الدوافع الأمنية الإسرائيلية لقضية الاستيطان

منذ عدة عقود زمنية و إسرائيل منهمكة ببناء مستوطناتها في كل من القدس و الضفة الغربية تحت شعار حق اليهود في أرض فلسطين ، مما زاد من حدة الصراع و تأزم الأوضاع السياسية و الأمنية بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، وجعل الفلسطينيين يشعرون باليأس و الإحباط و بفقد الثقة بتصريحات القادة الإسرائيليين الذين يصرحون دوماً لوسائل الإعلام العربية و الغربية ، أنهم يرغبون بالسلام مع الفلسطينيين ، لكن عند الرجوع إلي أرض الواقع و الإطلاع على الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان ، يجد معظم الفلسطينيون أن تلك التصريحات الإسرائيلية متناقضة مع الواقع ولا يتم تطبيقها بشكل فعلي و حقيقي ، حيث مازالت إسرائيل مستمرة بتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية ، ومازالت ترفض التخلي عن سياستها الاستيطانية ، مما يعيق الطريق أمام الفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة بكل حرية و بدون أي اختراق لسيادتها من قبل إسرائيل.
وتجدر الإشارة ، أنه عندما يتم طرح سؤال على أي مسئول إسرائيلي عبر وسائل الإعلام ، عن سبب تمسك إسرائيل بالاستيطان ، ورفضها المتواصل لتفكيك المستوطنات المتواجدة في كل من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية ، يجيب هذا المسئول الإسرائيلي ، بأن تلك المستوطنات الإسرائيلية ليست العائق الوحيد أمام السلام ، و أنه وقد سبق لإسرائيل و أن انسحبت من قطاع غزة خلال عام 2005 ، ولكن ذلك الانسحاب انعكس سلبيا على أمن الشعب الإسرائيلي ، لأن حماس سيطرت على قطاع غزة ، ومن ثم بدأت صواريخ المقاومة الفلسطينية تنطلق بشكل مكثف تجاه المدن الإسرائيلية الواقعة ضمن غلاف غزة. لذا تتخذ إسرائيل من تجربتها السابقة في قطاع غزة، ذريعة كبرى لعدم تفكيك مستوطناتها في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت شعار الخوف من أن تتحول الضفة الغربية إلي غزة أخرى ، مما يجعلها تتهرب من مسئوليتها الكبيرة بالانسحاب الكامل من أراضي الضفة الغربية.
أما بالنسبة للقادة و المسئولين الفلسطينيين، فيرى معظمهم ، أن تلك التبريرات الإسرائيلية حول المستوطنات ، هي مجرد حجج واهية و غير مقنعه ، و مجرد ذريعة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.
و أرى هنا ، أن من أهم أسباب تمسك إسرائيل في الاستيطان، لا يعود لأسباب دينية توراتية كما يروج البعض لذلك ، حتى و إن أعلنت إسرائيل مراراً عن تمسكها بيهودية دولتها، إلا و أنني أعتقد أن إسرائيل مازالت تعتبر نفسها بمثابة دولة علمانية ، حيث أن بطاقات هوية مواطنيها ، لا يوجد بها أي بند يتعلق بنوع الديانة ، إضافةً لذلك ، فإن أغلب القوانين المدنية الإسرائيلية التي يعتمدها القضاء الإسرائيلي هي قوانين معظمها مشتقه من قوانين علمانية مصدرها كل من بريطانيا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الملفت للنظر أيضاً ، أنه يوجد عدد كبير من المستوطنين العلمانيين الذين يسيطرون على عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية ، لذا نستطيع القول، أن الدين ليس هو الدافع الأساسي لاستمرار إسرائيل في استيطانها للأراضي الفلسطينية ، بل هناك أسباب أخطر و أعمق من ذلك، تجعل إسرائيل تشتعل غضباً، عندما تسمع أن هناك استنكار دولي للاستيطان و أن هناك مطالبات جدية لتفكيك مستوطناتها في كل من القدس الشرقية و الضفة الغربية ، خاصة في منطقة غور الأردن.
و بناءً على تحليلي لطبيعة و أهداف تلك المستوطنات الإسرائيلية، أعتقد أن من بعض الأسباب الحقيقية من خلف بناء تلك المستوطنات، تتمثل في أسباب إستراتيجية و أمنية بحتة تتلخص ضمن مما يلي:
أولاً) فرض واقع قسري و حدود مؤقتة على الفلسطينيين
تجدر الإشارة، أن عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية يبلغ نحو (251) بؤرة استيطانية ، حسب بعض الإحصائيات الصادرة من هيئة مقاومة الجدار و الاستيطان .
و تربط إسرائيل عادة تلك البؤر الاستيطانية عن طريق شارع رئيس وهو شارع رقم (60 ) من أجل ترسيخ شريط حدودي إسرائيلي بواسطة جدار استيطاني يعزل ما بين مدن الخط الأخضر و الضفة الغربية، و بذلك تكون إسرائيل قد شكلت لنفسها حدود ديمغرافية تفصلها عن الفلسطينيين ، الأمر الذي يجعل إسرائيل بأن تقوم بفرض و بشكل قصري واقع أمني جديد و حدود مؤقتة للدولة الفلسطينية المستقبلية حسب الرؤية الإسرائيلية ، وذلك بعد اقتطاع تلك المستوطنات لأجزاء من الأراضي الفلسطينية، تبلغ نسبتها نحو ( 1.2 %) من مساحة الضفة الغربية، مع سيطرتها بطريقة غير مباشرة عل نحو ( 40%) من مجمل أراضي الضفة الغربية ، عبر الطرق الالتفافية الاستيطانية و الجدار العازل و الحواجز العسكرية الإسرائيلية .
وبناءً على تلك المعطيات ، تبقى المستوطنات الإسرائيلية كعثرة كبيرة للتواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية و كعائق حدودي استراتيجي أمام الفلسطينيين لتوسيع دولتهم الفلسطينية و للتمدد مستقبلا، بالإضافة لعدم وجود أية ضمانات إسرائيلية بعدم اختراق السيادة الفلسطينية في المستقبل.
ثانياً) حصانة أمنية ضد أي محاولة اختراق عربية للحدود
مازالت تعتبر إسرائيل منطقة غور الأردن منطقة حدودية هامة وخطيرة، فهي تشكل بوابة شرقية للدول العربية للدخول إلي الأراضي الفلسطينية عبر الحدود الأردنية المتاخمة لغور الأردن ، فقد سبق و عبرت الجيوش العربية من خلال منطقة غور الأردن للأراضي الفلسطينية أثناء محاربتها لإسرائيل في عام 1967.
لذا بعد نكسة عام 1967 ، نفذت حكومة حزب العمل الإسرائيلية ، خطة ألون الاستعمارية ، التي تتمثل بإنشاء شبكة من المستوطنات العسكرية في منطقة غور الأردن ، وذلك حتى تكون تلك المستوطنات بمثابة حصانة أمنية إسرائيلية و بوابة عسكرية مغلقة أمام أية محاولات لاقتحام الحدود الفلسطينية المشتركة مع الأردن من قبل جيوش الدول العربية ، فبغض النظر عن توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام مع كل من الأردن ومصر ، إلا و أن الإسرائيليين مازالوا لا يثقون بالعرب و يفكرون بشكل استراتيجي في حماية حدودهم المشتركة مع الفلسطينيين ، عن طريق إنشاء تلك الكتل الاستيطانية التي توفر الدعم العسكري و الأمني لقوات حرس الحدود الإسرائيلية المتواجدة في منطقة غور الأردن.
ثالثاً) عزل الشعب الفلسطيني جغرافيا عن القدس العاصمة
حسب الكاتب الإسرائيلي بنيامين شوارتز ، الذي نشر مقال باللغة الانجليزية بعنوان الأسباب المنطقية للاستيطان ، فإن من الأسباب الرئيسة لتأسيس وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم في القدس ، هو أن شارون أراد أن يُبعد الفلسطينيين في الضفة الغربية من الاقتراب من شارع ( 60 ) ، و أراد في نفس الوقت أن يعزل فلسطيني الضفة الغربية جغرافياً عن القدس، و يضع حاجز بينهم وبين سكان القدس ، لذا تم اقتطاع مساحات شاسعة من أراضي بلدة أبو ديس ، تبلغ نحو(50) ألف دونما لبناء وتوسيع تلك المستوطنة لكي تكون بمثابة فاصل ديمغرافي كبير ، يحد من التواصل بشكل قسري بين سكان الضفة الغربية و القدس ، مما يمزق الحلم الفلسطيني بإعلان القدس الشرقية كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
رابعاً) نقاط أمنية و مراكز لجمع معلومات استخبارتية
و من الأسباب الأخرى لوجود المستوطنات في الضفة الغربية ، هو أن تلك المستوطنات يتم استخدامها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كنقاط أمنية لاستقبال العملاء الذين يتعاونون مع إسرائيل في الضفة الغربية ، حيث أن اختراق المستوطنات الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية ، يوفر بيئة أمنة للتواصل و لالتقاء مسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع عملائهم العرب . و تعتبر أيضاً تلك المستوطنات كأماكن أمنية هامة لاختراق الحياة الفلسطينية الخاصة بشكل يومي من أجل جمع معلومات دورية عن أنشطة عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لذا بكل بساطة لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عن وسيلة رئيسة و إستراتيجية تخدمها في مجال عملها الاستخباراتي و الأمني.
و أخيراً ، بعد عرض مختصر للأسباب الأمنية و العسكرية ، من وراء استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية و القدس الشرقية ، لابد من القول أن إسرائيل تعتبر المستوطنات بمثابة سلاح استراتيجي ديمغرافي ، تواجه به الفلسطينيين و العرب سويا ، وهذا يفسر سبب فشل جميع مفاوضات السلام بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، لأن إسرائيل تعتقد أن أمنها القومي هو فوق كل الاعتبارات الأخرى ، وهي حسب تصريحات قياداتها ، لا تؤمن إسرائيل بالسلام المبني على حسن النوايا ، بل بالسلام الأمني الذي يؤمن حدودها ويضمن بقاء دولتها للأبد دون التعرض لأية تهديدات خارجية. فإسرائيل بالأساس هي دولة أمنية وعسكرية، و منطلقات تأسيسها جاءت بناء على حاجة أمنية لتوفير وطن أمن ليهود العالم على حساب الفلسطينيين، بعد أن تم استهداف هؤلاء اليهود من قبل النازية الألمانية ، لذا يعتبر الأمن عند إسرائيل حجر الأساس في بناء دولتهم العبرية.
و بناءً على ذلك التصنيف الأمني لإسرائيل، أعتقد أن على المفاوض الفلسطيني أن يدرس بدقة وجدية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، و أن يحاول الفهم بشكل جيد ومعمق ، العقلية و السيكولوجية الأمنية للطرف الإسرائيلي ، لكي يستطيع التفاوض معه بشكل عقلاني و منطقي حول أي موضوع يتعلق بالأرض و الأمن معا.
و أعتقد أيضا ، أن فريق التفاوض الفلسطيني ، يجب أن لا يشمل فقط خبراء فلسطينيين يحملون الشهادات العليا في الدبلوماسية و علم المفاوضات، بل يجب أن يشمل هذا الفريق أيضاً ، خبراء أمن و ضباط عسكريين فلسطينيين، لكي يستطيعوا تقديم ردود أمنية بحتة تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني ، وتمكنهم من التصدي لأي حجة إسرائيلية تتهرب من خلالها عن مناقشة موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية ، وحسم الحدود النهائية للدولتين وذلك تحت ذريعة أمن إسرائيل ونظريتها في الدفاع عن النفس.
فالسياسة بشكل عام و المفاوضات بشكل خاص ، هما علم كبير ، و ليس مجرد حوارات ونقاشات تدور حول دائرة مستديرة ، بل هي حسابات أمنية وعسكرية، يجب أن يقوم بها خبراء أمن استراتيجي، لديهم رؤية أمنية خاصة تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية، وكيفية رسم حدودها بشكل دقيق يضمن سيادة الدولة الفلسطينية ، ويضمن عدم اختراقها من قبل الجيش الإسرائيلي في أي وقت .
وهنا لابد من الإشارة أن الفلسطينيين يتعاملون مع دولة أمنية ومتفوقة عسكرية ، تُصدر أسلحتها التكنولوجية للعالم و تتفاخر بتقديمها استشارات أمنية لحلفائها، لذا علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع العقلية الأمنية الإسرائيلية بذكاء شديد و بمنطقية واقعية و بحجة قوية ، و ليس بناءً على اعتقادات أيدلوجية و انفعالات عاطفية ، قد تضللنا عن رؤية الواقع كما هو ، وقد تجعلنا نشعر بالإحباط بسبب عدم تمكنا من التعامل مع الدهاء الأمني للطرف الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية ، مما يجعل حلم تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة حتى الآن حلم بعيد المنال بسبب فقدان الفلسطينيين لشروط تأسيس الدولة الفلسطينية التي تتمثل بالسيادة و التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية و الاعتراف الدولي .
لذا فلنفكر سوياً ، كيف يمكننا كفلسطينيين تبديد المزاعم الإسرائيلية و ذرائعهم الأمنية لوجود تلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس ، من أجل الوصول لاتفاق سلام نهائي عادل ينهى الصراع للأبد ويفسح المجال لنا كشعب فلسطيني ببناء دولتنا المستقلة القابلة للحياة على حدود عام 1967 ، وعاصمتها القدس الشرقية.
Advertisements

هل تؤجل إسرائيل الاتفاق النهائي للسلام حتى عام 2050 ؟

عندما نظم هرتزل المؤتمر الصهيوني الشهير (بازل) خلال عام 1897 ، للإعلان رسميا عن الهدف الكبير لليهود بتأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية ، دَونَ هرتزل في مذكرته الشخصية، بعد  انتهاء هذا المؤتمر ، العبارات التاريخية :”إذا أردت أن ألخص مؤتمر بازل بكلمة تجنبت الإعلان عنها للجمهور، سأقول أن في بازل ، أسست الدولة اليهودية ، وإن قلت هذه الكلمة اليوم و بصوت مرتفع سيكون رد الفعل ضحك عالمي ، لذا أقول إن لم يكن لنا دولة خلال 5 سنوات ، بالتأكيد سيكون لنا دولة بعد 50 سنه ، والكل سيعلم بذلك.”

و قد مرت السنوات و تغيرت الظروف السياسة في الشرق الأوسط لصالح اليهود و تحققت بالفعل رؤية هرتزل و صدق بوعده لليهود ، حيث تم إعلان و تأسيس دولة إسرائيل خلال عام 1948، أي بعد مؤتمر بازل بحوالي 51 عام ، بفارق بسيط عن توقعات هرتزل، يبلغ عام واحد فقط .

إن نجاح هرتزل بتوقع المدة الزمنية التي احتاجها اليهود لإنشاء دولتهم ،يدل على أن اليهود هم أكثر الناس نجاحا في التخطيط الاستراتيجي، وهم يعلمون ما هو هدفهم و كيف يحققون هذا الهدف بناءً على خطة عملية ومدروسة ، فهم لا يتخذون قرارات عشوائية أو يعدون أبنائهم بوعود كاذبة ومزيفه ، الكلمة عندهم لا تنطق إلا نتيجة جهود مبذولة من وراء الكواليس و دراسة وتحليل جديين للواقع.

لذا سبب ذكرى لموضوع قدرة اليهود على التخطيط الجيد و الواقعي، ما هو إلا رغبةً مني بلفت انتباه الشعب الفلسطيني و القادة الفلسطينيين ، بأن اليهود يخططون دائما بالسر و العلانية لخطط إستراتيجية كبيرة ، قد تفاجأ الشعب الفلسطيني وقيادته بأي وقت ، وقد تشكل مرحلة جديدة تشمل لاعبين جدد في الحياة السياسية دون أي إدراك من القادة الفلسطينيين، حول ما يدور في مصنع صناعة القادة الإسرائيلي ، و لا أشك هنا أبداً بأن من ضمن تلك الخطط الإسرائيلية التي لا نعلم خفاياها، يوجد أيضاً خطط سياسية وعسكرية كبيرة لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين بشكل نهائي وكامل و ذلك حسب معايير الأمن الإسرائيلي.

فمن يعتقد أن إسرائيل عاجزة عن إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، و لا تعلم كيف سيكون مستقبل شعبها في الشرق الأوسط ، وما هي طبيعة الدولة المستقبلية للشعب الفلسطيني فهو يكون حينها إنسان واهم وساذج.
لأنه من شبه المستحيل لدولة متقدمة كإسرائيل تمتلك التكنولوجيا الحديثة و أحدث برامج المحاكاة و التنبؤ و التخطيط الاستراتيجي و برامج صنع القرارات الالكترونية ، بأن تعجز تلك الدولة بكل بساطة عن توقع مستقبلها ومستقبل جيرانها خلال 100 عام وليس فقط خلال 50 عام أخرى إلي الأمام .

لذا فإن الأسئلة التي تطرح نفسها بهذا المقال ، هي :
ما هي الخطة الإستراتيجية التي تمتلكها إسرائيل لحسم الصراع مع الفلسطينيين للأبد؟
وهل لدى إسرائيل أجندة زمنية للوصول إلي الاتفاق النهائي ؟
و هل تستخدم إسرائيل في هذه الفترة بالونات اختبار، وتترك الفلسطينيين وحدهم يتخبطون ويتعلمون من تجاربهم، لحين يأتي الوقت المناسب لتعلن عن اتفاقها النهائي للسلام مع قيادة فلسطينية مستقبلية جديدة تتوافق مع شروطها الأمنية؟

فمن يتطلع على الأبحاث التي تقوم بها الجامعة العبرية بإسرائيل و يقرأ الخطوط الرئيسية لخطة إستراتيجية ساهم بها كل من الباحثين ، البرفسور شلومو حسون و الدكتور رامي نصرالله و منشورة عبر الموقع الالكتروني لمركز الشاشه للدراسات الإستراتيجية التابع للجامعة العبرية، تحت عنوان “بين نهر الأردن و البحر المتوسط ، من الخلف للخلف إلي وجها لوجه ، الخطة الإستراتيجية لعام 2050 ” ، سيفهم سبب طرحي لتلك الأسئلة، وسيرى بوضوح النوايا التي تحملها إسرائيل حول مستقبل السلام بينها و بين الفلسطينيين، وسيتعرف على الرؤية الإسرائيلية حول رسم الحدود النهائية بين الدولتين و نظرة إسرائيل لمستقبل القدس و أزمة المياه عند الفلسطينيين ، و كيفية تشجيع التعاون المشترك بين الإسرائيليين و الفلسطينيين بالمستقبل البعيد ،خلال عام 2050.

وعند قراءة مقدمة تلك الخطة الإستراتيجية ، سيجد القارئ توضيح من قبل فريق الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلي حول رؤيتهم المستقبلية و مدى إيمانهم و اعتقادهم بأن بحلول عام 2050 ، سيكون هناك سلام نهائي بين دولتين مستقلتين ستكونان نموذجا مثالياً لدول الشرق الأوسط حول السلام و التعايش، و أن الحدود بين هاتين الدولتين ستكون مفتوحة، حيث سيتم السماح بحرية حركة العمال ورؤوس الأموال و البضائع ، وسيبقى كل مواطن بدولته ولن يسمح له بالعيش في دولة الأخر إلا إذا قام بتقديم طلب رسمي للهجرة .

ويشعر أيضا فريق البحث الإسرائيلي بالثقة ، بأنه خلال عام 2050 سيكون هناك فوائد سياسية و اقتصادية و اجتماعية لصالح الشركاء نتيجة التعاون المشترك عبر الحدود، الأمر الذي سيجعل السلام دائم ومستمر.
لذا بناءً على ما تم نشره عبر الموقع الالكتروني للجامعة العبرية في قسم مركز الدراسات الإستراتيجية “الشاشه” ، أعتقد أن تلك الخطة الإستراتيجية الإسرائيلية المقترحة لعام 2050 ، هي أكبر دليل على أن إسرائيل تعلم جيدا وبشكل مدروس كيف تتصرف مع القيادة الفلسطينية الحالية بخصوص موضوع المفاوضات.

والتصريحات الإسرائيلية المتكررة حول أنه لا يوجد حاليا شريك فلسطيني للسلام والنقد الإسرائيلي الحاد للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما هو إلا إشارات واضحة بأن إسرائيل لديها الصبر الطويل لتؤجل الحل النهائي مع الفلسطنييين حتى عام 2050.

و ربما يسأل البعض لماذا اختارت الجامعة العبرية بأن تتوقع حلول السلام خلال عام 2050 بالتحديد و لم تختر على سبيل المثال عام 2020 ؟

أجيب على هذا التساؤل ، بأن الأسباب الرئيسية لتحديد عام 2050 كعام السلام النهائي مع الفلسطينيين والتي استنتجتها بناءً على متابعتي لتصريحات القادة الإسرائيليين وأراء المحللين السياسيين الإسرائيليين التي تنشر دوما عبر وسائل الإعلام الإسرائيلي ، قد تكون ما يلي:

– في عام 2050 ، سيكون عمر الدولة الإسرائيلية قد بلغ قرن من الزمن أي أن جذور الدولة الإسرائيلية ستكون تجذرت بأعماق الشرق الأوسط و ستكون حينذاك إسرائيل قد ضمنت بقائها الوجودي.
– بحلول عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الجيل الفلسطيني القديم المحرك الرئيسي للثورات و الانتفاضات سيكون منتهياً، و أنه سيظهر بعده جيل فلسطيني جديد ينتمي للعولمة و ثقافة التعايش و سيكون الهم الأكبر لهذا الجيل هو ريادة الأعمال و استثمار التكنولوجيا الحديثة، بدلا من الانشغال في أعمال المقاومة و الحركات السياسية الثورية.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الفكر الإسلامي السياسي سيندثر بالوطن العربي وسيكون هناك انتشار كبير للفكر العلماني و الليبرالي خاصة بعد فشل الإخوان المسلمين خلال فترة مايسمى الربيع العربي، مما سينهى الصراع الديني بين اليهود و المسلمين العرب حول الأماكن المقدسة في القدس.
– خلال عام 2050، يتوقع الإسرائيليون، أن الجيل الفلسطيني الشاب الذي تعلم بأوربا و أمريكا ، سيكون من ضمن القيادات السياسية الحاكمة بفلسطين التي يمكن أن توافق على عقد سلام نهائي مع إسرائيل تحت شعار تبني الفكر المنطقي، وهذا ما صرح به بالفعل وزير الجيش الإسرائيلي ليبرمان عندما سألته صحيفة القدس خلال مقابلة معه تم نشرها بتاريخ 24/10/2016 ، حول إن كان هناك مرشحون فلسطينيون جدد للتفاوض مع إسرائيل ، فأجاب ليبرمان: “نعم هناك عدد من المرشحين الذين درسوا بأمريكا وهم منطقيون”.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن إسرائيل ستكون قد عقدت اتفاقيات سلام علنية مع معظم الدول العربية ، مما سيجعل اتفاقها مع الفلسطينيين هو مجرد تحصيل حاصل ،وهذا ما أكده مؤخرا نتاياهو أثناء استقباله للرئيس الإيطالي خلال شهر نوفمبر لعام 2016، عندما صرح بأن التقارب في العلاقات بين العالم العربي وإسرائيل سيؤدي إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيين.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون بأن خارطة شرق أوسط جديد ستتشكل و دويلات جديدة ستنشأ ، مما سيجعل المناخ السياسي الإقليمي مهيئا لضمان أمن و إستقرار إسرائيل بجوار الدولة الفلسطينية الجديدة.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الحصار و الحروب و الانقسامات الداخلية و الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية، ستكون قد أنهكت من عزيمة الشعب الفلسطيني للمطالبة بمزيد من الحقوق ، مما قد يجعل الفلسطينيون يقبلون بسهولة أي حل سياسي مستقبلي ينقذ وضعهم الإنساني و يمنحهم الشعور بالاستقرار و الأمن.
– في عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الجيل الفلسطيني الجديد سيتناسى حق العودة، و لن يطالب باسترداد أراضي فلسطين التاريخية و سيكتفي بما تعطيه إياه إسرائيل، لأن هذا الجيل لن يحمل ذكريات بيولوجية لما قبل عام 1948.
– خلال عام 2050 ، يتوقع الإسرائيليون أن الفلسطينيين سيفقدون الثقة الكاملة بأحزابهم السياسية بسبب الصراع الداخلي بين الأحزاب وعجز القادة التقليديين عن حل مشاكلهم، مما سيجعلهم يتوجهون لانتخاب قيادة سياسية حديثة تحمل فكر متجدد وسلمي وتنموي ولا تصطدم بمصالح إسرائيل الإستراتيجية.

لذا بناءً على تلك الأسباب المحتملة ، أعتقد أن الرفض الإسرائيلي المستمر للتفاوض مع الرئيس عباس و حديث إسرائيل المستمر أنه لا يوجد حاليا شريك فلسطيني للسلام، بالإضافة إلي التصريحات التي صدرت من قبل بعض كبار قادة الجيش الإسرائيلي، مثل يعلون الذي قال سابقا “إن السلام لن يحدث في جيلي” كل تلك الأمور ما هي سوى أكبر مؤشرات على أن إسرائيل لا تفكر حاليا ولا حتى بعد 10 سنوات منذ الآن لعقد اتفاق نهائي مع الفلسطينيين ، لأنها بكل بساطه تعول على الشباب الفلسطيني المستقبلي الحديث الذي سيكون متأثراً بالثقافة الغربية و الفكر الإنساني و الليبرالي ، وذلك على أمل إسرائيلي ، بأن يصبح هؤلاء الشباب أو حتى الأطفال ، هم قادة السلام بالمستقبل.

فحسب المقولة الشهيرة التي أطلقتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدمائير في عام 1948 بأن ” الكبار يموتون و الصغار ينسون” ، فإن إسرائيل تعتقد أنها ربما تحتاج إلي أن تنتظر منذ الآن حتى انتهاء جيلين آخرين من الفلسطينيين، ليأتي جيل جديد يكون قد نسي الماضي وكسب ثقة إسرائيل، ويكون قد أنهكته قصص الحروب والدمار، مما سيجعله ذلك يقبل بسرعة ودون استخدام القوة بعقد سلام نهائي مع إسرائيل حسب الرؤية الإسرائيلية، وعندئذ ستقوم إسرائيل بتقديم المكافأة الكبرى للفلسطينيين والتي أعلن عنها ليبرمان مرارا، وهي بأن إسرائيل مستعدة لتحويل قطاع غزة إلي سنغافورة في حال تخلى الفلسطينيون عن المقاومة.

لذلك علينا كفلسطينيين أن نعلم جيدا ماذا نريد ؟ و إلي أين نتجه ؟ و أن نخطط بشكل عملي ومنطقي لأهدافنا الواقعية ، لأننا إن لم نتقن فن التخطيط المستقبلي المدروس جيداً ، سيأتي من يخطط لنا و من يحركنا كأحجار الشطرنج دون أن نعلم من يحركنا.
وإن فشلنا بتجاربنا بسبب سوء تخطيطنا، سنتهم حينها كالمعتاد القدر بأنه هو سبب خسائرنا.
فلنخطط جيدا للمستقبل ونتعلم من أخطاء الماضي حتى تقوم دولتنا المستقلة دون انتقاص من حقوقنا الشرعية في الاستقلال و الحرية.

لا داعي للقلق من عصا و جزرة ليبرمان

تناولت عدة مواقع إعلامية فلسطينية في الآونة الأخيرة خبر تم نقله من المواقع العبرية حول أن وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان قرر أن ينفذ سياسة جديدة مع الفلسطينيين بعنوان سياسة العصا و الجزرة.

وتدعو تلك السياسة إلي معاقبة القرى و المدن الفلسطينية بالضفة الغربية التي تشجع على المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي و التي يخرج منها عدد كبير من منفذي عمليات الطعن و التفجيرات ضد الإسرائيليين ، وذلك عن طريق منع تنفيذ مشاريع تنموية بتلك المناطق و إغلاق الطرق وفرض الحصار و شن حملات اعتقال وهدم لمنازل أهالي الشهداء الضالعين بعمليات المقاومة الفلسطينية ضد الإسرائيليين ، و في المقابل لذلك تحث سياسة ليبرمان الجديدة على منح الجزر أي المكافأة للمدن و القرى الفلسطينية بالضفة الغربية التي يسودها الهدوء و التي لا ينخرط أبنائها بأنشطة و عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

و من المعالم الأخرى لسياسة العصا و الجزرة التي يخطط لها ليبرمان ، هو أن إسرائيل سوف تتواصل مباشرة مع من تسميهم مؤيدي السلام و التعايش عن طريق موقع إسرائيلي الكتروني باللغة العربية يشجع الفلسطينيين على التواصل مباشرة مع المسئولين الإسرائيليين دون حصر العلاقات الإسرائيلية الرسمية فقط مع المسئولين الرسميين للسلطة الفلسطينية.

الأمر الذي أثار قلق عدد من المسئولين بالسلطة الفلسطينية و جعل عدد كبير من الكتاب و المحللين الفلسطينيين يتخوفون من أن يتم سحب البساط من تحت قدمي السلطة الفلسطينية و أن تقوم إسرائيل باستبدال القيادة الفلسطينية الحالية بحلفاء فلسطينيين مسالمين حسب معايير الأمن الإسرائيلي ليتم التفاوض معهم مستقبليا كقيادة بديلة تمثل الشعب الفلسطيني.

وبناءً على هذه المبادرة الإسرائيلية الجديدة التي تشجع التعامل مباشرة مع الشعب الفلسطيني دون حصر العلاقة فقط مع مسئولين من السلطة الفلسطينية، قام بعض المسئولين الفلسطينيين بتحذير أبناء شعبهم عبر وسائل الإعلام عن خطورة التواصل مباشرة مع إسرائيل دون المرور عبر القنوات الفلسطينية الرسمية ، و اعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، أحمد مجدلاني أن كل من يتعامل مع خطة وزير الدفاع الإسرائيلي عميلاً وخارجاً عن القانون والصف الوطني الفلسطيني.

و لكنني أرى هنا ، أن قرار إسرائيل بالتواصل مباشرة مع الفلسطينيين و قرارها استخدام أسلوب العصا و الجزرة هو مجرد زوبعة بفنجان و لا داعي للقلق منه أو محاولة التنبؤ بقدوم قيادة جديدة بديلة عن السلطة الفلسطينية .

فإسرائيل ليست دولة ساذجة تجهل كيف يفكر الفلسطينيون و كيف سوف يتصرفون حين يجرؤ أي قائد فلسطيني سياسي أو مجتمعي أو اقتصادي أو حتى ناشط سلام دولي بأن يقوم بتقديم نفسه كقائد بديل للسلطة ، فالموضوع ليس سهلا ، و أعتقد أن إسرائيل تعلم جيدا أن أي شخصية فلسطينية تحاول التفاوض مع إسرائيل بدون غطاء من السلطة الفلسطينية ، سوف يتم فورا اتهامها من قبل الفلسطينيين بالخيانة الوطنية و سيتم شن هجوم حاد عليها وربما يتم اغتيالها..

إذن لا أعتقد أن إسرائيل تفكر بشكل جدي بالوقت الحالي لاستبدال السلطة الفلسطينية بقيادة سلمية تتماشى مع معايير الأمن الإسرائيلي ، خصوصا أنها تعلم جيدا أن شعبية حركة حماس قد زادت بالضفة الغربية و قد تفوز حماس بالانتخابات القادمة في الضفة الغربية ، حيث سيكون من الصعب إقناع الفلسطينيين في الضفة الغربية بقبول أي حل سلمي مع إسرائيل في ظل فشل اتفاقية أوسلو للسلام وتعثر المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

لكنني في ذات الوقت، لا أستبعد بأن إسرائيل تخطط جيدا للمستقبل البعيد و أنها تحاول أن تتنبأ حول كيف يمكن أن تكون صورة القيادة الفلسطينية الجديدة بعد عشرة أعوام منذ الآن..

لأنه ما الفائدة من أن تتحالف إسرائيل حاليا مع قيادة فلسطينية سلمية، وهذه القيادة لا تستطيع أن تتخذ أي قرار مصيري باسم الشعب الفلسطيني ، و ليس لها أي تأثير على الشعب الفلسطيني في ظل الفوضى الأمنية و الانقسام الفلسطيني..

و أعتقد أن إسرائيل بتوجهها للحديث مباشرة مع الشعب الفلسطيني، لا تريد أن تخلق قيادة بديلة و لا تريد أن تعفي السلطة الفلسطينية من مسئوليتها في إدارة شئون الفلسطينيين و التنسيق مع السلطات الإسرائيلية مثلما تفعل حاليا وزارة الشئون المدنية الفلسطينية ، لكنني أعتقد أن إسرائيل تريد بكل بساطه أن تقوم بإجراء عملية تعديل للذاكرة الفلسطينية المتعلقة بأية ذكريات سلبية حول ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بالسابق و تريد أن تغير الصورة الذهنية و النمطية المطبوعة حول إسرائيل بعقول الفلسطينيين و العرب منذ عقود وذلك من أجل التخطيط لمستقبل جديد و تصالحي مع دول الجوار العربية و مع الفلسطينيين أنفسهم..

و يمكننا القول أن إسرائيل بدأت فعليا بتنفيذ مخطط أو برنامج نفسي و عقلي ضخم يتعلق بالدماغ الفلسطيني و العربي وكيفية التأثير عليه و توجيه لتبنى ثقافة اللاعنف و التسامح مع الإسرائيليين حسب المفهوم الإسرائيلي ، حيث ربما يعتقد الإسرائيليون أنه يمكنهم ترويض العقل العربي لكي يتخلى عن نهج الانتقام و الثأر و الكراهية المطلقة لكل ما هو إسرائيلي..

لذا أرى أن سياسة ليبرمان الجديدة، ليست سياسة ساذجة أو تكتيك مؤقت للبحث عن قيادة بديلة للسلطة في هذه الفترة ، بل هي تطبيق بشكل حرفي لأهم تقنيات تعزيز السلوك الإنساني و اختراق العقل البشري أو ما يسمى باللغة الانجليزية ” Mind Control”

، وهي تقنية معروفة وقديمه في علم البرمجة العصبية ، و قد تم تجربتها في عدد كبير من الدول الغربية منذ أمد طويل.

فقد أدركت إسرائيل فعلياً ، أنه من المستحيل العيش في محيط عربي ناقم وكاره لكل شيء إسرائيلي ، فاتخذت قراراً حاسما ومنذ فترة طويلة و ليس بمجرد قدوم ليبرمان للوزارة، بأن يتم العمل على التواصل مباشرة مع الشعوب العربية و الشعب الفلسطيني مبدئيا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي لمتحدثيها الرسميين لإعطاء فرصة للعرب للتعرف على الثقافة الإسرائيلية و الاقتراب منها.

وقد أظهرت تلك المواقع الرسمية للمسئولين الإسرائيليين مثل صفحة المنسق ، نجاح كبير بجذب متابعين عرب لها يتفاعلون مع تلك الصفحات و يعلقون عليها سواء بشكل سلبي أو ايجابي.

ونتيجة للمحاولات الإسرائيلية للتقرب من العرب ، قد يرى البعض بأن المخطط النفسي و العقلي الذي تحاول أن تنفذه إسرائيل قد يكون خطيرا، مما قد يجعل ذلك عدد كبير من السياسيين الفلسطينيين يشعرون بالخوف و القلق من أن يتم إقصاء الجهات الرسمية الفلسطينية ومن أن يستغني الشعب الفلسطيني عن قيادته المحلية لتنسيق شئونه الرسمية مع إسرائيل مثل تصاريح السفر و العلاج بالخارج..

لذا أجيب هنا على تلك المخاوف ، أنه لا داعي للقلق من تلك المحاولات الإسرائيلية ، لأن الشعب الفلسطيني هو بالأصل ، شعب مسالم ويحب الحياة و لا يكره أحدا و لا يحتاج لغسيل مخ ، فالشعب الفلسطيني غاضب دوما من الاحتلال الإسرائيلي ليس بسبب حبه للانتقام و العنف، بل لأنه مازال هناك احتلال إسرائيلي قائم على أراضيه، و غاضب بسبب الحروب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وأدت إلي استشهاد عدد كبير من المدنيين وغاضب بسبب سياسة العقاب الجماعي الإسرائيلية و غاضب أيضاً لأنه مازال هناك استيطان ومازال هناك لاجئين فلسطينيين لا يعرفون متى سيعودون؟.

و في اختصار شديد، الشعب الفلسطيني غاضب من إسرائيل لأنه بكل بساطه يريد الحرية و الكرامة و ليس لأنه شعب عنيف و يحب الانتقام.

فما الفائدة أن تقصف إسرائيل مدرسة بغزة ثم تسمح للمصابين من القصف بالعلاج بمستشفياتها، هنا يوجد تناقض كبير بين العمل الإنساني و العمل العسكري الذي تتبنهما إسرائيل..

لذلك أعتقد أنه يمكن لإسرائيل أن تعقد سلام عادل مع الفلسطينيين عندما ربما تعتذر بشكل صريح و علني عن أخطاء الماضي و عن الانتهاكات التي قامت بها ضد حقوق المدنيين الفلسطينيين ، بعدها يمكن أن تتفاوض معها القيادة الفلسطينية الرسمية و المنتخبة على الأمور الأخرى التي تتعلق بتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة و الانسحاب من الأراضي الفلسطينية على حدود 67.

أما بالنسبة للأسباب الأخرى التي جعلت إسرائيل تفكر بالتواصل مع الفلسطينيين مباشرة، نستطيع القول أن هناك رغبة إسرائيلية شديدة لكسر الحاجز النفسي بينها و بين الفلسطينيين بشكل خاص و العرب بشكل عام و هناك محاولات إسرائيلية من أجل إيصال رسالة للشعوب العربية، تكمن بأن الشعب الإسرائيلي هو شعب إنساني و متعدد الثقافات و يحب الثقافة العربية و يشارك العرب اهتمامات مشتركة مثل أنه يستمع للموسيقى العربية و يقرأ الشعر العربي و يعرف آيات من القرآن، أي أنه هناك تركيز إسرائيلي حول ما يجمع بين الإسرائيليين و العرب و ليس حول ما يفرقهم ويُبعد المسافات بينهم..

أما بالنسبة للمستقبل وكيف تخطط إسرائيل من ناحية التعامل مع قيادة فلسطينية جديدة أم لا؟ أجيب هنا على هذا التساؤل بأن إسرائيل سوف تترك مسالة القيادة الفلسطينية للزمن، فهي تعلم جيدا أن الشعب الفلسطيني غير مستعدا حاليا للسلام معها و تعلم أنه لا يوجد حاليا قيادة فلسطينية بديلة تجرؤ أن تتنازل عن حق العودة وعن القدس .

لذا بناء على تصريحات ليبرمان للصحافة الإسرائيلية عندما تم سؤاله عن سياسته الجديدة، و قال حينها أنه لا يريد أن يُنصب ملكا بالضفة الغربية ، يمكننا التنبؤ هنا ، بأن إسرائيل ستترك المجال للفلسطينيين بأن يقرروا كما يشاءون طريقة اختيار حكامهم الحاليين سواء عن طريق الانتخابات التشريعية و الرئاسية أو بقاء الوضع كما هو عليه ، لكنها في نفس الوقت سوف تحذرهم دون أن تفرض عليهم أوامر معينه بأنه في حين اختار الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية قيادة تؤيد الكفاح المسلح سوف يتم تشديد الحصار عليهم مثلما حدث بقطاع غزة.

و لا أرى هنا أن إسرائيل ستحاول أن تفرض علي الفلسطينيين أي شخصيات فلسطينية و لن تروج لقيادة فلسطينية جديدة، بل ستترك الفلسطينيين يخوضوا التجربة بأنفسهم ، ربما لمدة عقد أخر من الزمن، تكون إسرائيل خلال تلك الفترة قد قامت بمهمتها في تغيير الصورة الذهنية السلبية عنها بعقول الفلسطينيين و العرب وتكون قد نسجت علاقات قوية مع الدول العربية ، و بعد تلك المدة الزمنية تقوم إسرائيل بحصد نتائج تلك السياسة بعد أن يكون الفلسطينيين قد اختبروا تجارب حكم مختلفة تتنوع ما بين حكام يؤيدون الكفاح المسلح و حكام يؤيدون الحل السلمي ، مما سيفتح باباً أمام الفلسطينيين للمقارنة بين البرامج السياسية المختلفة لهؤلاء الحكام و القادة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة..

لذا القرار الأول و الأخير سيعود للشعب الفلسطيني، وسيعتمد هذا القرار على مدى وعي الشعب الفلسطيني ومدى ثقته بقيادته الوطنية و ليس على ما تخطط له أي حكومة إسرائيلية.

لذلك أقول هنا مرة أخرى، أنه لا داعي للقلق من سياسة ليبرمان الجديدة، حينما يكون لدينا شعب قوي وواعي ومثقف و يعرف مصلحته جيدا و يعرف كيف يختار قيادته.

القلق الحقيقي يأتي، من عندنا نحن الفلسطينيون، ماذا نريد ؟ ما هدفنا؟ وهل هدفنا ذكي و واقعي وقابل للقياس أم لا؟ و إلي أين نحن متجهون؟

فإذا كنا أقوياء و متحدون ، لن يتحكم أحد بمستقبلنا ، و سوف نختصر زمن طويل للتعلم من تجاربنا الخاطئة و سنقصر المسافات بينينا وبين أحلامنا ، وسيكون لدينا دولة في غضون عام و ليس خلال عقد من الزمن، وذلك فقط إذا عرفنا ماذا نريد و إلي أين نتجه؟

عرب ال48: صراع نفسي و أزمة هوية…

ترفع العلم الفلسطيني بكل فخر وزهاء في صحراء النقب و تهتف بصوت غاضب وثائر “برافر لن يمر” ، ثم تعود في المساء لتحتسي فنجان قهوة “عليت” مع أصدقائها في مقهى شعبي يطل على ميناء حيفا الذي يرفرف فوق ساريات سفنه العلم الاسرائيلي.

يقضي الليل و هو ينشر تغريدات باللغة العربية على التويتر و الفيسبوك تناصر القضية الفلسطينية و تُشيد بالثوار في الدول العربية و تطالب بحرية الأسرى الفلسطينيين ، ثم يذهب في الصباح إلي جامعته بتل أبيب من أجل الاستماع لمحاضرة باللغة العبرية لبروفسور يهودي يتحدث فيها عن القانون الدولي و محرقة الهولوكوست.

يقع في غرام شابة من دولة عربية أو حتى من قطاع غزة و يحادثها يوميا عبر برامج الشات على أمل أن يلتقي بها يوما ما ، وعندما يتحقق حلمه بلقائها في موطنها يتم احتجازه من قبل السلطات الاسرائيلية و التحقيق معه بتهمة زيارة بلد معادية لإسرائيل.

تُرشح نفسها لعضوية الكنيست الاسرائيلي ، كممثلة للأقليات بإسرائيل و تناشد بحقوق المرأة العربية تحت سلطة قوانين المُشرع الاسرائيلي ، ثم تعود في المساء لبيت جدتها لتستمع منها حكايات النكبة و ذكريات الفلسطينيين القديمة قبل تأسيس الدولة الاسرائيلية ، فتشعر حينها بقهر نفسي و تُمتم بصوت خافت ، إنها بلادنا ! لقد كنا قبلهم ، هم الأقليات و ليس نحن…

تتخرج من مدرسة يهودية وتتحدث العبرية بطلاقة و تشعر أنها أصبحت مواطنة عربية اسرائيلية مخلصة و منتمية للدولة الاسرائيلية ، ثم تفاجأ بأنها تتعرض للتمييز أثناء سفرها عبر المطار الاسرائيلي و يتم تفتيشها بشكل دقيق بسبب شكوك أمنية حولها فتبكي بحرقة و تشعر بالتناقض بين ما تعلمته في مدرستها اليهودية حول المساواة و المواطنة الصالحة و ما بين واقعها كشابة عربية غير يهودية.

إنها مواقف و حكايات متناقضة يتعرض لها يوميا الشباب العربي في داخل الخط الأخضر فهم يعيشون حياة مزدوجة متناقضة بين انتمائهم للقضية الفلسطينية و مواطنتهم الإسرائيلية في ظل الدولة الاسرائيلية الحديثة ، حيث يحملون في جيوبهم الهوية الاسرائيلية الزرقاء و يخضعون جميعهم لأحكام القانون الاسرائيلي بصفتهم مواطنين اسرائيليين ، لكن أراوحهم و قلوبهم مازالت معلقة بالحياة الفلسطينية القديمة و الثقافة العربية .

إن تلك الحياة المتناقضة التي يعيشها عرب ال48 و المتأرجحة بين عشقهم لكل ما هو عربي فلسطيني قديم وما بين غضبهم أحيانا من كل ما هو اسرائيلي عبري حديث ، جعلت تلك الحياة المتناقضة هؤلاء العرب يمرون بصراع نفسي داخلي مرير ، حيث أصبح بعضهم يشعر بحالة من التمزق العقلي و عدم الانسجام مع حياة المجتمع الاسرائيلي اليهودي فأدى ذلك إلي انفصال بعض شبابهم عن الواقع الاسرائيلي و اندمج هؤلاء الشباب و تأثر بقصص الكفاح و النضال الفلسطيني و الثورات العربية ، الأمر الذي شَكل لهم أزمة تحديد هوية، فهم يعيشون في الواقع بين ناريين : نار القومية العربية و نار الجنسية الإسرائيلية ، فهل يعتبرون أنفسهم بأنهم عرب فلسطينيون و يتنازلون عن هويتهم الإسرائيلية أم عرب اسرائيليون و يتناسون القضية الفلسطينية ؟

أعتقد أن قضية عرب ال48 تتلخص بكل بساطة بمقولة شهيرة لشكسبير وهي

” أكون أو لا أكون تلك هي المسألة ! “

الحرية الدينية: هل ستسمح إسرائيل أيضاً لمسلمي غزة للصلاة بالقدس ؟

يحتفل الإخوة المسيحيون في كل عام بالأعياد المجيدة و يقيمون الصلوات المقدسة في الكنائس التاريخية المنتشرة في كافة أنحاء أراضي السلطة الفلسطينية مع تقدير و احترام كبير من قبل إخوانهم المسلمين و تحت إشراف السلطات الفلسطينية المحلية التي تحاول أن تحافظ على أمن وحماية المسيحيون من أية تهديدات أمنية قد تحدث من قبل بعض المتطرفين.

إن العلاقة بين المسلمين و المسيحين في فلسطين تتسم بالتعاون و الاحترام المتبادل بينهم، فجميعهم يوحدهم حلم الدولة المستقلة و الوطن الحر و هم يحرصون في كل مناسبة على تبادل التهاني و التبريكات بينهم أثناء فترة الأعياد الوطنية و الدينية ، فالمسيحي الفلسطيني دائماً ما يبادر بتهنئة أخيه المسلم في أعياده الدينية، لدرجة أن بعض أفراد الطوائف المسيحية في فلسطين قد يمتنعون عن الطعام و الشراب خلال شهر رمضان الكريم و ذلك من أجل مراعاة مشاعر إخوانهم المسلمين الذين هم أيضاً يحتفلون أحياناً مع المسيحيون بأعياد الميلاد المجيدة وذلك عندما يتسابقون معهم بشراء شجرة عيد الميلاد الخضراء التي يزينون بها منازلهم من أجل ادخال الفرحة و البهجة لقلوب أطفالهم.

لا أحد يستطيع أن يُنكر مدى قوة العلاقة بين المسلمين و المسيحيين في فلسطين خاصة المتواجدين في قطاع غزة حتى لو حدث بالسابق بعض انتهاكات صغيرة ضد الطائفة المسيحية من قبل بعض المتطرفين في القطاع و التي استطاعت حينذاك حكومة حماس القضاء علي بعضها و معالجتها بكل حكمة و اتزان، إلا أننا نستطيع القول بأن المسلمين و المسيحيين في القطاع يعانون أيضاً من نفس الحصار و الحروب و النزاعات و أحداث العنف الناتجة عن قضية الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي.

لكن ما يثير الانتباه والدهشة هو الأخبار المتواردة عبر وكالات الأنباء في كل عام حول سماح اسرائيل لأفراد الطائفة المسيحية للسفر إلي القدس و الضفة الغربية عبر معبر إيرز و ذلك أثناء فترة الأعياد المسيحية ، مما يدعونا هنا إلي التساؤل و تحليل طريقة تعامل الحكومة الاسرائيلية مع سكان قطاع غزة التي تتخذ في بعض الأحيان طابع التمييز والتفرقة بين المسلمين و المسيحيين بالقطاع من جهة السماح للبعض بحرية العبادة وممارسة شعائرهم الدينية في القدس ومنع البعض الأخر من ممارسة نفس الحرية التي تؤكد عليها المادة رقم 18 للإعلان العالمي لحقوق الانسان.

لذا أرى هنا أنه عندما تسمح إسرائيل للأخوة المسيحيين في القطاع للسفر إلي القدس و بيت لحم من أجل ممارسة شعائرهم الدينية في الكنائس المقدسة لديهم ، فإن إسرائيل لا تفعل ذلك تجملًا عليهم بل هو واجب و مسئولية أخلاقية و انسانية يجب أن تتحملها الحكومة الإسرائيلية أمام الجميع وذلك حتى لا يتم اتهامها من قبل الغرب بأنها دولة عنصرية تضطهد حقوق المسيحيين و تعيق حريتهم الدينية. وقد تطبق اسرائيل تلك الإجراءات أيضاً في الضفة الغربية حيث سمحت في السنوات الماضية لمسلمي الضفة الغربية بالذهاب إلي القدس خلال أشهر رمضان السابقة و ذلك من أجل الصلاة في المسجد الأقصى.

لكن الغريب هنا أنه عندما يتم التحدث عن مسلمي قطاع غزة فإن المعادلة تتغير كلياً و تنقلب رأساً على عقب و لا يتم تطبيق تلك الاجراءات التسهيلية للسفر مع مسلمي القطاع، بالرغم أنها قد تُطبق أحياناً بشكل انتقائي و نادر جداً مع بعض مسلمي القطاع الذين لديهم ربما أقارب في القدس.

وهنا أطرح سؤال تعجبي؛ وهو ألم يحن الوقت لأن تسمح اسرائيل لمسلمي القطاع بالسفر أيضاً الي القدس من أجل ممارسة شعائرهم الدينية بحرية أسوةً بإخوانهم المسيحيين ؟ أما أن جميع مسلمي القطاع معاقبون حتى إشعار أخر !
لا أحد يستطيع أن يتجاهل أن إسرائيل تسمح أحياناً لأهالي القطاع بالسفر عبر معبر ايرز ضمن اطار الحالات الإنسانية، لكن ما أطرحه هنا في هذا المقال هو لماذا لا يُسمح للمواطنين المسلمين في القطاع بحرية العبادة و ممارسة شعائرهم الدينية بالقدس و ليس فقط خلال شهر رمضان و لكن أيضا في أيام الجمعة.

إن الحجة الإسرائيلية التي كانت تتحجج بها اسرائيل بالسابق حول عدم اعطائها تصاريح تنقل لمسلمي القطاع أثناء الأعياد الدينية كانت حجة أسر الجندي الإسرائيلي جلعاط شاليط و الذي فرضت اسرائيل منذ أسره حصار مشدد على قطاع غزة ، لكن الأن شاليط تحرر ! فهل يمكن تحرير أيضا مواطني القطاع ! و إذا كانت هناك أسباب أمنية أخرى تجعل الحكومة الإسرائيلية تتشدد في تعاملها مع قطاع غزة ، فهل عندما تسمح اسرائيل على الأقل لنساء وشيوخ القطاع للصلاة بالقدس سيؤثر ذلك على أمن إسرائيل ! هل ممكن أن تتصالح إسرائيل مع أهالي القطاع و ترفع عنهم عقابها الجماعي ؟ و هل يمكن أن تتحقق المعجزة و أن تسمح اسرائيل بدخول أعداد كبيرة من مسلمي القطاع و الغير مصنفين ضمن الحالات الانسانية من أجل ممارسة حقهم الطبيعي في الصلاة بالمسجد الأقصى ؟
ربما أطالب بشيء قد يبدو مستحيل ، لكن لا أحد يستطيع أن يتجاهل حقوق جميع البشر في حرية العبادة والعقيدة سواء كان هؤلاء البشر أصدقاء أم أعداء .

حزب الله: الهدف الأول لإسرائيل

بالرغم من الانزعاج الإسرائيلي من تهديدات صواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من قطاع غزة ضد الجنوب الاسرائيلي و التي تثير الذعر في قلوب المواطنين الإسرائيليين .

وبالرغم من قلق الجيش الإسرائيلي المستمر من احتمالية أن يكتشف جنوده في أي لحظه لأنفاق سرية قد تسير من تحت اقدامهم وقد تباغتهم في أي وقت بانفجار مفاجئ أو عملية عسكرية للمقاومة ضدهم.

و بالرغم من أن الحدود الإسرائيلية السورية قد تشتعل بأي لحظه و قد تهدد أمن الشمال الإسرائيلي أو يتلوث هواء مدنها بغازات الأسلحة الكيماوية التي يمكن أن تتسرب في أي لحظه.

إلا و أنه يبقى حزب الله هو العدو الأخطر و الهدف الأول لإسرائيل…….

إن ما يقلق نوم جنرالات الجيش الإسرائيلي و يمنع جنودهم و عناصرهم الاستخبارية بالتنعم بقدر كبير من الراحة و الاطمئنان بعد تدريبات عسكرية شاقة وشبه يومية ، هو محاولات حزب الله الحثيثة و المستمرة للتخطيط من أجل الانتقام من الاسرائيليين في أي وقت و في أي مكان بالعالم .

فالإسرائيلي ليس فقط مهدد داخل حدود دولته العبرية بل قد يكون أيضاً هدف سهل لحزب الله في أي منطقة بالعالم ، فمازال نصر الله الأمين العام لحزب الله ، يتحدى الإسرائيليين مهدداً لهم قائلاً بأن “القصاص آت للإسرائيليين في أي مكان بالعالم” .

و يُعتبر حزب الله بالنسبة لإسرائيل عدواً شرساً لا يعرف الاستسلام حيث أنه لا يتخلى أبداً عن الثأر لدم شهدائه مهما طال الزمن فهو بكل بساطه حزب قد تم تأسيسه من أجل تحقيق هدفين:
هدف مرحلي وهو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي السابق للجنوب اللبناني عام 1982.
وهدف استراتيجي طويل الأمد وهو القضاء على إسرائيل ومحوها من خارطة الشرق الأوسط.

إن ما يدعم فرضية أن حزب الله هو الهدف الأول للجيش الإسرائيلي الذي يحاول أن ينهيه و ينتصر عليه بأي وسيلة ، هو مدى تركيز الجيش الإسرائيلي على تنظيمه لتدريبات عسكرية تحاكي اجتياحات و توغلات عسكريه لقرى عربية بالإضافة لاستمرار إسرائيل بإرسال رسائل سياسية مباشرة وغير مباشرة للبنانين بشكل عام و لقوات حزب الله بشكل خاص عبر استخدام أدوات متنوعة قد تكون إعلامية أو عسكرية أو استخباراتية من أجل اقناع الجميع حول مدى استعداد و اصرار الجيش الإسرائيلي لمواجهة قوات حزب الله و الانتصار عليها في الوقت و المكان المناسبين.

إن إسرائيل تعلم جيدا أن حزب الله هو أول طرف الخيط في المقاومة الإسلامية العسكرية ضدها وتُدرك مدى محاولات حزب الله في تمرير الدعم التقني و اللوجستي و العسكري لعناصر المقاومة الفلسطينية بالداخل.

فحزب الله بالنسبة لإسرائيل هو رأس الحربة لذلك فهي ترى أنها اذا قضت على الرأس فعندها ستتمكن من القضاء على باقي عناصر المقاومة الفلسطينية و أن حبات السبحة عندئذ ستنفرط لوحدها و تتفرق وتصبح بعد ذلك المقاومة الفلسطينية وحيدة في الساحة لا تتلقى أي دعم خارجي ويعتقد الإسرائيليون أيضاً بأن المقاومة الفلسطينية لن تستطيع الاستغناء عن الخبرات و التقنيات التي يمتلكها حزب الله في محاربة اسرائيل العدو الأول للجمهورية الإيرانية الإسلامية.

إن ما يثير الدهشة و ما يؤكد مدى تركيز إسرائيل على استهداف حزب الله بشكل عاجل و أولي في الوقت الذي تتمسك فيه بالحفاظ على هدنه متقطعة مع قطاع غزة أو التفاوض بشكل مؤقت مع السلطة الفلسطينية برام الله ،هو التصريح الأخير لرئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو أثناء قمة سابان 2013 عندما قال: ” من الواضح جداً أن الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني ليس مصدر لمشاكل المنطقة مثل الصراع بسوريا و الارهاب بالعراق و الأسلحة النووية الايرانية و عدم استقرار شمال افريقيا و النزاع السني – الشيعي، إن هدف اسرائيل الاستراتيجي هو السلام مع الفلسطينيين ، لكن اذا حصلت إيران على القنبلة النووية سوف يتم القضاء على جهود السلام لأن إيران ستمرر أسلحتها النووية للعناصر المسلحة في المنطقة”.

ومن هنا نستشعر الخوف الإسرائيلي من احتمالية حصول حزب الله على أسلحه نووية من إيران في المستقبل وفي نفس الوقت عدم شعور إسرائيل بقلق كبير من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني حيث تعتقد أن ذلك الصراع أمر مفروغ منه وقد ينتهي في المستقبل بالطريقة التي تراها مناسبة لها عبر مفاوضات السلام.

و من هذا التصريح نفهم أيضاً مدى أهمية حزب الله لدى اسرائيل الذي تعتبره بمثابة الذراع العسكري لإيران في منطقة الشرق الأوسط ، فإيران لا تنكر دعمها المباشر لقوات حزب الله وهي تُصرح بذلك بشكل علني ، بل هي التي شجعت الحزب لإرسال قواته لسوريا من أجل دعم نظام الأسد في معركته ضد قوات المعارضة السورية الثائرة.

وقد تعرضت مؤخراً مقرات حزب الله لعدة تفجيرات فجائية حيث تم في احداها اغتيال اللقيس أهم خبير تكنولوجي لحزب الله ، الأمر الذي جعل حزب الله يتهم اسرائيل بتورطها بتلك التفجيرات من أجل زعزعة ثقة الحزب بنفسه و احراجه أمام الشعب اللبناني وتصويره بأنه يهدد أمن واستقرار لبنان.

و قد اكتفت اسرائيل بعدم التعليق حول أسباب تلك التفجيرات المتفرقة التي حدثت في أماكن قريبة من مقرات حزب الله ، لكن ذلك الصمت الإسرائيلي لم يمنع أحد مسئولي الاستخبارات الإسرائيلية من التعبير عن ارتياحه لاغتيال اللقيس بقوله ساخراً
” سيعقد مؤتمر قمة في السماء ” الأمر الذي يثير هنا التساؤل و هو هل تعتمد إسرائيل في الوقت الحالي أسلوب جديد في التعامل مع حزب الله وهو عدم المواجهة المباشرة؟

أعتقد أن الفترة القادمة ستكشف لنا مزيد من الحيل و المخططات الإسرائيلية لمحاربة حزب الله في المستقبل و سوف نتعرف أكثر كيف سيقوم حزب الله بالرد و التعامل مع تلك التهديدات الاسرائيلية المباشرة أو الغير مباشرة.