توقعات مرحلة ما بعد الرئيس

تحاول مؤخراً الصحافة الإسرائيلية ، استشراف المرحلة الفلسطينية القادمة في حال تغيب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن المشهد السياسي الفلسطيني ، و ذلك بسبب ظروف قهرية خارجة عن إراداته.

وتكاد تلك التحليلات الإسرائيلية، التي تحاول التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الساحة الفلسطينية ، في مرحلة ما بعد الرئيس، أن تُصور الوضع الفلسطيني في المستقبل بأنه سيبدو أكثر كارثياً ، مما هو عليه الآن ، مما يُظهر مدى القلق الإسرائيلي من احتمالية حدوث فوضى أمنيه في أراضي السلطة الفلسطينية ، الأمر الذي سينعكس سلبا على أمن إسرائيل، و يجعلها تتحمل مسئولية أكبر للحفاظ على الهدوء في مناطق الضفة الغربية.

وأعتقد هنا ، أن تحمس الإعلام الإسرائيلي للتنبؤ بما سوف تؤول إليه الأوضاع السياسية الفلسطينية في المستقبل ، ولتوقع أسماء بعض الشخصيات الفلسطينية ، التي يمكنها أن تقود المرحلة المقبلة ، يعود كل ذلك لرغبة الباحثين و المحللين الإسرائيليين في استشعار ردود أفعال الفلسطينيين بشكل عام، و مسئولي السلطة الفلسطينية بشكل خاص حول تلك التحليلات السياسية الإسرائيلية ، من أجل حث الفلسطينيين على إصدار تصريحات رسمية، قد تكشف ما يدور في خُلد الرئيس عباس ، و تساعد إسرائيل في التعرف على طبيعة استعدادات السلطة الفلسطينية لتلك المرحلة الحرجة.

وعبر تحليلي للمشهد السياسي الفلسطيني الحالي، و طبيعة الإجراءات السياسية الحديثة التي اتخذتها السلطة تجاه قطاع غزة ، استنتجت من كل ذلك ، أن السلطة الفلسطينية الحالية ، قد تغيرت بشكل جذري، و هي ليست مثل السلطة السابقة في فترة ما قبل الانقسام!

فالسلطة الفلسطينية الحالية، و التي مركزها رام الله ، أصبحت الآن أكثر دهاءً و خبرة مما سبق، و قد تعلمت قيادتها من تجربتها السابقة بغزة درسا قاسيا ، جعلها تتخذ إجراءات مشددة من أجل الحفاظ على قوتها بالضفة الغربية .

فبكل بساطه لن تسمح قيادة سلطة رام الله ، بأن يتكرر مشهد انقلاب غزة مرةً أخرى في الضفة الغربية ، الانقلاب الذي أدى في نهاية الأمر إلي سيطرة حركة حماس على السلطة و أجهزتها بقطاع غزة.

لذا لا أستبعد، أن يكون هناك شيئا ما ، يدور من وراء الكواليس، و أن يكون هناك بالفعل خطة محكمه يديرها الرئيس و رجاله ، للاستعداد جيدا للمرحلة القادمة ، و لكن ليس بالضروري أن يكشف الرئيس وحاشيته، عما يدور في خلدهم من خطط و إجراءات ، لأن عنصري المفاجأة و السرية، مطلوبان أيضا في كواليس العمل السياسي القيادي.

وعلى أبعد تقدير ، لا أتوقع أن تكون أمور الحكم و السلطة في الضفة الغربية ، عشوائية كما كانت عليه في السابق خلال فترة ما قبل الانقسام الفلسطيني ، فهناك ما يتم إعداده بالفعل في المطبخ السياسي المصغر للسلطة ، و لكنه على ما يبدو أن تلك الإعدادات و التحضيرات تتسم بالسرية و الجدية ، وتتم بعيدا عن أعين وسائل الإعلام المحلية و الدولية.

و بما أنه لا خلود لإنسان على وجه هذه الأرض، لابد من استشراف المستقبل الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس ، عبر عمل تصور موضوعي وواقعي ، بعيدا عن أسلوب الانحياز لقائد سياسي معين ،أو الاستهتار من قدرة قيادة معينه ، في التعامل بشكل عملي مع تحديات القضية الفلسطينية ، في ظل غياب القائد الرئيسي للسلطة الفلسطينية ، أثناء فترة الانقسام وعدم تحقيق المصالحة الوطنية.

فالهدف من توقع تلك السيناريوهات، هو تقديم رؤية مستقبلية حول المرحلة المقبلة، و إثارة نقاش سياسي جدي عن كيفية التعامل مع قضايا الحكم، في ظل غموض مستقبل القضية الفلسطينية، و الشعور بالقلق و الخوف من تدهور الأوضاع الفلسطينية إلي الأسوأ.

ومن أهم السيناريوهات التي أتوقع أن تحدث في حال تغيب الرئيس عن الحكم في المرحلة القادمة، في ظل استمرار الانقسام و عدم تحقيق مصالحة وطنية جدية بين حركتي فتح و حماس هي ما يلي:

– تولي المحكمة الدستورية العليا أمور الحكم

في ضوء اختفاء أي أمل فلسطيني ، للتوصل لحل نهائي لمشكلة الانقسام الفلسطيني، و عدم انجاز حلم المصالحة الوطنية ، وفي حال أصدر الرئيس عباس قبل مغادرته السلطة الفلسطينية ، قرارا رئاسيا بحل المجلس التشريعي ، سيشكل ذلك مانعا قانونيا لتولي رئيس المجلس التشريعي الحالي ، منصب رئاسة السلطة في المستقبل ، وهنا يُمكن لرئيس المحكمة الدستورية العليا، التي شكلها الرئيس عباس في عام 2016 ، أن يتولى رئيس هذه المحكمة في المستقبل ، منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ،وذلك حسب المادة (119) من مشروع المسودة الثالثة المنقحة لدستور دولة فلسطين ، التي تنص على أنه “إذا شغر مركز الرئيس أو قرر المجلس النيابي اتهامه وفقًا للماد ة (90) من الدستور، يتولى رئيس المجلس النيابي رئاسة الدولة مؤقتًا لمدة لا تزيد عن (60) يومًا تجري خلالها الانتخابات للرئاسة، وفقًا لقانون الانتخابات، وإذا رغب رئيس المجلس النيابي في ترشيح نفسه أو حال دون توليه الرئاسة مانع قانوني، يتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الدولة مؤقتًا لحين إتمام إجراءات انتخاب الرئيس. و ليس لرئيس المحكمة في هذه الحالة أن يرشح نفسه للرئاسة “.

لذا من الأرجح بأن يتحقق هذا السيناريو في مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في حال تم بالفعل حل المجلس التشريعي الحالي من قبل الرئيس عباس ، لإحداث مانع قانوني يحول من تولي الدكتور عبد العزيز دويك ، لرئاسة السلطة في المستقبل في حال غادر الرئيس عباس موقعه الرئاسي ، و بالطبع سيلقى ذلك القرار رفضا كبيرا من حركة حماس التي ستقوم بالتالي بعمل طعن ضد هذا القرار.

– استمرار عمل مؤسسات السلطة بالضفة مع متابعة الشئون الإنسانية لغزة

و مع استمرار الانقسام الفلسطيني و تنصيب رئيس المحكمة الدستورية بشكل مؤقت كرئيس للسلطة الفلسطينية ، سيستمر رئيس الوزراء الفلسطيني في إدارة أمور مؤسسات السلطة ضمن حالة إعلان الطوارئ ، ولكن لن تتأثر الوزارات بتلك الحالة، و سيستمر عملها بشكل طبيعي ، فتاريخ مؤسسات السلطة لن ينتهي في يوم و ليله ، بسبب غياب الرئيس ، لأن السلطة هي مشروع دولي طويل الأمد ، وهي تعتبر نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية ، ولن يسمح المجتمع الدولي بانهيار تلك السلطة.

فلو انهارت السلطة حينذاك ، سيعتبر ذلك بمثابة فشل كبير لمشروع التسوية مع إسرائيل ، لذا أتوقع أن تستمر مؤسسات السلطة بالعمل كالمعتاد بدعم دولي ، مع عدم تخلي السلطة الفلسطينية برام الله عن قطاع غزة بشكل كامل ، حيث من المتوقع أن تحتفظ سلطة رام الله بتنسيق منخفض المستوى مع بعض فروعها في قطاع غزة، بحيث يقتصر ذلك التنسيق فقط على متابعة أمور القطاع الإنسانية ، مثل التحويلات الطبية و أمور الطلبة و تصاريح التنقل و بعض المعاملات المدنية المتعلقة بجوازات السفر و بطاقات الهوية ، وذلك دون التورط في دفع فواتير القطاع ، مع إتباع سياسة تحميل أكبر قدر ممكن من مسئولية إدارة قطاع غزة لحماس، أو القيادي محمد دحلان في حال عاد لغزة ، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بشعرة معاوية مع سكان القطاع، فيما يخص فقط التنسيق المدني و الإنساني.

– تطبيق خطة أمنية محكمه في الضفة الغربية

ومن يتابع التوقعات الإسرائيلية حول مرحلة ما بعد الرئيس ، يستنتج أن إسرائيل لديها توقع كبير بانهيار السلطة الفلسطينية ، وحدوث فوضى أمنية كبيرة ، و اقتتال داخلي على الحكم في الضفة الغربية، و ربما انقلاب جديد ضد السلطة الفلسطينية، مثلما حدث في غزة خلال عام 2007.

و لكنني هنا، أستبعد حدوث هذا السيناريو، حيث أرى أن السلطة في رام الله ، تعلمت درسا صعبا من أحداث غزة السابقة ، و لن تسمح لأجهزتها الأمنية بارتكاب نفس الأخطاء السابقة بغزة ، التي أدت إلي انهيارها بغزة، و من ثم سيطرة حركة حماس عليها بشكل كامل.

وأعتقد أنه بالفعل، لدى المؤسسات الأمنية بالضفة الغربية، و تحت إشراف مباشر من قبل رئيس السلطة الفلسطينية عباس ، خطة أمنية محكمه لاستمرار السيطرة الأمنية على الضفة الغربية، و لمنع حدوث أي اختراق داخلي أو خارجي لمنظومة الأمن الفلسطيني بالضفة الغربية ، على خلاف ما حدث بغزة في السابق.

وعلى ما يبدو أن من إحدى بوادر تلك الخطة الأمنية ، هو إجراءات السلطة الحديثة بخصوص تقاعد العسكريين بغزة، و استبدالهم بجنود جدد في الضفة الغربية ، الأمر الذي يشير إلي رغبة السلطة الفلسطينية في رام الله ، بزيادة عدد أفرادها الأمنيين في الضفة و تمكينهم ، و تعزيز قوتهم من أجل فرض سيطرة أمنية مشددة على محافظات الضفة الغربية.

و لا أتصور، بأنه في حال تغيب الرئيس الفلسطيني عن موقعه الرئاسي في المستقبل، أن تنهار تلك الأجهزة الأمنية بكل بساطه، مثلما حدث سابقا بغزة ، لأن وضع حركة حماس العسكري في الضفة الغربية، ليس متمكنا مقارنة بوضعها في غزة، و ذلك بسبب الحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الضفة الغربية، التي تهدف إلي تجريد حركة حماس و فصائل المقاومة الأخرى من السلاح، و التي تحاول أن تمنع نمو أي خلايا عسكرية جديدة لفصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية.

لذا لا يوجد مقارنة بين الإمكانيات العسكرية لحركة حماس في غزة ، التي ساعدتها بالسابق في السيطرة على الحكم بغزة ، وما بين الإمكانيات العسكرية المتواضعة لحركة حماس بالضفة الغربية ،و التي من الصعب أن تُمكن حركة حماس من عمل انقلاب جديد على السلطة الفلسطينية برام الله ، خلال مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في ظل استعدادات أجهزة الأمن الفلسطينية بالضفة الغربية لأي محاولة عسكرية ضدها ، و في نفس الوقت عدم تنازل إسرائيل عن جزء من سيطرتها الأمنية على الضفة الغربية.

– عقد انتخابات رئاسية في الضفة الغربية بدون غزة

وهنا كما قلت بالسيناريو الأول، أنه في حال استلم رئيس المحكمة الدستورية منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ، سيتم بعدها التحضير لإجراء انتخابات رئاسية من أجل الخروج من المأزق السياسي بعد انتهاء الفترة المؤقتة لتولي رئيس المحكمة الدستورية لمنصب الرئاسة، ومع استمرار الانقسام سترفض بالطبع حركة حماس تلك الانتخابات الرئاسية، و ستطعن بقانونية رئيس المحكمة الدستورية ومنصبه الرئاسي المؤقت ، و في أية قرارات سياسية صادرة عنه ، مما سيحول ذلك من إمكانية عقد انتخابات رئاسية في غزة ، وسيتم بالتالي تكرار سيناريو عقد الانتخابات المحلية بالضفة الغربية دون غزة ، حيث من المحتمل أن يتم عقد انتخابات رئاسية جديدة في الضفة الغربية فقط ، من أجل سد الفراغ في الحكم ، و الحيلولة من انهيار السلطة.

وقد يترشح في تلك الانتخابات الرئاسية الجديدة ، شخصيات قيادية من حركة فتح، أو مستقلين موالين لحركة فتح ، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة، برئيس جديد في الضفة الغربية، ليس معترفا بها بغزة ، لكنه قد ينال اعتراف بعض الدول العربية و الغربية، التي ستضطر لذلك الاعتراف ، خشيةً من أن تحدث فوضى أمنيه بالضفة الغربية ، و أن تنهار السلطة الفلسطينية بشكل كامل.

– استمرار سيطرة حماس على قطاع غزة لحين بدء معركة التحرير الكبرى

وفي ظل استمرار الانقسام، و بروز قيادة سياسية جديدة في الضفة بدون موافقة من حركة حماس ، أتوقع هنا ، أن تستمر حركة حماس بسيطرتها الأمنية على قطاع غزة، حتى لو عاد القيادي محمد دحلان للساحة السياسية بغزة ، فتفاهمات حماس- دحلان ، لن تُنصب دحلان كوالي لغزة ، بل ربما ستزيد من فرصته بالفوز في الانتخابات الرئاسية، في حال فقط انتهى الانقسام الفلسطيني، وتم التوافق على إجراء انتخابات رئاسية موحدة في كل من الضفة الغربية وغزة في آن واحد.

لكن في حال استمر انفصال غزة عن الضفة ، و تم عقد انتخابات رئاسية بالضفة الغربية فقط ، سيحول ذلك من تحقيق طموح دحلان بالحصول على كرسي الرئاسة ، و عليه أتوقع استمرار حكم حماس لغزة، لحين اتخاذ قرار مصيري من قيادة حركة حماس بغزة ، حول الخوض في حرب التحرير الكبرى ضد إسرائيل، التي يروج لها منذ زمن عدد كبير من قادة حركة حماس بغزة، و التي ستحسم مصير حركة حماس في غزة بشكل نهائي .

ففي حال انتصرت حماس في تلك الحرب، سيزيد ذلك من قوة الحركة و سيمكنها أكثر في القطاع، و سيقوي موقفها في الضفة الغربية و القدس، مما سيعيدها بقوة إلي المشهد السياسي الفلسطيني، بصفتها الحركة المنتصرة و المحررة لأراضي فلسطين التاريخية.

و لكن ، في حال لم تنتصر حماس في تلك المعركة المستقبلية ، و نجحت إسرائيل بنزع سلاح حماس في قطاع غزة ، ستتغير الأوضاع الفلسطينية في قطاع غزة بشكل دراماتيكي، و ستبدأ بعدها حقبة سياسية جديدة في القطاع، سينعكس بالتالي ، تأثيرها على الأوضاع السياسية و الأمنية بالضفة الغربية.

لذا الأمر كله يتعلق بحركة حماس، و مدى استعدادها العسكري للمرحلة القادمة، و كيفية إدارتها لشئون القطاع الأمنية بنوع من الحنكة السياسية و الحذر الشديد.

و أخيرا ، أستطيع القول ، أن تلك كانت مجرد سيناريوهات سياسية و أمنية ، تم توقعها في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني ، وبناءً على ما يتصدر في وسائل الإعلام الفلسطينية و الإسرائيلية و الدولية ، من تصريحات سياسية لطرفي الانقسام الفلسطيني، و من قرارات سياسية صادرة عن رئاسة السلطة ، و من ردود فعل للقادة الفلسطينيين على أرض الواقع.

لكن لو انتهى الانقسام الفلسطيني ، قبل أي غياب محتمل للرئيس الفلسطيني الحالي ، لن يكون هناك أي حاجة لحدوث تلك السيناريوهات ، لأن عندها ستكون الظروف طبيعية، و سيتم العمل حسب الدستور ، و القانون الفلسطيني الأساسي، دون الاضطرار لتنفيذ إجراءات احترازية و استثنائية ، لإدارة مشاكل الانقسام الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس.

رسائل السلم و الحرب بين إسرائيل و حماس !

مازال ليبرمان يتوعد ، و الجيش  الإسرائيلي يُهدد ، و المحللون  الاسرائيليون  يحذرون من حرب أخرى  قادمة على غزة ، و كأن جميع الإسرائيليون يستنفرون من أجل تحذير حماس من مغبة  شن  أي عملية عسكرية لها ضد إسرائيل.

و من يراقب  ما ينشر بكثافة  عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية ، حول أزمة كهرباء غزة و علاقتها بالحرب ، يكاد يلمح  بشدة أن هناك  رسائل مباشرة  توجها إسرائيل لحماس عبر وسائل إعلامها الإسرائيلي .

و يلاحظ أن هناك  توقع  إسرائيلي بأن  تبدأ حماس الحرب للتخلص من أزمتها ،  مما سيوفر  حجة قوية للجيش الاسرائيلي لمهاجمة غزة و محاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية بالقطاع ، خاصة في ظل تقلص الدعم المادي و السياسي لحماس ، بسبب المقاطعة الخليجية لقطر ، و بسبب رفض السلطة الفلسطينية الاستمرار بدفع فواتير كهرباء غزة ، و تقليصها لرواتب  موظفي القطاع ، مما يجعل تلك المتغيرات السياسية  توفر  مناخ مناسب لإسرائيل لشن حرب على حماس ، قد تكون حرب نهائية وحاسمة.

و هنا  ستبرر اسرائيل حربها على حماس ، بأنها مجرد حرب دفاعية،  و مجرد رد عسكري على حماس  نتيجة  تنفيذ حماس عمليات عسكرية ضد المواطنين الإسرائيليين.

أما بالنسبة لحركة حماس ، فهي تراقب بصمت  ودهاء ، ما ينشر من تصريحات إسرائيلية حول تخوف إسرائيل  من حرب على غزة ، و على ما يبدو فإن الحركة بدأت تعي جيدا قواعد اللعبة الحربية الإسرائيلية ، و بدأت تعلم أنه ليس من مصلحتها و ليس من الحكمه ، في ظل التغيرات الإقليمية  و المحلية ، و بدون استعداد نهائي ، أن تتهور الحركة،  و تورط نفسها بحرب عشوائية قد تقضي على مستقبلها بقطاع غزة.

لذا كل طرف سواء كان فلسطيني أو إسرائيلي ،  يعلم مايريده جيدا ، و يفهم لغة الأخر من رسائل تهديد ووعيد ، و من رسائل طمئنة ،  تشير إلي رغبة الطرفين في  التهدئة  و القبول بأوقات  سلم مشروطة.

فاسرائيل من جهتها ، تريد أن تشن حرب على  حماس،  لكنها لا تريد أن تبادر بتلك الحرب ، لأنها تريد أن  توفر غطاء دولي لحربها ، و تريد أن تكون حربها المقبلة حرب نهائية ، فحسب تصريحات وزير جيشها الإسرائيلي ليبرمان ، أنه  ليس من المعقول أن تتورط إسرائيل بحرب كل عامين.

أما  من ناحية حماس ، فهي تريد أن تشن حرب مقدسه على إسرائيل تهدف إلي تحرير القدس ، تتزامن  مع تنبؤات مفكرها الإسلامي ،  بسام جرار،  الذي تنبأ بنهاية دولة اسرائيل خلال عام 2022 بناءً  على حسابات قرآنية.

لذا لماذا تبدأ حماس حربها ضد إسرائيل  في عام 2017 ، كرد فعل على الحصار ضدها ، في الوقت الذي يوجد لديها تاريخ مبارك  ومدة زمنية  أطول  لتطوير  قدراتها العسكرية،  من أجل شن حرب التحرير المقدسة حسب اعتقاد قادتها.

و بالنسبة   لحماس  أيضاً ، فإن كل ما اختبرته الحركة  من حروب سابقة ،  وكل ما تمر به الآن  ، من مناورات عسكرية ، هو مجرد  عمليات عسكرية تجريبية،  و  مرحلة استعداد كبري لما هو أعظم و أهول من ذلك ، يكمن بحرب كبرى و نوعية،  قد تحدد مصير الحركة ودورها في القضية الفلسطينية بالمستقبل.

و يستمر ليبرمان بإرسال رسائل  تحريضية  للغزين ضد حماس، أنها هي السبب في مأساتهم ، و أن حماس ستحول غزة كمدينتي الموصل و الرقة،   و في نفس الوقت يرسل رسائل تحفيزية لحماس ، تكمن بأن إسرائيل يمكنها أن تحول قطاع غزة لسنغافورة  في حال تنازلت حماس عن المقاومة.

لكن بالطبع، ترفض حماس بشدة تلك الإغراءات الإسرائيلية ، و تعلن بقوة عن دعمها للمقاومة،  و رفضها التخلي عن مشروع التحرير الكبير ، وفي نفس الوقت ترسل حماس رسالة مباشرة للإسرائيليين عبر تصريح  سياسي لقائدها ، خليل الحية ،  الذي أعلن خلال مؤتمر صحفي موجه للإعلام الفلسطيني ،  بأن حماس في الفترة الحالية لا تريد أن تتورط بأي حرب جديدة ، و أنها ترغب بالحفاظ على فترة هدوء و سلم مع إسرائيل.

إذن رسائل هنا وهناك ، رسائل  سلم وحرب، رسائل مباشرة وغير مباشرة و متبادلة بين الطرفين ، و الوسيط هنا ليس شخصيات  دولية أو عربية ،  كما كان بالسابق ، بل الوسطاء هنا ، هم وسائل إعلامية فلسطينية و إسرائيلية  التي  تركت ساحاتها مفتوحة لبث و نشر التصريحات  السياسية و العسكرية المتبادلة بين حماس و إسرائيل ، بحيث تشير تلك  التصريحات إلى رغبة كلا الطرفين بعدم التورط في أي حرب جديدة  خلال عام 2017، و أيضا  تحمل تلك التصريحات تهديدات كلا الطرفين في حال خرق أي طرف فترة الهدوء المؤقتة.

ومع تبادل الرسائل بين الطرفين ، أصبح شعب غزة  كأنه  جمهور متفرج يشاهد حلبة مصارعه بين الطرفين ، حيث يحاول كل طرف أن يفوز على الطرف الاخر ،  و  أن يجذب الجمهور  المتحمس  لصفه ، لكن  في واقع الأمر ،  شعب  غزة لا يرغب بالضرورة ،  أن يتحول قطاعه إلي سنغافوره،  و هو يرفض بالطبع أن يتحول القطاع الي الموصل أو الرقة .

شعب غزة ،  يريد أن يعيش حياه بسيطه آمنة تخلو من العنف و الفقر و البطالة و الحصار،  و يريد أن  ينعم شبابه بمستقبل مشرق و يلهو أطفاله بمنتزهات خضراء و شواطئ نظيفة ، إنه بكل بساطه يريد حياة هادئة  قد  تتوفر في أبسط قرية عربية متواجدة في الصعيد المصري.

لذا شعب غزة لا يحتاج من إسرائيل أن  تحول قطاعه لسنغافورة  ، لأن الشعب ببساطه هو من يبني وطنه،  و هو من يمتلك القدرة لأن يحوله إلي منجما للذهب أو قبرا  للموت !

فغزة  تحتاج  لأبنائها    لكي يقررورا  مصيرهم  بأيديهم ، و يختاروا قدرهم بعقولهم ،  و أن يعرفوا  ما هي  مصلحتهم ، عن طريق صمودهم ، و صبرهم ،  و تسلحهم بالعلم ، وتبنيهم  لثقافة التسامح و السلم الأهلي ، و الاخلاص للوطن ، و التعايش مع روح الحضارة العصرية.

لذلك  كشعب فلسطيني ، علينا أن نعرف ماذا نريد،  و  أن نبدأ ببناء نموذجا  لدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 ،  قبل أن نطالب العالم بالاعتراف بدولة فاشلة منقوصة غير كاملة السيادة ،  لا يوجد بها  أقل متطلبات  تأسيس الدولة ، ألا وهي الوحدة بين مؤسساتها الحكومية.

فالشعب الذي يفشل بالتوافق على يوم إجازة رسميه في كل من الضفة  الغربية و غزة ، لا يستطيع أن ينجح بالاتفاق على قرار واحد للتحرر من الاحتلال بطريقة عصرية و حضارية تكسبه احترام و ثقة العالم.

لذا من الواجب علينا كشعب فلسطيني ، أن نلوم أنفسنا أولاً قبل قيادتنا ، لأن القادة هم مرآه الشعوب ، و القائد هو ابن بيئته و مجتمعه.

فالقائد  المتوحش  و  الحاقد هو  بالأساس  نشأ و ترعرع  ضمن  مجتمع ناقم وعنيف ،  و القائد  السلمي و المستنير  هو  أيضا نتيجة تنشئة مجتمعية في  بيئة مثقفة و متسامحة.

لذلك  يكفى لوماً  للآخرين ، و لننظر كشعب  نظرة معمقة  إلي  داخل أنفسنا  ، و  داخل بيوتنا ،  و  داخل مدارسنا ،  ومن ثم  داخل مجتمعنا الممزق بسبب العنف و الجهل .

و علينا أن نشعر بالخجل  بسبب  عجز عقلنا الفلسطيني ، عن ايجاد حل نهائي للتخلص من احتلال مستمر منذ  خمسين  عاما ، فهل نحتاج لخمسين عاما أخرى،  للتكيف  مع متطلبات العصر ، و لكي يتطور عقلنا الفلسطيني حتى  نجد  الحل السحري للتخلص من هذا الاحتلال؟

فلتستمر إسرائيل بإرسال تحذيراتها  إلي حماس ، و لتستمر حماس بتهديداتها ووعيدها  لإسرائيل ، لكن نحن كشعب لدينا رسائل أخرى !

رسائلنا تكمن   باستمرارنا  بالصمود، و الصبر  من أجل الحياة ، و الأمل بمستقبل حر ومشرق،  يبدأ بتعليم أطفالنا أول  أحرف  الوطن،  الذي يجب أن يوفر لنا  الحريه و  الكرامة و الوحدة و  التسامح و الحضاره.

قراءة تحليلية للبرنامج السياسي لحركة فتح المقدم في المؤتمر السابع

تم نشر المقال في مجلة سياسات ، العدد 39

المقدمة :

بعد   مرور نحو 6 سنوات منذ  انتهاء  مؤتمر فتح السادس الذي تم عقده في بيت لحم  خلال عام 2009 ، عقدت حركة فتح مؤتمرها السابع بتاريخ  29/11/2016  برا م الله ،  بعد  التوصل لإجماع فتحاوي كبير بضرورة عقد هذا المؤتمر  قبل نهاية  عام 2016  ، وذلك  لأهميته الكبرى في  توحيد صفوف  أعضاء  حركة فتح  في فلسطين و الشتات،  و من أجل إعادة صياغة  البرنامج السياسي لحركة فتح  وتحديثه ليتناسب مع متطلبات المرحلة  المقبلة  التي ستمر بها القضية الفلسطينية خلال السنوات القادمة،  وذلك في ظل   استمرار الانقسام الفلسطيني، و زيادة الاستيطان الإسرائيلي، و تعثر عملية  مفاوضات السلام ، الأمر الذي  جعل مستقبل القضية الفلسطينية يبدو مجهولا و غامضا ، و يحتاج لمراجعة دقيقة من قبل أعضاء حركة فتح مع إجراء تقييم ذاتي لأوضاع الحركة ، من أجل الحفاظ على دور فتح التحرري الرائد في إدارة ملف القضية الفلسطينية ، و حماية  الثوابت الوطنية التي من أهمها ؛استقلال الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 و عاصمتها القدس وعودة اللاجئين.

وفي ضوء التحديات التي واجهتها حركة فتح،  خلال ترتيباتها لعقد  مؤتمرها السابع برام الله ، التي تكمن  بمحاولات حثيثة لبعض الأعضاء المفصولين من فتح  بتشتيت جهود الحركة ،و قلق فتحاوي من عدم سماح إسرائيل لأعضاء فتح بغزة  للذهاب  إلي رام الله  للمشاركة بالمؤتمر ، تجاوزت فتح تلك التحديات الكبيرة و نجحت بالفعل في عقد مؤتمرها السابع  بموعده المحدد مع حضور عربي ودولي مميز،  و بمشاركة  دبلوماسيين  عرب و أجانب  وممثلي لمنظمات دولية تابعه للأمم المتحدة ، وممثلي لأحزاب اشتراكية أوروبية و شخصيات دولية ناشطة في حركات التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

وتكمن أهمية مؤتمر فتح السابع ،  في مناقشته للبرنامج السياسي لحركة فتح ،  الذي ستلتزم به الحركة   خلال السنوات القادمة ، حيث يتناول هذا البرنامج استراتجييه فتح الوطنية في نضالها السياسي،  ورؤية فتح لأشكال النضال و الثوابت الوطنية التي لا يمكن التخلي عنها،  مع توضيح لأهم الخطوات التي يجب أن تتخذها فتح على كافة الأصعدة  و المستويات الوطنية و العربية و الدولية من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي،  وتوحيد الصف الفلسطيني و تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967  و عاصمتها القدس.

وبسبب  أهمية البرنامج السياسي لحركة  فتح المقدم في المؤتمر السابع ، الذي يتضمن  وصف  فتح  الخاص لأحوال  الشعب الفلسطيني و  تطورات  القضية الفلسطينية ، و الذي يرسم  أيضا أهم سياسات فتح المستقبلية من أجل التخلص من الاحتلال الإسرائيلي  في ظل المتغيرات الإقليمية و  العربية و الدولية ،  كان من الضروري  جدا إعادة قراءة هذا البرنامج السياسي بشكل معمق، من أجل تحليل  أهم بنوده  بأسلوب  موضوعي بعيدا عن التنظير السياسي.

وذلك  لكي يتم  تقديم  للقراء و المعنيين بالشأن الفتحاوي ،  نظرة تحليلية  شاملة  لإستراتيجية حركة فتح و خطة عملها المستقبلية ، التي تتضمن أهم الخطوات التي ستتخذها الحركة في سبيل تنفيذ مشروعها  التحرري الوطني،  بناءً على الثوابت الوطنية التي أكدت عليها الحركة مراراً في كل برامجها السياسية.

لذا ستتناول هذه القراءة التحليلية لبرنامج فتح السياسي، مراجعة لأهم محتويات البرنامج السياسي الذي تم كتابته في   ( 55 ) صفحة،  شملت مقدمة و ثلاثة فصول تحت عناوين متنوعة مثل إستراتيجية فتح و المهام و الخطوات المقبلة، كما شمل البرنامج ملخص الاشتباك و ملحقين.

  • الفصل الأول: في الإستراتيجية

تناولت إستراتيجية  حركة فتح ضمن البرنامج السياسي المقدم في المؤتمر السابع ،  عدة قضايا و  أمور  مهمة،  تتعلق بموضوع الثوابت الإستراتيجية للحركة،  و قضية التحرر الوطني من منظور حركة فتح ، بالإضافة لأهم  الأساليب التي ستتبعها حركة فتح في النضال ، مع عرض رؤية فتح حول  الهوية المستقلة و الوحدة الوطنية و الانتماء العربي و الأديان و العلاقات و التحالفات و بعض السمات الخاصة التي تتمسك بها الحركة. و تتلخص أهم أجزاء إستراتيجية فتح المقترحة في البرنامج السياسي للحركة في العناوين التالية:

  • الثوابت الإستراتيجية والسياسات المرحلية لحركة فتح:

عند قراءة بند الثوابت الإستراتيجية لحركة فتح ،  نلاحظ  أن أهم الثوابت التي تتمسك بها حركة فتح حتى هذا العصر،  هو الاعتزاز الفتحاوي الكبير بأن حركة فتح مازالت حركة ثورية تحررية ، تهدف إلي تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي و الاستيطان ، و هي مازالت متمسكة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

و يدل  ذلك الفخر الفتحاوي  بالثوابت الوطنية،  و تمسك الحركة بمسمى الحركة الثورية  و التحررية،  على عدم تغير  المبادئ التاريخية  لحركة فتح ،  وعلى تمسك فتح بالقواعد الأساسية التي تم تأسيسها بناءً عليها  منذ عهد بداية الثورة الفلسطينية  في الستينات ، وذلك بغض النظر عن  حدوث تغيرات سياسية  وطنية وعربية و دولية ، التي من شأنها أن تؤثر على الاتجاهات السياسية  لأعضاء الحركة ، إلا و أن الحركة مازالت تعتز وتفتخر بكونها حركة تحرير وطني ،  تسير في نهج طويل و بعيد المدى،  و تحمل في طياتها أهداف إستراتيجية كبرى.

و تعترف حركة فتح  ضمن طرحها لأهم ثوابتها الإستراتيجية ،  بوجود أخطاء سابقة تم ارتكابها من قبل بعض أعضاء فتح ، و تعرب الحركة عن استعدادها  لتصحيح تلك الأخطاء، مما  يدل ذلك على أن أعضاء فتح لديهم وعي كافي بنقاط ضعفهم و بالتصرفات الخاطئة  التي حدثت بالسابق من قبل بعض الأعضاء،  و هم  يدركون جيدا أن  فتح  كان لديها بعض  التجارب السياسية الخاطئة  ، لذا أعتقد أن  إعلان فتح  عن استعدادها  لتصحيح تلك الأخطاء يدل على أن الحركة  بدأت  بالفعل  إجراء تقييم ذاتي و داخلي لأدائها السياسي ، و يدل ذلك أيضاً على رغبة الحركة في استخلاص العبر و الدروس المستفادة من تجارب الماضي ،  من أجل تحسين طريقة إدارتها لملف القضية الفلسطينية لصالح الشعب الفلسطيني ، و عليه  أتوقع أن حركة فتح ستشهد موجة من الإصلاحات الداخلية الهامة ومزيد من العمل المنظم و المدروس  و التخطيط المستقبلي،  لرفع مكانة الحركة  عند الشعب الفلسطيني و لتعزيز ثقة أعضاء الحركة بأنفسهم و تمكينهم من الاستمرار في مشروع النضال الوطني تماشيا مع احتياجات المرحلة السياسية القادمة،  التي تتسم بكثرة التحديات الوطنية  بسبب استمرار الانقسام الفلسطيني و اتساع المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية.

و ذكرت  أيضا حركة فتح   ضمن إطار ثوابتها الإستراتيجية ، أنها تتمسك  بالديمقراطية و التعددية الحزبية و  هي تعتز بكونها  حركة ديمقراطية ، تشمل جميع طوائف الشعب الفلسطيني بمختلف أيدلوجياته و توجهاته الثقافية و الدينية و السياسية من التيارات اليسارية و الإسلامية و القومية،  و تؤكد  فتح بأنها حركة ديمقراطية شاملة لجميع طوائف الشعب الفلسطيني ، مما يدل ذلك على تطبيق   حركة  فتح  لمنهج المشاركة السياسية مع الجميع ،  و تبنيها لثقافة التنوع و احترام الاختلاف،  و قبول الرأي  الأخر،  بشرط عدم تصادم الفصائل الفلسطينية الأخرى مع مبادئ الحركة الأساسية،  و عدم تناقض مصلحة القوى السياسية الأخرى مع مصلحة الشعب الفلسطيني بشكل عام ، و مصلحة الحركة بشكل خاص. و أعتقد هنا  أن وصف  فتح  لنفسها بأنها حركة شاملة  لجميع طوائف الشعب الفلسطيني،  يجعل الحركة بعيدة عن التصنيف الديني و الأيدلوجي للأحزاب السياسية ،  و يعطيها مزيد من الشعبية والشرعية،  لأنها فتحت المجال لكافة أطياف الشعب للانتساب  إليها   بغض النظر عن ديانتهم و اختلاف ثقافتهم و اتجاهاتهم الفكرية و الأيدلوجية ، مما يجعلها أكبر حركة تمثل الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته،  و يدل أيضاً ذلك التعريف الديمقراطي لحركة فتح ، على الحنكة السياسية لمؤسسي الحركة،  و ذكاء أعضائها الذين وسعوا نطاق عضوية حركتهم لتشمل الجميع ،  الأمر الذي سوف يثري فكر الحركة بآراء متنوعة و يجعلها منفتحة على العالم ،  ومرنة و غير معزولة و قريبة من الحياة  الواقعية للشعب الفلسطيني في الداخل و الشتات.

  • التحرر من الاحتلال الصهيوني الاستعماري الاحلالي و إنهاء استيطانه والوصول إلي الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني

تصف  حركة فتح  ضمن استراتيجيها  تحت عنوان التحرر ، الاحتلال الإسرائيلي،  بأنه  احتلال احلالي و ليس مجرد احتلال مؤقت ، ويدل هذا الوصف على أن الحركة  تعتبر هدف إسرائيل الرئيس،  هو  إلغاء  الوجود الفلسطيني و احلال محله كيان إسرائيلي ، لذا استخدمت  حركة فتح  مصطلح  ” احلالي ”  بشكل مقصود ومتعمد ،  للإشارة لخطورة الاحتلال الإسرائيلي  على المشروع الوطني و بالأخص  خطورة  المشاريع الاستيطانية التي تتبنها الحكومة الإسرائيلية.

و تعتبر فتح  ضمن برنامجها السياسي،  أن صراعها الأساسي هو مع الاحتلال الإسرائيلي،  و ليس مع الفصائل الفلسطينية ، وهنا نجد تلميحات فتحاوية واضحة ،   بأنها لا تعادي أي حزب  سياسي فلسطيني  أخر و لا تتنافس معه  بل هي  تُعبر عن رفضها لتضييع وقتها في خلافات و تناقضات مع أحزاب فلسطينية أخرى لأن تركيزها الأساسي ، هو الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي  تعتبره عدوها الأول.

و تتمسك حركة فتح مثل أي حركه تحريرية و ثورية بالعالم ، بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ، وهي مازالت تطالب  بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 ، و حق عودة اللاجئين أو تعويضهم حسب قرارات الأمم المتحدة  رقم (194) و رقم (181).

و يدل اقتباس فتح لقرارات الأمم المتحدة وذكرها  ضمن  بند التحرر ، على تمسك أعضاء فتح  بأدوات القانون الدولي ، و قرارات الأمم المتحدة كمرجعية لفتح ،  عند المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني بالتحرر،  و هنا نلاحظ  مدى جدية الحركة  بتوظيف أدوات القانون الدولي في برامجها و استراتجياتها السياسية،  مما يدل على الثقافة الحقوقية و الدولية  لأعضاء الحركة و على نجاح  الدبلوماسية الفلسطينية  التي تقودها وزارة الخارجية الفلسطينية  في التأثير على قرارات و برامج حركة فتح،  بسبب  الانجازات  التي  حققها  فريق العمل الدبلوماسي الفلسطيني  في أروقة الأمم المتحدة،  عندما تم الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب خلال عام 2012.

وعند مطالعة بند التحرر في إستراتجية حركة فتح،  نجد اهتمام فتحاوي كبير  بقضية الاستيطان الإسرائيلي،  حيث تعتبر فتح أن من أهم الخطوات المقبلة التي يجب أن تتبعها الحركة  ضمن برنامجها السياسي،  هو التصدي للاستيطان بالإضافة إلي التصدي لمحاولات إسرائيل بتهويد القدس ، ويدل ذلك الاهتمام بقضية الاستيطان و القدس على أن فتح تدرك بشكل كبير خطورة الاستيطان على وحدة أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة،  وهي تعتبر أنه لا يمكن تحقيق تحرير كامل للأراضي الفلسطينية دون اقتلاع الاستيطان من أراضي الضفة الغربية و القدس الشرقية.

أما بالنسبه لوسائل الكفاح و النضال التي تعتمدها فتح من أجل الوصول إلي التحرر،  نلاحظ من خلال قراءة البرنامج السياسي للحركة ، أن فتح لم تتخل بشكل كامل عن مبدأ الكفاح المسلح ، بل مازالت تعتبره أداة مشروعة  حسب   القانون الدولي ،  الذي يكفل حق الدفاع عن النفس ضد أي عدوان،  لكن في نفس الوقت  لا تعتبر فتح الكفاح المسلح بأنه أداة وحيدة وملزمة  لها دائما ، أو مفروضة بشكل قصري على أعضاء الحركة لاستخدامها ضد الاحتلال الإسرائيلي ، وهنا أعتقد أن حركة فتح تراعي التغيرات الإقليمية و الدولية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط  التي أثرت على سياسات الدول فيما  يتعلق بمجال استخدام العنف لحل الصراعات ، حيث بات المجتمع الدولي يطالب طرفي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي،  بضرورة تبنى أدوات سلمية لحل الصراع مثل المفاوضات ، و أصبحت المجتمعات الدولية تنفر من استخدام القوة و العنف  ، وهذا ربما ما تخشاه حركة فتح ، بأن يتم الخلط بين العمل المقاوم المسلح الفلسطيني  وبين عمل التنظيمات الإرهابية ،  مما قد يُفقد التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية ، خاصة أن إسرائيل تستغل أي فرصة  من أجل اتهام حركة فتح بأنها حركة غير سلمية.

لذا من خلال الاطلاع على بند التحرر ،  نلاحظ أن حركة فتح لم تستنكر الكفاح المسلح و لم تنفي شرعيته و لكنها تُحبذ استخدام أدوات سلمية شعبية  ،  تتماشى مع متطلبات  العصر الحديث و المرحلة السياسية الجديدة ، مثل أدوات الدبلوماسية الفلسطينية و القانون الدولي و النضال الشعبي ، و أعتقد أن هذا قرار جيد وحكيم  من قبل فتح بتبنيها   النهج السلمي ، لأنه بالفعل قد حققت  الدبلوماسية الفلسطينية  نجاحات  كبيرة  في الأمم المتحدة، كان أحدثها إصدار القرار الأممي  رقم ( 2334 ) المتعلق بوقف الاستيطان ، و قد نجحت أيضا الدبلوماسية الفلسطينية بإقناع كبرى الدول الأوروبية مثل فرنسا و بريطانيا بأهمية استنكار الاستيطان ومقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

أما بالنسبة لملف القدس ، نلاحظ في  البرنامج السياسي لحركة فتح ،  رغبة الحركة بالتركيز على قدسية القدس من ناحية إسلامية ، حيث أضفت الحركة على القدس بعدا إسلاميا مقدساً ،  ولم تكتف بوصف القدس بأنها عربية ، وذلك لأنها  حسب اعتقادي  ،  تريد أن تروج   للقضية الفلسطينية كقضية إسلامية وليست فقط قومية عربية ، حتى تستقطب أكبر عدد ممكن من الدول الإسلامية الغير عربية لصالح القضية الفلسطينية ، ومن أجل  محاربة الرواية الإسرائيلية التي تروج ليهودية القدس، و هنا تريد فتح أن تستنهض جهود الدول الإسلامية  للدفاع عن القدس ومنع تهويدها.

  • أساليب النضال و أشكاله

وتؤكد  فتح مرة أخرى ضمن بند الأساليب ،  أن الكفاح المسلح هو حق ثابت ،  مما يدل على أن حركة فتح لا تمانع وجود مقاومة مسلحة في الأراضي الفلسطينية،  لكنها في نفس الوقت يوجد لديها تحفظات حول هدف الكفاح المسلح،  حيث شددت الحركة بأن   الكفاح  المسلح  هو كفاح مشروط ويجب أن لا يستهدف حياة المدنيين،   و أنه يجب أن لا يتم خارج الأراضي الفلسطينية ، مما  يدل  على وعي أعضاء فتح بحقوق الإنسان و أخلاقيات الحرب،  و اتفاقيات جنيف الأربعة،  التي تطالب  بعدم المساس بحياة المدنيين العزل . و تأكيد فتح أن الكفاح المسلح يجب أن لا يتم خارج فلسطين،  يدل على مدى  احترام حركة فتح لسيادة الدول الأجنبية و العربية ، و حرصها الشديد على  كسب ثقة تلك الدول و الاحتفاظ بعلاقات تعاون وشراكة وصداقة حقيقية من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني،  ومن أجل عدم توريط القضية الفلسطينية بمشاكل أمنية ، قد تؤثر سلباً على مستقبل الشعب الفلسطيني ، و تضعه في قوائم الإرهاب الدولي ، وذلك لتقطع الطريق أمام أي محاولة إسرائيلية لاستغلال العمل المسلح الفلسطيني بالخارج من أجل تأليب  الرأي العام الدولي  ضد القضية الفلسطينية.

و ترى أيضاً ، فتح أن استخدام  الكفاح المسلح في الداخل الفلسطيني ،  يجب أن يتم عند الضرورة،  وبشكل منظم   حتى لا يحدث فوضى أمنية و فوضى سلاح داخل الأراضي  الفلسطينية، وهنا أكاد أستشعر قلق فتحاوي  كبير حول تخوف الحركة من حدوث  فلتان أمني في الشارع الفلسطيني ، خاصة أن عام 2016 قد شهد أحداث إطلاق نار متفرقة في المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية  ، مما يجعل حركة فتح متحفظة حول مدى جدوى استخدام السلاح في داخل الأراضي الفلسطينية. و تعتقد فتح أيضاً أن استخدام الكفاح المسلح يجب أن يكون في الوقت المناسب و بناءً على تقييم واقعي للقدرات الذاتية للحركة، و مدى استعداد الشعب الفلسطيني وقدرته على الصمود، و الظروف الداخلية في فلسطين بسبب  اختلاف موازين القوة بالعالم،  حيث  تدرك فتح بشكل واضح،  حجم قوة إسرائيل العسكرية ، لذلك ترى أن أنسب وسيلة لإضعاف إسرائيل هو العمل على هز مكانة إسرائيل الدولية عن طريق استخدام أدوات المقاومة السلمية التي تتعدد أشكالها، مثل المفاوضات و الدبلوماسية الدولية و العصيان المدني و المقاطعة الدولية و المظاهرات و المسيرات السلمية التي تعتبر أقل كلفة للشعب الفلسطيني و تحافظ على حياة الشعب الفلسطيني، و لكنها تسبب في نفس الوقت خسائر كبيرة في إسرائيل . ويدل هذا الطرح الفتحاوي لتعريف طبيعة المقاومة المطلوبة ضد الاحتلال الإسرائيلي ، على أن فتح هي  حركة واقعية،  لا تعاني من تضخيم  الذات،  وتدرك بشكل مدروس  قدراتها و إمكانياتها الحقيقية  و لا تريد أن تورط الشعب الفلسطيني في حروب دامية مثلما حدث بغزة ، أو أن تتسبب لشعبها  بخسائر مادية وبشرية ،و هي  ربما تعتبر الكفاح المسلح أداة يمكن استخدامها بالمستقبل البعيد،  في حال فشلت أدوات النضال السلمي بتحقيق التحرر الوطني و الاستقلال،  لذا أعتقد أن هذا الكفاح المسلح لم يسقط  بعد من حسابات فتح السياسية.

وتطرح فتح ببرنامجها السياسي قبولها السابق بفكره الدولة الفلسطينية الواحده التي يتعايش بها المسلمين و المسيحيين و اليهود بشكل سلمي، و هنا ألمح  تحذير فتحاوي لإسرائيل أنه في حين رفضت إسرائيل التفاوض على حدود دولتين،  فلن يكون هناك خيار أمامها سوى القبول بحل الدولة الواحدة.

  • الشخصية الوطنية المستقلة والهوية الفلسطينية:

وخلال الاطلاع على إستراتجية فتح تحت بند الهوية المستقلة ،  نجد أن فتح ترفض بشدة مبدأ إعادة توطين اللاجئين  الفلسطينيين في الدول العربية ، مما يدحض هنا  أية  شكوك فلسطينية و عربية،  تجاه إمكانية قبول فتح بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، و يدل على مدى تمسك فتح بحق العودة للاجئين و تعويضهم.

و تعتز فتح ضمن برنامجها السياسي بانتمائها للحضارة العربية و الإسلامية ، مما يدل على تمتع فتح بعلاقات جيدة مع الدول العربية و الإسلامية ،  و على رغبة فتح بتوثيق العلاقات العربية و الإسلامية لصالح القضية الفلسطينية ، و لكن في نفس الوقت ترفض فتح تبعيتها لأي دولة عربية أو إسلامية للحفاظ على هوية  الحركة  و استقلالية القرار الفلسطيني، حتى لا يتم إقحام  القضية الفلسطينية في الصراعات و الانقسامات العربية و الإقليمية مما ينعكس سلبا على مستقبل التحرر.  وهنا أعتقد أن فتح قد تعلمت جيداً من تجاربها السابقة مع الدول العربية ، وبالأخص من تجربة الحرب بين العراق و الكويت، مما جعل فتح تتبنى حالياً  سياسة النأي بالنفس عن أية خلافات عربية داخلية.

  • الوحدة الوطنية الفلسطينية:

لا تقتصر الوحدة الوطنية ضمن برنامج فتح السياسي على الشعب الفلسطيني المتواجد ضمن حدود  أراضي عام 1967، بل  تمتد تلك الوحدة لتشمل جميع الفلسطينيين المتواجدين في كل مكان بالعالم بما فيه أراضي الخط الأخضر ، مما يدل على عدم اعتراف فتح بشكل كامل بالدولة الإسرائيلية،  وعدم تخليها عن فلسطيني 48 و اعتبارها لهم  كجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني بالرغم من حصولهم على الجنسية الإسرائيلية.

ومن المثير للانتباه أيضا، أن فتح تعتبر ضمن برنامجها السياسي ، طائفة  اليهود السامرين ، كجزء من الشعب الفلسطيني ، وذلك على الرغم من اعتناقهم الديانة  اليهودية وعلاقتهم الجيدة مع إسرائيل ، مما يدل  على أن حركة فتح هي حركة  متسامحة دينياً ، وتحترم حقوق الأقليات الدينية، ولا تحمل أي عداء تجاه أصحاب الديانات السماوية الأخرى، لكن صراعها الأصلي هو مع الصهيونية و ليس الديانة اليهودية. و يدل أيضاً ذكر فتح للسامرين ضمن  بند الوحدة الوطنية ، على مدى حسن و قوة العلاقة بين  السامرين و قيادة حركة فتح.

و تعتبر فتح ضمن برنامجها السياسي، أن الاقتتال الداخلي الفلسطيني وإراقة الدم الفلسطيني،  هو خط أحمر بالنسبة لها،  مما يدل على توق الحركة للمصالحة الفلسطينية و تمسكها بالوحدة الوطنية. و تؤكد أيضاً الحركة  أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني، مما يدل على  حرص فتح الشديد من عدم سقوط  الفصائل الفلسطينية في مصيدة الحزبية، و يدل على  رغبة فتح  بقطع الطريق أمام تحكم  أي حزب سياسي فلسطيني بمصير الشعب الفلسطيني.

  • الانتماء العربي والعلاقة العربية:

وهنا تؤكد فتح على انتمائها للأمة العربية و اعتزازها بعضوية فلسطين في جامعة الدول العربية، وهي تُصر على التزامها بعدم الدخول في تحالفات جزئية مع بعض الدول العربية ضد دول عربية  أخرى، وعدم التدخل في الشئون الداخلية العربية، أو قبول الوصاية و التبعية لأحد ، مما يدل ذلك على اعتماد حركة فتح سياسة النأي عن النفس،  و يدل أيضاً على  الحنكة و الحكمة السياسية التي يتمتع بها أعضاء فتح بعدم تهورهم السياسي و منعهم لتوريط الشعب الفلسطيني في صراعات عربية هو في غنى عنها.

  • الإسلام و الأديان السماوية في إستراتجية فتح

و من المثير للانتباه في برنامج فتح السياسي ،  أنه تم كتابة  بند خاص يتعلق بالديانة الرسمية للدولة الفلسطينية، حيث أكدت حركة فتح بأن الدين الرسمي للدولة الفلسطينية يجب أن يكون الإسلام مع احترامها في نفس الوقت  للديانات السماوية الأخرى،  مثل المسيحية و اليهودية الغير صهيونية ، و أكدت الحركة  أيضاً على ضرورة عدم التمييز بين أصحاب الديانات الأخرى ، مما يدل على  تمسك فتح بمبادئ السلم الأهلي و التسامح الديني و احترامها لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  التي تطالب الدول باحترام حرية العقيدة و العبادات.

  • دور العلاقات الدولية في إستراتيجية فتح

أما بالنسبة لنظرة فتح  لموضوع  العلاقات الدولية  ، نلاحظ  من خلال قراءة إستراتجية فتح ، أن الحركة  لا تهدف لإنشاء علاقات دولية عشوائية وعفوية مع أية دولة بالعالم ، بل هي تؤسس  لعلاقات دولية  محسوبة سياسياً  بناءً  على فرضية  المصلحة المتبادلة من أجل  توظيف تلك العلاقات  في  الصراع مع إسرائيل ، حيث ذكر أعضاء فتح في برنامجهم السياسي،  أن الحركة يمكنها توظيف هذه  العلاقات الدولية في تأليب الرأي العام الدولي ضد إسرائيل و حث شعوب العالم على  مقاطعة إسرائيل و العمل على إزالة شرعيتها  باستخدام أدوات القانون الدولي و الوسائل الدبلوماسية.

ونلاحظ  أيضا من خلال الاطلاع على بند العلاقات الدولية في إستراتيجية فتح المستقبلية، أن هناك أمل فتحاوي كبير بانتهاء نظام القطبية الواحدة بالعالم  الذي   تقوده  الولايات المتحدة الأمريكية ،  و أن هناك بدايات لظهور نظام متعدد القطبية بقيادة عدة دول كبرى مثل روسيا و الصين و دول الاتحاد الأوروبي . وهنا أعتقد  أن اهتمام  فتح بطبيعة النظام الدولي يدل على رؤية فتح المستقبلية حول اختلاف موازين القوى في العالم ، لذا أتوقع هنا ، أن من  أولويات فتح  المستقبلية في مجال العلاقات الدولية هو مزيد من توثيق علاقاتها الدولية  مع كل من روسيا والصين وبعض الدول الأوربية مثل فرنسا ،  تلك الدول التي بدأت  بالفعل اتخاذ  مواقف أكثر انحيازاُ  تجاه القضية الفلسطينية ، مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية التي تنحاز بشكل علني وصريح  إلي الطرف الإسرائيلي ، وهنا نلمس توجه  فتح  السياسي نحو مزيد من التوازن في علاقاتها الدولية بين الغرب و الشرق ، وذلك حتى لا يتم احتكار ملف  مفاوضات  السلام   في أيدي  الولايات المتحدة الأمريكية.

وتنسجم  رؤية فتح في العلاقات الدولية مع ما يتم تطبيقه بالفعل على أرض الواقع بخصوص ملف المفاوضات، حيث رحب سابقاً ، الرئيس محمود عباس بالمبادرة الفرنسية ، و بدعوة روسيا للطرفين الفلسطيني- الإسرائيلي للمشاركة بمؤتمر للسلام في روسيا ، مما يدل على توافق و انسجام بين السياسة الفتحاوية و الدبلوماسية الفلسطينية التي تقودها وزارة الخارجية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وتعتبر فتح أيضاً العلاقات الدولية بأنها المدخل الوحيد للاعتراف بالدولة الفلسطينية كدولة كاملة العضوية بالأمم المتحدة ، وهي الطريق الذي سيجعل فلسطين عضو في محكمة الجنايات الدولية التي تعتبرها فتح ورقة هامة للضغط على إسرائيل،  و محاسبة قادتها ضد جرائم الحرب التي ارتكبوها  تجاه الشعب الفلسطيني.

  • سمات أخرى مميزة في إستراتيجية حركة فتح

ومن ضمن السمات الخاصة  التي ركزت عليها حركة فتح في برنامجها السياسي ،  هي الديمقراطية و التسامح و المدنية ، مما يدل على حرص أعضاء فتح  الشديد للمحافظة  على الطابع الديمقراطي  للحركة و عدم رغبتهم باحتكار القرارات الفتحاوية الرئيسة  في أيدي  فئة واحدة قليلة.

أما بالنسبة لتركيز فتح على سمة المدنية و رفضها للإرهاب و التطرف ، يدل  ذلك على اهتمام فتح  ببقائها  كحركة وطنية ذات شرعية دولية ،  لا تخالف القوانين الدولية ، و لا تخل بمبادئ النظام العالمي في محاربة الإرهاب و التطرف الذي بدأ يجتاح  العالم بسبب ظهور بعض الحركات الإرهابية.  لذا أعتقد هنا أن  فتح  تستنكر وتنبذ بشكل واضح  أية عمليات إرهابية  تحدث بالعالم و تستهدف المدنيين.

و تذكر  فتح في استراتيجيها ، أن من  السمات  الخاصة  التي تتميز بها هي الواقعية ، ومبدأ  إعمال العقل و المنطق ، و النظرة العلمية للأمور،  مما يدل على منطقية  فكر  أعضاء الحركة و إيمانهم بنظرية المدرسة الواقعية في الحياة السياسية  و يدل أيضاً على رغبتهم في تبني أهداف ذكية قابلة للتحقيق،   بعيدا  عن أسلوب الخيال السياسي و تضخيم الذات ، حيث تعلم  فتح  جيدا أنها لا يمكنها مواجهة  دولة قوية و تكنولوجية مثل إسرائيل بواسطة  الشعارات العاطفية الرنانة، بل  تستطيع دحض الرواية الإسرائيلية عن طريق الوقائع التاريخية و الأدلة و البراهين التي تثبت حق الشعب الفلسطيني بالأرض.  و تُشير  فتح  ضمن بند السمات الخاصة  إلي  الأزمة الإنسانية  التي يعاني منها الشعب الفلسطيني بقطاع غزة،  و التي تتمثل بمشكلة المياه و الكهرباء ، مما يدل على  اهتمام فتح ومتابعتها المستمرة لتطورات الوضع الإنساني بقطاع غزة ، وذلك على الرغم من سيطرة حركة حماس عليه،  إلا أن فتح مازالت تعتبر نفسها مسئولة عن رعاية مصالح سكان قطاع غزة ومحاولة إيجاد حلول إنسانية لمشاكلهم.

  • الفصل الثاني: مهام المرحلة القادمة

 

  • عناصر القوة والضعف:

لخصت فتح في برنامجها السياسي ، أهم مهامها  في المرحلة القادمة  و أكدت أنها  مستعدة لمرحلة نضال جديدة  و أكثر تعقيدا وخطورة بسبب بعض العوامل  الداخلية و الخارجية  مثل الانقسام الفلسطيني و  الانحياز الأمريكي لإسرائيل ، و الصراعات العربية و الإقليمية.

ونلاحظ من خلال قراءة مهام  المرحلة الجديدة التي ذكرتها فتح في برنامجها السياسي،  أن الحركة  قد أجرت قبل تحديدها  لتلك المهام تقييما سياسياً   لأهم  عناصر القوة والضعف التي ستتسم  بها مرحلة العمل السياسي المقبلة ، وذلك من أجل تحديد قدرات و إمكانيات فتح  الداخلية و الخارجية،  للتعامل مع متطلبات مرحلة النضال السياسي القادمة،  مما  يدل على  مدى إدراك  حركة فتح بأهم التحديات و الفرص التي قد تعيق تقدم ملف القضية الفلسطينية  أو تساهم  في تحقيق مزيد من الإنجازات السياسية لصالح الشعب الفلسطيني.

أولاً) عناصر القوة

و حسب تقييم حركة فتح، فإن أهم عناصر القوة التي يمكن استغلالها في إدارة الصراع مع إسرائيل خلال المرحلة القادمة هي ما يلي:

  • صمود الشعب الفلسطيني و التزامه و إيمانه القوي بعدالة قضيته : وهنا نرى أن فتح تستمد قوتها وشرعيتها من الشعب الفلسطيني، حيث تعتبر الحركة  دعم الشعب الفلسطيني هو من أهم عناصر القوة لأي حزب سياسي.
  • الدعم و التعاطف العربي مع القضية الفلسطينية : على الرغم من إدراك فتح أن الوطن العربي يعاني من انقسامات وصراعات داخلية من شأنها أن  تشتت اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية ، إلا و أن فتح لا تنكر دور الدول العربية   في دعم الشعب الفلسطيني،  مما يدل  على  أن فتح مازالت تُعولُ على الدور العربي في دعم القضية الفلسطينية ، وعلى تمسكها بمبادرة السلام العربية،  وحرصها على التعاون المشترك مع الدول العربية.
  • التطرف اليميني الاستيطاني الإسرائيلي : وهنا تعتقد فتح أن وجود أحزاب يمنية متطرفة بإسرائيل سيكون سبب في انهيار إسرائيل من الداخل ، و أن إسرائيل ستضعف مع مرور الزمن بسبب تطرف قياداتها الذين سيتسببون بعزلة إسرائيل دوليا .  لذا ترى فتح أن ذلك التطرف الإسرائيلي سيكون بمثابة نقطة قوة لها، لأنها ستستغلها من أجل تحميل إسرائيل مسئولية فشل السلام و ستتهمها بانتهاك القانون الدولي عن طريق الاستيطان.
  • تغير في الرأي العام بأوربا و أمريكا اللاتينية تجاه القضية الفلسطينية: وهنا تعتقد فتح أن الرأي العام في أوربا و دول أمريكا اللاتينية قد تغير لصالح القضية الفلسطينية،  بسبب استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية ما أفقد تعاطف العالم معها ، حيث بات العالم يعرف أن الفلسطينيين هم ضحية الاحتلال، و أن إسرائيل هي الجلاد الذي لا يريد السلام و ينتهك حقوق الشعب الفلسطيني. وهنا أعتقد أنه من الأفضل لحركة فتح عدم إظهار  دوما الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام بصورة  الضحية  المطلقة ، لأن بذلك  قد يظهر الشعب الفلسطيني  كشعب  ضعيف و مغلوب على أمره،  و لا يتحمل مسئولية الدفاع عن نفسه ، لذا من الأفضل استخدام أسلوب إيجابي وقوي ،  لتحسين صورة الشعب الفلسطيني في الخارج بتصويره على سبيل المثال ، بأنه شعب صامد وقوي وصاحب حق،  و يستحق الحصول على دولته المستقلة و التحرر من الاحتلال بناءً على حقه التاريخي في فلسطين،  وحسب ما يكفله له القانون الدولي و اتفاقيات حقوق الإنسان من حقوق وواجبات.
  • نهاية حقبة القطبية الواحدة ونمو أقطاب هامة بالعالم :   و هنا تعتبر فتح نهاية حقبة القطبية الواحدة و نمو أقطاب هامة في العالم  بمثابة عناصر قوة يمكن استغلالها جيداً، مما  يدل ذلك على تفكير فتح الاستراتيجي و البعيد المدى،  و على رغبة فتح  الشديدة بإحداث توازن في علاقاتها الدولية مع دول أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحاول فتح  التخلص من الوصاية الأمريكية على ملف مفاوضات السلام ، لأنها تشك في موضوعية الولايات المتحدة الأمريكية  تجاه القضية الفلسطينية بصفتها حليفة إستراتيجية لإسرائيل.  لذا أعتقد أن فتح  مهتمة جدا بتوثيق علاقتها الدولية مع  دول كبرى أخرى مثل روسيا و الصين و دول الاتحاد الأوربي وبعض دول أمريكا اللاتينية و إفريقيا  من أجل حشد أكبر عدد ممكن  من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين المستقلة على حدود 1967 ،  و لكي ترغم إسرائيل على القبول بالشروط الفلسطينية المسبقة لاستكمال مفاوضات السلام.
  • نمو اتجاه و لو ضعيف داخل إسرائيل ضد الاحتلال: وهنا تُشير فتح بأن هناك تغير و لو بسيط في اتجاهات المجتمع الإسرائيلي ضد سياسات الاحتلال ، حيث حسب فتح ، يخشى الإسرائيليون من أن لا يكون هناك مستقبل لدولتهم في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.  و هنا أعتقد أن فتح تراهن على ورقة الخلافات الداخلية الإسرائيلية بين أحزاب اليسار  الإسرائيلي و أحزاب اليمين الإسرائيلي، فطالما  نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية  انتقادات حادة  لقوى اليسار الإسرائيلي  ضد  سياسات  اليمين الإسرائيلي خوفا على مستقبل وسمعة دولتهم.  لذا  أتوقع  هنا، أن فتح سوف تستغل  تلك الخلافات الإسرائيلية و سوف تتوجه لقوى اليسار الإسرائيلي من أجل شرح  وجهة النظر الفلسطينية تجاه السلام العادل لكي تقنعهم بالضغط على اليمين الإسرائيلي لوقف مشاريعه الاستيطانية والقبول بالشروط الفلسطينية لاستكمال مفاوضات السلام.

 

ثانياً) عناصر الضعف

أما بالنسبة لعناصر  الضعف التي يمكن أن تؤثر سلباً  على مرحلة النضال في السنوات القادمة ، تلخص فتح تلك العناصر في النقاط التالية:

  • قوة إسرائيل العسكرية وتقدمها الاقتصادي و التكنولوجي والدعم الأمريكي لها:

وهنا تعترف  فتح  بتفوق  إسرائيل  عسكرياً عليها بسبب الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل،  مما يدل على مدى ثقة فتح بنفسها و اعترافها  بإمكانياتها الذاتية  الحقيقية  بدون تضخيم الذات ، فالحركة لا تبالغ  بحجم قوتها و لا تستهتر بقوة  إسرائيل المدعومة أمريكيا ، و هذا   يدل على واقعية فتح، وعلى حرصها الشديد بعدم رفع سقف توقعات الشعب الفلسطيني فيما يتعلق  بالكفاح المسلح ، خشية من أن تفقد الحركة مصداقيتها عند شعبها.

  • التغيير في موازين القوى يحتاج لوقت طويل: وهنا تعتقد فتح أن الوصول لتوازن قوى جديد لصالح  القضية الفلسطينية،  يحتاج لمدة زمنية طويلة،  حيث أن العالم بدء  يشهد تغيرات  جذرية قد تؤثر سلبيا على المرحلة المقبلة في النضال الفلسطيني،  ومن أمثلة هذه التغيرات الدولية ؛ انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي،  و قلق العالم من قضية اللاجئين السوريين، و تصاعد الإرهاب ، و زيادة شعبية الأحزاب اليمنية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية، و التي تصفها فتح بأحزاب “يمنية فاشية”. وهنا أعتقد أن و صف حركة  فتح للأحزاب  اليمينية  بالعالم   بالفاشية ، هو وصف غير مناسب  و يخالف  الأعراف الدبلوماسية ، لأن بذلك تكون فتح قد أعلنت بشكل مباشر عدائها للأحزاب اليمنية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية ، مما سينعكس سلبا على جهود الدبلوماسية الفلسطينية بمحاولة إقناع تلك الأحزاب بعدالة القضية الفلسطينية ، خاصة أن تلك الأحزاب بدأت تتخذ مواقع متقدمة بأروقة الحكم في كل من أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية ، فالحزب الحاكم في بريطانيا هو حزب المحافظين الذي يعتبر حزب يميني  و الحزب الحاكم في أمريكا هو الحزب الجمهوري اليميني،  و هناك احتمال أيضاً أن تفوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات المقبلة بكل من فرنسا و هولندا ، لذا على فتح أن تكون أكثر حرصا حول مستقبل علاقاتها الدولية في تلك البلدان الهامة، و أن تتخذ موقف محايد تجاه الأحزاب السياسية الدولية ، حتى لا تستغل إسرائيل انتقاد فتح  الحاد لتلك الأحزاب اليمينية بالتحريض على  حركة فتح ، مما سينعكس سلبا على القضية الفلسطينية، ويقلل من التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني.
  • معاناة الوطن العربي من الانقسام و الصراعات الداخلية و الإقليمية: و من نقاط الضعف التي تأخذها فتح بعين الاعتبار،  هو انقسام الوطن العربي و التطرف الإسلامي ، و قلق فتح من احتمالية تقسيم كل من سوريا و العراق ، و نمو تنظيم  داعش  الذي  تعتقد  فتح أن من أسباب انطلاقه هو الغزو الأمريكي للعراق و الدعم  المتواصل له من قبل أيدي أجنبية . وهنا أعتقد أنه من الأفضل  لحركة فتح أن تنأى بنفسها عن كل شيء يتعلق بتنظيم داعش ، و أن لا تلعب دور المحلل السياسي لأسباب نمو هذا التنظيم،  أو تتهم أي دولة أجنبية بدعمه أو سبب ظهوره،  وذلك حتى لا تُقحم فتح نفسها في مأزق دولي ، و تقع  في فخ التهم المتبادلة  بدون أدلة وبراهين  حقيقية، فقضية  تنظيم داعش مازالت غامضة،  وحتى الدول الكبرى تتجنب الحديث عنها، وهي ليست من أولويات القضية الفلسطينية.  لذا يجب أن يتركز الخطاب الفتحاوي في البرنامج السياسي على الشأن الفلسطيني دون الاجتهاد بتحليل أسباب ظهور أية تنظيمات إسلامية متطرفة.
  • احتمالية التطبيع المجاني العربي مع إسرائيل:  وصفت فتح استعداد بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل بسبب ضغوطات أمريكية عليها ، أنه عنصر من عناصر الضعف في واقع القضية الفلسطينية . وهنا أعتقد أن فتح تخشى من أن تنجح إسرائيل بالتوصل لسلام عربي قبل الوصول لاتفاق نهائي مع الفلسطينيين ، مما يُضعف موقف الفلسطينيين ويفقدهم أهم ورقة عربية يمكنهم استخدامها للضغط على إسرائيل .
  • انقسام الساحة الفلسطينية سياسيا وجغرافيا: تعتبر فتح أن أخطر عناصر الضعف في المرحلة المقبلة هو استمرار  الانقسام الفلسطيني السياسي و الجغرافي  ، مما يدل على قلق فتح  الكبير من تشتت الصف الفلسطيني،  وعلى شعور  فتح  بالتضرر بشكل كبير من استمرار الانقسام  الفلسطيني،  وحاجتها  للعمل من جديد لاستعادة عافيتها وقوتها،  وتوحيد كوادرها في كافة أنحاء الوطن  و بالأخص بالضفة الغربية و قطاع غزة .
  • المهام المرحلية التفصيلية

و ترى فتح أنه من الضروري أن يتم   ترجمة التوجهات الرئيسة للحركة إلي مهام تفصيلية من أجل تحقيق أهداف الحركة في المرحلة القادمة،   و مواجهة الاحتلال الاستيطاني.  وتتلخص تلك المهام المرحلية المذكورة ببرنامج فتح السياسي عبر تلك النقاط التالية:

  • تقرير المصير: وهو يتمثل في الالتزام بالثوابت الوطنية، و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأقل ضمن حدود 1967 و عاصمتها القدس ، و العمل على توسيع الاعتراف الدولي بفلسطين،  ورفض مشروع دولة غزة،  أو دولة الضفة بدون غزة،  أو الدولة ذات الحدود المؤقتة. وهنا نلاحظ استخدام  فتح لكلمة  على “الأقل”  عند حديثها عن حدود الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 ،  مما يدل  على أن فتح  لن تقبل بإقامة دولة فلسطينية على مساحة أقل من حدود 1967 ، وفي نفس الوقت  أكاد أن أستشعر هنا  أمال فتحاوية  بالتفاوض مع إسرائيل  بالمستقبل البعيد،  لنيل مزيد من أراضي فلسطين التاريخية  لعام 1948، و أعتقد هنا أن فتح لا تريد أن تسقط  هذا الخيار من حساباتها ،  حتى تعطي فرصة أخرى للأجيال الفلسطينية  لاسترداد ولو جزء بسيط من أراضي الخط الأخضر. أما بالنسبة لرفض  فتح لإقامة دولة غزة أو دولة الضفة بدون غزة أو حتى دولة فلسطينية مؤقتة الحدود ، فأعتقد هنا أن هذا الرفض الفتحاوي لتلك الدول الممزقة يدل على تمسك فتح  بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الجغرافيا الفلسطينية،  و يدل على رفضها لكل المحاولات الإسرائيلية التي تُلمح  تارةً بدعمها  لإقامة دولة في غزة تحت  سيطرة حماس،   أو إقامة كونفدرالية بين الضفة الغربية والأردن،  مما يُجزأ  نسيج الشعب الفلسطيني،  و يُشتت الفلسطينيين  ضمن حدود دوله مجتزئة غير كاملة السيادة ، لذا أرادت فتح أن تُفشل كل المحاولات الإسرائيلية ، و أن تعلن تمسكها بالوحدة الجغرافية للدولة الفلسطينية المستقبلية ، مما يدل على مدى وعي و يقظة أعضاء فتح تجاه أي مخططات إسرائيلية ضد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967.
  • اللاجئين: تعتبر فتح أن من أهم المهام المرحلية لها،  هو العمل على  قضية عودة اللاجئين.  وتعترف فتح بوكالة  غوث اللاجئين – الأونروا  كعنوان للاجئين الفلسطينيين ، و تطالب بتحسين أوضاع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية ، مع التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية للاجئين الفلسطينيين.  وترفض فتح  مبدأ توطين اللاجئين في لبنان أو الوطن البديل في الأردن،  وتطالب بضرورة المحافظة على مخيمات اللاجئين خاصة بعد مأساة نهر البارد ومخيم اليرموك.

ويدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية اللاجئين  الفلسطينيين ، على عدم تنازل حركة فتح عن حق العودة و تعويض اللاجئين،  و على  متابعة فتحاوية مستمرة لما يحدث داخل المخيمات الفلسطينية بالداخل و الخارج , وهنا نكاد أن نستشعر قلق فتحاوي كبير لما يحدث داخل المخيمات الفلسطينية من محاولات لبعض الجهات الغير معروفة  بإقحام اللاجئين الفلسطينيين بالصراع المسلح في كل من سوريا و لبنان.  لذا أعتقد أن تأكيد فتح المستمر بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد السياسي للاجئين،  يهدف لحماية اللاجئين بالمخيمات الفلسطينية،  ومنعهم من التورط بأي صراع يتعلق بقوى خارجية أو مرتبطة بتنظيمات إرهابية.

  • الأسرى : و تعتبر فتح أن من أهم مهامها المرحلية، العمل على  الإفراج  عن جميع الأسرى الفلسطينيين ، و هي تشترط عدم توقيع  الفلسطينيين على أي اتفاق نهائي مع إسرائيل قبل تحرير الأسرى  من السجون الإسرائيلية ، معلنةً  بذلك دعمها لإضرابات الأسرى في السجون الإسرائيلية. ونلاحظ هنا أن  فتح قد تعمدت استخدام  عبارة  ” الإفراج عن جميع الأسرى”  و لم تخصص عملية الإفراج عن أسرى فتح فقط ، مما يدل على عدم تمييز  فتح  بين  أي أسير فلسطيني بسبب  انتمائه  الحزبي،  و يدل أيضاً على أن فتح  تعتبر جميع الأسرى من ضمن تحت  مسئوليتها الوطنية.
  • الحق في المقاومة المشروعة : و يذكر أعضاء فتح ضمن برنامجهم السياسي ، أن من أهم  المهام المرحلية لحركة فتح هو استمرار المقاومة ، و أن الكفاح المسلح شرعي حسب  القانون الدولي و طالما استمر الاحتلال و الاستيطان  و الأبارتهايد  الإسرائيلي. وهذا يدل على أن فتح لم تسقط من حساباتها السياسية  خيار المقاومة المسلحة ، لكنها تؤجلها للوقت المناسب،  لكي  تستخدمها كورقة ضغط في حال فشلت أدوات المقاومة السلمية. ونلاحظ أيضاً أن فتح تعمدت وصف إسرائيل بالدولة الأبارتهايديه حتى تشبها  بالاستعمار العنصري السابق  في جنوب إفريقيا و حتى تؤكد صفة العنصرية عند إسرائيل. أما بالنسبة لأشكال النضال ، الذي تريد اعتماده فتح ضمن مهامها المرحلية ، لخصت فتح ببرنامجها السياسي أشكال النضال في النقاط التالية:
  • المقاومة الشعبية الشاملة : وهنا تسرد فتح تجارب النضال الشعبي السلمي مثل تجربة نعلين و قرية باب الشمس و بلعين و تشيد  بدور المتضامنين العرب و الأجانب لدعمهم هذا النضال،  مما يدل  على تقدير فتح لهؤلاء  المتضامنين الأجانب و العرب ، و كان ذلك التقدير بارزا عندما تم دعوة هؤلاء المتضامنون للمشاركة في مؤتمر فتح السابع .
  • إعادة النظر في الاعتراف المتبادل : وهنا وضعت فتح خيار  إعادة النظر في  اعترافها بإسرائيل و إمكانية الانسحاب من اتفاقية أوسلو و التنسيق الأمني من ضمن الخطوات المقبلة،    مما يدل على شعور أعضاء فتح بالإحباط الشديد من سياسات إسرائيل الاستيطانية و أن هناك احتمال كبير   بأن تسحب فتح اعترافها بإسرائيل في المستقبل في حال  استمر الاستيطان الإسرائيلي و استمر الرفض الإسرائيلي للعودة للمفاوضات ، و أعتقد أن هذا  اتجاه خطير و تغير كبير في سياسة فتح وهو بمثابة إعلان فتحاوي كبير عن فشل اتفاقية أوسلو.
  • التخلص التدريجي من التبعية الاقتصادية الإسرائيلية : و هنا تعرب فتح عبر برنامجها السياسي على رفضها لشروط اتفاق باريس الاقتصادي ، و رغبتها باستخدام الطاقة الشمسية و استغلالها بدلاً من الطاقة الحرارية لكي تتخلص من الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية. وهذا يدل على امتعاض أعضاء فتح من اتفاقية باريس،  ورغبتهم بالاستقلال الاقتصادي.  و أعتقد أيضا أن  مطالبة  فتح باستخدام الطاقة الشمسية كطاقة بديلة ، يدل على وعي فتح البيئي و رغبتها باستثمار الموارد الطبيعية و الطاقة النظيفة من أجل التخلص من مشكلة الكهرباء المرتبطة  بالشركات الإسرائيلية ، مما يدل على  حداثة و تطور  التفكير الفتحاوي المتعلق في علوم البيئة و الطاقة النظيفة.
  • ابداع أشكال جديدة للنضال عبر المبادرات الشعبية : وهنا تعطي حركة فتح ، المجال لمبادرات أخرى  في  النضال السلمي،  مثل التمرد الشعبي على الاحتلال و العصيان المدني،  مما يدل  على رغبة  فتح  في دمج   الشعب الفلسطيني بأنشطة  النضال الشعبي،  و استخدامه كورقة ضاغطة  على الاحتلال الإسرائيلي،  و استخدام فتح لمصطلح  العصيان المدني و ليس المسلح ، يدل على أن  فتح قد تنوي في  المستقبل تشجيع الشعب الفلسطيني على القيام بانتفاضة شعبية ضد الاحتلال و ليس انتفاضة مسلحة.
  • مقاطعة المنتجات الإسرائيلية في الداخل و الخارج : وهنا تشير فتح ببرنامجها السياسي ، إلي أهمية مقاطعة السلع الاستهلاكية الإسرائيلية التي يوجد بديل محلي أو عربي لها ، وهنا نلمس  مدى واقعية فتح ، حيث لم تقل مقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية ، بل طالبت فقط  بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية ، التي يتوفر بديلا لها ، وهذا يدل على أن فتح تُقدر احتياجات الأسواق الفلسطينية ،  وتعلم أن هناك سلع إسرائيلية لا يمكن الاستغناء عنها مثل الوقود و الغاز و بعض المستلزمات الصحية.
  • تنشيط المقاطعة الأكاديمية و الثقافية وممارسة أشكال جديدة من العصيان المدني ضد الاحتلال:

و يدل ذلك الطرح على رغبة فتح بعزل إسرائيل في كافة الميادين الدولية، و نرى هنا تأثر فتح بأنشطة حركة المقاطعة الدولية ( BDS ) التي نجحت بإقناع عدد معين من الجامعات الأوروبية بعدم التعاون مع الجامعات الإسرائيلية.

  • تطوير الحراك المحلي و الدولي ضد الأبارتهايد الإسرائيلي: وهنا يبرز بقوة تأثر حركة فتح بتجربة نضال شعب جنوب إفريقيا،  و رغبة فتح بالترويج للقضية الفلسطينية كقضية شعب يعاني من سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية وذلك  تشبيها لما كان يحدث سابقا في جنوب إفريقيا. ويظهر أيضا هنا رغبة فتح بدعم جهود حركة المقاطعة الدولية (  BDS)  من أجل إحداث خسائر اقتصادية كبيرة لإسرائيل وعزلها دولياً.
  • المطالبة بطرد إسرائيل : و تؤكد هنا فتح نيتها  لطرد إسرائيل من المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الأكاديمية و الرياضية الدولية .
  • ملاحقة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية : و تقصد فتح هنا بملاحقة إسرائيل هو رفع قضايا ضد المستوطنين في محكمة الجنايات الدولية ،  باعتبارهم تنظيم إرهابي مدعوم من الاحتلال،  حيث  تتهمهم  فتح  بحرق الأطفال الفلسطينيين ،  مما يدل على نية فتح  لتشجيع  السلطة الفلسطينية لتقديم ملف  المستوطنين الذين تورطوا بعملية حرق عائلة الدوابشة في عام 2015 إلي محكمة الجنايات الدولية.
  • العمل على إنهاء حصار غزة وإزالة الحواجز الداخلية: وهنا نلمح اهتمام فتحاوي بقضية غزة، و برغبتها بتشجيع التواصل بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، و إنهاء الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة.
  • العودة إلي الأمم المتحدة ومجلس الأمن : وهنا تظهر رغبة  فتح باستخدام القانون الدولي وتوطيد علاقتها بمؤسسات الأمم المتحدة ، مما يدل  على اقتناع فتح الكبير بأهمية مؤسسات الأمم المتحدة في دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية،  وعلى رغبة فتح بمطالبة مجلس الأمن لتطبيق مواد الفصل السابع في  ميثاق  الأمم المتحدة  المتعلق بتوفير الحماية الدولية .
  • استعادة العلاقة المباشرة و القوية مع المؤسسات الاسرائيلية التي تدعم دولة فلسطين:

و يدل ذلك الطرح حول العلاقات مع  المؤسسات الإسرائيلية،  على اهتمام فتحاوي  بتوطيد العلاقات المباشرة مع مؤسسات إسرائيلية حقوقية تدعم حل الدولتين.  ووصف فتح بأنه يجب أن  تكون علاقتها  قوية مع تلك المؤسسات الإسرائيلية ،  يدل على أهمية تلك المؤسسات  بالنسبة لفتح،  التي تعتبرها بمثابة وسيلة مؤثرة لتغيير اتجاهات  المجتمع الإسرائيلي لصالح السلام العادل و حل الدولتين ، وعلى اهتمام فتح  الكبير بالتأثير على  الرأي العام الإسرائيلي و التعامل معه بصفته مجتمع مدني بعيدا عن تناقضات الحكومة الإسرائيلية.  و هنا نلمح  أيضا رغبة فتحاوية  بالتأثير على صندوق الانتخابات الإسرائيلية ،  لكي يتم  اختيار قيادة إسرائيلية تدعم حل الدولتين مما يدل على اهتمام فتحاوي بعقد  تحالفات قوية مع أحزاب يسارية إسرائيلية،  وهذا بالفعل ما أغضب سابقاً ، الحكومة الإسرائيلية عندما سحبت  تصريح ( VIP ) من مستشار الرئيس الفلسطيني ،  محمد  المدني  ومنعته من التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي.

  • نشر الرواية العربية الفلسطينية : وهنا ترغب فتح بالترويج للرواية الفلسطينية بناءً على أبحاث ودراسات  تاريخية ، حيث تعتقد فتح أن تلك الأدلة التاريخية سوف تسقط ما يتم تدوله من روايات  مذكورة في التناح ( التوراة وملحقاتها ) وصفتها فتح بأنها روايات خرافية لمخالفتها الحقيقية من حيث التاريخ والمسرح الجغرافي ، وهنا اعتقد أنه من الأفضل  لفتح تجنب الجدل الديني  ووصف فتح لروايات  التناح التوراتية   بأنها  خرافية،   يجعل فتح في دائرة الاتهام المتعلقة ب “لا سامية”  ،  مما  يفسد جهودها وسعيها لعقد علاقات قوية مع مؤسسات يهودية و إسرائيلية تدعم حل الدولتين ،  فإذا ما أرادت فتح أن تؤثر في المجتمع الإسرائيلي و باليهود بكافة أنحاء العالم ، عليها أن تبتعد  عن انتقاض الكتب الدينية السماوية ، حتى لو كانت نصوصها غير منطقية ، ويجب بدلاً من ذلك التركيز على الرواية الصهيونية السياسية ،  حتى لا تفقد  فتح دعم بعض يهود العالم المؤيدين للسلام ،  خاصة  طائفة السامرين التي تعتبرها فتح جزء من الشعب الفلسطيني .
  • مطالبة إسرائيل بالتعويض : وهنا تتطلع فتح إلي مطالبة إسرائيل بالتعويض عن الخسائر التي سببتها لقطاع غزة في الحروب الثلاث السابقة، و يدل ذلك على  سياسة  جديدة  قد تتبعها  فتح في المستقبل تكمن بتحميل  الاحتلال  ثمن  فاتورة إعمار غزة و ليس فقط  تحميل المسئولية للدول المانحة.
  • الاعداد لمواجهة اجراءات إسرائيل المضادة للمقاومة : و هنا تريد فتح أن ترفع مستوى الاستعداد والتأهب لدى الشعب الفلسطيني وتُعده لما قد يحدث في المستقبل من مواجهات مع إسرائيل، لذا ترى فتح ضرورة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كافة المجالات و التخلص من التبعية الإسرائيلية.

 

 

 

  • الإصرار على موقف جديد من المفاوضات لصيانة الحقوق

وبعد أن وصفت فتح  ضمن برنامجها السياسي لأشكال نضالها الشعبي في المرحلة المقبلة ، تُصر فتح على اتخاذ  موقف جديد بالنسبة للمفاوضات ، من أجل صيانة الحقوق الفلسطينية ، حيث تعتقد فتح أنها لا تستطيع أن ترفض  بشكل مطلق العودة للمفاوضات ، لأنها لا تريد أن يتم تحميلها مسئولية الصراع، وفشل السلام   أمام العالم،  مما يدل على إدراك  فتح  لقواعد اللعبة السياسية الدولية و وعيها لحجم  المسئولية  الوطنية  تجاه المفاوضات،  لكنها في نفس الوقت تتهم الولايات المتحدة الأمريكية  بتواطئها مع إسرائيل من أجل إفشال المفاوضات واستمرار  سياسة الاستيطان. و أعتقد أن هذا الشعور السلبي الفتحاوي من طبيعة العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية ، هو الذي جعل الحركة  ترحب بمبادرات السلام الدولية الأخرى، مثل مبادرة السلام الفرنسية ، وهنا أعتقد  أن فتح يجب أن لا  تتجاهل بشكل كامل  دور  إدارة  أوباما السابقة في انتقادها للاستيطان الإسرائيلي، وبرفضها لاستخدام الفيتو الأمريكي ضد قرار  الأمم المتحدة المتعلق بوقف الاستيطان ،   لذا من الأفضل لفتح أن لا تحرق جميع جسورها مع الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق كيلها لكم كبير من الاتهامات ضد السياسات الأمريكية في كل المناسبات.

وترى فتح أن من أهم شروط نجاح المفاوضات،  هو التفاوض على أساس قرارات الشرعية الدولية رقم (181) و (  194) و (  242  ) و ( 383 ) ، و إطار المبادرة العربية للسلام ، و مواصلة العمل لانعقاد مؤتمر دولي للسلام يضم العرب و أوروبا و دول البركس ، و رفض الرعاية الأحادية الأمريكية للسلام ، و الإصرار على آلية التحكيم ، و الإصرار على وضع جدول زمني واضح وملتزم يضع  حد نهائي لانتهاء الاحتلال الإسرائيلي ، و رفض تأجيل التفاوض على القدس و اللاجئين ، ورفض فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، ورفض يهودية الدولة الإسرائيلية رفضا قاطعا لا تراجع به.

وتدل تلك الشروط الفتحاوية للعودة للمفاوضات ، على أن فتح لا تريد أن تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية برعايتها لملف المفاوضات،  و هي تريد تدويل قضية المفاوضات و أن لا تخرج تلك المفاوضات  من تحت الرعاية  العربية ، و رفض فتح القاطع بالاعتراف في يهودية دولة إسرائيل ، يدل على تمسك فتح بحق العودة ، وعلى حرصها للمحافظة على حقوق فلسطيني 48 .  و أعتقد أيضا أنه يجب على فتح أن تضيف شرط أخر لضمان نجاح المفاوضات ، ألا وهو عمل تقييم ذاتي لأداء فريق عمل المفاوضات الفلسطيني،  وتجهيز الفريق بمزيد من الخبراء و أصحاب الشهادات العليا من القيادات الشابة المتميزة.

وعلى الرغم من سرد فتح لشروط نجاح المفاوضات،  إلا و أننا  نكاد أن نستشعر هنا وجود  قناعه  فتحاوية،  وحكم مسبق حول الامكانية الكبيره لفشل المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ، و هنا أعتقد  أن على فتح أن لا تستبق الأمور و الأحداث ، و تفقد الأمل في نجاح المفاوضات لأن السياسة متغيرة،  و قد تتغير الحكومة الإسرائيلية اليمينية في أي لحظة . و أعتقد أنه على  فتح أن تشجع فريق عمل المفاوضات الفلسطيني على البدء بالتفاوض في  القضايا السهلة و الغير معقدة أولاً  ، من أجل إحراز نجاح و لو كان بسيط ، حتى تعطي بصيص من الأمل للشعب الفلسطيني ،  ومن ثم يتم التدرج إلي القضايا الأكثر تعقيدا،  وذلك لتوفير الوقت و العمل بشكل منظم بناءً على جدول زمني وخطة عمل واقعية.  و أعتقد أيضاً، أن المفاوضات يجب أن لا تتحول إلي هدف فلسطيني بل يجب النظر إليها كوسيلة و أداة لإنهاء الاحتلال.

  • أشكال جديدة من المواجهة السياسية:

وهنا نلاحظ  مطالبة   فتحاوية  بضرورة  اعتذار بريطانيا  حول  وعد بلفور،  ومطالبة مجلس العموم البريطاني باستجواب اسرائيل حول السجن الاداري للأسرى و التنديد بالقوانين العنصرية ، و أعتقد هنا أن فتح تريد أن تستخدم ورقة بلفور لكي تضغط على بريطانيا لكي تنحاز لصالح القضية الفلسطينية ، وتحملها المسئولية عن الاحتلال.  ويدل هذا الطرح أيضا على تدهور العلاقات البريطانية -الفلسطينية بسبب تجميد بريطانيا مساعدتها المالية للسلطة الفلسطينية خلال عام 2016، بحجة أن الأموال قد يتم استخدامها لدفع رواتب الأسرى الفلسطينيين.

  • الفصل الثالث: الخطوات الداخلية المقبلة

خلال قراءة  الفصل الثالث في البرنامج السياسي لفتح ، تحت عنوان  الخطوات الداخلية  المقبلة التي ستتخذها حركة فتح ضمن عملها النضالي ، نجد أن الحركة مازالت  تعتبر نفسها بأنها أداة للثورة الفلسطينية و القائدة لها ، وهي تأخذ على عاتقها  مسئولية المشروع الوطني بأكمله.  لذا  تعتبر فتح  في برنامجها السياسي ، أن أهم مهامها الداخلية في المرحلة القادمة هو العمل على تطوير الذات و تصحيح الوضع الداخلي مما يدل على رغبة فتح الكبيرة بعمل إصلاحات داخلية  في الحركة. ونلاحظ أن من المهام الأساسية  التي ترى فتح أنها يجب أن تقوم بها في الساحة الفلسطينية هي:

أولا) إعادة بناء الحركة وتفعيلها و توحيدها

وهنا ترى فتح ضرورة استعادة الدعم الجماهيري للحركة بالعودة إلي المبادرة و الفعل،  و التأكيد على أن حركة فتح هي حركة تحرر وطني لا تتخلى عن مقاومة الاحتلال، و الحرص على أخلاقيات أبناء الحركة، و تأكيد قيم الالتزام و المحاسبة و العدالة ، و تجديد قانون المحبة في التعامل بين أبناء الحركة للحفاظ على وحدتها ،  وذلك يدل  على  أن فتح قد بدأت تشعر بالقلق من أن قد  تتراجع شعبيتها في الشارع الفلسطيني بسبب تمسكها بالمقاومة السلمية و المفاوضات ، و أعتقد هنا أن فتح تخشى من أن يتم اتهامها من قبل  البعض بأنها تخلت عن مقاومة الاحتلال،  فأرادت الحركة عبر عرضها   لمهامها الداخلية ، أن تؤكد للجميع  التزامها الكبير بمشروع التحرر الوطني و بمقاومة الاحتلال . و أعتقد أيضاً أن  ذكر فتح  لقيم  المحاسبة ضمن بند إعادة بناء الحركة،  يدل على نية فتح  الجدية لمحاربة  الفساد، و القيام بإصلاحات داخلية بالحركة.  أما استخدام فتح  لعبارة “تجديد  قانون المحبة ” يأتي بسبب شعور قوي عند أعضاء فتح ، بأن هناك من  يحاول تعكير أجواء الحركة و يؤثر سلبيا  على وحدة  الصف الفتحاوي،  لذا تعمدت فتح الإشارة إلي تجديد  قانون المحبة من أجل الدعوة  للتسامح  و تصفية الأجواء للمحافظة  على وحدة و قوة الحركة.

ومن المهام الداخلية الأخرى التي ستقوم بها فتح ، هو العمل على  إعادة البناء الحركي عن طريق إعادة الانتساب  وفق النظام الأساسي ، و إنهاء ظاهرة الكادر الغير مؤطر تنظيميا ، و إيجاد صيغ لتأطير العسكريين ، و انتظام عقد المؤتمرات الحركية، و تطوير أشكال تنظيمية تحفظ السرية ،مما يدل على سعي فتح لزيادة عدد  المنتسبتين  إليها ، و رغبتها   بتخصيص وظائفها الشاغرة في المستقبل لصالح  كوادرها فقط،  و ذلك  حتى  تحافظ على أسرار حركتها من الاختراق الخارجي.

وتعتبر فتح  أن استمرار التربية النضالية، وتعبئة كوادر الحركة بتراث الكفاح المسلح من خلال الاحتفال بالمعارك و إحياء تاريخ النضال من ضمن مهام تفعيل الحركة ، و يدل ذلك على افتخار فتح بكفاحها المسلح وتراثها العسكري ، وتحديها   لممثلي الحكومة الإسرائيلية ، الذين ينتقدون تاريخ فتح العسكري عبر مواقع التواصل الاجتماعي و الذين يطالبون فتح مرارا بعدم الاحتفال بذكرى شهدائها ومناضليها التاريخيين.

وترى فتح ضرورة إنشاء مركز أو مدرسة لإعداد كادر متخصص بالتثقيف و التدريب و ببناء الدراسات و الأبحاث الخاصة بالحركة،  مما يدل على  اهتمام الحركة  في مجال البحث السياسي و المجتمعي و برغبتها بتأهيل جيل فتحاوي جديد متعلم ومتمكن سياسيا . وتشدد فتح ضمن مهام بناء و تفعيل الحركة على استقلالية فتح في إطار منظمة التحرير،  مما يدل على حرص فتح بعدم السماح لأي تنظيم سياسي فلسطيني أو جهات عربية بالتدخل في الشأن الفتحاوي الداخلي . ولتحقيق مزيد من الاستقلالية  في الحركة ، تخطط فتح ضمن مهام المرحلة المقبلة لتنمية مواردها  المالية عن طريق الاعتماد على الذات و الجماهير الفلسطينية في الشتات و الداخل،  و إعادة بناء النظام المالي بما يضمن الشفافية. وهنا أتوقع  أن فتح قد تفتح باب التبرع لها في المستقبل و أنها ستحاول  تنفيذ  مشاريع  استثمارية تُدر لها دخل،  و نلاحظ أيضا نمو تيار إصلاحي داخل  فتح يطالب بمحاربة الفساد المالي و تطبيق معايير الشفافية.

وترى فتح أن من ضمن المهام الأخرى اللازمة لإعادة بناء الحركة وتفعيلها ، هو العمل على تنمية الكوادر الشبابية و تفعيل الشبيبة الفتحاوية في الداخل و الخارج ، و الاهتمام بالأشبال و الزهرات،  و يدل ذلك الطرح  على اهتمام فتحاوي كبير ببناء جيل جديد من الفتحاويين ، و العمل أيضا على تثقيف الأطفال سياسيا في مشروع  فتح  التحرري، وهنا  أعتقد  أنه على فتح أن  تكون حريصة جداً  بتعاملها مع فئة الأطفال خاصة  فيما  يتعلق  بموضوع الكفاح المسلح ، و أنه عليها الاكتفاء فقط بتثقيف الأطفال بشكل عام فيما يخص تاريخ القضية الفلسطينية و حب الوطن، حتى لا يتم اتهام فتح من قبل مؤسسات حقوق الطفل العالمية بترويجها للعنف في صفوف الأطفال.

أما بالنسبة لدور المرأة الفتحاوية في البرنامج السياسي لفتح ، ترى فتح أن من ضمن مهامها  هو العمل على تنمية دور المرأة ، و إعداد كادر نسوي مؤهل،  وتعزيز حضور المرأة في الأطر القيادية للحركة ،  لأن هناك فرصة لتمثيل المرأه في الحياة النيابية الفلسطينية . وهنا نلاحظ أن لدى فتح اهتمام بتطبيق معايير الجندر ضمن سياستها، و هي تهتم في حقوق المرأة السياسية ، لكن هذا الاهتمام جاء بسبب تقيميها لأوضاع النساء بالحركة و كاستجابة  لاحتياجات الانتخابات النيابية التي تشترط  نسبة معينة لمشاركة المرأة في القوائم الانتخابية.

وتعتقد فتح أنه من الضروري القضاء على الظواهر السلبية في المجتمع الفلسطيني ، مثل العشائرية و فصل الأجهزة الأمنية عن التنظيم المدني ، و رفض أي تمويل خارجي للكوادر دون رقابة مركزية ، مما يدل ذلك على رغبة  فتح بعدم السماح للعشائر الفلسطينية بالتأثير على شفافية أجهزة الأمن و القضاء، وعدم قبولها  لأي تمويل خارجي دون رقابة،  خوفا من اختراق الحركة و التأثير على استقلاليتها.

و تعطي فتح أهمية كبيرة للإعلام، وتري أن هناك حاجة لإعادة النظر في خطابها الإعلامي، و تبني مبدأ المبادرة و ليس رد الفعل، ويدل ذلك على رغبة فتح بمواجهة الإعلام الإسرائيلي بشكل أكثر احترافا،  من أجل التصدي للدعاية الصهيونية وكسب تأييد الرأي العام العالمي.

و أخيرا ترى فتح أن من المهام التي تنوي القيام بها في إطار إعادة بناء و تفعيل الحركة،  هي تقديم الخدمات الاجتماعية للشعب الفلسطيني ، خاصة في مجال الصحة و التعليم و الثقافة ، و تكريم قدامى المناضلين ورواد حركة فتح ، وهذا يدل على اهتمام فتح بالتواصل مع الجماهير، و زيادة صلتها مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني و فخرها بمناضليها السابقين.

ثانياً) تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية و مؤسساتها :

تعتبر فتح أن  من أهم  المهام المنوطة بها ، هو تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في مجلسها الوطني ، وضرورة العمل على إجراء الانتخابات للمجلس الوطني على أساس التمثيل النسبي،  و العمل على عقد المجلس الوطني و المجلس المركزي بانتظام ، و تشدد فتح ضمن برنامجها السياسي على أن المنظمة هي المرجعية الأعلى للسلطة الوطنية،  و هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني،  وأنه يجب تعزيز حضور المنظمة في أوساط اللاجئين في الشتات و المخيمات في الدول  العربية. و يدل ذلك الاهتمام الفتحاوي بمنظمة التحرير ،  و تشديدها على أن المنظمة هي السلطة الأعلى و الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ، أن فتح تريد قطع  الطرق أمام أية محاولات لتهميش دور المنظمة ، أو الالتفاف عليها من خلال عقد صفقات سياسية سرية مع إسرائيل تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية و اللاجئين، خاصة بعد أن صرح عدة مرات  وزير الجيش الإسرائيلي ليبرمان ،  أن لدى إسرائيل شركاء فلسطينيين آخرين يمكنها  عقد سلام معهم في المستقبل.  و أعتقد أيضاً أن فتح أرادت إرسال رسالة للجميع ، بضرورة التزام جميع الأطراف الفلسطينية والعربية بسياسات المنظمة ، دون تغليب مصلحة الحزب الواحد عن المصلحة العامة للشعب الفلسطيني.

ثالثا)   تحقيق وحدة الوطن و التصدي للحصار

تعتبر فتح أن من ضمن مهامها الوطنية هو تحقيق الوحدة الوطنية،  و تعتبر أيضاً أن الانقسام الفلسطيني هو بمثابة تهديد خطير على مستقبل القضية،  و هي تحمل بشكل مباشر مسئولية هذا الانقسام لحركة حماس ، وتطالب  في نفس الوقت بإنهاء الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة و إعادة تعمير القطاع.

وترى فتح أنه يجب العمل بجهد من أجل إنجاح الحوار الوطني،  و إنهاء الانقسام ، وتشكيل حكومة توافق وطني تقوم بتنظيم انتخابات رئاسية و تشريعية ، و توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية،  و الإفراج عن المعتقلين.

 

وترفض فتح بشدة قيام دولة مستقلة بغزة،  و تدعو  إلي استمرار تمويل السلطة لقطاع غزة ، و إلي ضرورة العمل على تنفيذ الاتفاقية الدولية لمعبر رفح ، و إعادة بناء مطار غزة ، و الميناء في ظل حكومة فلسطينية واحده،  ومن أجل وطن بأكمله و ليس من أجل تمكين دولة مستقلة بغزة ، و تؤكد فتح على ضرورة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع مصر و التعاون معها و التنسيق الأمني و الاقتصادي ، وضمان فتح معبر رفح و اطلاق مشاريع اعادة الاعمار. و يدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية الانقسام الفلسطيني و حصار غزة  على مدى اهتمام فتح بقطاع غزة، وعدم تخليها عنه،  وقلقها الشديد من أن تنفصل غزة كليا عن الضفة الغربية مما يؤثر سلباً على مستقبل الدولة الفلسطينية المستقلة.

و تعتبر فتح أن الوحدة الوطنية الشاملة،  تكمن في تحقيق وحدة الشعب في غزة و الضفة و القدس، و أراضي 48، و الشتات، مما يدل على أن فتح لن تتخلى عن دعم فلسطيني 48 و فلسطيني الشتات على الرغم من أنهم  يحملون جنسية أخرى غير الجنسية الفلسطينية.

وتدرك فتح أن هناك بروز لتيارات و أحزاب فلسطينية جديدة ، و ترحب فتح بها تحت منطلق احترامها  للتعددية و الديمقراطية،  لذا ترى الحركة أنه من الضروري تأسيس قاعدة للتعايش مع هذه القوى في إطار الشراكة المنضبطة ، وهنا أعتقد أن رؤية  فتح للشراكة مع الأحزاب الأخرى،  بأنها يجب أن  تكون منضبطة يدل على رغبة فتح بأن يكون هناك  نوع من التنسيق و التعاون و التوافق بين فتح والأحزاب الفلسطينية  الأخرى،  حتى لا يحدث فوضى سياسية و أمنية في الساحة الفلسطينية،  وحتى يتم توحيد القرار الفلسطيني ، وتغليب مصلحة الوطن عن مصلحة الحزب الواحد. وتعتبر فتح ببرنامجها السياسي  أن من أهم مرجعيات دعم الشراكة مع التيارات الأخرى،  هو التداول السلمي للسلطة ، و الاحتكام إلي صندوق الاقتراع،  و إنشاء محكمة دستورية عليا ، و تحصين المكتسبات السياسية الفلسطينية الايجابية من خلال اعتبار الالتزام بما نصت عليه من تعهدات شرطا حاسما للمشاركة في الحياة السياسية. وهنا نكاد نلمح  قلق فتح من أن تحاول بعض الأحزاب الفلسطينية  إلغاء الانجازات و الاتفاقيات السابقة ،  وتعتبر فتح أن من أهم شروط المشاركة في الحياة السياسية هو احترام الالتزامات السابقة من معاهدات وقوانين.

رابعا : الحفاظ على القدس

تؤكد فتح ببرنامجها السياسي ، أن  القدس هي عاصمة فلسطين الأبدية ، وترفض رفضا قاطعا عملية تهويد القدس،  أو اعتبار القدس بمثابة  عاصمة لدولتين ، و تعتبر فتح القدس بأنها مصدر لصدام خطير يهدد السلام العالمي و النظام الدولي . و يدل ذلك الطرح على أن فتح تريد تدويل ملف القدس، وربط عدم حسم قضية القدس بالأمن العالمي، لأنه في حال تم إعلان القدس كعاصمة لدولة إسرائيل،  سيثير ذلك غضب و احتقان الجماعات الإسلامية المتطرفة،  مما سيهدد مستقبل السلام العالمي.

وتطالب فتح بضرورة دعم أهل القدس ، و تقديم لهم تسهيلات و خدمات أساسية لتعزيز صمودهم،  و الحفاظ على هويتهم الوطنية ، و بضرورة إنشاء صندوق خاص باسم القدس يستقبل التبرعات المحلية و الإقليمية و الدولية ، و تعزيز دور مراكز الأبحاث المقدسية  في إصدار مواد اعلامية ودراسات عن مدينة القدس والعمل على تفعيل مفوضية القدس الحركية و اعتبارها مرجعية فتح لشئون القدس.

خامسا )  مهام الحكومة الفلسطينية

تنظر فتح للسلطة الفلسطينية كجسم مستقل عن الحركة ، و تعتقد أنها  باستطاعتها التأثير عليها بهدف تحويل  تلك السلطة تدريجيا إلي مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة ، و يدل هذا الطرح على أن فتح تعتبر السلطة مؤسسه مؤقتة ، وهي مجرد مرحلة  أولية في تأسيس الدولة الفلسطينية ومؤسساتها. وتؤكد فتح على ضرورة الالتزام بالتداول السلمي للسلطة ،  وضرورة العمل على بناء أجهزة أمن السلطة على أسس وطنية ومهنية، و الحفاظ على الدستور و القوانين ، و تعزيز دور المرأة ، ومنع أشكال التمييز و العنف.  وترى فتح أن من أهم مهامها أيضاً هو السعي على تطوير الاقتصاد الوطني،  ودعم القطاع الخاص ،و صندوق الاستثمار الفلسطيني، و العمل على  استقلال الاقتصاد الفلسطيني  من  الهيمنة الإسرائيلية ، وضرورة توفير شبكة أمان وحماية للفئات الأكثر معاناة في المجتمع ،  ودعم أسر الشهداء و الجرحى و الأسرى و و المعاقين و المعتقلين في سجون إسرائيل و قدامي المجاهدين،  وهنا أعتقد أن إشارة فتح لضرورة دعم السلطة لأهالي الشهداء و للأسرى يأتي كتحدي  فتحاوي للمحاولات الإسرائيلية بالضغط على السلطة الفلسطينية من أجل عدم دفع رواتب الأسرى  ودعم أهالي الشهداء ، و من جانب أخر أعتقد  أن استخدام فتح لكلمة “المجاهدين”  غير مستحب ،  نظرا  لحساسية هذا المصطلح في المجتمع الدولي ، و لسوء  استخدام هذا المسمى وتشويه من قبل الحركات الإرهابية في العالم ، لذا يجب على فتح أن تكون حريصة في استخدامها للمصطلحات اللغوية ،  حتى لا يتم استغلال ذلك من قبل إسرائيل في التحريض عليها عالميا ، و اتهامها بأنها جزء من حركات الجهاد العالمية .

 

سادسا) المهام تجاه الشعب الفلسطيني في الشتات

ترى فتح أن من أهم مهامها تجاه الشعب الفلسطيني في الشتات،  هو  تأييد حق العودة ،  والعمل على  دعم الجاليات الفلسطينية بالخارج ، ودعم كوادرها النضالية والمهنية،  مع ضرورة إشراك الجاليات الفلسطينية بعمليات اتخاذ القرار المتعلقة بالحكومة الفلسطينية ،  وتؤكد فتح ببرنامجها السياسي على ضرورة الدفاع عن فلسطيني الشتات من المخاطر،  خاصة حماية الفلسطينيين المتواجدين بسوريا و العراق و ليبيا. وهنا أعتقد أن على فتح أن تضع ضمن برنامجها السياسي آليات للدفاع عن فلسطيني الشتات  و أن توضح أيضا دورها في التنسيق مع  السفارات الفلسطينية من أجل دعم فلسطيني الشتات وحماية حقوقهم .

سابعا) المهام تجاه الشعب الفلسطيني في أراضي 48

تهتم  أيضاً فتح في برنامجها السياسي بفلسطيني ل48 و تعتبرهم جزء من شعبها الفلسطيني ، وترى فتح أنه يجب دعم فلسطيني ل  48 عن طريق رفض كافة القوانين العنصرية الإسرائيلية ورفض يهودية الدولة. و تطالب فتح  بعقد تحالفات بين القوى الفلسطينية في إسرائيل بما يحصل نسبة من المقاعد البرلمانية في الانتخابات الإسرائيلية توازي نسبة سكان العرب في إسرائيل. ويدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية فلسطيني 48 على عدم اعتراف فتح ضمنيا بإسرائيل،  فهي مازالت  تعتبر أراضي 48 جزء من  فلسطين التاريخية التي يمكن استردادها في المستقبل البعيد ، و نلاحظ  أيضا  أن فتح مهتمة جدا في تعزيز علاقاتها  مع أعضاء الكنيست العرب ، و تدعم مسيرتهم الشعبية من أجل التأثير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية  وتوجيها لاختيار حكام إسرائيليين أقل تطرفا.

ثامنا ) المهام تجاه المجتمع الناطق بالعبرية في إسرائيل

تعتقد فتح أن عليها  تطوير خطابا مناسبا للمتحدثين بالعبرية في المجتمع الإسرائيلي،  لتقنعهم بعدالة القضية الفلسطينية ، و بالسلام العادل،  و تحذرهم بأنهم  قد يفقدون  امتيازات دولتهم الإسرائيلية في حال استمر دعهم للقيادات المتطرفة في إسرائيل . لذا ترى فتح أنه من المهم عمل برامج  إذاعية و تلفزيونية  مهنية  باللغة العبرية،  لتوجيه رسائل للشعب الإسرائيلي ،  وضرورة ترجمة أدبيات فتح بالعبرية و الانكليزية ، و نشر إعلانات في إسرائيل ، لإبراز برنامج فتح كبديل ديمقراطي لإسرائيل التي تصفها فتح بالدولة الأبارتهايديه. وهنا أعتقد أن على فتح أن تكون أكثر واقعية  في هذا الطرح ،  حث لا يمكن أن يقبل الشعب الإسرائيلي،  ببرنامج فلسطيني كبديل عن برنامج حكومته الإسرائيلية ،  حتى لو كان هذا البرنامج ديمقراطياً ، لذا من الأفضل لفتح عدم تقديم  برنامجها للإسرائيليين كبديل لبرامج حكوماتهم ، بل يجب  المحاولة فقط في إقناع الإسرائيليين ،  بأن فتح هي الشريك الأفضل للسلام العادل معهم.

تاسعا) مهام الحراك الخارجي: تفعيل العمل العربي و الاصرار على استقلال القرار الوطني الفلسطيني  

و تسعى فتح ضمن برنامجها السياسي المقدم في المؤتمر السابع، للعمل المكثف ثنائياً مع العرب، لكي تطالبهم بالتزامهم بعدم التطبيع مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال، و ذلك بناءً على مبادرة السلام العربية. و يدل ذلك السعي على شعور فتح بالقلق من محاولات إسرائيل السرية و العلنية للتطبيع مع بعض الدول العربية، لذا أرادت فتح أن تُذكر العرب بضرورة الالتزام ببنود مبادرة السلام العربية، وعدم التعاون مع إسرائيل قبل إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية على حدود 1967. وترى فتح أنه من الضروري إعادة تشكيل لجان الدعم و المساندة الشعبية العربية لدعم كفاح الشعب الفلسطيني،  و تسعى فتح  لتوثيق علاقتها الثنائية مع بعض الدول العربية لأهميتها الإستراتيجية وموقعها الجغرافي ، ولدورها التاريخي في دعم الشعب الفلسطيني مثل  مصر والأردن و سوريا و لبنان والسعودية و تونس والجزائر ودول الخليج واليمن و العراق السودان وليبيا و موريتانيا والصومال. و ركزت  فتح على أهمية  المحافظة على استقلال القرار الوطني الفلسطيني ورفض سياسة المحاور في الوطن العربي، و الحفاظ على مسافات متساوية مع العرب.  وهذا يدل على رفض فتح لأي تدخل عربي في سياستها الداخلية ،  وفي نفس الوقت رفضها أيضاً التدخل بالصراعات العربية ، و التزامها  الحياد تجاه أي دولة عربية ، خاصة في ظل  حالة الانقسامات  العربية ،  مثل الصراع الدائر بسوريا و الحرب بين اليمن والسعودية.

عاشرا) مهام العلاقات الدولية

أما بالنسبة لنظرة فتح للعلاقات الدولية، فهي تركز على ضرورة تعريف العالم بحركتها على أنها حركة تحرر وطني ، و تنتمي إلي قوى التحرر العالمية.  و ترى فتح أن من أهم مهامها الأساسية في مجال العلاقات الدولية هو التعاون مع الأحزاب و القوى السياسية في العالم للترويج لحركة فتح كحركة تحرر وطني. و تؤكد فتح انضمامها للحركة الاشتراكية الدولية ، وهنا نجد إعلان صريح  لفتح  حول  انتمائها للحركات اليسارية الدولية وتأييدها للاشتراكية . وترى فتح أنه يجب عليها تعزيز علاقاتها  مع المنظمات الغير حكومية  والحقوقية من أجل حشد الدعم الدولي ضد الاستيطان الإسرائيلي و حث شعوب العالم على مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، مما يدل على أن فتح لا تريد أن تقاطع  جميع المنتجات الإسرائيلية،  بل فقط  منتجات المستوطنات حتى لا يتم اتهامها  ب “لا سامية” . و تركز فتح على ضرورة توثيق علاقتها  مع منظمات الأمم المتحدة ، ومجلس الأمن،  و المحكمة الجنائية ، و لجنة حقوق الإنسان،  و العمل أيضا على توطيد علاقتها مع روسيا و الصين و الاتحاد الأوروبي و إفريقيا و أسيا،  مما يدل على رغبة فتح بتدويل القضية الفلسطينية ، و التخلص من الرعاية الأمريكية لملف المفاوضات.

و أخيراً ، تؤكد فتح ضمن برنامجها السياسي ، نبذها للإرهاب و التطرف و اهتمامها بتوقيع  فلسطين لاتفاقية منع التسلح النووي ، ويدل ذلك الاهتمام الفتحاوي بقضية التسلح النووي على نية فتح التحريض ضد برنامج إسرائيل النووي من خلال انضمامها للحملة العالمية المناهضة للتسلح النووي،  وهذا يعتبر تطور كبير في مستوى طموح أعضاء الحركة.

 

  • التعليقات الختامية والتوصيات:

بعد الاطلاع على أهم فصول البرنامج السياسي لحركة فتح المقدم خلال المؤتمر السابع للحركة،  و بعد تحليل أهم بنوده ، نستطيع القول أن فتح مازالت متمسكة بأهم الثوابت الوطنية المتمثلة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، و الحصول على دولة مستقلة في حدود 1967 و عاصمتها القدس، و عودة اللاجئين وتعويضهم ، ورفض يهودية الدولة الإسرائيلية.

ونلاحظ أيضاً اهتمام فتحاوي كبير في قضية الوحدة الوطنية ، و حرص فتحاوي شديد لإنهاء الانقسام الفلسطيني بأسرع وقت ممكن،  لما يشكله  هذا الانقسام من خطر وتهديد كبير لمشروع فتح التحرري الوطني ، و نجد  أن فتح تُولي أيضا اهتمام كبير لقطاع غزة ، و تعتبره جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، ولكنها  تشعر بالإحباط من تعرقل محادثات المصالحة بينها وبين حركة حماس،  التي تعتبرها فتح المسئولة الأولى عن الانقسام الفلسطيني.

و من خلال قراءة البرنامج السياسي لحركة فتح ، نستشعر  مدى جدية حركة فتح بعمل إصلاحات داخلية بالحركة، ومحاسبة الفساد ، و تطبيق معايير الشفافية من أجل تقوية الحركة، و توحيد الصف الفتحاوي ، مما يدل على أن فتح بدأت بالفعل عمل تقييم داخلي لأهم نقاط قوتها وضعفها من أجل الاستمرار في مشروعها التحرري الوطني.

و بعد الاطلاع على أشكال النضال الذي تتمسك به فتح ، نلاحظ  أيضاً مدى تأثر فتح الكبير بتجربة التحرر في  جنوب إفريقيا ، حيث تعتبر فتح التجربة الإفريقية في التحرر من الاستعمار و الأبارتهايديه ،  نموذجا ناجحا في المقاومة السلمية يمكن الاحتذاء به و تطبيقه في الساحة الفلسطينية،  للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي.  و يظهر إعجاب فتح في التجربة الإفريقية  باستخدامها المتكرر لمصطلح “الأبارتهايد” ضمن فقرات برنامجها السياسي ، من أجل مقارنة الاحتلال الإسرائيلي بالاستعمار الأوروبي السابق  لجنوب إفريقيا ، الذي كان يميز بين السود و البيض بطريقة عنصرية،  والذي تعتبره فتح مشابها لتصرفات إسرائيل مع الشعب الفلسطيني.

و يتضح بشدة من خلال برنامج فتح السياسي ،  مدى اقتناع حركة فتح بفاعلية النضال السلمي ضد الاحتلال الإسرائيلي ، مثل تنظيم حملات دولية لمقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ، وعمل مسيرات سلمية في القرى الفلسطينية المتاخمة لحدود المستوطنات ، مما يدل على استمرار فتح في نهجها السلمي في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي ، مع عدم إسقاط   حق فتح في الكفاح المسلح الذي تعتبره بمثابة  أداة  مشروعه يكفلها القانون الدولي ، و يمكنها  استخدامه كتكتيك مؤقت مستقبلي وعند الضرورة في حال فشلت الطرق السلمية بالتخلص من الاحتلال الإسرائيلي .

و أرى أيضا أن هناك تطور في فكر الحركة السياسي في مجال العلاقات الدولية،  فيما يتعلق بتوثيق علاقتها الثنائية مع دول العالم ، خاصة مع روسيا ودول الاتحاد الأوروبي و دول أمريكا اللاتينية من أجل حشد أكبر دعم ممكن للقضية الفلسطينية ، و التخلص من الوصاية الأمريكية على ملف مفاوضات السلام. أما بالنسبة لعلاقة فتح بالوطن العربي ، فنلاحظ أن هناك رغبة كبيرة من أعضاء الحركة بالحفاظ على مسافات متساوية من جميع الدول العربية ، وعدم التدخل في الانقسامات العربية ، أو السماح لأي دولة عربية بالتدخل في الشأن الفتحاوي الداخلي للمحافظة على استقلالية حركة فتح.

 

و ختاماً ، أقترح هنا على حركة فتح بعض التوصيات الهامة  التي يمكن أن  تأخذها بعين الاعتبار عند تطويرها لبرامجها السياسية ، مثل ما يلي:

  • من المستحسن لحركة فتح تطوير خطة طوارئ و أزمات وتقديمها ضمن برنامجها السياسي لمعالجة أي طارئ جديد على القضية الفلسطينية و التصرف بأسرع وقت ممكن في وقت الأزمات.
  • من السابق للأوان، إعلان فتح فشل المفاوضات بشكل نهائي ، ومن الأفضل لحركة فتح العمل على حث منظمة التحرير الفلسطينية  على تجديد فريق عمل المفاوضات الفلسطينية وضخ دماء جديدة في قسم المفاوضات التابع لمنظمة التحرير.
  • من الأفضل لفتح عدم حرق جميع جسورها مع الولايات المتحدة الأمريكية و تصنيفها كعدو دائم لها ، لأن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت دولة عظمى و لها ثقلها السياسي في مجلس الأمن وهي لعبت دور إيجابي أثناء فترة حكم الرئيس الأمريكي أوباما،  عندما استنكرت الاستيطان الإسرائيلي و امتنعت عن استخدام حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بوقف الاستيطان قرار رقم (2334)  ، لذا يجب أن لا تفقد حركة فتح الأمل في استقطاب الأحزاب  الأمريكية لصالح القضية الفلسطينية وخاصة الحزب الديمقراطي الأمريكي.
  • من الأفضل لفتح أن تعتمد في خطابها السياسي ، مصطلحات الصراع الدولية والمهنية، مثل مصطلحات  “بناء السلام” ،  و “حل الصراع” و “الخصم” و “طرف الصراع” ، و الابتعاد عن استخدام ألفاظ لغوية صداميه،  تدل على الغضب الشديد و الإحباط مثل  كلمة “العدو”  و “الفاشية” ،  و ذلك حتى لا تفقد فتح التعاطف الدولي معها ،  ويتم اتهامها بتأجيج الصراع وعدم الرغبة في تحقيق السلام العادل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا سيحدث لو أعلن الرئيس عباس قطاع غزة كإقليم متمرد ؟

غزة على وشك الانهيار ، وكارثة إنسانية تلوح في الأفق ، سكان منهكون من البطالة و الفقر، مياه ملوثة ، بيوت مظلمة ، مؤسسات حكومية شبة مفلسة ، اقتصاد منهار ، و حياة تكاد أن تكون شبه مستحيلة للفقراء و المحتاجين ، أما المرضى المهمشين فحدث و لا حرج فهم محكوم عليهم مسبقا بالإعدام بسبب الإهمال والحصار.

في غزة بالفعل يوجد حياة أقل ما تستطيع وصفها بأنها مأساوية، فقد شهد القطاع في العشر السنوات الأخيرة ، منذ بداية الانقسام الفلسطيني تحول طبقي خطير ، ذابت من خلاله الطبقة الاجتماعية الوسطى التي تحولت مع طول فترة الانقسام إلي طبقة فقيرة هشة ، فانقسم المجتمع الغزي إلي طبقتين متناقضتين تماما ؛ طبقة الفقراء الذي يعتمدون على المساعدات الإنسانية و الرواتب الضئيلة المقدمة لموظفي السلطة البسطاء، و طبقة أخرى برجوازية انتعشت من تجارة الحصار و الأسواق السوداء.

وهذا الانقسام الطبقي الخطير ، سيكون له بالطبع تداعيات خطيرة على مستقبل قطاع غزة، و سينعكس سلبا على مستوى استقرار الأمن فيه ، فهناك احتمال كبير أن يكون هناك ثورة جياع في حال لم يتم إيجاد حل إنساني و سياسي للمشاكل الحياتية لسكان القطاع.

فقد بدأت كرة الثلج بالتدحرج منذ أول عام في الإنقسام الفلسطيني، و لا أحد يستطيع أن يتجاهل احتمالية انفجار تلك الكرة الضخمة في وجه الجميع ، فالسؤال الرئيس الآن ، ليس هو هل ستنفجر الكرة أم لا ؟ بل هو ، متى ستنفجر تلك الكرة ؟

وفي ظل تكرار الأزمات المتعددة التي يختبرها قطاع غزة ، وتوارد الأنباء العاجلة عبر وسائل الإعلام عن خطط الرئيس عباس، لخصم رواتب موظفي السلطة تارةً، وعن إرسال وفود فتحاوية لحماس لكي تطالبها بتسليم قطاع غزة للرئيس تارةً أخرى.

لا يمكننا تجاهل هذه الإشارات الكبيرة لتلك الأزمات و الأنباء، حول ما ينتظر قطاع غزة بالفعل من مخطط سياسي خطير يكمن بإعلان الرئيس عباس ، قطاع غزة كإقليم متمرد ، وذلك في حال رفضت حركة حماس حل اللجنة الإدارية و التنازل بشكل كامل عن إدارة قطاع غزة، و تسليم مفاتيحه للسلطة الفلسطينية برام الله.

وعندما نتحدث عن إمكانية إعلان قطاع غزة كإقليم متمرد ، لا أقصد هنا عملية خصم نسبي من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، أو تخلي جزئي من السلطة الفلسطينية عن مسئولية دفع بعض نفقات القطاع ، بل أقصد بالإقليم المتمرد ، هو انفصال تام بين الضفة الغربية و قطاع غزة ، و عدم التزام كامل من قبل السلطة الفلسطينية بتحمل نفقات جميع القطاعات الصحية و التعليمية و الاقتصادية و المدنية ، مع وقف التحويلات المالية للقطاع، و امتناع السلطة بشكل رسمي عن دفع رواتب الموظفين بغزة.

لذا يستدعي الأمر تقديم نظرة استشرافية مختصرة لما ستؤول إليه الأوضاع السياسية و الأمنية بقطاع غزة ، في حال أعلن الرئيس عباس بشكل رسمي غزة كإقليم متمرد.

و بناءً على ذلك، أتوقع في هذا المقال، أكثر السيناريوهات المحتمل حدوثها، في حال تخلت السلطة الفلسطينية رسمياً عن قطاع غزة وهي ما يلي:

السيناريو الأول: حكم مشدد وسياسة تقشفية
إن أول سيناريو قد يحدث في حال أعلن الرئيس عباس غزة كإقليم متمرد، هو قبول حركة حماس بهذا التحدي الكبير في تحمل مسئولية القطاع لوحدها و بشكل كامل، مع تمسك الحركة بحقها الكامل في إدارة كافة المؤسسات الحكومية بغزة عن طريق اللجنة الإدارية ، بالإضافة إلي فرض سيطرة أمنية مشددة على القطاع، من أجل منع حدوث أي فلتان أمني بالشارع الغزي والتصدي لأية محاولة اختراق أمنية أو ثورة شبابية، قد تُخلخل من قدرة حركة حماس من السيطرة على القطاع ، و تعيق استعداد الحركة من بناء قدراتها العسكرية من أجل الاستعداد لمعركة التحرير الكبرى حسب منظور قيادة حماس و التي أسموها معركة “وعد الآخرة”.

و أعتقد هنا أن حركة حماس بالفعل، مستعدة لهذا السيناريو، و يظهر ذلك جلياً من خلال تصريحات قيادتها السياسية ، و طريقة ردهم على تهديدات الرئيس المتعلقة بتسليم القطاع للسلطة فقد أعلن مؤخرا النائب عن حركة حماس، مشير المصري خلال كلمه له في مؤتمر “بكفي حصار” ، أن حركة حماس لديها خطة معالجة لأي إجراء يتخذه الرئيس عباس تجاه الانفصال عن غزة.

ومن خلال هذا السيناريو ، أتوقع أيضا، أن تقوم حماس بتطبيق سياسة اقتصادية تقشفية تكمن بتقليص مصاريف الكهرباء و المياه و الوقود، و بزيادة نسبة الضرائب على أعضاء القطاع الخاص ، مع رفع قيمة الرسوم و المعاملات الرسمية في المؤسسات الحكومية ، من أجل زيادة نسبة العوائد المالية ، ليتم تغطية نفقات القطاع.

و أتوقع أيضا أن حماس ستمارس سياسة دبلوماسية مدروسة جيداً مع مؤسسات المجتمع المدني العاملة بقطاع غزة ، لتشجعهم على توفير مساعدات إنسانية للطبقة المحتاجة في غزة، مما قد يخفف عن عاتق الحركة عبء مسئولية تقديم مساعدات للفقراء.

السيناريو الثاني: كارثة إنسانية و تدخل دولي عاجل
وهنا أتوقع في هذا السيناريو، أن تستمر حركة حماس بتغطية فقط رواتب موظفيها ، و عدم تحمل مسئولية رواتب موظفي السلطة الفلسطينية القدامى، في حال تم قطع الراتب عنهم بشكل كامل، و ربما تعلن حماس أيضا عن عجزها لدفع نفقات الكهرباء ، و المياه و الصحة و التعليم ، مما سيؤدي إلي حدوث كارثة إنسانية كبيرة بالقطاع و إعلان حالة الطوارئ و طلب استغاثة عاجلة لمساعدات إنسانية من دول العالم، عن طريق مناشدات إنسانية تطلقها مؤسسات المجتمع المدني، التي ستلعب دور كبير في استقطاب المساعدات الدولية لقطاع غزة ، الأمر الذي سيؤدي إلي انتعاش حركات التضامن الدولية لفك الحصار عن غزة ، شبيهاً بما كان يحدث خلال الفعاليات السابقة لسفن الحرية.
و لا أستبعد هنا حدوث تدخل قطري و تركي لدعم قطاع غزة للاستمرار في الحياة، وربما يتدخل أيضاً القيادي محمد دحلان خلال حدوث تلك الأزمة الانسانية ، ويقوم بتقديم مساعدته ودعمه لحركة حماس، عن طريق التوسط بينها وبين مصر من أجل فتح معبر رفح البري و إدخال المساعدات الإنسانية للقطاع.

السيناريو الثالث: حرب مشتعلة ودمار شامل
أما السيناريو الثالث، وهو يمكن أن يحدث في حال قامت إسرائيل باستغلال فرصة إعلان الرئيس قطاع غزة كإقليم متمرد، و قامت حينئذ بإغلاق المعابر التجارية الإسرائيلية ، و منعت المواد الرئيسة للدخول إلي قطاع غزة، و أوقفت التحويلات المالية ، مما سيؤدي إلي فشل كبير لسياسة حماس التقشفية، بسبب تضييق الخناق أكثر على الحركة، وهنا يُصبح القطاع على حافة الانفجار ، الأمر الذي سيشعل غضب قيادة حماس العسكرية و يجعلهم يطالبون بضرورة الانتقام من إسرائيل، وفي نفس الوقت العمل على لفت انتباه العالم من جديد حول الكارثة الإنسانية بقطاع غزة ، وذلك عن طريق التصادم مباشرة مع قوات الجيش الإسرائيلي، في حرب جديدة محدودة، قد تُعيد أنظار العالم إلي قطاع غزة مرةً أخرى ، وتعاقب إسرائيل على سياسة حصارها المشدد للقطاع حسب مفهوم  قيادة حركة حماس.

و أستبعد هنا، حدوث هذا السيناريو، لأنني أرى أن إسرائيل غير معنية بالتورط في حرب جديدة على غزة، لما تُشكله تلك الحرب من تكلفة اقتصادية باهظة، و خسائر مادية كبيرة للإسرائيليين.

لذا أتوقع أن تقوم إسرائيل بزيادة التسهيلات الاقتصادية للقطاع، في حال شعرت الحكومة الإسرائيلية أن قطاع غزة أوشك بالفعل على الانفجار، متبعةً بذلك سياسة ” تنفيس القنبلة ” قبل تفجيرها ، وذلك للحيلولة من وقوع أية حروب جديدة، بالرغم من استعداد جيشها لأي اجتياح جديد للقطاع.

لكن يمكننا القول، أنه في حال فقدت حركة حماس الأمل، بسبب اشتداد أزمة القطاع، و زيادة الحصار الإسرائيلي عليها ، و تورطت حماس بالفعل في حرب أخرى ضد إسرائيل، بشكل عشوائي، و دون استعداد عسكري جيد، و أصبح هناك دمار شامل لمنشآت القطاع.

أتوقع هنا أن الأمور السياسية و الأمنية في قطاع غزة، قد تنقلب رأساً على عقب ، حيث لا أستبعد أبداً، أن تستغل إسرائيل تلك الحرب العشوائية الجديدة الغير مخطط لها جيداً ، من أجل محاولة إنهاء حكم حركة حماس، و تجريد القطاع من السلاح، و من ثم احتلال قطاع غزة بشكل مؤقت ، لحين يتثنى الوقت المناسب لإسرائيل لتسليم القطاع لقوات دولية، مثل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وهنا سيكون دور تلك القوات الدولية هو إدارة شئون القطاع لفترة قصيرة، وبعدها قد تدعو تلك القوات الدولية الفلسطينيين لتشكيل لجنة وطنية فلسطينية مؤقتة ، لكي تقود المرحلة الانتقالية بالقطاع ، و لكي تُجهز لانتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، لتبدأ بعد تلك المرحلة الانتقالية ،حقبة سياسية جديدة في غزة،لا تشمل بالضرورة أعضاء حركات المقاومة الإسلامية حسب الخطة الإسرائيلية.

ولابد من الإشارة ، أن هذا السيناريو تم تصوره بناءً على تحليلي السياسي لتصريحات القادة الإسرائيليين، التي يتم تداولها عبر وسائل الإعلام العبرية ، حيث صرح ليبرمان، عدة مرات في الصحف الإسرائيلية ، أن أية حرب قادمة على غزة، ستكون حاسمة وستهدف لإسقاط حكم حماس ، و قد ناقش نتاياهو سابقا في شهر فبراير ،2017 ، خلال لقاءه مع وزيرة الخارجية الاسترالية جولي بيشوب، فكرة جلب قوات دولية للقطاع .

لذا ليس مستبعدا، أن تكون إسرائيل قد فكرت بالفعل بهذا السيناريو الخطير، ولكنها ربما تنتظر الفرصة المناسبة لتطبيق مخططها الشبه معلن لتغيير نظام الحكم بغزة، و القضاء على حركات المقاومة المسلحة.

ويعتمد مدى إمكانية تطبيق هذا المخطط الإسرائيلي من عدمه ، على مدى الاستعداد العسكري لحركة حماس و حركات المقاومة الأخرى لمواجهة إسرائيل ، وعلى مدى قبول الأمم المتحدة للخوض بمغامرة جديدة في قطاع غزة ، و إرسال قواتها الدولية للقطاع بعد انتهاء المعركة المقبلة.

السيناريو الرابع: تمرد وجماعات متطرفة
وهذا السيناريو، يمكن أن يحدث فقط في حال فشلت حركة حماس بفرض سيطرتها الأمنية على قطاع غزة، بسبب الفقر و البطالة و انقطاع الكهرباء و إغلاق الحدود، أو بسبب احتمال وقف الدعم المالي الكامل لحركة حماس، وعجزها عن تمويل رواتب أعضائها بشكل دوري.

حينئذ ربما يحدث انشقاق جزئي في صفوف الحركة، وتمرد داخلي من قبل بعض أعضائها ، مما قد يؤدي إلي نشأة حركات تمردية سرية ، تهدف للانقلاب على حكم حركة حماس و تقوم بتشكيل مجموعات مسلحة متطرفة ، من أجل السيطرة على القطاع بشكل تدريجي، الأمر الذي سيؤدي إلي إغراق قطاع غزة في دوامة عنف خطيرة وفوضى أمنية كبيرة.

و لكن أعتقد هنا، أن نسبة حدوث هذا السيناريو تُعتبر ضئيلة جداً ، لأن حركة حماس معروفه بقوة تنظيمها الداخلي، و بإخلاص أعضائها لفكر الحركة الإسلامي، الذي يدعو إلي الالتزام بمبادئ السمع و الطاعة للقائد ، فقد تتلمذ معظم أعضاء حركة حماس منذ نعومة أظافرهم على أيدي أئمة مساجد الحركة، الذين غرسوا في نفوس عناصر حماس منذ طفولتهم ، قوة الإيمان بالجهاد في سبيل الله، و الصبر على الابتلاء و المحن ، لذا من الصعب، أن يحدث تمرد كبير داخل الحركة ، لكن كل شيء متوقع في هذا الزمن ، خاصةً في حال عجزت الحركة عن دفع نفقات أعضائها، و عجزت عن متابعة ورقابة تصرفات و سلوكيات عناصرها.

و بعد عرض تلك السيناريوهات الأربعة، أتمنى أن لا تتدهور أوضاع القطاع بشكل مأساوي يضر بمصلحة السكان المدنيين بالقطاع، و أتمنى أيضاً أن تنتهي الحالة المزرية للانقسام الفلسطيني، التي باتت تشكل خطر كبير على القضية الفلسطينية، و تقضي على حلم الدولة المستقلة.

و أخيراً، لابد من القول، أن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير ، فالسياسة متقلبة، و لا يوجد بها مسلمات، وفي عصرنا هذا كل شيء محتمل و قابل للحدوث ، لذا لا أحد يستطيع أن يتنبأ بشكل مؤكد ماذا ينتظر القضية الفلسطينية من مفاجآت ، و أحداث جديدة، قد تقلب موازين القوى في الساحة الفلسطينية.

لذا مهما تغيرت الظروف السياسية، وتبدلت الأمور الأمنية، يجب أن تكون أهدافنا الأولية و النهائية كفلسطينيين، هو الحفاظ على الوحدة الوطنية و التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وبناء دولتنا الفلسطينية المستقلة.

الدوافع الأمنية الإسرائيلية لقضية الاستيطان

منذ عدة عقود زمنية و إسرائيل منهمكة ببناء مستوطناتها في كل من القدس و الضفة الغربية تحت شعار حق اليهود في أرض فلسطين ، مما زاد من حدة الصراع و تأزم الأوضاع السياسية و الأمنية بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، وجعل الفلسطينيين يشعرون باليأس و الإحباط و بفقد الثقة بتصريحات القادة الإسرائيليين الذين يصرحون دوماً لوسائل الإعلام العربية و الغربية ، أنهم يرغبون بالسلام مع الفلسطينيين ، لكن عند الرجوع إلي أرض الواقع و الإطلاع على الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان ، يجد معظم الفلسطينيون أن تلك التصريحات الإسرائيلية متناقضة مع الواقع ولا يتم تطبيقها بشكل فعلي و حقيقي ، حيث مازالت إسرائيل مستمرة بتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية ، ومازالت ترفض التخلي عن سياستها الاستيطانية ، مما يعيق الطريق أمام الفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة بكل حرية و بدون أي اختراق لسيادتها من قبل إسرائيل.
وتجدر الإشارة ، أنه عندما يتم طرح سؤال على أي مسئول إسرائيلي عبر وسائل الإعلام ، عن سبب تمسك إسرائيل بالاستيطان ، ورفضها المتواصل لتفكيك المستوطنات المتواجدة في كل من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية ، يجيب هذا المسئول الإسرائيلي ، بأن تلك المستوطنات الإسرائيلية ليست العائق الوحيد أمام السلام ، و أنه وقد سبق لإسرائيل و أن انسحبت من قطاع غزة خلال عام 2005 ، ولكن ذلك الانسحاب انعكس سلبيا على أمن الشعب الإسرائيلي ، لأن حماس سيطرت على قطاع غزة ، ومن ثم بدأت صواريخ المقاومة الفلسطينية تنطلق بشكل مكثف تجاه المدن الإسرائيلية الواقعة ضمن غلاف غزة. لذا تتخذ إسرائيل من تجربتها السابقة في قطاع غزة، ذريعة كبرى لعدم تفكيك مستوطناتها في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت شعار الخوف من أن تتحول الضفة الغربية إلي غزة أخرى ، مما يجعلها تتهرب من مسئوليتها الكبيرة بالانسحاب الكامل من أراضي الضفة الغربية.
أما بالنسبة للقادة و المسئولين الفلسطينيين، فيرى معظمهم ، أن تلك التبريرات الإسرائيلية حول المستوطنات ، هي مجرد حجج واهية و غير مقنعه ، و مجرد ذريعة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.
و أرى هنا ، أن من أهم أسباب تمسك إسرائيل في الاستيطان، لا يعود لأسباب دينية توراتية كما يروج البعض لذلك ، حتى و إن أعلنت إسرائيل مراراً عن تمسكها بيهودية دولتها، إلا و أنني أعتقد أن إسرائيل مازالت تعتبر نفسها بمثابة دولة علمانية ، حيث أن بطاقات هوية مواطنيها ، لا يوجد بها أي بند يتعلق بنوع الديانة ، إضافةً لذلك ، فإن أغلب القوانين المدنية الإسرائيلية التي يعتمدها القضاء الإسرائيلي هي قوانين معظمها مشتقه من قوانين علمانية مصدرها كل من بريطانيا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الملفت للنظر أيضاً ، أنه يوجد عدد كبير من المستوطنين العلمانيين الذين يسيطرون على عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية ، لذا نستطيع القول، أن الدين ليس هو الدافع الأساسي لاستمرار إسرائيل في استيطانها للأراضي الفلسطينية ، بل هناك أسباب أخطر و أعمق من ذلك، تجعل إسرائيل تشتعل غضباً، عندما تسمع أن هناك استنكار دولي للاستيطان و أن هناك مطالبات جدية لتفكيك مستوطناتها في كل من القدس الشرقية و الضفة الغربية ، خاصة في منطقة غور الأردن.
و بناءً على تحليلي لطبيعة و أهداف تلك المستوطنات الإسرائيلية، أعتقد أن من بعض الأسباب الحقيقية من خلف بناء تلك المستوطنات، تتمثل في أسباب إستراتيجية و أمنية بحتة تتلخص ضمن مما يلي:
أولاً) فرض واقع قسري و حدود مؤقتة على الفلسطينيين
تجدر الإشارة، أن عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية يبلغ نحو (251) بؤرة استيطانية ، حسب بعض الإحصائيات الصادرة من هيئة مقاومة الجدار و الاستيطان .
و تربط إسرائيل عادة تلك البؤر الاستيطانية عن طريق شارع رئيس وهو شارع رقم (60 ) من أجل ترسيخ شريط حدودي إسرائيلي بواسطة جدار استيطاني يعزل ما بين مدن الخط الأخضر و الضفة الغربية، و بذلك تكون إسرائيل قد شكلت لنفسها حدود ديمغرافية تفصلها عن الفلسطينيين ، الأمر الذي يجعل إسرائيل بأن تقوم بفرض و بشكل قصري واقع أمني جديد و حدود مؤقتة للدولة الفلسطينية المستقبلية حسب الرؤية الإسرائيلية ، وذلك بعد اقتطاع تلك المستوطنات لأجزاء من الأراضي الفلسطينية، تبلغ نسبتها نحو ( 1.2 %) من مساحة الضفة الغربية، مع سيطرتها بطريقة غير مباشرة عل نحو ( 40%) من مجمل أراضي الضفة الغربية ، عبر الطرق الالتفافية الاستيطانية و الجدار العازل و الحواجز العسكرية الإسرائيلية .
وبناءً على تلك المعطيات ، تبقى المستوطنات الإسرائيلية كعثرة كبيرة للتواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية و كعائق حدودي استراتيجي أمام الفلسطينيين لتوسيع دولتهم الفلسطينية و للتمدد مستقبلا، بالإضافة لعدم وجود أية ضمانات إسرائيلية بعدم اختراق السيادة الفلسطينية في المستقبل.
ثانياً) حصانة أمنية ضد أي محاولة اختراق عربية للحدود
مازالت تعتبر إسرائيل منطقة غور الأردن منطقة حدودية هامة وخطيرة، فهي تشكل بوابة شرقية للدول العربية للدخول إلي الأراضي الفلسطينية عبر الحدود الأردنية المتاخمة لغور الأردن ، فقد سبق و عبرت الجيوش العربية من خلال منطقة غور الأردن للأراضي الفلسطينية أثناء محاربتها لإسرائيل في عام 1967.
لذا بعد نكسة عام 1967 ، نفذت حكومة حزب العمل الإسرائيلية ، خطة ألون الاستعمارية ، التي تتمثل بإنشاء شبكة من المستوطنات العسكرية في منطقة غور الأردن ، وذلك حتى تكون تلك المستوطنات بمثابة حصانة أمنية إسرائيلية و بوابة عسكرية مغلقة أمام أية محاولات لاقتحام الحدود الفلسطينية المشتركة مع الأردن من قبل جيوش الدول العربية ، فبغض النظر عن توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام مع كل من الأردن ومصر ، إلا و أن الإسرائيليين مازالوا لا يثقون بالعرب و يفكرون بشكل استراتيجي في حماية حدودهم المشتركة مع الفلسطينيين ، عن طريق إنشاء تلك الكتل الاستيطانية التي توفر الدعم العسكري و الأمني لقوات حرس الحدود الإسرائيلية المتواجدة في منطقة غور الأردن.
ثالثاً) عزل الشعب الفلسطيني جغرافيا عن القدس العاصمة
حسب الكاتب الإسرائيلي بنيامين شوارتز ، الذي نشر مقال باللغة الانجليزية بعنوان الأسباب المنطقية للاستيطان ، فإن من الأسباب الرئيسة لتأسيس وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم في القدس ، هو أن شارون أراد أن يُبعد الفلسطينيين في الضفة الغربية من الاقتراب من شارع ( 60 ) ، و أراد في نفس الوقت أن يعزل فلسطيني الضفة الغربية جغرافياً عن القدس، و يضع حاجز بينهم وبين سكان القدس ، لذا تم اقتطاع مساحات شاسعة من أراضي بلدة أبو ديس ، تبلغ نحو(50) ألف دونما لبناء وتوسيع تلك المستوطنة لكي تكون بمثابة فاصل ديمغرافي كبير ، يحد من التواصل بشكل قسري بين سكان الضفة الغربية و القدس ، مما يمزق الحلم الفلسطيني بإعلان القدس الشرقية كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
رابعاً) نقاط أمنية و مراكز لجمع معلومات استخبارتية
و من الأسباب الأخرى لوجود المستوطنات في الضفة الغربية ، هو أن تلك المستوطنات يتم استخدامها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كنقاط أمنية لاستقبال العملاء الذين يتعاونون مع إسرائيل في الضفة الغربية ، حيث أن اختراق المستوطنات الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية ، يوفر بيئة أمنة للتواصل و لالتقاء مسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع عملائهم العرب . و تعتبر أيضاً تلك المستوطنات كأماكن أمنية هامة لاختراق الحياة الفلسطينية الخاصة بشكل يومي من أجل جمع معلومات دورية عن أنشطة عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لذا بكل بساطة لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عن وسيلة رئيسة و إستراتيجية تخدمها في مجال عملها الاستخباراتي و الأمني.
و أخيراً ، بعد عرض مختصر للأسباب الأمنية و العسكرية ، من وراء استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية و القدس الشرقية ، لابد من القول أن إسرائيل تعتبر المستوطنات بمثابة سلاح استراتيجي ديمغرافي ، تواجه به الفلسطينيين و العرب سويا ، وهذا يفسر سبب فشل جميع مفاوضات السلام بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، لأن إسرائيل تعتقد أن أمنها القومي هو فوق كل الاعتبارات الأخرى ، وهي حسب تصريحات قياداتها ، لا تؤمن إسرائيل بالسلام المبني على حسن النوايا ، بل بالسلام الأمني الذي يؤمن حدودها ويضمن بقاء دولتها للأبد دون التعرض لأية تهديدات خارجية. فإسرائيل بالأساس هي دولة أمنية وعسكرية، و منطلقات تأسيسها جاءت بناء على حاجة أمنية لتوفير وطن أمن ليهود العالم على حساب الفلسطينيين، بعد أن تم استهداف هؤلاء اليهود من قبل النازية الألمانية ، لذا يعتبر الأمن عند إسرائيل حجر الأساس في بناء دولتهم العبرية.
و بناءً على ذلك التصنيف الأمني لإسرائيل، أعتقد أن على المفاوض الفلسطيني أن يدرس بدقة وجدية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، و أن يحاول الفهم بشكل جيد ومعمق ، العقلية و السيكولوجية الأمنية للطرف الإسرائيلي ، لكي يستطيع التفاوض معه بشكل عقلاني و منطقي حول أي موضوع يتعلق بالأرض و الأمن معا.
و أعتقد أيضا ، أن فريق التفاوض الفلسطيني ، يجب أن لا يشمل فقط خبراء فلسطينيين يحملون الشهادات العليا في الدبلوماسية و علم المفاوضات، بل يجب أن يشمل هذا الفريق أيضاً ، خبراء أمن و ضباط عسكريين فلسطينيين، لكي يستطيعوا تقديم ردود أمنية بحتة تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني ، وتمكنهم من التصدي لأي حجة إسرائيلية تتهرب من خلالها عن مناقشة موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية ، وحسم الحدود النهائية للدولتين وذلك تحت ذريعة أمن إسرائيل ونظريتها في الدفاع عن النفس.
فالسياسة بشكل عام و المفاوضات بشكل خاص ، هما علم كبير ، و ليس مجرد حوارات ونقاشات تدور حول دائرة مستديرة ، بل هي حسابات أمنية وعسكرية، يجب أن يقوم بها خبراء أمن استراتيجي، لديهم رؤية أمنية خاصة تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية، وكيفية رسم حدودها بشكل دقيق يضمن سيادة الدولة الفلسطينية ، ويضمن عدم اختراقها من قبل الجيش الإسرائيلي في أي وقت .
وهنا لابد من الإشارة أن الفلسطينيين يتعاملون مع دولة أمنية ومتفوقة عسكرية ، تُصدر أسلحتها التكنولوجية للعالم و تتفاخر بتقديمها استشارات أمنية لحلفائها، لذا علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع العقلية الأمنية الإسرائيلية بذكاء شديد و بمنطقية واقعية و بحجة قوية ، و ليس بناءً على اعتقادات أيدلوجية و انفعالات عاطفية ، قد تضللنا عن رؤية الواقع كما هو ، وقد تجعلنا نشعر بالإحباط بسبب عدم تمكنا من التعامل مع الدهاء الأمني للطرف الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية ، مما يجعل حلم تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة حتى الآن حلم بعيد المنال بسبب فقدان الفلسطينيين لشروط تأسيس الدولة الفلسطينية التي تتمثل بالسيادة و التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية و الاعتراف الدولي .
لذا فلنفكر سوياً ، كيف يمكننا كفلسطينيين تبديد المزاعم الإسرائيلية و ذرائعهم الأمنية لوجود تلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس ، من أجل الوصول لاتفاق سلام نهائي عادل ينهى الصراع للأبد ويفسح المجال لنا كشعب فلسطيني ببناء دولتنا المستقلة القابلة للحياة على حدود عام 1967 ، وعاصمتها القدس الشرقية.

المرأة الفلسطينية والانتخابات البلدية: مشاركة رمزية و تحديات مجتمعية

تم نشر المقال في مجلة سياسات العدد 38

منذ أن أعلنت لجنة الانتخابات المركزية  بتاريخ 16/8/2016  عن فتح باب الترشح للانتخابات المحلية  2016  في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة  ، طبقا لقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005 وتعديلاته، دبت روح  الأمل  و التفاؤل في نفوس  معظم   المواطنين  الفلسطينيين ،  بأن يكون هذا الإعلان الرسمي بادرة خير على الشعب الفلسطيني و خطوة ايجابية اتجاه إنهاء الانقسام الفلسطيني.

و على الرغم من الشعور بالتفاؤل  الحذر عند المواطنين الفلسطينيين ، إلا و انه كان هناك شعور كبير بالقلق و الشك من قبل بعض الناشطين  السياسيين و الفاعلين بالمجتمع المحلي حيال  مدى إمكانية نجاح تلك التجربة الانتخابية  البلدية التي تم تأجيلها بالسابق و لعدة مرات بسبب الانقسام الفلسطيني و الصراع  السياسي  بين الأحزاب  الفلسطينية و وعدم وجود اتفاق نهائي من قبل الفصائل الفلسطينية لإجراء أي نوع من الانتخابات  بموعدها الطبيعي.

لكن تلك المشاعر المتذبذبة بين التفاؤل و التشاؤم ، لم تثبط من همة  عدد كبير من  المواطنين الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة الذين لم يترددوا بتحديث بياناتهم  في سجلات لجنة الانتخابات المركزية،  أو أن يقوم بعضهم بترشيح نفسه،  وفق قوائم انتخابية حسب ما  نص عليه قانون الانتخابات  الهيئات المحلية لعام 2005.

إن تلك الانتخابات البلدية التي كانت من المخطط لها أن تتم  بتاريخ 8 /10/2016،  تم اعتبارها   بمثابة فرصة كبيرة  لبعض النساء الفلسطينيات  لكي يشاركن ضمن  القوائم الانتخابية للمجالس المحلية ، وذلك حسب ما نصت عليه المادة رقم ( 17) من قانون رقم 10 لعام 2005،  الذي شدد على أنه يجب أن لا يقل تمثيل المرأة في المجالس المحلية عن نسبة (20 %) من العدد الكلي لأعضاء المجلس المحلي.

لذا انضمت بعض النساء للقوائم الانتخابية  تطبيقا لقانون انتخابات الهيئات المحلية و من أجل تحقيق  أيضاً ، عدة أهداف معينة  تتنوع وتعتمد حسب مكانة النساء الأعضاء بتلك القوائم  وحسب الدوافع السياسية و الاجتماعية و القانونية التي شجعت المرأة الفلسطينية التي تعيش في كل من القرية أو المدينة  لتسجيل اسمها كمرشحة ضمن نظام القوائم لكي تمثل أفراد مجتمعها المحلي في المجالس المحلية.

و تتعدد تلك الأسباب التي دفعت المرأة الفلسطينية للموافقة على الانضمام لقوائم انتخابات الهيئات المحلية، حسب الطبيعة والخلفية السياسية و الثقافية و الدينية و الاجتماعية للمرأة المرشحة. لذا  أرى هنا أن من أهم تلك  الأسباب  التي جعلت المرأة الفلسطينية ترشح نفسها في قوائم الانتخابات البلدية لعام 2016 هي ما يلي:

أولاً) أسباب حزبية و سياسية

أقصد هنا بالأسباب الحزبية و السياسية ، أن من دفع المرأة للمشاركة بالانتخابات البلدية هو حزب سياسي معين اتخذ قرار سياسي لضم ضمن قوائمه الانتخابية  عضوات  منتسبات رسمياً للحزب أو  أخريات ذات علاقة جيدة  بالحزب  ولكنهن مستقلات  أو قريبات لشخصيات قيادية بالحزب. و أعتقد هنا أن مشاركة النساء في قوائم الانتخابات البلدية،  كانت بمثابة تلبية للشروط القانونية  و مجرد مشاركة رمزية  و تجميلية  حتى لا يتم اتهام الحزب من قبل الحركات النسوية،  بأنه لا يعترف بحقوق المرأة و أنه  لا يأخذ بعين الاعتبار قضايا الجندر.

لذلك من يطلع على القوائم الانتخابية المدعومة من قبل الأحزاب الرئيسية الفاعلة بفلسطين ، سيلاحظ  أن عدد النساء في  القوائم الانتخابية  لا يتجاوز اثنتين و أن معظم المقاعد الانتخابية يحتلها الرجال،  حتى أنه  من  من ناحية ترتيب أسماء الأعضاء بالقائمة الواحدة ، نجد  أن المرأة لا  تترأس  أي قائمة انتخابية  بل كان يذكر اسم المرشحة الثانية  في نهاية القائمة.

ثانيا) أسباب عشائرية وعائلية

ومن الأسباب الأخرى لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، هو رغبة العائلات الفلسطينية الكبرى و العشائر الفلسطينية بأن يشارك أعضائها  بشكل كبير وقوي في المجالس المحلية ، فقد  شهدت عملية تشكيل القوائم الانتخابية البلدية  في القرى والبلدات الفلسطينية في محافظات الضفة الغربية صراعاً بين العائلات والعشائر في السباق نحو انتخابات مقاعد المجالس البلدية ، و تغلبت العصبية العشائرية على الانتماء الحزبي للفصائل الفلسطينية.

و من أجل ضمان قانونية القوائم الانتخابية التي شكلتها العشائر الفلسطينية تم إدراج أسماء بعض نساء العشيرة في القوائم الانتخابية البلدية كمتطلب قانوني و ليس من منطلق الإيمان بحقوق المرأة بالمشاركة السياسية و المجتمعية.

وعند الاطلاع على القوائم الانتخابية للعشائر الفلسطينية بالضفة الغربية،  تم  ملاحظة أنه  تم  اختيار النساء المرشحات حسب مكانة الرجل بالعشيرة ، فقد تم دعوة زوجات و أخوات و بنات رجال العشيرة اللذين يتمتعون بمناصب قيادية بالعشيرة  للانضمام للقوائم الانتخابية ، بغض النظر عن المستوى التعليمي و الثقافي  لهؤلاء النساء،   وبغض النظر عن مدى وعي هؤلاء النساء بحقوقهن السياسية،   حيث تم تهميش عدد كبير من هؤلاء النساء المرشحات  من قبل رجال العشيرة،  بالرغم من مشاركتهن بشكل رسمي في القوائم الانتخابية،   ذلك التهميش صريح وعلني،  حيث لم يتم الإعلان عن أسماء بعض مرشحات العشائر  بشكل كامل ضمن القوائم  الانتخابية العشائرية، و تم الاكتفاء بوضع كنية أو لقب عائلي  بدلا من الاسم الرباعي للمرأة،  فعلى سبيل المثال  تم استبدال اسم المرأة الرسمي   ب “زوجة فلان”  أو “أخت فلان”  و قد وصلت الأمور أيضا بأن لا يتم كتابة أي كنية بل الاكتفاء فقط بذكر كلمة “أخت”  أو وضع رسم  “زهرة”  كإشارة  أن المشاركة بالانتخابات هي امرأة،  مما أثار انتقادات لاذعة من قبل عدد كبير من المؤسسات النسوية و الناشطين  في  الإعلام الاجتماعي،  الذين تداولوا الموضوع عبر صفحاتهم  الاجتماعية الالكترونية،   بشكل من الاستهجان الكبير و السخرية من العادات البالية و العقلية الذكورية المتطرفة التي تعتبر ذكر  اسم المرأة  هو نوع من العيب  و الاهانه.  مما  جعل ذلك بأن تصدر لجنة الانتخابات المركزية تصريحا إعلاميا  بأن هؤلاء المرشحات الخجولات قد سجلن أسمائهن الرباعية بشكل قانوني في سجلات المرشحين الرسميين ودون استخدام أي رموز.

ثالثاً) أسباب جندرية و حقوقية

و بالإضافة إلي  الأسباب السياسية و العشائرية التي أدت إلي ترشيح النساء الفلسطينيات أنفسهن في الانتخابات البلدية ضمن نظام القوائم ، كان هناك دوافع أخرى شجعت المرأة الفلسطينية بترشيح نفسها  وهي دوافع تتعلق بحقوق المرأة و الجندر.

فقد  شجعت بعض المؤسسات النسوية مجموعات مستقلة من النساء لتشكيل قائمة نسائية شبابية تمثل المرأة في الانتخابات البلدية ، وذلك لكي يتم لفت نظر المجتمع الفلسطيني على أهمية المشاركة السياسية و المجتمعية للمرأة الفلسطينية و لكي يتم الترويج لأهمية اعتبار الجندر و حقوق المرأة في قضايا الشأن العام. حيث تعتقد ناشطات  الحركة النسوية أن نسبة المقاعد المخصصة للنساء والواردة في قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005  والمعدّل بالقرار بقانون رقم (12)  غير كافية ويجب أن يتم زيادة الكوتا النسائية من 20% إلي 30 % على الأقل ، فقد  جاء في القانون أن المجلس الذي لا يقل عدد مقاعده عن 13 عضواً يجب أن تتمثل النساء فيه بمقعدين على الأقل.

لذا بناءً  على تلك المحاولات النسائية  لدعم زيادة الكوتا النسائية في الانتخابات و رغبة شديدة من الناشطات النسويات  على التأثير على صناع القرار في المجتمع الفلسطيني ، تشكلت  لأول مرة في تاريخ الانتخابات البلدية الفلسطينية قائمة انتخابية نسائية طرحتها  عدد من الناشطات الفلسطينيات في شؤون المرأة ، وذلك لمنافسة ست قوائم (حزبية وعشائرية ومستقلة) على الفوز بالانتخابات المحلية لمجلس بلدي دورا قضاء مدينة الخليل.

و ظهرت تلك القائمة النسائية تحت اسم “عطاء بلا حدود”، وضمت أسماء تسع نساء، تُنافسن على الفوز بالانتخابات المحلية في مجلس بلدي دورا، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى الأراضي الفلسطينية. وذلك في محاولة  من هؤلاء النساء  المشاركة بفاعلية، وسعيًا منهن نحو إيجاد مكان حقيقي للمرأة، وعدم الاكتفاء بما أقره القانون الفلسطيني حول الكوتا المخصصة للنساء في الانتخابات المحلية.

رابعاً) أسباب مهنية

و من جهة أخرى ، أعتقد أن من الأسباب الأخرى التي دفعت بعض النساء الفلسطينيات للمشاركة في القوائم الانتخابية البلدية هو  الرغبة منهن بتعزيز مواقعهن المهنية ، حيث تم ملاحظة أنه كان  هناك مشاركة كبيرة من بعض النساء الأكاديميات اللواتي يعملن في الجامعات الفلسطينية  أو اللواتي يعملن في مجال العمل المحلي المجتمعي المتعلق بالبيئة و المياه ، فقد تم جذب هؤلاء النساء المهنيات للانضمام لبعض القوائم الانتخابية المستقلة التي شكلها  أشخاص أكاديميون  بقطاع غزة ، و ذلك كنوع من تشجيع النساء المهنيات الأخريات للتصويت لصالح مرشحات القوائم المستقلة  و في نفس الوقت تشجيع أفراد المجتمع الفلسطيني لانتخاب قوائم مستقلة ومهنية قد تقدم حلول عملية ومهنية لمشاكل المجتمع المحلي بناء على الخبرة العلمية و المهنية لأعضاء القائمة الذين يتمتعون بثقة كبيرة من قبل المجتمع المحلي.

خامساً) أسباب شخصية

ولابد من الإشارة  أن من بعض الأسباب التي أدت إلي مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات  البلدية هي أسباب شخصية تتعلق بالمرأة نفسها،  التي تريد أن تؤكد ذاتها و تحقق طموحها الشخصي للوصول إلي مناصب رفيعة بالمجتمع و ترغب  بالمشاركة الفعالة في عملية صنع القرار الفلسطيني و رفع صوتها النسوي  ضمن  مجتمع ذكوري يحبذ مشاركة الرجال في الشأن العام أكثر من النساء.

لذا أعتقد أن من أهم الأسباب الشخصية لمشاركة المرأة في الانتخابات البلدية هو محاولة شخصية من المرأة الفلسطينية لتحدي العادات و التقاليد و إثبات الذات و أيضاً الثقة العالية بالنفس  حول  القدرة على التغيير المجتمعي و تقديم حلول اجتماعية بشكل متساوي مع الرجال.

وبعد تناول الأسباب الرئيسية  المؤدية لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، لابد من القول أن تلك المحاولات النسائية للمشاركة في  هذه الانتخابات أبرزت بشكل واضح الكم الكبير من التحديات المجتمعية التي تواجها المرأة الفلسطينية عادة عند إقدامها للمشاركة في قضايا الشأن العام  و بالأخص  في مجال  الانتخابات الفلسطينية سواء كانت انتخابات بلدية أو تشريعية أو حتى رئاسية.

حيث مازال المجتمع الفلسطيني غير مقتنع بشكل كامل بأهمية المشاركة النسائية في الانتخابات و مازال هناك عدم ثقة بقدرة المرأة الفلسطينية على إحداث تغيير سياسيي أو اجتماعي  أو المساهمة في عملية إصلاح المجتمع و تقديم حلول مستدامة  للمشاكل اليومية التي يعاني منها المجتمع المحلي مثل مشاكل الكهرباء و المياه و السكن و غيرها من المشاكل الأخرى التي يعاني منها المجتمع المحلي الفلسطيني بشكل يومي.

وتعتبر عدم ثقة و اقتناع أفراد المجتمع الفلسطيني بدور المرأة الفلسطينية في تقديم الحلول وصنع القرارات  من أهم التحديات التي تواجها النساء الفلسطينيات خاصة في المجتمعات المغلقة التي تحكمها قوانين و أعراف  قبلية وعشائرية،  حيث تعتبر تلك المجتمعات المغلقة  أن الدور الرئيسي للمرأة يجب أن يكون فقط في نطاق العائلة و في خدمة الزوج وتربية الأطفال،  و إذا ما أرادت تلك النساء المشاركة في الانتخابات وقضايا الشأن العام ،  فأنهن يجب أن يشاركن بناء على موافقة الرجل و تلبية للمصلحة الكبرى للعائلة أو العشيرة ، لذا عندما تم ترشيح بعض النساء في القوائم الانتخابية للعشائر تم ذلك بناء على أوامر من شيخ العشيرة الذي أراد أن تشارك نساء العشيرة في القائمة فقط كإجراء قانوني و روتيني من أجل ضمان تسجيل قائمته الانتخابية  في سجلات اللجنة الانتخابية المركزية التي تشترط وجود الكوتا النسائية في كل قائمة انتخابية حسب قانون الانتخابات الفلسطيني.

ومن الجدير بالذكر أيضا ، أن من بعض التحديات المجتمعية لمشاركة النساء في الانتخابات البلدية هو أنه كان  هناك اهتمام كبير من قبل معظم مشكلي القوائم الانتخابية،  بضم  نساء ينتسبن لعائلات كبيرة تتمتع  بنفوذ قوي  في المجتمع المحلي و لم يكن هناك اهتمام باختيار النساء حسب دورهن الفعال  بالمجتمع المحلي ، مما أدى إلي تنافس بعض الأحزاب السياسية لجذب نساء ينتسبن لعائلات ذات مكانة كبيرة في المجتمع أو متزوجات من رجال  قياديين  فتم  تهميش مشاركة النساء اللواتي ينتمين إلي طبقات المجتمع المتوسطة وأثار ذلك  النزعة القبلية و المصلحة السياسية عند المجتمع الفلسطيني و أبرز أيضاً   مدى سوء  توظيف دور المرأة الفلسطينية في تلك الانتخابات ومدى تهميش طبقات أخرى من المجتمع الفلسطيني.

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة الفلسطينية في عملية الإعداد  للانتخابات  البلدية من أجل المطالبة بتعزيز دورها في المشاركة بشكل فعال و ايجابي في  المجتمع ،  إلا و أنه لا يمكننا أن نتجاهل الحالة السياسية الفلسطينية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في ظل ظروف الانقسام الفلسطيني،  فبعد أن انتعش الأمل في قلوب الفلسطينيين حول  إمكانية انعقاد تلك الانتخابات البلدية في موعدها و بشكل متوازي بالضفة الغربية و قطاع غزة ، تغلبت المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية،  فقد  تم التشكيك في نزاهة تلك الانتخابات ، قبل البدء حتى بتنفيذها و توالت  الطعون الانتخابية من قبل الأحزاب المتنافسة ضد عدد كبير من القوائم الانتخابية،  و تم تبادل التهديدات ضد أعضاء بعض  القوائم الانتخابية،  الأمر الذي أثار حالة من القلق و عدم التيقن من إمكانية نجاح تلك الانتخابات ، و شيوع حالة من الشك و الريبة و  الانطباعات السلبية  بأن هناك  مخالفات قانونية كثيرة  فيما يخص عملية تسجيل و تشكيل القوائم الانتخابية.

ونتيجة لتلك الأجواء المتوترة التي سادت عملية الإعداد للانتخابات البلدية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ،   أصدرت  محكمة العدل العليا بتاريخ 8/ 9/2016 ، قرار بـتأجيل الانتخابات البلدية حتى إشعارا أخر.

مما  جعل  ذلك التأجيل إلي شعور النساء  باليأس و الإحباط و عدم التقدير للجهود المبذولة في عملية التسجيل بالانتخابات البلدية , و أدى ذلك أيضاً إلي  الشعور بعدم الثقة من قبل أفراد المجتمع الفلسطيني  بالقيادات السياسية  بخصوص  القدرة  على  إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني و إجراء انتخابات بلدية نزيهة، قد تفرز عن قادة محليين يقدمون حلول فعالة لمشاكل المجتمع المحلي.

و أخيرا  يمكننا القول،  أن مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية حتى لو كانت مشاركة رمزية  إلا و أنها تعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تفعيل دور المرأة الفلسطينية في عملية صنع القرارات و إشراكها في المناصب القيادية بالمجتمع، فبمجرد ورود أسماء نسائية بشكل علني في بعض القوائم الانتخابية،  يعتبر هذا مؤشر على اندماج المرأة الفلسطينية في عمل المجتمع المحلي و يدل على توافق مجتمعي كبير حول ضرورة إشراك النساء في كل الانتخابات ، بغض النظر عن الأسباب و الدوافع التي أدت إلي ترشيح النساء أنفسهن ضمن قوائم انتخابية متنوعة  ، فالمرأة الفلسطينية مازالت حاضرة في المشهد السياسي و الاجتماعي ومازالت تتحلى بروح الصبر و المثابرة من أجل أن تفرض نفسها في مجتمع يتقلد به الرجال معظم المناصب العليا.

لذا فإن كانت مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية  غير مكتملة  بسبب تأجيل تلك الانتخابات حتى إشعار أخر،  لكن لا يوجد شك بأن  تلك المشاركة الغير مكتملة قد مهدت الطريق لناشطات نسويات من أجل الترويج لقضايا حقوق المرأة و المطالبة بدعم و زيادة نسبة الكوتا النسائية و العمل على تمكين النساء الفلسطينيات في عملية المشاركة بصنع القرارات الوطنية سواء على مستوى الوطن أو المدينة أو القرية، فمشاركة المرأة مطلوبة في كافة المجالات و في جميع المناطق الجغرافية.

 

 

سؤال يحتاج لإجابة: لماذا لم نتحرر من الاحتلال بعد 68 عاما؟

ها نحن في تلك الأيام ، على وشك توديع عام 2016، بعد أن مضى على الاحتلال الإسرائيلي لبلادنا نحو 68 عاما، و مازلنا نقبع تحت هذا الاحتلال العنيد الذي يرفض الانسحاب من أراضينا، و الاعتراف بدولتنا المستقلة على حدود 67 حسب قرار الأمم المتحدة رقم 242.

 لذا لابد لنا كفلسطينيين أن نقوم بعمل تقييم ذاتي لكل من أوضاعنا السياسية و الاقتصادية و الإنسانية و أدائنا الداخلي و لطريقة إدارة ملف قضيتنا العادلة ، مع البدء بطرح بعض الأسئلة المحورية حول أسباب تأخر تحررنا، و إعلان دولتنا المستقلة ، في عصر لا يوجد به احتلال سوى الاحتلال الإسرائيلي على أراضينا، وفي عصر تحرر الإنسان من كافة أنواع الاستعمار، ولم تبقى دولة في العالم لم يتم الاعتراف بسيادتها ورفع علمها في كافة المحافل الدولية سوى دولتنا الفلسطينية.

 و قبل المطالبة بالإجابة على السؤال الرئيسي في عنوان هذا المقال، ألا وهو لماذا لم نتحرر حتى الآن ، و بعد 68 عاما من الاحتلال الإسرائيلي ؟

 لابد لنا من طرح أسئلة فرعية أخرى تحاول تفسير معنى السؤال الرئيسي، ألا وهي :

هل تتناسب أدوات إدارة الصراع التي نستخدمها كفلسطينيين للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي مع متطلبات العصر الحالي وتطورات القرن 21؟ وهل مازالت تلك الأدوات التي نستخدمها تجدي نفعا وتحقق نجاحا ؟ وإذا كانت تلك الأدوات ناجحة لماذا لم نتخلص من الاحتلال الإسرائيلي بعد 68 عاما ؟

 تلك أسئلة جدلية يجب أن نطرحها أولا على أنفسنا كفلسطينيين، و ثانياً يجب أن تجيب عليها قيادتنا السياسية بكل نزاهة وشفافية حتى نستطيع أن نقيم بموضوعية نقاط ضعفنا وقوتنا ، وحتى نستطيع أن نوفر من جهدنا ووقتنا ، فقد ضاع عمر شعبنا الفلسطيني وهو غارق في صراع دموي طويل، و لم يحصل للأسف حتى الآن على أي أمل لمستقبل حر ومزدهر ضمن حدود دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها عالميا !

 لذا علينا أن نعرف ماذا نريد كشعب فلسطيني ؟ و لأي طريق ستقودنا قيادتنا السياسية ؟ و إلي متى سيتم استمرار نزيف الدم الفلسطيني ؟ و إلي أي مدى ستستمر المعاناة الإنسانية الفلسطينية ؟

 يجب أن يتم الإجابة على تلك الأسئلة بكل صراحة و مسئولية حتى نعرف لأي طريق نتجه، و نراجع أهدافنا السياسية الغير ذكية حتى نتجنب ضياع مزيد من وقتنا في صراع ليس له مخرج حتى الآن سوى الموت ولعن الحياة.

 للأسف لقد اعتدنا كفلسطينيين أن نتباكى بأننا دائماً الضحية لكل شيء، مما يجعلنا ذلك نشعر أحيانا بالضعف و يضعنا في موقف الدفاع عن النفس بدلا من أن نكون فاعلين و مؤثرين ,و أصحاب قرار ومبادرات جريئة تتسم باتخاذ خطوات عملية وواقعية لتغيير واقعنا السلبي والمحبط بطرق سلمية.

 فهل يُعقل أن العالم بدأ يستعمر كوكب المريخ، و نحن لا نستطيع حتى الآن الحصول على قطعة أرض متواضعة من كوكب الأرض الشاسع ؟

 و لكي نجيب على تلك الأسئلة الجدلية ، لابد لنا من تحليل أسباب الفشل السياسي الفلسطيني ، وعدم تعليق الفشل فقط على شماعة الآخرين ، فالمشكلة هي مشكلة فلسطينية بحتة بالدرجة الأولى ، ونحن كفلسطينيين من يتحمل بشكل رئيسي أسباب التأخير بعدم تحرير أراضينا و عدم الحصول على دولة مستقلة حتى الآن.

 و أعتقد أن من أهم العوامل التي أدت إلي تأخر تحقيق العدالة في قضيتنا الفلسطينية و عدم حصولنا على التحرر حتى الآن هي ما يلي:

 – معظم القيادات السياسية الفلسطينية التي أدارت ملف القضية الفلسطينية أدرتها بشكل تقليدي يخلو من الإبداع والدهاء السياسي لحل الصراع بأقل الخسائر البشرية و المادية الممكنة.

– عدم وجود جدية في محاربة الفساد المؤسساتي و السياسي الداخلي.

– سوء توظيف أدوات الديمقراطية و استخدامها بشكل مؤقت لتحقيق أهداف حزبية ثم التخلي عنها.

– انتهاك حقوق الإنسان و استخدام العنف لقمع الحريات.

– اعتماد فلسطيني كبير على العرب والغرب لحل المشاكل الداخلية وعدم تحمل المسئولية الوطنية بجدية.

– تداخل القضية الفلسطينية مع المشاكل الإقليمية في الشرق الأوسط ، مما جعل حل القضية الفلسطينية معلق بقضية حسم الصراعات الإقليمية الأخرى.

– الإيمان بقوة بنظرية المؤامرة و نظرية الضحية المطلقة، مما شجعنا كفلسطينيين على الاتكال على الدول الأخرى لكي تدعمنا و قلل من حجم مبادراتنا الجريئة لحل الصراع.

– معظم الأحزاب السياسية الفلسطينية تتبني أدوات تفعيل الصراع و تأجيجه و ليس تسوية الصراع و حل النزاعات.

– معظم الأحزاب السياسية الفلسطينية الغير رئيسية هي أحزاب رمزية و لا تؤثر بشكل فعال على عملية اتخاذ القرارات التي تتخذها الأحزاب الحاكمة التي تنفرد في قيادة الشعب الفلسطيني دون عمل تقييم لأدائها.

– عدم نضج الوعي السياسي عندنا كشعب فلسطيني لاختيار ما يصلح لنا من البرامج السياسية و لانتخاب القادة المناسبين الذين يقدمون لنا الحلول المنطقية و ليس الوعود الحالمة.

– البكاء دوما على الأطلال و التغني بالماضي و إهمال الحاضر و تأجيل مرحلة بناء مؤسسات الدولة إلي ما بعد التحرر.

– عدم التخطيط الجيد للمستقبل و إهمال وضع الخطط الزمنية المناسبة لتحقيق الأهداف السياسية، مما جعل الصراع مفتوح لأجل غير مسمى.

– استهتار الأحزاب الفلسطينية بقيمة حياة الإنسان الفلسطيني وتقديمه ككبش فداء للتجارب السياسية.

– الاستقواء بالسلاح و النفوذ الخارجي، مما أدى إلي حدوث فوضى أمنية بالساحة الفلسطينية ، وتأثر القرارات السياسية الفلسطينية بأجندات خارجية.

 تلك بعض العوامل التي أعتقد أنها قد أعاقت الوصول إلي حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وجعلت الشعب الفلسطيني يشعر باليأس و فقدان الأمل بالتحرر و العيش بكرامه على أرض طالما غرقت بدماء الشهداء و رُوي زرعها بدموع الثكلى و الأرامل.

 و ختاماً، أرى هنا، أنه قد حان بالفعل الوقت لكي نقف وقفة جادة مع أنفسنا كفلسطينيين لعمل تقييم جدي لأخطائنا من أجل الوصول إلي نتائج إيجابية وحاسمة تساعدنا على التخلص من الاحتلال للأبد، و تنقذنا من دوامة العنف المستمر، لينعم أطفالنا و شبابنا بمستقبل آمن و دولة مزدهرة تحقق أحلام شعبها بدلا من أن تشجعهم على الهجرة و الهروب عبر بحرها، فما الفائدة أن نكسب العالم كله و نخسر أنفسنا ؟

معبر قلنديا: معبر الذل…

لقد شعرت بقدر كبير من الأسى و المرارة ، خلال تجربة مروري عبر معبر قلنديا في رام الله ، وذلك عندما سمعت صياح مجندة إسرائيلية عشرينية العمر، تتكلم بعصبية شديدة مع رجل مسن يلتحي الكوفية الفلسطينية، لا يستوعب اللغة العربية الركيكة للمجندة التي أرادت التأكد من صلاحية تصريح عبوره إلي القدس ، فالرجل بالفعل يبدو عليه الارتباك و لا يستوعب ماذا تقول له هذه المجندة ، و قد مر عدة مرات عبر جهاز فحص المعادن لطمأنة المجندة أنه لا يحمل مواد خطيرة معه ، ولكن الجندية مستمرة في غضبها مستنكرة عدم فهم الرجل لما تقوله طالبة منه الذهاب إلي غرفة مغلقة داخل المعبر للخضوع لتفتيش جسدي أكثر دقة من جهاز فحص المعادن.
إن ما صدمني بالأمر ، هو أن جميع المارون الفلسطينيون في معبر قلنديا محشورون ضمن حيز ضيق عبر ممر قفصي حديدي ، متشبثون بشدة في طرف معدني للحاجز الدوار الحديدي الذي يبلغ طوله نحو مترين ، ينتظرون بفارغ الصبر أن تتكرم عليهم هذه الجندية لكي تضيء لهم اللون الأخضر الذي يسمح ل 4 أشخاص فقط بالمرور عبر هذا الحاجز الدوار، ولكن تلك الجندية لم تضئ هذا الضوء الأخضر و لم تكترث أبدا لمدى تأخيرها لهم.
ولمن لا يعرفون معبر قلنديا ، أستطيع أن أصفه لهم حسب تجربتي الإنسانية، بأنه عبارة عن ممر قفصي طويل مكتظ بالكهول و كبار السن و النساء و الشباب والأطفال الذين يحملون الهوية الفلسطينية و يريدون الذهاب من رام الله إلي القدس من أجل العلاج أو العمل أو الصلاة وزيارة الأقارب.
فهناك قد تجدون في المعبر أب و أم معهما طفلهم، الذي يعاني من مرض عضال عجز الأطباء الفلسطينيون عن علاجه ، فاضطر هذا الأب اليائس بأن يحجز موعدا مع طبيب إسرائيلي اشترط عليه و على ابنه بأن يأتيا إليه في الموعد المحدد ، لأن جدول أعمال هذا الطبيب مزدحم ، و إذا تأخر الأب عن الموعد سيتم تأجيل فحص ابنه إلي أجل غير مسمى. وهناك قد تجدون في المعبر ، سيدة فلسطينية تعمل في مؤسسه إنسانية بالقدس، يجب أن تصل كل يوم في الموعد المناسب إلي عملها، و إلا سوف يتم الاستغناء عنها بسبب تأخيرها المستمر في حاجز قلنديا.
و ستجدون أيضاً ، نساء كبيرات بالسن، يرغبن بزيارة أقاربهن المرضى الذين يتم معالجتهم بمستشفيات القدس و قد تجدون عدد كبير من الشباب الفلسطيني الذين فقدوا فرص العمل بالضفة الغربية و يعتبرون معبر قلنديا فرصتهم الوحيدة للحصول على عمل داخل القدس للتخلص من شبح البطالة بالضفة الغربية. بالفعل ، كل عابر فلسطيني للممر القفصي ، لديه قصته الخاصة و حاجته الضرورية و العاجلة من أجل الذهاب إلي القدس سواء للعلاج أو العمل أو الصلاة.
لكن هذه الجندية الإسرائيلية الغاضبة، التي ربما تشعر بالملل و الإحباط من وظيفتها العسكرية و ربما تعتبر أن عملها في هذا المعبر المذل الذي يفتقر للمعايير الإنسانية هو بمثابة عقاب لها ، تتعامل مع الفلسطينيين كأرقام و تصاريح و كخطر أمني محتمل يهدد دولتها ، و ليس كبشر لهم مشاعرهم و حاجاتهم الإنسانية و كرامتهم و احترامهم.
إنه من المؤسف جداً ، أننا نعيش الآن في القرن الواحد وعشرين، في قرن يجب أن تكون انتهت به كافة مظاهر العبودية و الإذلال ، ومازال عدد كبير من المسئولين الإسرائيليين يتعاملون مع الفلسطينيين بفوقية و يعتبرونهم مجرد أرقام ومجرد كائنات غريبة يحتاجون لإدارة حالتهم وترويضهم لكي يتناسبوا مع معايير الأمن الإسرائيلية.
ومن الجدير بالذكر أنه عندما  تقرئون ما يتم نشره عبر صفحة المنسق الإسرائيلي ، يؤاف مردخاي في وسائل الإعلام الاجتماعي ، ستلاحظون أنه يسوق لإسرائيل من الناحية الإنسانية عن طريق توثيق التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين بصفتهم أرقام و ملفات أمنية و حالات تحتاج للمراجعة و ليس ككونهم بشر لديهم تاريخ وحياة و مستقبل.
و ستجدون أن المنسق لا يناشد الفلسطينيين كشعب، بل يدعوهم في معظم الأحيان بالسكان الفلسطينيين أي ينفى عنهم صفة الشعب. و هو غالباً ما يروج لإنسانية دولته عبر الإحصائيات ، بقوله على سبيل المثال لقد أصدرنا 15000 تصريح لعمال الضفة ، لقد سمحنا ل 100 مصلي من غزة للصلاة بالقدس ، لقد عالجنا 50 حالة في مستشفتينا ….الخ.
و لكنه في نفس الوقت يتجاهل المعاناة الفلسطينية اليومية عبر الحواجز الإسرائيلية و معاناة الفلسطينيين من الجدار العازل الذي ابتلع مساحات واسعة من أراضيهم. و ذلك لأن الفلسطينيين بالنسبة لمعظم المسئولين الإسرائيليين، هم مجرد عدد تصاريح مرور صادرة و عدد مرضى تم معالجتهم و حجم بضائع تم إدخالها و أخطار أمنية ، وليسوا قصص إنسانية تستحق التعمق بها وتفهم احتياجاتها و تقديرها و احترام كرامتها.
ربما ليس من الطبيعي أن نطلب من الاحتلال أن يكون إنسانيا معنا كشعب فلسطيني ، لأن الاحتلال لأراضينا هو نفسه أمر غير طبيعي ، لكنني أردت هنا أن أظهر تناقض الرواية الإعلامية الإسرائيلية التي تروج لإنسانية إسرائيل عبر الأرقام و النسب المئوية و الصور و لا تكترث بمشاعر و احتياجات المدنيين الفلسطينيين، وذلك بسبب استخدام إسرائيل لأسلوب التعميم و العقاب الجماعي و التعامل مع الفلسطينيين بأنهم إرهابيون حتى يثبتوا عكس ذلك ، بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل، مما جعل مجندة إسرائيلية شابة تشعر بالذعر من محفظة ورقية بالية يلفها رجل مسن بالنايلون خوفا من تلفها ، فدعاها ذلك الرعب بأن تستدعي جندي إسرائيلي شاب محصن بدرع مضاد للرصاص لكي يفحص عدة مرات سترة الرجل و يفحص النايلون المحيط بالمحفظة البالية. إن ما يشعرني بالأسف الشديد أيضا ، هو أنه كيف عاقبت تلك المجندة باقي المنتظرين في الممر القفصي بسبب شكها بالرجل المسن ، حيث تجاهلت نحو 20 شخص يقفون بطابور طويل و جعلتهم ينتظرون لأكثر من نصف ساعة في الممر الضيق دون أن تقدم لهم أي اعتذار بسبب تأخيرها لهم، بل الأسوأ من ذلك لقد تركت مهمتها ، وغادرت نافذتها الزجاجية تاركة المارين يترقبون بحيرة المجهول و يناشدون الجنود الآخرون لكي يفتحوا لهم الحاجز الحديدي الدوار ، حتى استلم جنود آخرون المكتب و بدءوا بالسماح للعابرين الفلسطينيين بالمرور.
إن هذا الموقف المؤلم، ربما لا يستغرق أي ثانية من تفكير تلك الجندية الغاضبة، التي هرعت إلي مقر سكنها بعد انتهاء مهمتها، لكنه بالتأكيد قد يكون تعمق في العقل الباطني للإنسان الفلسطيني الذي يشعر يوميا بالذل أثناء مروره عبر هذا المعبر الغير الإنساني. ولابد من القول بأن هذا الموقف ، ما هو سوى مؤشر كبير على طبيعة نظرة الشباب الإسرائيلي المجند للشعب الفلسطيني و طريقة احتقارهم للفلسطينيين باعتبارهم فقط خطر امني أو ورقة تصريح صالحه للمرور .
فماذا سيحدث لو تكلمت الجندية مع المسن الفلسطيني الذي يبدو عليه أنه أمي يجهل القراءة و الكتابة ، ووجهت له أسئلتها بشكل راقي و بصوت هادئ حتى لا تصيبه بالارتباك، ومن ثم طلبت منه بأسلوب مهذب بأن يجلس باحترام و استكملت مرور باقي المارين دون تأخيرهم ؟ هل سيشكل هذا الأسلوب المهذب في التعامل خطر على أمن إسرائيل؟ و ماذا لو ناشدت المجندة الإسرائيلية الفلسطينيين المحشورين بالممر القفصي الحديدي و استخدمت معهم عبارات مهذبة، لكي تطمئن قلقهم وقالت لهم بوضوح نعتذر عن التأخير ، سيتم تسهيل مروركم فور حل المشكلة، وذلك حتى لا يشعر المرضى و العمال و الأطفال بالقلق و الخوف بأنه قد يتم إرجاعهم ،هل سيقلل ذلك من قدرها و يؤخر من مهام عملها العسكري ؟ لطالما أغرقنا المسئولين الإسرائيليين بتصريحات إسرائيلية حول رغبتهم بعمل سلام مع الفلسطينيين، و أن مشكلتهم تكمن بعدم وجود شريك فلسطيني مناسب للسلام معهم و أن الفلسطينيين لا يريدون السلام معهم ، لكن تلك التصريحات تتجاهل التناقض الإسرائيلي ما بين ما يتم الحديث عنه في الإعلام وما بين ما يتم تطبيقه على أرض الواقع من سياسات و إجراءات إسرائيلية مشددة مع الفلسطينيين.
فالسلام الحقيقي يبدأ بين الشعوب و يتم تأسيسه بناءا على الاحترام المتبادل بين طرفي الصراع و ليس عبر التصريحات السياسية و الإعلامية للمسئولين و القادة، فإذا أرادت إسرائيل بالفعل تحقيق سلام عادل ومستدام مع الفلسطينيين، لابد لها أولا أن تحترم كرامة الإنسان الفلسطيني و أن تمنع جنودها من الاستهتار بمشاعر وكرامة المدنيين الفلسطينيين.
فالموضوع ليس مجرد توثيق قصص إنسانية عبر صفحات الفيسبوك و ليس مجرد تهنئة بمناسبة دينية للفلسطينيين أو مشاركة لأغنية عربية يستمع لها العرب ، الموضوع أعمق من ذلك بكثير ، لأنه يمس بجذور الكرامة الإنسانية للمواطن الفلسطيني و يتعلق بالحياة الواقعية و الإجراءات المطبقة على الأرض التي يعيشها الإنسان الفلسطيني العادي و يعاني منها يوميا عبر الحواجز و المعابر الإسرائيلية. فالفلسطينيون بالضفة الغربية وقطاع غزة لا يحتاجون فقط لورقة زرقاء تسمح لهم بالخروج من سجنهم المحاصر بجدار عازل ، بل أكثر من ذلك بكثير، إنهم يحتاجون لكرامتهم التي تعتبر أثمن شيء عندهم في ظل استمرار الاحتلال على أراضيهم وعجز قادتهم عن تحقيق لهم حلم الحرية و الاستقلال.
الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية المحاط بجدار عازل كأنهم “الزومبي” في فيلم حرب الزومبي العالمية للممثل الأمريكي براد بيت ، يستحقون أن يتم النظر إليهم كبشر و ليس كوحوش قاتلة، إنهم لا يستحقون الصوت الغاضب من تلك الجنديه المحبطة و لا يستحقون نظرة التعالي من ذلك الجندي الإسرائيلي الذي يضع بسطاره فوق مكتبه و يوجهه نحو وجه سيدة فلسطينية مسنة وهي تظهر له التصريح لكي يسمح لها بالذهاب للصلاة في القدس ، إنهم شعب يستحق حياة إنسانية كريمه تخلو من الذل و المهانة.

أخيرا أعتقد أنه إذا أرادت إسرائيل بالفعل أن تنهي الصراع مع الفلسطينيين ، لابد لها أولا أن تتخلي عن الاحتلال و تعترف بالدولة الفلسطينية و ثانيا أن تطالب جنودها باحترام الجميع بدون عنصرية بغض النظر عن دين و عرق و جنس و منصب الأشخاص الذين يمرون عبر المعابر الأمنية ، التي يجب أصلاً أن يتم إزالتها للأبد لأنها رمز للحصار و العنصرية وهي من الأسباب الرئيسية لتشتت الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع ذويهم، فمعبر قلنديا هو بالفعل معبر الذل الذي لا يمكن لأي شخص مناصر لحقوق الإنسان أن يتجاهل الحديث عنه و أن لا يستنكر وجوده.

هل تؤجل إسرائيل الاتفاق النهائي للسلام حتى عام 2050 ؟

عندما نظم هرتزل المؤتمر الصهيوني الشهير (بازل) خلال عام 1897 ، للإعلان رسميا عن الهدف الكبير لليهود بتأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية ، دَونَ هرتزل في مذكرته الشخصية، بعد  انتهاء هذا المؤتمر ، العبارات التاريخية :”إذا أردت أن ألخص مؤتمر بازل بكلمة تجنبت الإعلان عنها للجمهور، سأقول أن في بازل ، أسست الدولة اليهودية ، وإن قلت هذه الكلمة اليوم و بصوت مرتفع سيكون رد الفعل ضحك عالمي ، لذا أقول إن لم يكن لنا دولة خلال 5 سنوات ، بالتأكيد سيكون لنا دولة بعد 50 سنه ، والكل سيعلم بذلك.”

و قد مرت السنوات و تغيرت الظروف السياسة في الشرق الأوسط لصالح اليهود و تحققت بالفعل رؤية هرتزل و صدق بوعده لليهود ، حيث تم إعلان و تأسيس دولة إسرائيل خلال عام 1948، أي بعد مؤتمر بازل بحوالي 51 عام ، بفارق بسيط عن توقعات هرتزل، يبلغ عام واحد فقط .

إن نجاح هرتزل بتوقع المدة الزمنية التي احتاجها اليهود لإنشاء دولتهم ،يدل على أن اليهود هم أكثر الناس نجاحا في التخطيط الاستراتيجي، وهم يعلمون ما هو هدفهم و كيف يحققون هذا الهدف بناءً على خطة عملية ومدروسة ، فهم لا يتخذون قرارات عشوائية أو يعدون أبنائهم بوعود كاذبة ومزيفه ، الكلمة عندهم لا تنطق إلا نتيجة جهود مبذولة من وراء الكواليس و دراسة وتحليل جديين للواقع.

لذا سبب ذكرى لموضوع قدرة اليهود على التخطيط الجيد و الواقعي، ما هو إلا رغبةً مني بلفت انتباه الشعب الفلسطيني و القادة الفلسطينيين ، بأن اليهود يخططون دائما بالسر و العلانية لخطط إستراتيجية كبيرة ، قد تفاجأ الشعب الفلسطيني وقيادته بأي وقت ، وقد تشكل مرحلة جديدة تشمل لاعبين جدد في الحياة السياسية دون أي إدراك من القادة الفلسطينيين، حول ما يدور في مصنع صناعة القادة الإسرائيلي ، و لا أشك هنا أبداً بأن من ضمن تلك الخطط الإسرائيلية التي لا نعلم خفاياها، يوجد أيضاً خطط سياسية وعسكرية كبيرة لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين بشكل نهائي وكامل و ذلك حسب معايير الأمن الإسرائيلي.

فمن يعتقد أن إسرائيل عاجزة عن إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، و لا تعلم كيف سيكون مستقبل شعبها في الشرق الأوسط ، وما هي طبيعة الدولة المستقبلية للشعب الفلسطيني فهو يكون حينها إنسان واهم وساذج.
لأنه من شبه المستحيل لدولة متقدمة كإسرائيل تمتلك التكنولوجيا الحديثة و أحدث برامج المحاكاة و التنبؤ و التخطيط الاستراتيجي و برامج صنع القرارات الالكترونية ، بأن تعجز تلك الدولة بكل بساطة عن توقع مستقبلها ومستقبل جيرانها خلال 100 عام وليس فقط خلال 50 عام أخرى إلي الأمام .

لذا فإن الأسئلة التي تطرح نفسها بهذا المقال ، هي :
ما هي الخطة الإستراتيجية التي تمتلكها إسرائيل لحسم الصراع مع الفلسطينيين للأبد؟
وهل لدى إسرائيل أجندة زمنية للوصول إلي الاتفاق النهائي ؟
و هل تستخدم إسرائيل في هذه الفترة بالونات اختبار، وتترك الفلسطينيين وحدهم يتخبطون ويتعلمون من تجاربهم، لحين يأتي الوقت المناسب لتعلن عن اتفاقها النهائي للسلام مع قيادة فلسطينية مستقبلية جديدة تتوافق مع شروطها الأمنية؟

فمن يتطلع على الأبحاث التي تقوم بها الجامعة العبرية بإسرائيل و يقرأ الخطوط الرئيسية لخطة إستراتيجية ساهم بها كل من الباحثين ، البرفسور شلومو حسون و الدكتور رامي نصرالله و منشورة عبر الموقع الالكتروني لمركز الشاشه للدراسات الإستراتيجية التابع للجامعة العبرية، تحت عنوان “بين نهر الأردن و البحر المتوسط ، من الخلف للخلف إلي وجها لوجه ، الخطة الإستراتيجية لعام 2050 ” ، سيفهم سبب طرحي لتلك الأسئلة، وسيرى بوضوح النوايا التي تحملها إسرائيل حول مستقبل السلام بينها و بين الفلسطينيين، وسيتعرف على الرؤية الإسرائيلية حول رسم الحدود النهائية بين الدولتين و نظرة إسرائيل لمستقبل القدس و أزمة المياه عند الفلسطينيين ، و كيفية تشجيع التعاون المشترك بين الإسرائيليين و الفلسطينيين بالمستقبل البعيد ،خلال عام 2050.

وعند قراءة مقدمة تلك الخطة الإستراتيجية ، سيجد القارئ توضيح من قبل فريق الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلي حول رؤيتهم المستقبلية و مدى إيمانهم و اعتقادهم بأن بحلول عام 2050 ، سيكون هناك سلام نهائي بين دولتين مستقلتين ستكونان نموذجا مثالياً لدول الشرق الأوسط حول السلام و التعايش، و أن الحدود بين هاتين الدولتين ستكون مفتوحة، حيث سيتم السماح بحرية حركة العمال ورؤوس الأموال و البضائع ، وسيبقى كل مواطن بدولته ولن يسمح له بالعيش في دولة الأخر إلا إذا قام بتقديم طلب رسمي للهجرة .

ويشعر أيضا فريق البحث الإسرائيلي بالثقة ، بأنه خلال عام 2050 سيكون هناك فوائد سياسية و اقتصادية و اجتماعية لصالح الشركاء نتيجة التعاون المشترك عبر الحدود، الأمر الذي سيجعل السلام دائم ومستمر.
لذا بناءً على ما تم نشره عبر الموقع الالكتروني للجامعة العبرية في قسم مركز الدراسات الإستراتيجية “الشاشه” ، أعتقد أن تلك الخطة الإستراتيجية الإسرائيلية المقترحة لعام 2050 ، هي أكبر دليل على أن إسرائيل تعلم جيدا وبشكل مدروس كيف تتصرف مع القيادة الفلسطينية الحالية بخصوص موضوع المفاوضات.

والتصريحات الإسرائيلية المتكررة حول أنه لا يوجد حاليا شريك فلسطيني للسلام والنقد الإسرائيلي الحاد للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما هو إلا إشارات واضحة بأن إسرائيل لديها الصبر الطويل لتؤجل الحل النهائي مع الفلسطنييين حتى عام 2050.

و ربما يسأل البعض لماذا اختارت الجامعة العبرية بأن تتوقع حلول السلام خلال عام 2050 بالتحديد و لم تختر على سبيل المثال عام 2020 ؟

أجيب على هذا التساؤل ، بأن الأسباب الرئيسية لتحديد عام 2050 كعام السلام النهائي مع الفلسطينيين والتي استنتجتها بناءً على متابعتي لتصريحات القادة الإسرائيليين وأراء المحللين السياسيين الإسرائيليين التي تنشر دوما عبر وسائل الإعلام الإسرائيلي ، قد تكون ما يلي:

– في عام 2050 ، سيكون عمر الدولة الإسرائيلية قد بلغ قرن من الزمن أي أن جذور الدولة الإسرائيلية ستكون تجذرت بأعماق الشرق الأوسط و ستكون حينذاك إسرائيل قد ضمنت بقائها الوجودي.
– بحلول عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الجيل الفلسطيني القديم المحرك الرئيسي للثورات و الانتفاضات سيكون منتهياً، و أنه سيظهر بعده جيل فلسطيني جديد ينتمي للعولمة و ثقافة التعايش و سيكون الهم الأكبر لهذا الجيل هو ريادة الأعمال و استثمار التكنولوجيا الحديثة، بدلا من الانشغال في أعمال المقاومة و الحركات السياسية الثورية.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الفكر الإسلامي السياسي سيندثر بالوطن العربي وسيكون هناك انتشار كبير للفكر العلماني و الليبرالي خاصة بعد فشل الإخوان المسلمين خلال فترة مايسمى الربيع العربي، مما سينهى الصراع الديني بين اليهود و المسلمين العرب حول الأماكن المقدسة في القدس.
– خلال عام 2050، يتوقع الإسرائيليون، أن الجيل الفلسطيني الشاب الذي تعلم بأوربا و أمريكا ، سيكون من ضمن القيادات السياسية الحاكمة بفلسطين التي يمكن أن توافق على عقد سلام نهائي مع إسرائيل تحت شعار تبني الفكر المنطقي، وهذا ما صرح به بالفعل وزير الجيش الإسرائيلي ليبرمان عندما سألته صحيفة القدس خلال مقابلة معه تم نشرها بتاريخ 24/10/2016 ، حول إن كان هناك مرشحون فلسطينيون جدد للتفاوض مع إسرائيل ، فأجاب ليبرمان: “نعم هناك عدد من المرشحين الذين درسوا بأمريكا وهم منطقيون”.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن إسرائيل ستكون قد عقدت اتفاقيات سلام علنية مع معظم الدول العربية ، مما سيجعل اتفاقها مع الفلسطينيين هو مجرد تحصيل حاصل ،وهذا ما أكده مؤخرا نتاياهو أثناء استقباله للرئيس الإيطالي خلال شهر نوفمبر لعام 2016، عندما صرح بأن التقارب في العلاقات بين العالم العربي وإسرائيل سيؤدي إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيين.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون بأن خارطة شرق أوسط جديد ستتشكل و دويلات جديدة ستنشأ ، مما سيجعل المناخ السياسي الإقليمي مهيئا لضمان أمن و إستقرار إسرائيل بجوار الدولة الفلسطينية الجديدة.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الحصار و الحروب و الانقسامات الداخلية و الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية، ستكون قد أنهكت من عزيمة الشعب الفلسطيني للمطالبة بمزيد من الحقوق ، مما قد يجعل الفلسطينيون يقبلون بسهولة أي حل سياسي مستقبلي ينقذ وضعهم الإنساني و يمنحهم الشعور بالاستقرار و الأمن.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الجيل الفلسطيني الجديد سيتناسى حق العودة، و لن يطالب باسترداد أراضي فلسطين التاريخية و سيكتفي بما تعطيه إياه إسرائيل، لأن هذا الجيل لن يحمل ذكريات بيولوجية لما قبل عام 1948.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الفلسطينيين سيفقدون الثقة الكاملة بأحزابهم السياسية بسبب الصراع الداخلي بين الأحزاب وعجز القادة التقليديين عن حل مشاكلهم، مما سيجعلهم يتوجهون لانتخاب قيادة سياسية حديثة تحمل فكر متجدد وسلمي وتنموي ولا تصطدم بمصالح إسرائيل الإستراتيجية.

لذا بناءً على تلك الأسباب المحتملة ، أعتقد أن الرفض الإسرائيلي المستمر للتفاوض مع الرئيس عباس و حديث إسرائيل المستمر أنه لا يوجد حاليا شريك فلسطيني للسلام، بالإضافة إلي التصريحات التي صدرت من قبل بعض كبار قادة الجيش الإسرائيلي، مثل يعلون الذي قال سابقا “إن السلام لن يحدث في جيلي” كل تلك الأمور ما هي سوى أكبر مؤشرات على أن إسرائيل لا تفكر حاليا ولا حتى بعد 10 سنوات منذ الآن لعقد اتفاق نهائي مع الفلسطينيين ، لأنها بكل بساطه تعول على الشباب الفلسطيني المستقبلي الحديث الذي سيكون متأثراً بالثقافة الغربية و الفكر الإنساني و الليبرالي ، وذلك على أمل إسرائيلي ، بأن يصبح هؤلاء الشباب أو حتى الأطفال ، هم قادة السلام بالمستقبل.

فحسب المقولة الشهيرة التي أطلقتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدمائير في عام 1948 بأن ” الكبار يموتون و الصغار ينسون” ، فإن إسرائيل تعتقد أنها ربما تحتاج إلي أن تنتظر منذ الآن حتى انتهاء جيلين آخرين من الفلسطينيين، ليأتي جيل جديد يكون قد نسي الماضي وكسب ثقة إسرائيل، ويكون قد أنهكته قصص الحروب والدمار، مما سيجعله ذلك يقبل بسرعة ودون استخدام القوة بعقد سلام نهائي مع إسرائيل حسب الرؤية الإسرائيلية، وعندئذ ستقوم إسرائيل بتقديم المكافأة الكبرى للفلسطينيين والتي أعلن عنها ليبرمان مرارا، وهي بأن إسرائيل مستعدة لتحويل قطاع غزة إلي سنغافورة في حال تخلى الفلسطينيون عن المقاومة.

لذلك علينا كفلسطينيين أن نعلم جيدا ماذا نريد ؟ و إلي أين نتجه ؟ و أن نخطط بشكل عملي ومنطقي لأهدافنا الواقعية ، لأننا إن لم نتقن فن التخطيط المستقبلي المدروس جيداً ، سيأتي من يخطط لنا و من يحركنا كأحجار الشطرنج دون أن نعلم من يحركنا.
وإن فشلنا بتجاربنا بسبب سوء تخطيطنا، سنتهم حينها كالمعتاد القدر بأنه هو سبب خسائرنا.
فلنخطط جيدا للمستقبل ونتعلم من أخطاء الماضي حتى تقوم دولتنا المستقلة دون انتقاص من حقوقنا الشرعية في الاستقلال و الحرية.

أيها القائد الفلسطيني،راقب وتعلم و لا تغامر !

يختبر الشرق الأوسط  منذ اندلاع الثورات العربية ، أخطر تجربة سياسية و أمنية شهدها العالم العربي بالتاريخ المعاصر ، حيث شهدت تلك الفترة منذ  مطلع عام 2011 عدة انقلابات و ثورات و حروب أهلية و صراعات حادة بين معسكري السنة و الشيعة ، جعلت مهمه المحللين و المراقبين السياسيين شبه مستحيلة للتنبؤ بمستقبل الشرق الأوسط الذي أصبح ساحة  للمراهنات و النزالات الدولية.

لذا  انعكست تلك الأوضاع المشتعلة في الشرق الأوسط   بشكل خطير على الأمن القومي للدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الأوروبية مثل  فرنسا و بلجيكا، الذي تعرض مواطنيها لعدة اعتداءات إرهابية تم تبني معظمها من قبل تنظيم داعش.

وفي ظل عدم وضوح رؤية مستقبلية لما ستؤول إليه الأوضاع في الشرق الأوسط و في ظل العجز العربي لاستقراء الواقع السياسي و تحليل ما بين السطور و أسباب الحروب الخفية و التغيرات الإقليمية التي قد ساهمت بها نوعا ما بعض الدول الكبرى.

أعتقد أنه على الفلسطينيين أن يتريثوا و لا يستعجلوا الأمور ، بل عليهم أن يلتزموا الهدوء وضبط النفس و يراقبوا الوضع عن كثب و يتعلموا بأكبر قدر ممكن من التجارب التي تخوضها الآن بعض الدول العربية مثل سوريا و العراق و ليبيا و اليمن وتونس ومصر.

فليس من الحكمة أن يتسرع القائد الفلسطيني و يفكر منعزلاً، عما يجري بالساحة الإقليمية بل العالمية أيضا ، فالوقت غير مناسب لأية مغامرات فلسطينية سياسية أو عسكرية قد تنعكس سلباً على مستقبل القضية الفلسطينية.

لذا أرى هنا  أن على القائد الفلسطيني، أن يراقب فقط بحذر ما يجري في محيطه العربي ، ثم يتعلم  من تلك التجارب العربية و لا يغامر بأن يتخذ خطوات استباقية  بحجة أنه لا يوجد وقت ، و أن الوقت قد حان الآن  لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي و الوصول لاتفاق سلام نهائي مع إسرائيل.

فإسرائيل أخر همها في تلك الفترة، و خاصة تحت إدارة حكومة نتاياهو، هو أن تصل لحل نهائي مع الفلسطينيين، فهي حسب تقديري و قراءتي للتصريحات الإسرائيلية ، لاحظت أن  مهمة حكومة نتاياهو الحالية هي إدارة الصراع فقط مع الفلسطينيين، و ليس إنهائه بشكل كامل ، وذلك حتى يتثني للقيادة الإسرائيلية العثور على شريك فلسطيني مناسب لها  يقبل بالشروط الأمنية الإسرائيلية، وليس له أي ماضي قتالي أو ذكريات أليمه تتعلق بالأسرى و حق العودة.

لذا لا أستبعد أن تكون قد بدأت إسرائيل  بالفعل التخطيط لمستقبل سلام جديد مع الفلسطينيين، حسب معاييرها الأمنية و قد يتم تنفيذ هذا السلام المستقبلي بعد أن تطبع إسرائيل علاقتها مع معظم الدول العربية خلال عقد أو عقدين من الزمن على أبعد تقدير، لتختتم هذا التطبيع العربي باتفاقية سلام نهائية مع الشريك الفلسطيني المسالم الجديد.

و أعتقد أيضاً أن إسرائيل منشغلة الآن  في مراقبة الوضع بالشرق الأوسط ، و تتخوف من حرب محتملة مع  حزب الله و إيران وحماس،  و تحاول جاهدةً ،  أن تُحبط  بكل محاولتها  السياسية و العسكرية  أية محاولة إيرانية لتأسيس برنامجها النووي أو دعم أعداء إسرائيل.

وبالحديث عن دور الدول العربية في دعم القضية الفلسطينية في الوقت الحالي ، لابد من الإشارة،  أن حتى تلك الدول العربية التي يجب أن تكون راعية لأي اتفاق سلام مع إسرائيل، والتي قدمت مبادرة عربية للسلام مع إسرائيل ، مثل المملكة السعودية العربية ، هي أيضا منشغلة   بالحروب المشتعلة  في كل من سوريا و اليمن، و تتخوف من المشروع الإيراني النووي ومن أزمة النفط،  بالإضافة إلي انشغال مصر الراعية الأولى للقضية الفلسطينية في محاربة الجهاديين بسيناء ، فكيف إذن سوف تُقدم تلك الدول العربية الدعم للفلسطينيين وهي غارقة حتى أخمص قدميها  في حروب دامية و صراع سني – شيعي.

أما بالنسبة للدول الغربية التي يمكنها أن توفر دعم دولي للقضية الفلسطينية، فهي حالياً  تشعر بالبرود السياسي تجاه الفلسطينيين ، خاصة بعد أن أصبح أمن مواطنيها مهدداً  بأي لحظة من قبل هجمات إرهابية ، وهي غارقة بمشاكل اللاجئين السوريين الذين بدؤوا يجتاحون أوربا و أمريكا و يشكلون قلق كبير للمجتمع الدولي.

وربما يقول البعض أن فرنسا تحاول دعم الفلسطينيين ، لكنه بالرغم من تدخل فرنسا لدعم مبادرة السلام التي طرحتها السلطة الفلسطينية مؤخرا على باريس ،إلا و أن هذا الدعم الفرنسي كان مقدم على استحياء و لم تدعم فرنسا بقوة مطالب الفلسطينيين، بل حاولت أن توفق بشكل خجول بين مطالب الإسرائيليين و الفلسطينيين، وفي النهاية رفضت إسرائيل التعامل بشكل مطلق مع تلك المبادرة، مما أدى إلي فشلها قبل حتى عقد مؤتمر دولي لمناقشتها.

لذا أعتقد أن المرحلة الحالية غير مناسبة أبداَ  لأية مبادرات فلسطينية جديدة لتسوية أوضاع القضية الفلسطينية، حيث قد يؤدي الاستعجال السياسي بحسم القضية الفلسطينية مع إسرائيل إلي تقديم تنازلات هامة قد تحرج القيادة الفلسطينية مستقبلياً مع شعبها، أو قد تؤدي إلي فشل الجهود المبذولة بسبب إصرار الطرف الإسرائيلي  للتفاوض مباشرة مع الجانب الفلسطيني، وتهربه من أية مفاوضات قد تُعقد تحت غطاء دولي، لتحديد الحدود النهائية للدولة الفلسطينية في فترة زمنية قصيرة،  مما سيزيد من مشاعر الإحباط عند الشعب الفلسطيني و تفاقم أحاسيس العجز و اليأس عند القيادة الفلسطينية.

لذا أعتقد أنه من المناسب جداً في تلك المرحلة، هو التركيز فقط على ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني و توحيد الصف الفلسطيني تحت مظلة حكومة موحدة بالضفة الغربية وقطاع غزة ، و يجب  العمل على إغلاق ملف الانقسام الفلسطيني و تحضير الشعب الفلسطيني لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، وبعدها عندما تتولد حكومة جديدة منتخبة وشرعية من قبل الشعب يكون هناك الوقت المناسب للتفكير في إعداد ملف تفاوضي جديد متفق عليه بين جميع الفصائل السياسية مع توفر دعم شعبي.

حينذاك  سيقبل الشعب الفلسطيني و الفصائل السياسية الفلسطينية بالنتائج التي ستصدر عن ملف التفاوض ،  لأنها ستكون منبثقة عن حكومة وطنية ومنتخبة و لن يكون هناك صراع بين المفاوضين و بين القيادات السياسية الممثلة لباقي الفصائل الفلسطينية حول مبادئ التفاوض الأساسية.

فما الفائدة أن يتفاوض الجانب الفلسطيني مع إسرائيل، وهو يعلم في قرارة نفسه ، أن  نحو نصف الشعب الفلسطيني غير موافق على مبدأ التفاوض مع إسرائيل !

فهل يؤجل فريق التفاوض موافقة الشعب على المفاوضات بعد الانتهاء كلياً من التفاوض، ثم يصطدم بالواقع السلبي والرفض الشعبي لنتائج المفاوضات ، الأمر الذي يعتبر غير منطقياً ، حيث في حال رفضت الفصائل الفلسطينية و أعداد كبيرة من الشعب الفلسطيني مخرجات التفاوض، لن يكون هناك إمكانية لفرض تلك الالتزامات الناتجة عن التفاوض مع إسرائيل على أرض الواقع في ظل هذا الرفض الشعبي و الحزبي الكبير وفي ظل الانقسام الفلسطيني بين شطري الوطن، فليس من المعقول تطبيق السلام في الضفة الغربية وترك غزة للقدر والمستقبل الغامض.

لذا من أجل توفير الوقت، وعدم إضاعة الجهود المبذولة سدي ، يجب أن يتم أولا العمل على توحيد الصف الفلسطيني ومن ثم العمل على تطوير إستراتيجية وطنية موحدة  لحسم النزاع مع إسرائيل، و ذلك بعد عمل تقييم موضوعي وصادق  لنقاط ضعف وقوة المفاوضين الفلسطينيين السابقين، و التعلم من الدروس السابقة في التفاوض، ومن ثم يذهب الطرف الفلسطيني بدعم شعبي كامل ويتفاوض بكل ثقة وقوة و بروح معنوية عالية مع الجانب الإسرائيلي للمطالبة بالحقوق الفلسطينية المشروعة و التي يكفلها القانون الدولي.

إن المشكلة الأساسية، ليست بعملية التفاوض نفسها  أو بمدى موافقة الطرف الإسرائيلي على التفاوض معنا كفلسطينيين  أو في حتى كيفية  تحديد الحدود النهائية  للدولة الفلسطينية ، المشكلة الحقيقية تكمن  بعد الانتهاء من التفاوض مع الجانب الإسرائيلي ، فهل يمكن تطبيق نتائج المفاوضات على الأرض؟  كيف ستنفذ القيادة تعهداتها مع إسرائيل في حين رفضت الفصائل السياسية الالتزام بتلك التعهدات؟ هل ستفرض السلطة تلك التعهدات بالقوة على الشعب الفلسطيني ؟  وكيف ستنفذ تلك الالتزامات بقطاع غزة وهو خارج عن سيطرتها ؟

لذا إذا عجزت القيادة الفلسطينية الحالية عن الإجابة على تلك الأسئلة الشائكة ، فهي بالتالي تعطي ذرائع  كبيرة لإسرائيل للتهرب من التفاوض معها بحجة عدم إمكانية تطبيق أية تعهدات فلسطينية بقطاع غزة في ظل الانقسام الفلسطيني.

لذلك أفضل شيء قد تقوم به القيادة الفلسطينية، هو العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني والتركيز على بناء مؤسسات الدولة و تعزيز سيادة القانون والعمل على تحليل موضوعي وشامل  للأوضاع الأمنية الحالية التي يمر بها الشرق الأوسط  و  من ثم استخلاص الدروس والعبر من الصراعات العربية في المنطقة، مع التعامل بتوازن مع قوى الإقليم دون الانحياز لأي طرف في الصراع الإقليمي.

فلتعتبر القيادة الفلسطينية تلك المرحلة الغير مستقرة كمرحلة تحضير و إعداد و تعتبرها مرحلة انتقالية إلا ما بعد انتهاء الصراعات في الشرق الأوسط و استقرار المنطقة ،  فلا أحد الآن همهٌ الرئيسي القضية الفلسطينية، و لن تنال القيادة الفلسطينية الدعم العربي والدولي المطلوب.

لذا فإن الحل يكمن بأيدي الفلسطينيين فقط ، و لا يوجد مجال الآن للمغامرات السياسية و التجارب العسكرية ، لنبقى كفلسطينيين صامتين، نراقب الوضع بهدوء حذر ونتعلم من أخطاء العرب التاريخية في المنطقة ومن أخطأنا أولاً كفلسطينيين ، ثم نخطط بعقلانية وواقعية  كيف سنتصرف بالمستقبل وكيف سنفاوض بقوة و بدعم عربي ودولي كبير وضمن تأييد شعبي و فصائلي،  حتى لا نعود إلي المربع صفر أو نندم على اتفاقيات جديدة تزيد من حالة السخط الشعبي،  ويتم مهاجمتها  مرة أخرى مثلما حدث بالسابق مع اتفاقية أوسلو للسلام،  التي تم فرضها على الجميع دون الحصول على موافقة جماهيرية و حزبية عليها،  مما أدى إلي الحكم عليها بالفشل قبل حتى أن يتم تطبيقها.

و أخيراً، أقول هنا و مرة أخرى ، أيها القائد الفلسطيني راقب و تعلم و لا تغامر ….