيب  و الاهانه.  مما  جعل ذلك بأن تصدر لجنة الانتخابات المركزية تصريحا إعلاميا  بأن هؤلاء المرشحات الخجولات قد سجلن أسمائهن الرباعية بشكل قانوني في سجلات المرشحين الرسميين ودون استخدام أي رموز.

ثالثاً) أسباب جندرية و حقوقية

و بالإضافة إلي  الأسباب السياسية و العشائرية التي أدت إلي ترشيح النساء الفلسطينيات أنفسهن في الانتخابات البلدية ضمن نظام القوائم ، كان هناك دوافع أخرى شجعت المرأة الفلسطينية بترشيح نفسها  وهي دوافع تتعلق بحقوق المرأة و الجندر.

فقد  شجعت بعض المؤسسات النسوية مجموعات مستقلة من النساء لتشكيل قائمة نسائية شبابية تمثل المرأة في الانتخابات البلدية ، وذلك لكي يتم لفت نظر المجتمع الفلسطيني على أهمية المشاركة السياسية و المجتمعية للمرأة الفلسطينية و لكي يتم الترويج لأهمية اعتبار الجندر و حقوق المرأة في قضايا الشأن العام. حيث تعتقد ناشطات  الحركة النسوية أن نسبة المقاعد المخصصة للنساء والواردة في قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005  والمعدّل بالقرار بقانون رقم (12)  غير كافية ويجب أن يتم زيادة الكوتا النسائية من 20% إلي 30 % على الأقل ، فقد  جاء في القانون أن المجلس الذي لا يقل عدد مقاعده عن 13 عضواً يجب أن تتمثل النساء فيه بمقعدين على الأقل.

لذا بناءً  على تلك المحاولات النسائية  لدعم زيادة الكوتا النسائية في الانتخابات و رغبة شديدة من الناشطات النسويات  على التأثير على صناع القرار في المجتمع الفلسطيني ، تشكلت  لأول مرة في تاريخ الانتخابات البلدية الفلسطينية قائمة انتخابية نسائية طرحتها  عدد من الناشطات الفلسطينيات في شؤون المرأة ، وذلك لمنافسة ست قوائم (حزبية وعشائرية ومستقلة) على الفوز بالانتخابات المحلية لمجلس بلدي دورا قضاء مدينة الخليل.

و ظهرت تلك القائمة النسائية تحت اسم “عطاء بلا حدود”، وضمت أسماء تسع نساء، تُنافسن على الفوز بالانتخابات المحلية في مجلس بلدي دورا، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى الأراضي الفلسطينية. وذلك في محاولة  من هؤلاء النساء  المشاركة بفاعلية، وسعيًا منهن نحو إيجاد مكان حقيقي للمرأة، وعدم الاكتفاء بما أقره القانون الفلسطيني حول الكوتا المخصصة للنساء في الانتخابات المحلية.

رابعاً) أسباب مهنية

و من جهة أخرى ، أعتقد أن من الأسباب الأخرى التي دفعت بعض النساء الفلسطينيات للمشاركة في القوائم الانتخابية البلدية هو  الرغبة منهن بتعزيز مواقعهن المهنية ، حيث تم ملاحظة أنه كان  هناك مشاركة كبيرة من بعض النساء الأكاديميات اللواتي يعملن في الجامعات الفلسطينية  أو اللواتي يعملن في مجال العمل المحلي المجتمعي المتعلق بالبيئة و المياه ، فقد تم جذب هؤلاء النساء المهنيات للانضمام لبعض القوائم الانتخابية المستقلة التي شكلها  أشخاص أكاديميون  بقطاع غزة ، و ذلك كنوع من تشجيع النساء المهنيات الأخريات للتصويت لصالح مرشحات القوائم المستقلة  و في نفس الوقت تشجيع أفراد المجتمع الفلسطيني لانتخاب قوائم مستقلة ومهنية قد تقدم حلول عملية ومهنية لمشاكل المجتمع المحلي بناء على الخبرة العلمية و المهنية لأعضاء القائمة الذين يتمتعون بثقة كبيرة من قبل المجتمع المحلي.

خامساً) أسباب شخصية

ولابد من الإشارة  أن من بعض الأسباب التي أدت إلي مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات  البلدية هي أسباب شخصية تتعلق بالمرأة نفسها،  التي تريد أن تؤكد ذاتها و تحقق طموحها الشخصي للوصول إلي مناصب رفيعة بالمجتمع و ترغب  بالمشاركة الفعالة في عملية صنع القرار الفلسطيني و رفع صوتها النسوي  ضمن  مجتمع ذكوري يحبذ مشاركة الرجال في الشأن العام أكثر من النساء.

لذا أعتقد أن من أهم الأسباب الشخصية لمشاركة المرأة في الانتخابات البلدية هو محاولة شخصية من المرأة الفلسطينية لتحدي العادات و التقاليد و إثبات الذات و أيضاً الثقة العالية بالنفس  حول  القدرة على التغيير المجتمعي و تقديم حلول اجتماعية بشكل متساوي مع الرجال.

وبعد تناول الأسباب الرئيسية  المؤدية لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، لابد من القول أن تلك المحاولات النسائية للمشاركة في  هذه الانتخابات أبرزت بشكل واضح الكم الكبير من التحديات المجتمعية التي تواجها المرأة الفلسطينية عادة عند إقدامها للمشاركة في قضايا الشأن العام  و بالأخص  في مجال  الانتخابات الفلسطينية سواء كانت انتخابات بلدية أو تشريعية أو حتى رئاسية.

حيث مازال المجتمع الفلسطيني غير مقتنع بشكل كامل بأهمية المشاركة النسائية في الانتخابات و مازال هناك عدم ثقة بقدرة المرأة الفلسطينية على إحداث تغيير سياسيي أو اجتماعي  أو المساهمة في عملية إصلاح المجتمع و تقديم حلول مستدامة  للمشاكل اليومية التي يعاني منها المجتمع المحلي مثل مشاكل الكهرباء و المياه و السكن و غيرها من المشاكل الأخرى التي يعاني منها المجتمع المحلي الفلسطيني بشكل يومي.

وتعتبر عدم ثقة و اقتناع أفراد المجتمع الفلسطيني بدور المرأة الفلسطينية في تقديم الحلول وصنع القرارات  من أهم التحديات التي تواجها النساء الفلسطينيات خاصة في المجتمعات المغلقة التي تحكمها قوانين و أعراف  قبلية وعشائرية،  حيث تعتبر تلك المجتمعات المغلقة  أن الدور الرئيسي للمرأة يجب أن يكون فقط في نطاق العائلة و في خدمة الزوج وتربية الأطفال،  و إذا ما أرادت تلك النساء المشاركة في الانتخابات وقضايا الشأن العام ،  فأنهن يجب أن يشاركن بناء على موافقة الرجل و تلبية للمصلحة الكبرى للعائلة أو العشيرة ، لذا عندما تم ترشيح بعض النساء في القوائم الانتخابية للعشائر تم ذلك بناء على أوامر من شيخ العشيرة الذي أراد أن تشارك نساء العشيرة في القائمة فقط كإجراء قانوني و روتيني من أجل ضمان تسجيل قائمته الانتخابية  في سجلات اللجنة الانتخابية المركزية التي تشترط وجود الكوتا النسائية في كل قائمة انتخابية حسب قانون الانتخابات الفلسطيني.

ومن الجدير بالذكر أيضا ، أن من بعض التحديات المجتمعية لمشاركة النساء في الانتخابات البلدية هو أنه كان  هناك اهتمام كبير من قبل معظم مشكلي القوائم الانتخابية،  بضم  نساء ينتسبن لعائلات كبيرة تتمتع  بنفوذ قوي  في المجتمع المحلي و لم يكن هناك اهتمام باختيار النساء حسب دورهن الفعال  بالمجتمع المحلي ، مما أدى إلي تنافس بعض الأحزاب السياسية لجذب نساء ينتسبن لعائلات ذات مكانة كبيرة في المجتمع أو متزوجات من رجال  قياديين  فتم  تهميش مشاركة النساء اللواتي ينتمين إلي طبقات المجتمع المتوسطة وأثار ذلك  النزعة القبلية و المصلحة السياسية عند المجتمع الفلسطيني و أبرز أيضاً   مدى سوء  توظيف دور المرأة الفلسطينية في تلك الانتخابات ومدى تهميش طبقات أخرى من المجتمع الفلسطيني.

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة الفلسطينية في عملية الإعداد  للانتخابات  البلدية من أجل المطالبة بتعزيز دورها في المشاركة بشكل فعال و ايجابي في  المجتمع ،  إلا و أنه لا يمكننا أن نتجاهل الحالة السياسية الفلسطينية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في ظل ظروف الانقسام الفلسطيني،  فبعد أن انتعش الأمل في قلوب الفلسطينيين حول  إمكانية انعقاد تلك الانتخابات البلدية في موعدها و بشكل متوازي بالضفة الغربية و قطاع غزة ، تغلبت المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية،  فقد  تم التشكيك في نزاهة تلك الانتخابات ، قبل البدء حتى بتنفيذها و توالت  الطعون الانتخابية من قبل الأحزاب المتنافسة ضد عدد كبير من القوائم الانتخابية،  و تم تبادل التهديدات ضد أعضاء بعض  القوائم الانتخابية،  الأمر الذي أثار حالة من القلق و عدم التيقن من إمكانية نجاح تلك الانتخابات ، و شيوع حالة من الشك و الريبة و  الانطباعات السلبية  بأن هناك  مخالفات قانونية كثيرة  فيما يخص عملية تسجيل و تشكيل القوائم الانتخابية.

ونتيجة لتلك الأجواء المتوترة التي سادت عملية الإعداد للانتخابات البلدية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ،   أصدرت  محكمة العدل العليا بتاريخ 8/ 9/2016 ، قرار بـتأجيل الانتخابات البلدية حتى إشعارا أخر.

مما  جعل  ذلك التأجيل إلي شعور النساء  باليأس و الإحباط و عدم التقدير للجهود المبذولة في عملية التسجيل بالانتخابات البلدية , و أدى ذلك أيضاً إلي  الشعور بعدم الثقة من قبل أفراد المجتمع الفلسطيني  بالقيادات السياسية  بخصوص  القدرة  على  إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني و إجراء انتخابات بلدية نزيهة، قد تفرز عن قادة محليين يقدمون حلول فعالة لمشاكل المجتمع المحلي.

و أخيرا  يمكننا القول،  أن مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية حتى لو كانت مشاركة رمزية  إلا و أنها تعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تفعيل دور المرأة الفلسطينية في عملية صنع القرارات و إشراكها في المناصب القيادية بالمجتمع، فبمجرد ورود أسماء نسائية بشكل علني في بعض القوائم الانتخابية،  يعتبر هذا مؤشر على اندماج المرأة الفلسطينية في عمل المجتمع المحلي و يدل على توافق مجتمعي كبير حول ضرورة إشراك النساء في كل الانتخابات ، بغض النظر عن الأسباب و الدوافع التي أدت إلي ترشيح النساء أنفسهن ضمن قوائم انتخابية متنوعة  ، فالمرأة الفلسطينية مازالت حاضرة في المشهد السياسي و الاجتماعي ومازالت تتحلى بروح الصبر و المثابرة من أجل أن تفرض نفسها في مجتمع يتقلد به الرجال معظم المناصب العليا.

لذا فإن كانت مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية  غير مكتملة  بسبب تأجيل تلك الانتخابات حتى إشعار أخر،  لكن لا يوجد شك بأن  تلك المشاركة الغير مكتملة قد مهدت الطريق لناشطات نسويات من أجل الترويج لقضايا حقوق المرأة و المطالبة بدعم و زيادة نسبة الكوتا النسائية و العمل على تمكين النساء الفلسطينيات في عملية المشاركة بصنع القرارات الوطنية سواء على مستوى الوطن أو المدينة أو القرية، فمشاركة المرأة مطلوبة في كافة المجالات و في جميع المناطق الجغرافية.

 

 

الملكة رانيا:المرأه الإنسانية ذات الأفاق الدولية

في ظل ثورات الربيع العربي، قد تسقط الأقلام التي تُبجل الحكام و تنافق الملوك ، وقد ينزوي كبار المنافقون ويتنكرون لرؤسائهم بعد زوال عروشهم ، و قد ينخرط المندسون مع الثوار في مظاهراتهم ويهللون معهم للحكام الجدد، ويرحبون بفترة سياسية جديدة ترسم معالم شرق أوسط جديد، فترة قد تسقط بها الأقنعة الزائفة وتنكشف خلالها الوجوه الحقيقية لأصحاب المصالح و للساعين وراء المناصب ، لأنه بكل بساطه ، الشعوب قد انتفضت وقالت كلمتها في وجه الطغيان والظلم ، فما عاد بيت شعر يمدح زعيم ينفع شاعره ، وماعادت أغنية شعبية تروج لقائد سياسي ترفع من مكانة مغنيها.

فنحن الاَن كعرب نعيش في خضم ثورة الديمقراطية الجديدة العشوائية ، التي مازالت بعض الشعوب العربية تحاول أن تتعلم أبجدياتها اللغوية،حيث مازال البعض يسيئ استخدام تلك الديمقراطية ويعتبرها حرية مطلقة بدون معايير أو ضوابط تنظمها، مما انعكس ذلك سلبيا على الأمن القومي لبعض البلدان العربية،فسادت في تلك البلاد مظاهر الفلتان الأمني و فوضى الحكم.

وبالرغم من تهاوي بعض القصور وسقوط بعض العروش في بعض الدول العربية، مازالت حكايات القصور وحياة الملوك تجذب الكثير من قراء الروايات و القصص الخيالية، فقد تربت معظم الشابات العربيات منذ نعومة أظافرهن على قصة السندريلا التي خطفت قلب الأمير و قصة بيضاء الثلج التي انتصرت على زوجة أبيها الشريرة، ففي قصص الملوك و الملكات و الأمراء و الأميرات، بعض من العبر والكثير من الخيال الرومانسي، فلا توجد فتاة عربية، لم تتمنى يوما ما، أن تكون قد وُلدت أميرة أو تزوجت بملك وأصبحت ملكة.

لذا اخترت أن تكون بطلة وشخصية هذا المقال،الملكة رانيا العبدالله، السيدة الأولى في الأردن والتي تربعت بكل كفاءة على عرش المملكة الهاشمية الأردنية، منذ عام 1999.

وفي هذا المقال، اخترت بأن لا أتحدث عن الملكة رانيا، بصفتها ملكة رسمية للأردن فقط ، لأنه ليس من طبعي مدح الملكات والملوك وأصحاب النفوذ، لكنني سأتحدث هنا عن الملكة كأم وزوجة وفوق كل شئ سأتحدث عنها، كإنسانة وناشطة دولية في مجال حقوق المرأه والطفل.

فقد نجحت بالفعل،الملكة رانيا للوصول لأرفع المراتب العربية والدولية بجانب لقبها الملكي، ونالت احترام أبنائها الأمراء و الأميرات وأنشأتهم بناءً على أساليب التربية الحديثة المعاصرة ، ليس بسبب سلطتها كملكة، بل بسبب حكمتها في الحياة و ذكائها كإنسانه مثقفة.

فكم من أميرة وملكة بالتاريخ كان جل همهن اليومي هو متابعة أحدث صيحات الأزياء العالمية،وكانت أعظم خطة لديهن، هو كيف يقضين معظم أوقات فراغهن بالمنتجعات السياحية العالمية،دون الاكتراث لهموم الفقراء والمهمشين بالعالم.

وكم من أميرة وملكة بالتاريخ، عشن في برج عاجي ولم تندمجن مع عامة الشعب و ارتدين فقط الأزياء العالمية الفاخرة .

لكن ما تفعله الملكة رانيا هو مختلف عن ما تفعله الملكات التقليديات المذكورات في الأمثلة السابقة، فهي ترتدي أحيانا مثل فتيات الطبقة المتوسطة، القميص القطني البسيط مع بنطال من الجينز الأزرق ، وتفتخر بثيابها البسيطة عبر مواقع الإعلام الاجتماعي، بدلا من أن تتباهى بتتويج رأسها بالتاج الملكي و تزيين عنقها بعقد ماسي.

فقد اكتفت الإنسانه رانيا بنشر صورعادية وبسيطه لها، مثلها مثل أي إمرأه عربية عادية، تتأمل جمال الطبيعه و تفكر بكيفية إسعاد عائلتها الصغيرة وخدمة وطنها الكبير.

إنه من الصعب جدا،تجاهل النشاط الاجتماعي والخيري للملكة رانيا، وعدم ملاحظة صدق إيمانها بالعمل الإنساني و إنكار مدى ثقافتها المعمقة في القوانين الدولية الإنسانية.

فالملكة لم تشغلها المظاهر الكذابة و حياة القصور الفخمه ، بل بدأت تخطط منذ تتويجها كملكة لمستقبل إنساني ودولي لها ولعائلتها الملكية ، بحيث بدأت تُروج للصورة الإيجابية للمرأه العربية في المحافل الدولية ، مكرسةً معظم جهودها للعمل الإنساني والإجتماعي على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.

لقد اندهش الغرب بالسابق،ومازال ينبهر بحياة الأميرات الغربيات، أمثال الأميرة ديانا وأميرة موناكو ودوقة كامبردج،وذلك ربما بسبب مشاركة بعضهن بالأعمال الإنسانية مع بعض المنظمات الدولية، مثل منظمة الصليب الأحمر الدولية ، لكنه في نفس الوقت لم تعر الصحافة الدولية أهمية كبيرة لمتابعة العمل الإنساني الدولي للنساء القياديات العربيات ، حيث دائما ما يركز الإعلام الغربي على صورة المرأه العربية الضعيفة والمهمشة أو المرأه العربية الثرية التي تعيش حياة مترفة في القصور العربية.

لكن الملكة رانيا، بنشاطها الإنساني العربي والدولي، كسرت قاعدة نساء القصور، واقتحمت بأعمالها الإنسانية المحافل الدولية بكل ثقة وبكل صدق وإيمان حقيقي عبر رسالتها الإنسانية التي تتمثل بدعم الفئات المهمشة ليس بالعالم العربي فقط بل على مستوى دول العالم الأخرى مثل جنوب إفريقيا التي زارتها من أجل دعم حركة تعليم الفتيات فيها.

لم ترتدي الملكة رانيا فقط الفستان الأنيق الفاخر الذي يصممه أكبر مصممي الأزياء العالميين ، بل بجانب أناقتها الرفيعة المستوى،اعتزت الملكة رانيا بإرتدائها لملابس عملية بسيطه، لكي تندمج بسهولة مع موظفي منظمات الإغاثة الدولية ، أثناء زياراتها لمخيمات اللاجئين السوريين في جزيرة لسبوس باليونان، ولكي أيضاً تُشعر الملكة اللاجئين السوريين بدعمها لهم و ترسل لهم رسالة مفادها بأن سبب وجودها معهم هو من أجل مساعدتهم وليس من أجل التكرم عليهم بزيارة ملكية تاريخية.

وربما لم يلحظ بعض نجوم الصحافة و الإعلام العربي و الغربي ، فصاحة خطاب الملكة رانيا وهي تلقي خطاب انساني بالدرجة الاولى، بكلا اللغتين العربية والانجليزية، مستخدمة كلمات متزنه و لبقة،تتوافق مع المصطلحات الدولية لحقوق الانسان وحقوق المرأه ، مما يدل على المستوى التعليمي الرفيع للملكة وخبرتها الكبيرة في مجال الإتفاقيات الدولية.

لم تلحظ ربما بعض وسائل الإعلام، رقة و أنوثة الملكة رانية، وهي ترافق زوجها الملك أثناء رحلاته الدولية بشكل إيجابي، ممثلة بذلك الزوجة العربية المخلصة التي تدعم زوجها بكل رقي و محبة.

لم يلحظ أيضا ربما البعض ،كيف تتابع الملكة متطلبات العصر الحديث عبر استخدامها لوسائل الإعلام الجديد من أجل مشاركة عامة الشعب بكافة مناسباتها الشخصية والعائلية مثل احتفالها بعيد ميلاد أصغر أبنائها، و إظهارها لسعادتها لتخرج أكبر أبنائها من الجامعة، و تعبيرها عن حبها لزوجها الملك في عيد الحب، واعتزازها كأم حنونه بابنتها الأميره وهي ترافقها أثناء زياراتها للمؤسسات الخيرية.

إن معظم ما تروجه وسائل الإعلام عن الملكات في العالم هو بالأغلب المظاهر الزائفة التي تتمثل بالأزياء و المجوهرات وحجم الثروات ، و لا يروجون لإنسانية النساء الملكيات بالعالم ، مما يؤدي إلي توسيع الفجوة بين سكان القصور وسكان البيوت العادية.

لكن في ظل العولمه و في ظل الديمقراطية الحديثة التي بدأت تجتاح الدول العربية ، الحكام الأذكياء هم من يستجبيون و يتأقلمون مع متطلبات العصر وهم من يبادرون أولاً و يتقربون للشعب بدلاً من أن يتقرب الشعب إليهم.

والمملكة الأردنية الهاشمية تعتبر أكبر نموذج عربي للمملكة الحديثة والقريبة من الشعب و التي بقيادة ملكها وملكتها، تحاول أن تُلبي روح العصر و تستجيب لمبادئ الديمقراطية القانونية و الغير عشوائية التي لا تخل بأمن و إستقرار البلاد في ظل إشتعال الأوضاع الأمنية بالشرق الأوسط.

إن الأنشطة المحلية والدولية للملكة رانيا، لا تدل فقط على إنسانية الملكة رانيا، بل تدل على ذكائها الشديد وتخطيطها الجيد لمستقبلها المهني و ليس فقط الملكي،حيث لا أستبعد أن تتولى الملكة رانيا في المستقبل منصب كبير في الأمم المتحدة ، مثل أن تكون رئيسة لمنظمة أممية رفيعة المستوى كاليونيسكو وذلك بسبب تشجيعها المستمر للتعليم في كل مكان، أو أن تتولى حتى منصب الأمين العام للأمم المتحدة في يوم ما.

و أخيرا، أستطيع القول أن الملكة رانيا هي إمرأه إنسانية ذات أفاق دولية، وزوجة حكيمة تعرف جيداً معنى المسئولية الاجتماعية، وأم واعية تعلم أن ما يُخلد ذكرى الملوك و الملكات بالتاريخ هو عملهم الإنساني وخدمتهم لشعبهم، و ليس مجرد قصورهم الفاخرة وثرواتهم الطائلة.

السندريلا العربية

فتاة حالمة

تعمل في النهار بمحل تجاري متواضع ، تكاد تحصل منه يوميا على قوت يومها و مبلغ بسيط تستطيع به شراء الخبز لعائلتها الصغيرة و دفع ثمن دفتر وقلم لأخيها الصغير ليكتب واجبه المدرسي.

تغلق المحل في موعد متأخر بعد أن تهرب من النظرات الخبيثة لصاحب المقهى المجاور للمحل، وتسير في الشارع مخفضة رأسها،  تحاول أن تخبئ وجها من  نظرات شباب الحي الذين يفتروسنها بعيونهم الوقحة.

ثم تمر فجأة أمامها سيارة فخمة يعرض عليها صاحبها بأن يقوم بإيصالها إلي أقرب مكان لبيتها أو ربما تذهب معه لكي تتناول فنجان قهوة في إحدى المقاهي المطلة على النهر، كمشهد سينمائي اعتدنا على رؤيته في أفلام السينما المصرية.

فتوافق و يبدأ معها بالكلام المعسول حول مدى إعجابه بأخلاقها و برغبته بالارتباط بها، فتسرح وتهيم في عالم الخيال ، لعلها في يوم ما تصبح حرم فلان و تسكن الشقق الفاخرة و تنقذ أهلها من الفقر المدقع .

لكنها  تستيقظ من حلمها بعد أن تسمع صاحب السيارة، يهاتف زوجته بصوت خافت ليطمأنها بأنه في اجتماع هام مع أحد رجال الأعمال، فتكتشف تلك الشابه الفقيرة أنها مجرد تسلية صغيرة في حياة الثري الأربعيني.

ثورة فتاة

تقضي النهار في أعمال البيت الشاقة من غسيل للأطباق و تنظيف للأرضية  خوفاً من غضب أمها عليها ، ثم تذهب مسرعة لتعد طعام الفطور لإخوتها الذكور قبل أن يشتعل غضبهم  بسبب شعورهم بالجوع.

فيأتي موعد محاضرتها في الجامعة و تتزين و ترتدي أبهى ثياب عندها ، مع  أجمل غطاء رأس لديها ، لأنها سوف تذهب إلي المستقبل، حيث في العام القادم سوف تتخرج من قسم اللغة الانجليزية التي تتحدثها بطلاقة و سوف تصبح ربما ناشطة شبابية أو سياسية،  تتحدث حول الثورة و انتهاكات الاستعمار و تتعرف على متضامنين أجانب  تراسلهم عبر الانترنت.

فيقوم هؤلاء الأجانب بدعوتها للانضمام إلي حركتهم الدولية المجهولة التمويل ، وبعد أن تحصل على منحه دراسية ، تسافر إليهم و تقاطع معهم و تثور مثلهم و هي لا تعلم عنهم أي شيء  سوى أنهم وعودها بأنها في يوم ما،  سوف يكون لها شأن كبير و ستعود إلي وطنها إما قائدة عظيمة أو مناضلة في مجال حقوق المرأه .

ولكنها في النهاية ترجع إلي الوطن مع ذكريات كاذبة و فرص ضائعة.

فتاة طموحة

تتخرج من كلية الإعلام، و ترتدي الجينز الأزرق وقميص قطني ذو ماركة عالمية، تضع قبعة رياضية فوق رأسها، وتدخن سيجارتها ، ثائرة حول بطالة الشباب في بلادها  و ضيق سبل العيش و الرغبة بالهجرة إلي ما وراء البحار، لعلها تجد فرصتها في الخارج و تصبح صحافية دولية حاصلة على جواز أجنبي، يمكنها من اكتشاف كافة أنحاء  العالم.

فتسافر وتهاجر و تلتقي بالمعارضين و الخصوم و الإخوة الأعداء، وتعمل في فضائية شهيرة تروج لسياسة المعايير المزدوجة بتأييد استخدام العنف تارة و بالمطالبة بحماية حقوق الإنسان تارة أخرى ، فتصبح تلك الإعلامية مجرد آلة يدير مفاتيحها راتبها الشهري، الذي يكفل لها حياة مرفهة في الفنادق و المنتجعات الفارهة.

حلم الشهرة

تُغني في الأفراح و الليالي الملاح بصوت غجري رخيم ، تتراقص على أنغام الموسيقى العربية ، و يصفق لها الجماهير بحماس، و يتنبأ لها الإعلاميون بمستقبل فني باهر.

ثم تشارك في برنامج مواهب عربي شهير و يصوت لها الجماهير لكي تفوز وتحصل على المرتبة الأولى ، وتصبح بين ليلة وضحاها نجمة شهيرة.

فيعجب بها رجل أعمال شهير ويعدها بأن يدعمها و يمول فنها ،في حال قبلت أن تغني في إحدى مطاعمه الفخمة ، تفرح وتغني و تتأمل أن تصبح في يوم ما ، زوجة الرجل الثري ذو المركز الاجتماعي المرموق ، وهي لا تعلم أنها مجرد سلعة تجارية عند ذلك الرجل تُدر عليه الأرباح و تروج لأعماله الغير شرعية ، بدون أن تشعر بالاستغلال  أو تدرك خطر تورطها في أعماله الغير قانونية.

 

تلك هي مجرد صور لفتيات عربيات  اعتقدن أنهن السندريلا التي عانت من قسوة زوجة أبيها و التي شعرت بالقهر و الحرمان حتى أنقذتها الجنية الطيبة و جعلتها تلتقي  بالأمير الفارس المغوار الذي تزوجها وجعلها أميرة  و أنقذها من الفقر فأصبحت ملكة القصر.

إن السندريلا العربية ليست بالضرورة أن تحقق حلمها عن طريق زواجها بالأمير لكنها بسذاجتها و رغبتها بالعظمة و بسبب الكبت و الحرمان الذي تعرضت له تعتقد أن أي فرصة حظ مجهولة المصدر، تصادفها في طريقها لبناء المستقبل، قد تكون مثل الأمير الفارس الذي سينقذها أو الجنية الطيبة التي سوف توفر لها العربة و الفستنان و الحذاء.

كثيرات هن وقعن ضحية أحلامهن الساذجة ورغبتهن بالعظمة ، كثيران هن أصبحن فريسة للجهل و التسرع للحصول على مستقبل مشرق قد يكون مجرد سراب.

كثيرات هن تم خداعهن بأضواء الشهرة و الرغبة بحب الظهور ، و الحصول على الثراء السريع .

لكن  أيضاً كثيرات مازالن يكافحن بصمت في سبيل تحقيق أحلامهن بوعي و مسئولية أخلاقية و اجتماعية و بشكل إنساني.

عنف المرأه ضد المرأه لا ينكر أيضاً

 تم نشر المقال في مجلة الغيداء ،

” تزوجنا عن حب لكن المشاكل بدأت بعد زواجنا بيوم والسبب هو أمه تكرهني جدا عندما كان يخرج  زوجي من المنزل وأبقى وحدي تأتي وتبدأ بالإهانات والضرب أيضا ”
” لا يمر يوم  و إلا أنضرب فيه  من أهلي وأتعرض للإهانة  بدون أي سبب ، مرة من أمي التي  تضربني بسبب بلوزة استعارتها صاحبتي مني  ومرة تضربني لأنني تأخرت خمسة  دقائق عن البيت “

إنهما مجرد صورتان  من صور  العنف الذي قد تتعرض له النساء في مجتمعنا العربي ، فالعنف ضد المرأة لا يقتصر فقط على  الرجال الأكثر قوة جسديا من النساء  بل للأسف بعض النساء يمارسن القمع و العنف ضد  أنفسهن و ضد بنات جلدتهن ، فقد تمارس الحماة العنف ضد زوجة ابنها في حال كانت تكرها أو تغار منها  كما في المثال السابق أو تعنف الأم ابنتها بقسوة شديدة في حال عدم انصياع الابنة  لأوامرها .

لقد هالني ما وجدته عبر مواقع الانترنت من أشكال العنف  الذي تتعرض له النساء حيث يواجه بعضهن كافة أساليب  القمع الشديد و الظلم و العدوان  من قبل نساء أخريات  أقوى منهن اجتماعياً و اقتصادياً ،  فعلى سبيل المثال نرى هناك  تعنيف موجه من قبل بعض النساء الثريات  للخادمات اللواتي يعملن لديهن بالمنازل في بعض الدول العربية أو تعنيف من قبل صاحبة عمل خاص للموظفات البسيطات اللواتي يعملن لديها.

و لقد وجدت أيضاً أثناء تصفحي لمواقع الاستشارات النفسية عبر الإنترنت الكثير من الشكاوي  المنشورة من قبل نساء تعرضن للعنف و يُعبرن عن معاناتهن الشديدة  من أشكال  العنف اللفظي و النفسي  الذي يتعرضن له في حياتهن اليومية سواء في البيت أو العمل.

فالعنف ضد المرأة لا يقتصر فقط على العنف الجسدي بل يشمل أيضاً العنف اللفظي و النفسي الذي يُعد أكثر خطورة من باقي أنواع العنف لأن أثاره السلبية  تبقى مطبوعة في الذاكرة و في أعماق النفس البشرية و قد تولد مشاعر الكره و الحقد لدى  المرأة المعنفة  التي بالتالي ستقوم بإسقاط هذا  العنف على انسان أضعف منها قد يكون طفلها أو  أحد العاملين لديها في أماكن العمل.

وللأسف نقابل بحياتنا اليومية العديد من النساء اللواتي يستغلن سلطتهن و حاجة الأخريات لهن ويمارسن بذلك  أقسى أنواع العنف مثل أن تستغل الأم أمومتها وسلطتها بالمنزل و تقوم بتحريض الأبناء الذكور ضد أخواتهن بحجة أن يقوموا بتربيتهن و ذلك باستخدام الضرب و القسوة،  فهناك بعض الأمهات اللواتي يعتقدن أن العنف هو أسلوب فعال لتربية و ضبط سلوك بناتهن حتى لو كانوا  شابات راشدات.

أما من الأشكال الأخرى للعنف الذي قد تمارسه المرأة هو عملية الضغط الذي تمارسه الأم أو زوجة الأب أو العمة على الفتيات القاصرات من أجل تزويجهن زواج مبكر يقضي على مستقبلهن العلمي و يحرمهن من ممارسة  طفولتهن البريئة و من حقوقهن الأساسية بالتعليم و اللعب و النضج النفسي و العاطفي و التنمية العقلية الطبيعية، فتتحمل الفتاة القاصر فوق طاقتها و تعيش في حياة من صنع الكبار تُرهقها بمسئوليات الأمومة المبكرة وواجبات وحقوق الزوج الذي قد يكبرها بعشرات الأعوام.

و بالنسبة للعنف الذي تعاني منه المرأة في مجال العمل فقد لا يكون عنف جسدي مباشر  مثلما يحدث في بعض الأسر و البيوت ولكن قد يكون عنف نفسي معنوي بسبب منافسة غير شريفة بين النساء في العمل،  فقد تفضل  أحياناً بعض  الموظفات التعامل  مع زملائها الذكور بدلاً من الإناث لأنهن لا يشعرن بأن زميلهم الرجل قد ينافسهن بالعمل بسبب قلة الغيرة المتبادلة أحيانا بين النساء جراء الصراع  على فرص قليلة غير متاحة للجميع  مثل الحصول على الترقية أو السفر للخارج من أجل التدريب  .

وقد تشعر النساء بالعداء و الغيرة من زميلاتهن بالعمل بسبب أشياء  قد تكون تافهة  أحياناً  مثل حسن مظهر زميلاتها أو ووضعها الاقتصادي الجيد  و الاجتماعي المرموق  مما يدعو بعض النساء  إلي ممارسة  الضغط النفسي على زميلاتهن بالعمل و تدبير ضدهن بعض المؤامرات  ، الأمر الذي قد يسبب قلق نفسي عند المرأة العاملة ويشعرها بالتهديد أحياناً.

ويرى بعض المختصون في علم النفس و الاجتماع  أن من أهم  أسباب وجود العنف عند المرأة هو عدم وجود  استقرار نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي لدي المرأة  أو  بسبب أحداث  أليمة تعرضت لها المرأة في الماضي منذ سن الطفولة أثرت فيما بعد سلبياً  على سلوكها و أحدثت شرخ في مشاعرها  وعاطفتها.
و قد تتجه أيضاً  المرأة نحو العنف بسبب الشعور بالإحباط و التهميش من قبل المحيطين بها فتستخدم العنف كوسيلة للتعبير عن مشاعرها و التنفيس عن غضبها و عجزها في تحسين وضعها و  أخيراً قد يكون العنف عند المرأة سببه الجهل و قلة الوعي و افتقادهن للمهارات الحياتية التي تساعدهن في كيفية  حل مشاكلهن و المطالبة بحقوقهن  حيث تعتقد بعض النساء أنهن يستطعن حل مشاكلهن الحياتية عن طريق استخدام أسلوب القوة و العنف.

و أخيراً أعتقد أنه يجب على المؤسسات النسوية و مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام أن تقوم بتنظيم مزيد من حملات التوعية حول العنف ضد المرأة وذلك بالتركيز أيضا على توجيه رسالة  مباشرة للمرأة وليس فقط للرجل باعتبارها عنصر أساسي في المجتمع و شريكة للرجل في كافة مجالات الحياة ، فالمرأة لديها أيضا تأثير كبير على أبنائها و زوجها و إخوتها الذكور وهي تشارك بذلك الرجل في مسئوليته حول  ممارسته للعنف الموجهة ضدها أو ضد نظيرتها  المرأة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

،

المرأة الفلسطينية و المشاركة السياسية

تعتبر المشاركة السياسية للمرأة عنصرا هام في بناء الوطن و في تطوير آليات الحكم الصالح كمفهوم بات قيد التداول في المحافل الدولية و في بلدان دول العالم المتقدمة .

و تطالب العديد من المنظمات الدولية حكومات دول العالم الثالث بتمكين المرأة سياسيا و منحها دور سياسي رائد يصل الي أعلى المراتب القيادية في الدولة حيث طالبت الأمم المتحدة العديد من الدول العربية باحترام حقوق المرأة و ناشدتهم بضرورة الغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة حيث وقعت نحو 20 دولة عربية على أهم الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق المرأة و هي اتفاقية سيداو التي صدرت من قبل الأمم المتحدة في عام 1979 من أجل القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

أما بالنسبة لوضع المرأة الفلسطينية وعلاقتها بالمشاركة السياسية فتعتبر المرأة الفلسطينية بالنسبة لمعظم شعوب الوطن العربي بمثابة المرأة الحديدية المناضلة و المرأة الصامدة التي مازالت مستمرة في العطاء بالرغم من المعاناة و الضغوطات التي تعاني منها بسب الاحتلال و الأوضاع السياسية و الاقتصادية السيئة في فلسطين والتي تحد من نسبة الفرص المتاحة لتنمية ودعم المرأة الفلسطينية في العديد من المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.

ولكن بالرغم من كل تلك الظروف السيئة و المحبطة التي تعاني منها المرأة الفلسطينية فقد برزت في الساحة السياسية الفلسطينية عدة شخصيات نسائية شهيرة ،استطعن المساهمة بكل فعالية و تميز في الحياة السياسية وفي المشاركة بعملية اتخاذ القرارات الوطنية على أعلى المستويات القيادية الوطنية حيث ظهرت الدكتورة حنان عشراوي كقيادية سياسية بارزة أثناء مفاوضات الشرق الأوسط وهي عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وكانت أيضاً وزيرة سابقة في السلطة الفلسطينية بالإضافة الي ذلك برزت السيدة سميحة خليل في الساحة السياسية الفلسطينية أثناء فترة الانتخابات الفلسطينية حيث كانت أول امرأة فلسطينية ترشح نفسها للانتخابات الرئاسية لعام 1996،و هي كانت بذلك تنافس الرئيس الراحل ياسر عرفات.

و من الجدير بالذكر أن السلطة الفلسطينية برئاسة السيد الرئيس محمود عباس قد صادقت في عام 2009 على اتفاقية سيداو لمكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة و التي كان من أهم موادها في مجال حقوق المرأة السياسية هما المادتان رقم 7 و 8 و التي تنصان على ما يلي:

المادة 7:

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد،وبوجه خاص تكفل للمرأة،على قدم المساواة مع الرجل الحق في

أ. التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.

ب. المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة،وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.

ج. المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

المادة 8:

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة،على قدم المساواة مع الرجل،ودون أى تمييز فرصة تمثيل حكوماتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية.

تلك كانت أهم البنود النظرية في الاتفاقية السابقة أما من الناحية التطبيقية و العملية لتلك الاتفاقية فنستطيع القول أن المرأة الفلسطينية ترأست بالفعل العديد من الوزارات الفلسطينية الهامة مثل وزارة التربية و التعليم العالي ووزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الثقافة ووزارة السياحة و الآثار وقد شاركت أيضاً المرأة الفلسطينية في العديد من المؤتمرات الدولية وعملت ببعض البعثات الدبلوماسية الفلسطينية بالخارج حيث على سبيل المثال تم تعيين السيدة ليلي شهيد كمندوبة لفلسطين في الاتحاد الأوربي وتم تعيين نساء أخريات في مناصب أخرى ضمن عمل السلك الدبلوماسي الفلسطيني ووزارة الشئون الخارجية.

لكن يبقى هنا سؤال هام و هو هل هناك مشاركة حقيقية للمرأة الفلسطينية في الحياة السياسية ؟ أم أن تلك المشاركة تقتصر فقط على النخبة و على النساء المنتسبات الي الأحزاب السياسية الحاكمة ، حيث لاحظ العديد من المراقبين و المهتمين في مجال حقوق المرأة بفلسطين أن المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية محدودة و نسبية و هي مجرد مشاركة رمزية تقتصر على فئة معينة من النساء اللواتي تدعمهن الأحزاب السياسية.

و يستمر التساؤل أيضاً في هذا الصدد حول احتمالية تشجيع المواطنة الفلسطينية العادية للمشاركة في العملية السياسية الديمقراطية بحيث لا يتم اختصار دورها السياسي فقط بمجرد المشاركة في المسيرات الجماهيرية التي تنظمها الأحزاب السياسية حيث أن جل ما تقوم به المرأة هو مجرد رفع علم لحزب سياسي معين مرددةً شعارات سياسية غير مدركة لمعانيها الأساسية و ذلك لأن بعض الأحزاب السياسية تنظر لمشاركة المرأة في فعالياتها كمجرد رقم يضاف من أجل زيادة أعداد المؤيدين لها في المظاهرات و المسيرات الجماهيرية.

وأخيرا أتمنى أن يتم تفعيل دور المرأة الفلسطينية بشكل ايجابي و فعال في الحياة السياسية الديمقراطية من أجل تعزيز مبدأ المواطنة بشقيها الحقوق و الواجبات مما يؤدي الي زيادة الانتماء و الانحياز لمصلحة الوطن ككل بدلا من استغلال دور المرأة السياسي لتحقيق مصالح و أهداف حزبية بحيث يتم اعتبار مشاركة المرأة السياسية مجرد صورة شكلية تزين المؤتمرات والفعاليات السياسية بينما تكمن مشاركة المرأة الحقيقة في المشاركة بعملية اتخاذ القرارات السياسية و في تعزيز مكانتها في المجتمع و اتاحة الفرص المناسبة لها من أجل المساهمة بفعالية في كافة مجالات العمل السياسي وعلى كافة المستويات المحلية والوطنية و الدولية

خادمة جارتي السمراء

سكبت دلو الماء على أرضية درج المنزل المعلق و أخذت بكل نشاط تدعك الأرض بقطعة القماش البالية المبتلة بسائل الكلور الحارق ،غير مكترثة برائحته المنفرة و تمسح عرق جبينها بكفتيها المنهكتين من خشونة مساحيق التنظيف و في ذات الوقت تبتسم بصمت ، بسبب نجاحها في إزالة بقعة القهوة البنية اللون وبسبب المبلغ الزهيد الذي ستحصل عليه كأجر لها في نهاية اليوم ،فقد وعدت ابنتها الصغيرة بأن تحضر لها سندوتش الشاورما وعلبة الكولا من أشهر مطعم شاوراما في غزة.
نظرت اليها جارتي قائلةً لها : ” الله يعطيكي العافية ، هل ترغبين بأخذ استراحة قصيرة لشرب كأس من الشاى ” فردت عليها ذات البشرة السمراء والتي تعمل في تنظيف منزل الجارة مرة في كل أسبوع : ” نعم أرغب بالاستراحة لكن بعد قليل عندما أنهي شطف الدرج ” فابتسمت الجارة وقالت لها :”على راحتك يلا هانت كلها كم سنه و تستريحي من شغل البيوت و أولادك يكبروا ومن بعدها يتحملوا المسئولية عنك”
تعجبت السيدة السمراء من تعليق جارتي حول امكانية ترك العمل عندما تكبر سناً وقالت لها بكل ثقة:
“لا مستحيل أن أترك العمل ،سأظل أعمل حتى أخر لحظه في حياتي ،الشغل مش عيب المهم يكون شغل شريف أحسن من الشحده و التسول أمام أبواب الجمعيات الخيريه ” ومن ثم أردفت بالقول “أنا سعيدة جدا بعملي فهو يوفر لي مبلغ محترم في نهاية كل شهر وجميع النساء يتهافتن بالاتصال على ،لكي أذهب لتنظيف منازلهن حتى جوالي سكرته من كثرة الطلبات ” .
كنت في تلك اللحظه في زيارة سريعة لمنزل جارتي ،حيث كنت عائدة منهكة من عملي الذي كنت أتذمر منه أحيانا ، ولكنني اندهشت عندما استمعت لحديث تلك السيدة حول شغفها وحبها لعملها بالرغم من أن وظيفة خدمة تنظيف المنازل تعد من أكثر الوظائف المرهقة ،وهي من الوظائف التى تترفع عنها معظم النساء العربيات و ينظر اليها بعض الأفراد بنظرة سلبية و عين من الشفقة تسودها أحياناً شعور بعدم الاحترام لتلك المهنة الشريفه البسيطة ،و ذلك بسبب ثقافة السيد و الخادم الموروثة من عصر الباشاوات و الاقطاعيين،
فقد كان قصر الباشا يعم بالخدم و الحشم و كان لا يسمح لأبناء الخدم مجالسة أبناء السادة ،و كانت الخادمة ملك لسيدها يتصرف بها كما يشاء ويحق له بيعها أو الاحتفاظ بها ،وقد تعرضت الكثير من الخادمات اللواتي تعملن في الدول العربية للكثير من الانتهاكات لحقوقهن الأساسية ،حيث عانين من عدة أشكال من التمييز و العنصرية و الإهانة بحقهن ،و للأسف بسبب تلك الممارسات السلبية تجاه وظيفة الخدمة بالمنازل ، أصبح هناك انطباع سلبي و سيئ في نفوس الكثير من النساء المتواضعات نحو تلك المهنة ،الأمر الذي أدى الي شعورهن بالخوف من العمل بذلك المجال ، خوفاً من انتقاد المجتمع و هروباً من الإهانة المحتملة لهن من قبل أرباب العمل الأثرياء فأصبحن يفضلن الجلوس متنكرات بالنقاب، أمام أبواب البنوك المحلية ليتوسلن شيكلا من رواتب الموظفين في نهاية كل شهر ،على أن يعملن بشرف في مهنة تنظيف المنازل و يتقاضين نقود تأتي من عرق جبينهن.
و عندما استمعت لحديث الخادمة التى ألقبها أحياناً بالسيدة السمراء ،تذكرت في حينها وزيرة العدل الفرنسية السابقة السيدة رشيدة داتي، التى افتخرت أمام أشهر الصحف الأوروبية بأنها كانت تساعد أمها في تنظيف منازل الفرنسيين و عندما أصبحت داتي وزيرة للعدل لم يعايرها أحد بماضيها المتواضع بل نظر اليها معظم أفراد المجتمع الفرنسي الراقي بعين من الاحترام و التقدير ،كونها امرأة عصامية بدأت حياتها منذ الصغر بعمل متواضع وشريف ، فهي لم تتسول و لم تنحرف للعمل في الوظائف الغير شريفة و الغير شرعية ؛ بل بالعكس من ذلك فكرت بالمنطق ولم تستسلم لظروف الفقر و الحاجة وخططت لحياتها جيدا حتى وصلت الي أعلى الرتب و المناصب في دولة تعد من أعرق الدول الأوروبية في مجال الحضارة و الثقافة و حقوق الانسان.
إن سبب ذكري لموقف الخادمة أو عاملة التنظيف هذه ،هو ليس من باب تشجيع النساء للعمل في خدمة المنازل لكن من أجل طرح إحدى الحلول العملية التي قد تحاول أن تخفف من مشكلة الفقر و البطالة التي تعاني منها بعض النساء المهمشات ،اللواتي يشعرن باليأس و بقلة الحيلة في توفير لقمة عيش لأطفالهن واللواتي لا يرون حل لمشكلاتهن إلا باستقبال المعونات و المساعدات من أموال الزكاة و الصدقات أو التسول في الشوارع.
فلماذا النساء الغير متعلمات و الفقيرات والغير مؤهلات للعمل في مجال الوظائف العامة لا يتم تشجيعهن للعمل ضمن نطاق شركات خدمية مرخصة ، تقوم باستقطابهن من أجل الذهاب للعمل في مجال تنظيف مكاتب المؤسسات و الشركات التجارية و المنازل و ذلك ضمن عقود عمل قانونية و بيئة عمل مناسبة ومحترمة لا تقلل من كرامة المرأة و مقابل أجر عادل يوفر لهؤلاء النساء و لأطفالهن عيش كريم و دخل مستمر .
لذا أؤكد هنا أن حقوق المرأة لا تمنح من قبل الرجال للنساء ، بل تؤخذ ويطالب بها من قبل النساء أنفسهن في حين كانت لديهن الشجاعة و الجرأة للمطالبة بها فالمرأة التي تخشى من ثرثرة نساء الجيران عليها و تخجل من العمل المتواضع الشريف ستبقي ضحية للأبد وستستمر معاناتها مع الفقر و صعوبة العيش ، فالإهانة ليست في تنظيف المنازل بل في محاولة استجداء عطف الناس و التسول من أجل بضعة شواكل من راتب موظف حكومي يكاد هو نفسه أن يتسول بسبب احتمالية انقطاع راتبه جراء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها حكومة بلاده. و أخيرًا أكرر مرة أخرى قول خادمة جارتي السمراء و أقول الشغل مش عيب…..