المرأة الفلسطينية والانتخابات البلدية: مشاركة رمزية و تحديات مجتمعية

تم نشر المقال في مجلة سياسات العدد 38

منذ أن أعلنت لجنة الانتخابات المركزية  بتاريخ 16/8/2016  عن فتح باب الترشح للانتخابات المحلية  2016  في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة  ، طبقا لقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005 وتعديلاته، دبت روح  الأمل  و التفاؤل في نفوس  معظم   المواطنين  الفلسطينيين ،  بأن يكون هذا الإعلان الرسمي بادرة خير على الشعب الفلسطيني و خطوة ايجابية اتجاه إنهاء الانقسام الفلسطيني.

و على الرغم من الشعور بالتفاؤل  الحذر عند المواطنين الفلسطينيين ، إلا و انه كان هناك شعور كبير بالقلق و الشك من قبل بعض الناشطين  السياسيين و الفاعلين بالمجتمع المحلي حيال  مدى إمكانية نجاح تلك التجربة الانتخابية  البلدية التي تم تأجيلها بالسابق و لعدة مرات بسبب الانقسام الفلسطيني و الصراع  السياسي  بين الأحزاب  الفلسطينية و وعدم وجود اتفاق نهائي من قبل الفصائل الفلسطينية لإجراء أي نوع من الانتخابات  بموعدها الطبيعي.

لكن تلك المشاعر المتذبذبة بين التفاؤل و التشاؤم ، لم تثبط من همة  عدد كبير من  المواطنين الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة الذين لم يترددوا بتحديث بياناتهم  في سجلات لجنة الانتخابات المركزية،  أو أن يقوم بعضهم بترشيح نفسه،  وفق قوائم انتخابية حسب ما  نص عليه قانون الانتخابات  الهيئات المحلية لعام 2005.

إن تلك الانتخابات البلدية التي كانت من المخطط لها أن تتم  بتاريخ 8 /10/2016،  تم اعتبارها   بمثابة فرصة كبيرة  لبعض النساء الفلسطينيات  لكي يشاركن ضمن  القوائم الانتخابية للمجالس المحلية ، وذلك حسب ما نصت عليه المادة رقم ( 17) من قانون رقم 10 لعام 2005،  الذي شدد على أنه يجب أن لا يقل تمثيل المرأة في المجالس المحلية عن نسبة (20 %) من العدد الكلي لأعضاء المجلس المحلي.

لذا انضمت بعض النساء للقوائم الانتخابية  تطبيقا لقانون انتخابات الهيئات المحلية و من أجل تحقيق  أيضاً ، عدة أهداف معينة  تتنوع وتعتمد حسب مكانة النساء الأعضاء بتلك القوائم  وحسب الدوافع السياسية و الاجتماعية و القانونية التي شجعت المرأة الفلسطينية التي تعيش في كل من القرية أو المدينة  لتسجيل اسمها كمرشحة ضمن نظام القوائم لكي تمثل أفراد مجتمعها المحلي في المجالس المحلية.

و تتعدد تلك الأسباب التي دفعت المرأة الفلسطينية للموافقة على الانضمام لقوائم انتخابات الهيئات المحلية، حسب الطبيعة والخلفية السياسية و الثقافية و الدينية و الاجتماعية للمرأة المرشحة. لذا  أرى هنا أن من أهم تلك  الأسباب  التي جعلت المرأة الفلسطينية ترشح نفسها في قوائم الانتخابات البلدية لعام 2016 هي ما يلي:

أولاً) أسباب حزبية و سياسية

أقصد هنا بالأسباب الحزبية و السياسية ، أن من دفع المرأة للمشاركة بالانتخابات البلدية هو حزب سياسي معين اتخذ قرار سياسي لضم ضمن قوائمه الانتخابية  عضوات  منتسبات رسمياً للحزب أو  أخريات ذات علاقة جيدة  بالحزب  ولكنهن مستقلات  أو قريبات لشخصيات قيادية بالحزب. و أعتقد هنا أن مشاركة النساء في قوائم الانتخابات البلدية،  كانت بمثابة تلبية للشروط القانونية  و مجرد مشاركة رمزية  و تجميلية  حتى لا يتم اتهام الحزب من قبل الحركات النسوية،  بأنه لا يعترف بحقوق المرأة و أنه  لا يأخذ بعين الاعتبار قضايا الجندر.

لذلك من يطلع على القوائم الانتخابية المدعومة من قبل الأحزاب الرئيسية الفاعلة بفلسطين ، سيلاحظ  أن عدد النساء في  القوائم الانتخابية  لا يتجاوز اثنتين و أن معظم المقاعد الانتخابية يحتلها الرجال،  حتى أنه  من  من ناحية ترتيب أسماء الأعضاء بالقائمة الواحدة ، نجد  أن المرأة لا  تترأس  أي قائمة انتخابية  بل كان يذكر اسم المرشحة الثانية  في نهاية القائمة.

ثانيا) أسباب عشائرية وعائلية

ومن الأسباب الأخرى لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، هو رغبة العائلات الفلسطينية الكبرى و العشائر الفلسطينية بأن يشارك أعضائها  بشكل كبير وقوي في المجالس المحلية ، فقد  شهدت عملية تشكيل القوائم الانتخابية البلدية  في القرى والبلدات الفلسطينية في محافظات الضفة الغربية صراعاً بين العائلات والعشائر في السباق نحو انتخابات مقاعد المجالس البلدية ، و تغلبت العصبية العشائرية على الانتماء الحزبي للفصائل الفلسطينية.

و من أجل ضمان قانونية القوائم الانتخابية التي شكلتها العشائر الفلسطينية تم إدراج أسماء بعض نساء العشيرة في القوائم الانتخابية البلدية كمتطلب قانوني و ليس من منطلق الإيمان بحقوق المرأة بالمشاركة السياسية و المجتمعية.

وعند الاطلاع على القوائم الانتخابية للعشائر الفلسطينية بالضفة الغربية،  تم  ملاحظة أنه  تم  اختيار النساء المرشحات حسب مكانة الرجل بالعشيرة ، فقد تم دعوة زوجات و أخوات و بنات رجال العشيرة اللذين يتمتعون بمناصب قيادية بالعشيرة  للانضمام للقوائم الانتخابية ، بغض النظر عن المستوى التعليمي و الثقافي  لهؤلاء النساء،   وبغض النظر عن مدى وعي هؤلاء النساء بحقوقهن السياسية،   حيث تم تهميش عدد كبير من هؤلاء النساء المرشحات  من قبل رجال العشيرة،  بالرغم من مشاركتهن بشكل رسمي في القوائم الانتخابية،   ذلك التهميش صريح وعلني،  حيث لم يتم الإعلان عن أسماء بعض مرشحات العشائر  بشكل كامل ضمن القوائم  الانتخابية العشائرية، و تم الاكتفاء بوضع كنية أو لقب عائلي  بدلا من الاسم الرباعي للمرأة،  فعلى سبيل المثال  تم استبدال اسم المرأة الرسمي   ب “زوجة فلان”  أو “أخت فلان”  و قد وصلت الأمور أيضا بأن لا يتم كتابة أي كنية بل الاكتفاء فقط بذكر كلمة “أخت”  أو وضع رسم  “زهرة”  كإشارة  أن المشاركة بالانتخابات هي امرأة،  مما أثار انتقادات لاذعة من قبل عدد كبير من المؤسسات النسوية و الناشطين  في  الإعلام الاجتماعي،  الذين تداولوا الموضوع عبر صفحاتهم  الاجتماعية الالكترونية،   بشكل من الاستهجان الكبير و السخرية من العادات البالية و العقلية الذكورية المتطرفة التي تعتبر ذكر  اسم المرأة  هو نوع من العيب  و الاهانه.  مما  جعل ذلك بأن تصدر لجنة الانتخابات المركزية تصريحا إعلاميا  بأن هؤلاء المرشحات الخجولات قد سجلن أسمائهن الرباعية بشكل قانوني في سجلات المرشحين الرسميين ودون استخدام أي رموز.

ثالثاً) أسباب جندرية و حقوقية

و بالإضافة إلي  الأسباب السياسية و العشائرية التي أدت إلي ترشيح النساء الفلسطينيات أنفسهن في الانتخابات البلدية ضمن نظام القوائم ، كان هناك دوافع أخرى شجعت المرأة الفلسطينية بترشيح نفسها  وهي دوافع تتعلق بحقوق المرأة و الجندر.

فقد  شجعت بعض المؤسسات النسوية مجموعات مستقلة من النساء لتشكيل قائمة نسائية شبابية تمثل المرأة في الانتخابات البلدية ، وذلك لكي يتم لفت نظر المجتمع الفلسطيني على أهمية المشاركة السياسية و المجتمعية للمرأة الفلسطينية و لكي يتم الترويج لأهمية اعتبار الجندر و حقوق المرأة في قضايا الشأن العام. حيث تعتقد ناشطات  الحركة النسوية أن نسبة المقاعد المخصصة للنساء والواردة في قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005  والمعدّل بالقرار بقانون رقم (12)  غير كافية ويجب أن يتم زيادة الكوتا النسائية من 20% إلي 30 % على الأقل ، فقد  جاء في القانون أن المجلس الذي لا يقل عدد مقاعده عن 13 عضواً يجب أن تتمثل النساء فيه بمقعدين على الأقل.

لذا بناءً  على تلك المحاولات النسائية  لدعم زيادة الكوتا النسائية في الانتخابات و رغبة شديدة من الناشطات النسويات  على التأثير على صناع القرار في المجتمع الفلسطيني ، تشكلت  لأول مرة في تاريخ الانتخابات البلدية الفلسطينية قائمة انتخابية نسائية طرحتها  عدد من الناشطات الفلسطينيات في شؤون المرأة ، وذلك لمنافسة ست قوائم (حزبية وعشائرية ومستقلة) على الفوز بالانتخابات المحلية لمجلس بلدي دورا قضاء مدينة الخليل.

و ظهرت تلك القائمة النسائية تحت اسم “عطاء بلا حدود”، وضمت أسماء تسع نساء، تُنافسن على الفوز بالانتخابات المحلية في مجلس بلدي دورا، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى الأراضي الفلسطينية. وذلك في محاولة  من هؤلاء النساء  المشاركة بفاعلية، وسعيًا منهن نحو إيجاد مكان حقيقي للمرأة، وعدم الاكتفاء بما أقره القانون الفلسطيني حول الكوتا المخصصة للنساء في الانتخابات المحلية.

رابعاً) أسباب مهنية

و من جهة أخرى ، أعتقد أن من الأسباب الأخرى التي دفعت بعض النساء الفلسطينيات للمشاركة في القوائم الانتخابية البلدية هو  الرغبة منهن بتعزيز مواقعهن المهنية ، حيث تم ملاحظة أنه كان  هناك مشاركة كبيرة من بعض النساء الأكاديميات اللواتي يعملن في الجامعات الفلسطينية  أو اللواتي يعملن في مجال العمل المحلي المجتمعي المتعلق بالبيئة و المياه ، فقد تم جذب هؤلاء النساء المهنيات للانضمام لبعض القوائم الانتخابية المستقلة التي شكلها  أشخاص أكاديميون  بقطاع غزة ، و ذلك كنوع من تشجيع النساء المهنيات الأخريات للتصويت لصالح مرشحات القوائم المستقلة  و في نفس الوقت تشجيع أفراد المجتمع الفلسطيني لانتخاب قوائم مستقلة ومهنية قد تقدم حلول عملية ومهنية لمشاكل المجتمع المحلي بناء على الخبرة العلمية و المهنية لأعضاء القائمة الذين يتمتعون بثقة كبيرة من قبل المجتمع المحلي.

خامساً) أسباب شخصية

ولابد من الإشارة  أن من بعض الأسباب التي أدت إلي مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات  البلدية هي أسباب شخصية تتعلق بالمرأة نفسها،  التي تريد أن تؤكد ذاتها و تحقق طموحها الشخصي للوصول إلي مناصب رفيعة بالمجتمع و ترغب  بالمشاركة الفعالة في عملية صنع القرار الفلسطيني و رفع صوتها النسوي  ضمن  مجتمع ذكوري يحبذ مشاركة الرجال في الشأن العام أكثر من النساء.

لذا أعتقد أن من أهم الأسباب الشخصية لمشاركة المرأة في الانتخابات البلدية هو محاولة شخصية من المرأة الفلسطينية لتحدي العادات و التقاليد و إثبات الذات و أيضاً الثقة العالية بالنفس  حول  القدرة على التغيير المجتمعي و تقديم حلول اجتماعية بشكل متساوي مع الرجال.

وبعد تناول الأسباب الرئيسية  المؤدية لمشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية ، لابد من القول أن تلك المحاولات النسائية للمشاركة في  هذه الانتخابات أبرزت بشكل واضح الكم الكبير من التحديات المجتمعية التي تواجها المرأة الفلسطينية عادة عند إقدامها للمشاركة في قضايا الشأن العام  و بالأخص  في مجال  الانتخابات الفلسطينية سواء كانت انتخابات بلدية أو تشريعية أو حتى رئاسية.

حيث مازال المجتمع الفلسطيني غير مقتنع بشكل كامل بأهمية المشاركة النسائية في الانتخابات و مازال هناك عدم ثقة بقدرة المرأة الفلسطينية على إحداث تغيير سياسيي أو اجتماعي  أو المساهمة في عملية إصلاح المجتمع و تقديم حلول مستدامة  للمشاكل اليومية التي يعاني منها المجتمع المحلي مثل مشاكل الكهرباء و المياه و السكن و غيرها من المشاكل الأخرى التي يعاني منها المجتمع المحلي الفلسطيني بشكل يومي.

وتعتبر عدم ثقة و اقتناع أفراد المجتمع الفلسطيني بدور المرأة الفلسطينية في تقديم الحلول وصنع القرارات  من أهم التحديات التي تواجها النساء الفلسطينيات خاصة في المجتمعات المغلقة التي تحكمها قوانين و أعراف  قبلية وعشائرية،  حيث تعتبر تلك المجتمعات المغلقة  أن الدور الرئيسي للمرأة يجب أن يكون فقط في نطاق العائلة و في خدمة الزوج وتربية الأطفال،  و إذا ما أرادت تلك النساء المشاركة في الانتخابات وقضايا الشأن العام ،  فأنهن يجب أن يشاركن بناء على موافقة الرجل و تلبية للمصلحة الكبرى للعائلة أو العشيرة ، لذا عندما تم ترشيح بعض النساء في القوائم الانتخابية للعشائر تم ذلك بناء على أوامر من شيخ العشيرة الذي أراد أن تشارك نساء العشيرة في القائمة فقط كإجراء قانوني و روتيني من أجل ضمان تسجيل قائمته الانتخابية  في سجلات اللجنة الانتخابية المركزية التي تشترط وجود الكوتا النسائية في كل قائمة انتخابية حسب قانون الانتخابات الفلسطيني.

ومن الجدير بالذكر أيضا ، أن من بعض التحديات المجتمعية لمشاركة النساء في الانتخابات البلدية هو أنه كان  هناك اهتمام كبير من قبل معظم مشكلي القوائم الانتخابية،  بضم  نساء ينتسبن لعائلات كبيرة تتمتع  بنفوذ قوي  في المجتمع المحلي و لم يكن هناك اهتمام باختيار النساء حسب دورهن الفعال  بالمجتمع المحلي ، مما أدى إلي تنافس بعض الأحزاب السياسية لجذب نساء ينتسبن لعائلات ذات مكانة كبيرة في المجتمع أو متزوجات من رجال  قياديين  فتم  تهميش مشاركة النساء اللواتي ينتمين إلي طبقات المجتمع المتوسطة وأثار ذلك  النزعة القبلية و المصلحة السياسية عند المجتمع الفلسطيني و أبرز أيضاً   مدى سوء  توظيف دور المرأة الفلسطينية في تلك الانتخابات ومدى تهميش طبقات أخرى من المجتمع الفلسطيني.

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة الفلسطينية في عملية الإعداد  للانتخابات  البلدية من أجل المطالبة بتعزيز دورها في المشاركة بشكل فعال و ايجابي في  المجتمع ،  إلا و أنه لا يمكننا أن نتجاهل الحالة السياسية الفلسطينية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في ظل ظروف الانقسام الفلسطيني،  فبعد أن انتعش الأمل في قلوب الفلسطينيين حول  إمكانية انعقاد تلك الانتخابات البلدية في موعدها و بشكل متوازي بالضفة الغربية و قطاع غزة ، تغلبت المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية،  فقد  تم التشكيك في نزاهة تلك الانتخابات ، قبل البدء حتى بتنفيذها و توالت  الطعون الانتخابية من قبل الأحزاب المتنافسة ضد عدد كبير من القوائم الانتخابية،  و تم تبادل التهديدات ضد أعضاء بعض  القوائم الانتخابية،  الأمر الذي أثار حالة من القلق و عدم التيقن من إمكانية نجاح تلك الانتخابات ، و شيوع حالة من الشك و الريبة و  الانطباعات السلبية  بأن هناك  مخالفات قانونية كثيرة  فيما يخص عملية تسجيل و تشكيل القوائم الانتخابية.

ونتيجة لتلك الأجواء المتوترة التي سادت عملية الإعداد للانتخابات البلدية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ،   أصدرت  محكمة العدل العليا بتاريخ 8/ 9/2016 ، قرار بـتأجيل الانتخابات البلدية حتى إشعارا أخر.

مما  جعل  ذلك التأجيل إلي شعور النساء  باليأس و الإحباط و عدم التقدير للجهود المبذولة في عملية التسجيل بالانتخابات البلدية , و أدى ذلك أيضاً إلي  الشعور بعدم الثقة من قبل أفراد المجتمع الفلسطيني  بالقيادات السياسية  بخصوص  القدرة  على  إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني و إجراء انتخابات بلدية نزيهة، قد تفرز عن قادة محليين يقدمون حلول فعالة لمشاكل المجتمع المحلي.

و أخيرا  يمكننا القول،  أن مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية حتى لو كانت مشاركة رمزية  إلا و أنها تعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تفعيل دور المرأة الفلسطينية في عملية صنع القرارات و إشراكها في المناصب القيادية بالمجتمع، فبمجرد ورود أسماء نسائية بشكل علني في بعض القوائم الانتخابية،  يعتبر هذا مؤشر على اندماج المرأة الفلسطينية في عمل المجتمع المحلي و يدل على توافق مجتمعي كبير حول ضرورة إشراك النساء في كل الانتخابات ، بغض النظر عن الأسباب و الدوافع التي أدت إلي ترشيح النساء أنفسهن ضمن قوائم انتخابية متنوعة  ، فالمرأة الفلسطينية مازالت حاضرة في المشهد السياسي و الاجتماعي ومازالت تتحلى بروح الصبر و المثابرة من أجل أن تفرض نفسها في مجتمع يتقلد به الرجال معظم المناصب العليا.

لذا فإن كانت مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات البلدية  غير مكتملة  بسبب تأجيل تلك الانتخابات حتى إشعار أخر،  لكن لا يوجد شك بأن  تلك المشاركة الغير مكتملة قد مهدت الطريق لناشطات نسويات من أجل الترويج لقضايا حقوق المرأة و المطالبة بدعم و زيادة نسبة الكوتا النسائية و العمل على تمكين النساء الفلسطينيات في عملية المشاركة بصنع القرارات الوطنية سواء على مستوى الوطن أو المدينة أو القرية، فمشاركة المرأة مطلوبة في كافة المجالات و في جميع المناطق الجغرافية.

 

 

Advertisements

معبر قلنديا: معبر الذل…

لقد شعرت بقدر كبير من الأسى و المرارة ، خلال تجربة مروري عبر معبر قلنديا في رام الله ، وذلك عندما سمعت صياح مجندة إسرائيلية عشرينية العمر، تتكلم بعصبية شديدة مع رجل مسن يلتحي الكوفية الفلسطينية، لا يستوعب اللغة العربية الركيكة للمجندة التي أرادت التأكد من صلاحية تصريح عبوره إلي القدس ، فالرجل بالفعل يبدو عليه الارتباك و لا يستوعب ماذا تقول له هذه المجندة ، و قد مر عدة مرات عبر جهاز فحص المعادن لطمأنة المجندة أنه لا يحمل مواد خطيرة معه ، ولكن الجندية مستمرة في غضبها مستنكرة عدم فهم الرجل لما تقوله طالبة منه الذهاب إلي غرفة مغلقة داخل المعبر للخضوع لتفتيش جسدي أكثر دقة من جهاز فحص المعادن.
إن ما صدمني بالأمر ، هو أن جميع المارون الفلسطينيون في معبر قلنديا محشورون ضمن حيز ضيق عبر ممر قفصي حديدي ، متشبثون بشدة في طرف معدني للحاجز الدوار الحديدي الذي يبلغ طوله نحو مترين ، ينتظرون بفارغ الصبر أن تتكرم عليهم هذه الجندية لكي تضيء لهم اللون الأخضر الذي يسمح ل 4 أشخاص فقط بالمرور عبر هذا الحاجز الدوار، ولكن تلك الجندية لم تضئ هذا الضوء الأخضر و لم تكترث أبدا لمدى تأخيرها لهم.
ولمن لا يعرفون معبر قلنديا ، أستطيع أن أصفه لهم حسب تجربتي الإنسانية، بأنه عبارة عن ممر قفصي طويل مكتظ بالكهول و كبار السن و النساء و الشباب والأطفال الذين يحملون الهوية الفلسطينية و يريدون الذهاب من رام الله إلي القدس من أجل العلاج أو العمل أو الصلاة وزيارة الأقارب.
فهناك قد تجدون في المعبر أب و أم معهما طفلهم، الذي يعاني من مرض عضال عجز الأطباء الفلسطينيون عن علاجه ، فاضطر هذا الأب اليائس بأن يحجز موعدا مع طبيب إسرائيلي اشترط عليه و على ابنه بأن يأتيا إليه في الموعد المحدد ، لأن جدول أعمال هذا الطبيب مزدحم ، و إذا تأخر الأب عن الموعد سيتم تأجيل فحص ابنه إلي أجل غير مسمى. وهناك قد تجدون في المعبر ، سيدة فلسطينية تعمل في مؤسسه إنسانية بالقدس، يجب أن تصل كل يوم في الموعد المناسب إلي عملها، و إلا سوف يتم الاستغناء عنها بسبب تأخيرها المستمر في حاجز قلنديا.
و ستجدون أيضاً ، نساء كبيرات بالسن، يرغبن بزيارة أقاربهن المرضى الذين يتم معالجتهم بمستشفيات القدس و قد تجدون عدد كبير من الشباب الفلسطيني الذين فقدوا فرص العمل بالضفة الغربية و يعتبرون معبر قلنديا فرصتهم الوحيدة للحصول على عمل داخل القدس للتخلص من شبح البطالة بالضفة الغربية. بالفعل ، كل عابر فلسطيني للممر القفصي ، لديه قصته الخاصة و حاجته الضرورية و العاجلة من أجل الذهاب إلي القدس سواء للعلاج أو العمل أو الصلاة.
لكن هذه الجندية الإسرائيلية الغاضبة، التي ربما تشعر بالملل و الإحباط من وظيفتها العسكرية و ربما تعتبر أن عملها في هذا المعبر المذل الذي يفتقر للمعايير الإنسانية هو بمثابة عقاب لها ، تتعامل مع الفلسطينيين كأرقام و تصاريح و كخطر أمني محتمل يهدد دولتها ، و ليس كبشر لهم مشاعرهم و حاجاتهم الإنسانية و كرامتهم و احترامهم.
إنه من المؤسف جداً ، أننا نعيش الآن في القرن الواحد وعشرين، في قرن يجب أن تكون انتهت به كافة مظاهر العبودية و الإذلال ، ومازال عدد كبير من المسئولين الإسرائيليين يتعاملون مع الفلسطينيين بفوقية و يعتبرونهم مجرد أرقام ومجرد كائنات غريبة يحتاجون لإدارة حالتهم وترويضهم لكي يتناسبوا مع معايير الأمن الإسرائيلية.
ومن الجدير بالذكر أنه عندما  تقرئون ما يتم نشره عبر صفحة المنسق الإسرائيلي ، يؤاف مردخاي في وسائل الإعلام الاجتماعي ، ستلاحظون أنه يسوق لإسرائيل من الناحية الإنسانية عن طريق توثيق التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين بصفتهم أرقام و ملفات أمنية و حالات تحتاج للمراجعة و ليس ككونهم بشر لديهم تاريخ وحياة و مستقبل.
و ستجدون أن المنسق لا يناشد الفلسطينيين كشعب، بل يدعوهم في معظم الأحيان بالسكان الفلسطينيين أي ينفى عنهم صفة الشعب. و هو غالباً ما يروج لإنسانية دولته عبر الإحصائيات ، بقوله على سبيل المثال لقد أصدرنا 15000 تصريح لعمال الضفة ، لقد سمحنا ل 100 مصلي من غزة للصلاة بالقدس ، لقد عالجنا 50 حالة في مستشفتينا ….الخ.
و لكنه في نفس الوقت يتجاهل المعاناة الفلسطينية اليومية عبر الحواجز الإسرائيلية و معاناة الفلسطينيين من الجدار العازل الذي ابتلع مساحات واسعة من أراضيهم. و ذلك لأن الفلسطينيين بالنسبة لمعظم المسئولين الإسرائيليين، هم مجرد عدد تصاريح مرور صادرة و عدد مرضى تم معالجتهم و حجم بضائع تم إدخالها و أخطار أمنية ، وليسوا قصص إنسانية تستحق التعمق بها وتفهم احتياجاتها و تقديرها و احترام كرامتها.
ربما ليس من الطبيعي أن نطلب من الاحتلال أن يكون إنسانيا معنا كشعب فلسطيني ، لأن الاحتلال لأراضينا هو نفسه أمر غير طبيعي ، لكنني أردت هنا أن أظهر تناقض الرواية الإعلامية الإسرائيلية التي تروج لإنسانية إسرائيل عبر الأرقام و النسب المئوية و الصور و لا تكترث بمشاعر و احتياجات المدنيين الفلسطينيين، وذلك بسبب استخدام إسرائيل لأسلوب التعميم و العقاب الجماعي و التعامل مع الفلسطينيين بأنهم إرهابيون حتى يثبتوا عكس ذلك ، بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل، مما جعل مجندة إسرائيلية شابة تشعر بالذعر من محفظة ورقية بالية يلفها رجل مسن بالنايلون خوفا من تلفها ، فدعاها ذلك الرعب بأن تستدعي جندي إسرائيلي شاب محصن بدرع مضاد للرصاص لكي يفحص عدة مرات سترة الرجل و يفحص النايلون المحيط بالمحفظة البالية. إن ما يشعرني بالأسف الشديد أيضا ، هو أنه كيف عاقبت تلك المجندة باقي المنتظرين في الممر القفصي بسبب شكها بالرجل المسن ، حيث تجاهلت نحو 20 شخص يقفون بطابور طويل و جعلتهم ينتظرون لأكثر من نصف ساعة في الممر الضيق دون أن تقدم لهم أي اعتذار بسبب تأخيرها لهم، بل الأسوأ من ذلك لقد تركت مهمتها ، وغادرت نافذتها الزجاجية تاركة المارين يترقبون بحيرة المجهول و يناشدون الجنود الآخرون لكي يفتحوا لهم الحاجز الحديدي الدوار ، حتى استلم جنود آخرون المكتب و بدءوا بالسماح للعابرين الفلسطينيين بالمرور.
إن هذا الموقف المؤلم، ربما لا يستغرق أي ثانية من تفكير تلك الجندية الغاضبة، التي هرعت إلي مقر سكنها بعد انتهاء مهمتها، لكنه بالتأكيد قد يكون تعمق في العقل الباطني للإنسان الفلسطيني الذي يشعر يوميا بالذل أثناء مروره عبر هذا المعبر الغير الإنساني. ولابد من القول بأن هذا الموقف ، ما هو سوى مؤشر كبير على طبيعة نظرة الشباب الإسرائيلي المجند للشعب الفلسطيني و طريقة احتقارهم للفلسطينيين باعتبارهم فقط خطر امني أو ورقة تصريح صالحه للمرور .
فماذا سيحدث لو تكلمت الجندية مع المسن الفلسطيني الذي يبدو عليه أنه أمي يجهل القراءة و الكتابة ، ووجهت له أسئلتها بشكل راقي و بصوت هادئ حتى لا تصيبه بالارتباك، ومن ثم طلبت منه بأسلوب مهذب بأن يجلس باحترام و استكملت مرور باقي المارين دون تأخيرهم ؟ هل سيشكل هذا الأسلوب المهذب في التعامل خطر على أمن إسرائيل؟ و ماذا لو ناشدت المجندة الإسرائيلية الفلسطينيين المحشورين بالممر القفصي الحديدي و استخدمت معهم عبارات مهذبة، لكي تطمئن قلقهم وقالت لهم بوضوح نعتذر عن التأخير ، سيتم تسهيل مروركم فور حل المشكلة، وذلك حتى لا يشعر المرضى و العمال و الأطفال بالقلق و الخوف بأنه قد يتم إرجاعهم ،هل سيقلل ذلك من قدرها و يؤخر من مهام عملها العسكري ؟ لطالما أغرقنا المسئولين الإسرائيليين بتصريحات إسرائيلية حول رغبتهم بعمل سلام مع الفلسطينيين، و أن مشكلتهم تكمن بعدم وجود شريك فلسطيني مناسب للسلام معهم و أن الفلسطينيين لا يريدون السلام معهم ، لكن تلك التصريحات تتجاهل التناقض الإسرائيلي ما بين ما يتم الحديث عنه في الإعلام وما بين ما يتم تطبيقه على أرض الواقع من سياسات و إجراءات إسرائيلية مشددة مع الفلسطينيين.
فالسلام الحقيقي يبدأ بين الشعوب و يتم تأسيسه بناءا على الاحترام المتبادل بين طرفي الصراع و ليس عبر التصريحات السياسية و الإعلامية للمسئولين و القادة، فإذا أرادت إسرائيل بالفعل تحقيق سلام عادل ومستدام مع الفلسطينيين، لابد لها أولا أن تحترم كرامة الإنسان الفلسطيني و أن تمنع جنودها من الاستهتار بمشاعر وكرامة المدنيين الفلسطينيين.
فالموضوع ليس مجرد توثيق قصص إنسانية عبر صفحات الفيسبوك و ليس مجرد تهنئة بمناسبة دينية للفلسطينيين أو مشاركة لأغنية عربية يستمع لها العرب ، الموضوع أعمق من ذلك بكثير ، لأنه يمس بجذور الكرامة الإنسانية للمواطن الفلسطيني و يتعلق بالحياة الواقعية و الإجراءات المطبقة على الأرض التي يعيشها الإنسان الفلسطيني العادي و يعاني منها يوميا عبر الحواجز و المعابر الإسرائيلية. فالفلسطينيون بالضفة الغربية وقطاع غزة لا يحتاجون فقط لورقة زرقاء تسمح لهم بالخروج من سجنهم المحاصر بجدار عازل ، بل أكثر من ذلك بكثير، إنهم يحتاجون لكرامتهم التي تعتبر أثمن شيء عندهم في ظل استمرار الاحتلال على أراضيهم وعجز قادتهم عن تحقيق لهم حلم الحرية و الاستقلال.
الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية المحاط بجدار عازل كأنهم “الزومبي” في فيلم حرب الزومبي العالمية للممثل الأمريكي براد بيت ، يستحقون أن يتم النظر إليهم كبشر و ليس كوحوش قاتلة، إنهم لا يستحقون الصوت الغاضب من تلك الجنديه المحبطة و لا يستحقون نظرة التعالي من ذلك الجندي الإسرائيلي الذي يضع بسطاره فوق مكتبه و يوجهه نحو وجه سيدة فلسطينية مسنة وهي تظهر له التصريح لكي يسمح لها بالذهاب للصلاة في القدس ، إنهم شعب يستحق حياة إنسانية كريمه تخلو من الذل و المهانة.

أخيرا أعتقد أنه إذا أرادت إسرائيل بالفعل أن تنهي الصراع مع الفلسطينيين ، لابد لها أولا أن تتخلي عن الاحتلال و تعترف بالدولة الفلسطينية و ثانيا أن تطالب جنودها باحترام الجميع بدون عنصرية بغض النظر عن دين و عرق و جنس و منصب الأشخاص الذين يمرون عبر المعابر الأمنية ، التي يجب أصلاً أن يتم إزالتها للأبد لأنها رمز للحصار و العنصرية وهي من الأسباب الرئيسية لتشتت الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع ذويهم، فمعبر قلنديا هو بالفعل معبر الذل الذي لا يمكن لأي شخص مناصر لحقوق الإنسان أن يتجاهل الحديث عنه و أن لا يستنكر وجوده.

ضحايا الديمقراطية في الوطن العربي!

يكاد تجاهل بعض الناشطين السياسيين في الوطن العربي ، لطبيعة أنظمة بلادهم السياسية و بيئتها الأمنية ، يجعلهم يخسرون المعركة السياسية مبكرا ، بل أسوء من ذلك فهم يضحون بحياتهم و استقرار عائلتهم بسبب حلم أو هدف غير واقعي وغير قابل للتحقيق عمليا ، لأن هذا الهدف يتصف بالرومانسية السياسية التي يتأثر بها هؤلاء الشباب الناشطين سياسيا عند مشاهداتهم لبعض مشاهد روائية تعرضها بعض أفلام السينما العربية والغربية ، أو عند قراءتهم لبعض كلمات ثورية يكتبها شعراء و أدباء ضمن روايات الأدب السياسي و في كتب السيرة الذاتية لبعض مشاهير الثورات العالمية و الدينية مثل سيرة الثائر اليساري الشهير ، تشي جيفارا أو المؤسس الكبير للإخوان المسلمين،حسن البنا.

إن مبدأ التضحية بالجسد من أجل تحقيق أي هدف سياسي أو اجتماعي بناءً على اتجاهات أيدلوجية أو سياسية أو اجتماعية ،لا يمكن فصله أبدا عن علاقته ببعض الطقوس الوثنية التي كان يتبعها الإنسان البدائي في العصور الجاهلية ، عندما كان يتم التعامل بلغة الدم و التضحية بالبشر باعتبارهم قرابين بشرية يتم تقديمها للآلهة من أجل حماية باقي أفراد القبيلة من غضب الطبيعة ، لذلك هناك تشابه كبير بين ما يحدث في عصرنا الحديث والعصور القديمه ، عندما يضحي بعض الناشطين السياسيين بحياتهم من أجل الوصول لغاية سياسية معينه دون الاكتراث بأهمية حياتهم و أمان عائلتهم.

و لابد من الإشارة، أنه حسب الديانات السماوية الثلاث ،كل من الروح و الجسد هما هبة من عند الله و لا يملك الانسان الحق بالتخلي عنهما أو بإلقاء نفسه إلي التهلكة ، و أتساءل هنا كيف يسعى هؤلاء الناشطون السياسيون للتحرر و الحصول على الديمقراطية وهم لا يتعاملون بديمقراطية مع أجسادهم البشرية ومع احتياجات أفراد عائلتهم للحماية و السلامة.

يجب عدم الاستهتار بقيمة الحياة البشرية من أجل تحقيق بعض الأهداف السياسية أو الاجتماعية و من أجل فقط أن نصبح أبطالاً ومشاهير لبضع سنوات و إن لم يكن عدة شهور ثم نتحول بعدها لمجرد ذكرى يطويها النسيان أو نصبح مجرد أرقام في سجلات المستشفيات و أرشيف الوفيات.

فطبيعة البشر هي النسيان والنكران أيضا، ومن لا يفكر بالبقاء و إنقاذ نفسه لأكبر قدر ممكن من الزمن ، فهو يخالف بذلك الطبيعة الإنسانية التي تتصف بالرغبة في الاستمرار و التكاثر و البقاء من أجل المساهمة في بناء و تطوير الحياة الإنسانية على الكرة الأرضية وليس مجرد في إطار حدود وطن معين.

لذا سبب طرحي لهذا الموضوع، هو ما ألمحه بشدة من خلال عيون المعارضين السياسيين و الثوار في الدول العربية ، الذين يغامرون بكل شيء و بحياتهم الشخصية من أجل تغيير أنظمة الحكم في بلادهم و ذلك تحت شعار تحقيق الديمقراطية، ولكنهم لا يعرفون جيداً ، الجوانب المتعددة للديمقراطية التي قد يتناسب بعضها مع طبيعة بلادهم وفي نفس الوقت قد يتعارض بعضها مع البيئة السياسية و الأمنية لبلادهم .

حيث يتصور بعض المعارضين ، أن الديمقراطية هي مجرد نسخة من تظاهرة في إحدى الشوارع الأوربية التي يسير بها المتظاهرون بهدوء تحت مراقبة الشرطة دون أي اصطدام بين الطرفين، لذا يتمنى الناشط العربي أن تصل بلاده لتلك المرحلة من الرقي الأمني و يحاول أن يقوم بتقليد نفس الأسلوب في شوارع بلاده التي تختلف طبيعة نظامها الأمني عن البلدان المتقدمة ، إن هؤلاء الناشطون السياسيون يحاولون حتى أن يقلدوا نفس البرامج السياسية الساخرة الأجنبية التي تنتقد الحكام الغربيين، دون وعي أن الديمقراطية والنقد السياسي ، هما عملية نسبية و لهما عدة أوجه تختلف حسب طبيعة المجتمع، فليس ما يصلح بأمريكا قد يناسب المصريون في القنوات الفضائية العربية و ليس ما يحدث في باريس قد يناسب اللبنانيون بشوارع بيروت.

لذلك ، لابد للناشط السياسي أن يكون لديه وعي ذكي في طريقة مطالبته لحكومة بلده بتطبيق الديمقراطية ، حيث أن الديمقراطية لا تطبق كدفعة واحدة ، بل تحتاج إلي عقود من الزمن لكي يتم استيعابها ضمن أنظمة الحكم التابعة للدول العربية.
وعلى الناشط السياسي أن يمتلك أيضاً الحكمة و الدهاء، خلال ممارسته لأنشطته السياسية بحيث يسعى بأن يقوم بتأهيل المواطنين العاديين أولاً لتقبل الديمقراطية ومن ثم تحفيز المسئولين والحكام لكي يكونوا رعاة لمبادئ تلك الديمقراطية الأولية التي بدأت بالفعل تنتشر رويدا رويدا في بعض البلدان العربية بسبب كثرة استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي.

و أرى هنا ، أنه بدلاً من أن يتجه الناشط السياسي لاستخدام أسلوب المعارضة الهجومية و العنيفة فيحدث بينه وبين المسئولين صداما عنيفا ، يجعله هو من يخسر بالنهاية ، و هنا لن يجد هذا الناشط أحداً يسانده أو يمتلك الشجاعة لكي يدافع عنه و يحميه، فعلي هذا الناشط أن يستخدم القوة الناعمة التي تتمثل بمحاولة الإقناع و استخدام لغة الحوار و القانون للمطالبة بالحقوق المشروعة.

لذا يقودنا ذلك الطرح لسؤال جدلي ألا وهو ؛ هل هدف الناشط السياسي هو فعلا إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي ببلده أم هدفه الشهرة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي و أن يصبح بطلا مضحيا في نظر الصحافة العالمية و يتم تنظيم لأجله حملات مناصرة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان ؟

لذلك قبل أن يتم المطالبة بتطبيق أي مظهر من مظاهر الديمقراطية في بلادنا العربية ، على الناشطين السياسيين أن يقوموا أولا بعمل دراسة احتياجات و أبحاث وتحليل لمدى ملائمة التغيير الديمقراطي لبلادهم وشعوبهم ، مع عدم تجاهل دور القيادات الشعبية و السياسية في وطنهم، لأنه يجب أن يكون هدف الناشط السياسي هو التقويم والمساهمة في الإصلاح عبر المشاركة المجتمعية وليس قلب الطاولة على رأس الجميع، أو الهجوم أو تنفيذ أجندة أجنبية كما تتهم عادة أنظمة الحكم بعض الناشطين السياسيين بذلك عندما يحتمون بمنظمات حقوقية غربية.

ولأن طبيعة أنظمة الحكم العربية متشبثة بالحكم و لا يمكن تغييرها دفعة واحدة، فعملية التسرع و اللهفة لتحقيق حلم الديمقراطية ، تؤدي على الفور إلي إحداث فوضى أمنية و أعمال عنف، وذلك فعلاً ما حصل في كل من العراق وسوريا و مصر و اليمن و ليبيا بسبب إتباع الأسلوب الثوري المباشر ضد أنظمة الحكم ، مما أشعل نيران الفوضى الأمنية و الحرب الأهلية بسبب عدم ملائمة هذا الأسلوب في الثورة لطبيعة البلدان العربية، ولعدم استعداد أصلا العقلية العربية لتطبيق منهج الديمقراطية الثائرة، فكان من الأجدر أن يتم ضخ العملية الديمقراطية على عدة دفعات و إتباع أسلوب الإصلاح السياسي الذي يمهد للتغيير الديمقراطي الكلي بدون خسائر بشرية أو مادية.

إن حال بعض الدول العربية يكاد يشبه حال المريض الذي يحتاج أولاً لجس نبضه و قياس ضغطه و فحص عينة من دمه، و من ثم يتم علاجه بأدوية مناسبة لحالته الصحية مع تقديم دعم نفسي له لكي يتماثل للشفاء بشكل كامل.

لكن ما حصل في بعض الدول العربية تحت ما يسمى بالربيع العربي ، هو أنه تم القيام بشكل فوري بعملية جراحية خطيرة ، قبل تشخيص طبيعة المرض وقبل البدء بالعلاج بالأدوية الممهدة للعملية ، فلقد تم اتخاذ قرار إجراء العملية الجراحية بسبب لهفة المعارضين و الثوار للتغيير و بسبب جهل الدول الغربية بطبيعة العرب، حيث رحبت بعض الدول الغربية و احتفت بهؤلاء المعارضين من أجل تغيير الحكم بأي طريقة دون عمل تقييم ودراسة للنتائج و الآثار المترتبة عن تلك الثورات ، ودون وضع خطة واضحة لمرحلة ما بعد الثورات، فعمت الفوضى والتهبت جراح الوطن العربي قبل التماثل للشفاء .

إن التغيير لا يحدث مرة واحده بل هو خطوات صغيرة تؤدي إلي الوصول لتغيير كبير يتم نتيجة استخدام أسلوب التوعية السلمية لكل من المواطنين و المسئولين حول الشفافية و سيادة القانون وحقوق الإنسان و محاربة الفساد.

ولكي ينجح السياسي في تفعيل العملية الديمقراطية، عليه أن يبدأ أولا بالمطالبة لتفعيل سلطة القانون عن طريق استخدام أدوات المجتمع المدني من أجل ضمان توفير قناة اتصال مدنية لإيصال صوته للمسئولين، فعلى سبيل المثال ، عندما يتم التركيز على خلق قوانين تحمي حقوق الإنسان و تحمي حرية الرأي سيكون ذلك أكثر فعالية من رمي زجاجة حارقة على سيارات الشرطة للتعبير عن الغضب الشعبي .

وعندما يتم عقد ورشة عمل باستضافة المسئولين لمناقشة كيفية حماية المواطن من ظلم وفساد المسئولين، سيكون أفضل بكثير من استخدام ألفاظ نابية ضد المسئولين ونشر تعليقات ساخرة عبر صفحات الفيسبوك.

وعندما يتم تقديم رسالة شكوى رسمية للنائب العام للإبلاغ عن فساد مسئول معين سيكون أكثر فعالية وعمليا من نشر فيديوهات فاضحة ووثائق مسربه عن فساد المسئولين دون اتخاذ إجراءات قانونية رسمية للإبلاغ عن الفساد.

للأسف ، إن معظم المعارضون السياسيون في عالمنا العربي يفضلون البكاء على الأطلال و السخرية و الصراخ للتعبير عن معاناتهم عبر كتابة شكواهم على جدران مواقع افتراضية قد تكون مراقبة من قبل أجهزة استخبارات دولية، دون أن يتخذوا أية خطوات عملية توثق الانتهاكات ضد حقوقهم وحقوق المواطنين ، فيضحون بمستقبلهم ، وربما يتم القضاء على حياتهم، لأنهم يعتبرون أن التضحية بالحياة هي أسمى أنواع النضال، و لكن هل التضحية جلبت لهم الديمقراطية ومزيد من حقوق الإنسان في عالمهم القاسي و الموحش؟

إن الديمقراطية ليست مجرد مظاهرة أو تصريح على الفيسبوك أو شتيمة ضد مسئول أو سخرية من حاكم، إن الديمقراطية هي القدرة على خلق قانون يحمي المواطن و يحد من سلطة الحاكم للتحكم بحياة المواطنين.

الديمقراطية هي أن تخلق وعي شعبي حول الحقوق و الواجبات ليصبح أفراد الشعب مواطنين صالحين و أسوياء و ليس مجرد وحوش هائجة في إطار ثورة جياع.

الديمقراطية هي أن يتم تفعيل المسائلة الاجتماعية للمسئولين والمواطنين، فتطبيق القانون هو من سيحمي الديمقراطية و الشعب و ليس لسانك السليط أو جسدك النحيل سوف ينقذ الشعب.

نحن بالقرن الواحد وعشرين، ولابد من استخدام أدوات ذكية وحضارية تحمينا من أن نكون ضحايا للديمقراطية السطحية، فمن لا يستطيع أن يحمي نفسه لا يستطيع أن يحمي شعبه أو أن ينشر مبادئ الديمقراطية.
لذا لابد من إتباع إجراءات السلامة و الحماية عند ممارسة أي نشاط سياسي، وعدم الاستهتار بالحياة الشخصية و بحياة الآخرون حتى لو كانوا أعدائنا.

الديمقراطية لن تأتي مرة واحدة، بل يجب أن تمر بعملية تحول اجتماعي و سياسي و أمني و بمراحل معينه حتى يتشكل عند الشعب و الحكام نضج ووعي سياسي كافي بأهمية الديمقراطية لنهضة و تطور مجتمعاتهم.
و أخيرا أقول هنا: “فاقد الشيء لا يعطيه”، فمن لا يمتلك قرار نفسه و يخضع لغسيل مخ حزبي أو أيدلوجي، لا يمتلك أن يقرر عن شعبه ومستقبل بلده.

اسرائيل و الحب المستحيل

في أي دولة عادية، عندما يرغب رجل بالزواج من امرأة تحمل نفس جنسيته و لكنها تقطن في مدينة أخرى ضمن حدود نفس الدولة ، لا يتجاوز الأمر مدة ساعة بالقطار، و يذهب إليها أو تأتي إليه، ويتم عقد القران بكل بساطه دون أي حواجز أو عوائق للسفر سوى ربما ثمن تذكرة الحافلة أو القطار ، فالزواج من نفس الجنسية أمر مفروغ منه في كافة دول العالم ، و لا يوجد محاذير أو شروط أو مشاكل قانونية تعيق هذا النوع من الزواج ، وهو موضوع لا يتم مناقشته أبدا بتلك الدول، لأنه حق طبيعي لأي مواطن أو مواطنة بالتنقل و السفر و الحركة بحرية في كافة أنحاء الوطن.
لكن بالنظر للمواطنين الفلسطينيين المتواجدين في كل من قطاع غزة و الضفة الغربية ، فالموضوع أشبه بالمستحيل، عندما يريد مواطن من الضفة الغربية أن يرتبط بمواطنة من غزة أو عندما ترغب مواطنة من الضفة الغربية أن تتزوج من مواطن بقطاع غزة ، مما جعل الفلسطينيون بالضفة الغربية ينصحون أبنائهم و بناتهم أحياناً ، بعدم التعلق أو الوقوع في الحب مع أشخاص يسكنون في قطاع غزة ، لأن ذلك هو الحب المستحيل !
و ذلك بسبب القوانين الأمنية للاحتلال الإسرائيلي التي تمنع الفلسطينيين من شقي الوطن بالحصول على تصريح تنقل للزواج أو وثيقة للم الشمل تجمعهم للعيش تحت سقف واحد ، وذلك بغض النظر عن بعض الحالات الخاصة التي ربما سُمح لها من قبل، بالحصول على أوراق ما يسمى “لم الشمل” بعد عدة سنوات من المعاناة في أروقة مؤسسات حقوق الإنسان و محافل المحاكم الإسرائيلية.
إن الغريب بالأمر، في موضوع عدم سماح إسرائيل لمواطني قطاع غزة للتنقل إلي الضفة الغربية من أجل الزواج بمواطني الضفة الغربية أو العكس ، هو أن معظم القادة الإسرائيليون السياسيون و العسكريون يصرحون دائما ، أن إسرائيل تؤمن بحل الدولتين و أن إسرائيل لا تريد حكم كل من الضفة الغربية وقطاع غزة و أن احتلالها للضفة الغربية هو مجرد مرحلة مؤقتة لحين توفر شريك فلسطيني مناسب لها و مستعد للسلام للنهائي معها حسب معايير الأمن الإسرائيلية ، الأمر الذي يجعلنا نطرح هنا بعض الأسئلة التعجبية و هي:
– طالما لا يوجد نية لإسرائيل لاستمرار سيطرتها على الضفة الغربية و قطاع غزة ، فلماذا مازالت تتحكم إسرائيل بمصير سكان هاتين المنطقيتين حتى الآن؟
– ما هو الخطر الأمني الذي سيهدد إسرائيل في حال تزوج محبين اثنين من الضفة الغربية و قطاع غزة، و اختارا العيش إما بالضفة الغربية أو قطاع غزة ؟
– ولماذا تتدخل إسرائيل في الزواج المختلط بين سكان الضفة الغربية و قطاع غزة ، ماداموا هم مواطنون فلسطينيون، و سوف يعيشون تحت مظلة القوانين الفلسطينية و في كنف السلطة الفلسطينية ؟
– هل تخشى إسرائيل على طبيعة التغيير الديمغرافي بالضفة الغربية في حين حصل نسب مشترك بين أهل الضفة الغربية و أهل غزة ؟ ماذا يهم ذلك الإسرائيليون إذا كانوا بالفعل لا يكترثون بحكم الضفة الغربية للأبد ؟
– هل إسرائيل قلقة على طبيعة الجينات الخاصة بسكان الضفة الغربية في حال تزاوجوا مع سكان قطاع غزة ؟ أم أن الموضوع هو مجرد عقاب جماعي ضد سكان القطاع و سكان الضفة الغربية و مجرد مزاج شخصي لرجل الأمن الإسرائيلي الذي يتحكم بعواطف الفلسطينيين و يُنصب نفسه قاضيا على قلوب الفلسطينيين، فيسمح تارة لمحبين بالزواج و يمنع تارة أخرى زوجين آخرين بعدم الالتقاء و الزواج؟
إن استمرار المنع الإسرائيلي للفلسطينيين للزواج ضمن حدود جغرافية معينة ، لا يوجد له أي مبرر إنساني أو قانوني أو حتى أمني ، سوى حب السيطرة و التحكم بمصائر البشر!
فهؤلاء المحبون، عندما يحصلون على لم الشمل وتصريح المرور، سوف تسري عليهم كافة القوانين الفلسطينية مثلهم مثل أي مواطن عادي يعيش في الأراضي الفلسطينية ، و ليس لذلك أي تأثير على أمن إسرائيل، لأنهم سيعيشون ضمن المناطق الجغرافية التي تتحكم بها السلطة الفلسطينية ، لذا فقد حان الوقت لسلطات الاحتلال الإسرائيلي أن توقف سياسة منع الشمل و إجراءات التفرقة بين الفلسطينيين حسب مكانهم الجغرافي و عليها أن تلغي قوانينها العقابية ضد الشعب الفلسطيني بحجة المحافظة على أمن إسرائيل ، فكيف لإسرائيل أن تُسوق لنفسها أمام العالم ، بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط و أنها مناصرة لحقوق الإنسان حسب تصريحات قيادتها ، وفي نفس الوقت تناقض نفسها بنفسها و تقبل أن تكون بمثابة حاجز فصل عاطفي عنصري بين الفلسطينيين أنفسهم ؟
لماذا تحرم إسرائيل الفلسطينيين من أبسط حق إنساني لهم، وهو الحق بالحب و الزواج بالأشخاص الذين يرغبون بهم، وذلك تحت ذريعة أوهام أمنية وقوانين إسرائيلية قديمه عفا عنها الزمن، وقد حان الوقت لكي  تتخلى إسرائيل عنها للأبد و أن تتخلى أيضاً عن احتلالها ليس فقط للأراضي الفلسطينية بل لمشاعر الفلسطينيين الممزقة اللذين يشعرون بالألم و المعاناة بسبب حرمانهم من الحرية و منعهم من التمتع بأبسط حق في الحياة ، حق التنقل و الزواج بمن يحبون.
و أخيرا، أقول هنا و بصوت مرتفع : في عيد الحب و بأمر الحب ، فليُغرم الجميع و ليتزوج الجميع !
فهل نصبت إسرائيل نفسها أيضاً حاكماً عسكرياً على قلوب الفلسطينيين؟

السياسة ليست لعبة قذرة !

كثيرا ما يتردد على مسامعنا في العالم العربي، عبارات تحذيرية تُوجه لأي أحد قد يفكر بأن يخوض عالم السياسة أو يمتهنها ، حيث على سبيل المثال، عندما يُقرر شخص ما ، سواء كان هذا الشخص في مقتبل حياته المهنية أو يمر بمرحلة عمرية متقدمة و أراد أن يكون ناشطاً سياسياً، أو أعرب عن نيته بالانخراط بالعمل السياسي ، كثيراً ما يسمع هذا الشخص سواء كان رجل أو امرأة ، النصيحة الشائعة التي هي “لا تدخل في عالم السياسة ، فالسياسة لعبة قذرة ! ابتعد عنها “

نعم لقد تم تربيتنا كعرب، بأن السياسة هي لعبة خطرة و تسودها الكثير من المؤامرات بين الخصوم أو حتى الحلفاء، و هي لا تصلح للناس الشرفاء لأنها تعتبر بمثابة وحل كبير و من تطأ قدميه هذا الوحل ، لا يستطيع الخروج منه، إلا بعد أن يتلطخ بطين المستنقع أو حتى يصيبه بعض رشقات خفيفة من المياه العكرة التي قد تسيء لسمعته الشخصية.

فنادراً بعالمنا العربي، ما نسمع أن سياسي ما ، قد احتل منصب سياسي رفيع المستوى لم تناله ألسنة الناس، أو انتشرت حوله بعض الشائعات التي تنهش في سيرته الذاتية و التي ربما تكون حقيقية أو مجرد شائعات كاذبة و مغرضة.

و لا أحد يستطيع أن ينكر أيضاً، أن السينما العربية قد روجت لتلك الصورة السلبية للطامحين بتقلد مناصب سياسية كبيرة ، حيث دائما ما كنا نرى في بعض مشاهد الأفلام العربية، مقاطع تمثيلية لفنانين يؤدون أدوار لسياسيين يركبون السيارات الفارهة ويحيطهم حرسهم الشخصي و يقضون الليالي الملاح في الفنادق السياحية الفخمة على أنغام مطربات فاتنات مع متابعة لوصلات فنية من الرقص الشرقي في قاعة مليئة بطاولات مُقدم عليها كافة أنواع الخمور والملذات.

وتُصور أيضا تلك الأفلام، مشاهد تمثيلية لفساد بعض أعضاء الأجهزة الأمنية ومدى سوء استغلالهم للنساء من أجل الضغط على المعارضين السياسيين و ابتزازهم، لكي يتخلوا عن معارضتهم للنظام الحاكم ، مما يُرسل إلي عقل المشاهد العربي رسالة واحدة مبطنة مفادها:

“لا تجرأ أيها المواطن على التفكير بالسياسة ، لأنها سوف تهدد حياتك و تلطخ شرفك ، هي لعبة قذرة ، مليئة بأشخاص فاسدين و لن يقبلوك بمملكتهم الغامضة المزدحمة ، المحاطة بسلطة المال و السلاح والجنس ، فلا تجرأ أن تفكر بالسياسة و إلا ستصبح قذراً! “

للأسف تلك هي الصورة السيئة التي عززتها السينما العربية في عقول الشباب العربي بشكل خاص، وفي نفوس كافة شرائح المجتمع العربي بأعماره المختلفة بشكل عام.

إنها صورة مرعبة رنانة و ذات منحنيات تموجية حادة ، تبرق باللون الأحمر، لون الخطر ! كإنذار تحذيري يطن داخل العقل الباطني للمواطنين العرب ، حيث أن معظم المصطلحات السياسية ترتبط ذهنياً في عقل العربي، بكلمات سلبية مثل القتل و هتك الشرف و الفساد و الكذب و الخديعة و الظلم و السلاح و الدم و التعذيب و الاعتقال و الانتقام و المؤامرة و غيرها من الكلمات الصاعقة التي يخشى أي شخص أن يتم تهديده أو اتهامه بها.

ولكي نكون واقعيين، نحن بالفعل لا نعيش في عالم مثالي ، وقد تصيب في كثير من الأحيان النظرة السلبية لبعض الأفلام العربية و قد تصيب أيضاً اعتقادات عدد كبير من المنخرطين بعالم السياسية، حول أن السياسة غير نظيفة و منغمسة بالفساد الأخلاقي و المادي ، لأن هذه الصورة السوداوية لعالم السياسة في الوطن العربي هي بالفعل لم تأت من فراغ ، حيث مازال هناك انتهاكات كبيرة في مجال حقوق الإنسان و مازال هناك عدد كبير من الفاسدين الذين احترفوا السياسة في عالمنا العربي وتقلدوا المناصب الكبيرة.

لكن إن حدثت هذه الأشياء السيئة في المجال السياسي بشكل بارز بعالمنا العربي، لدرجة أن المواطن العربي، أصبح يخشى أن يعبر عن رأيه السياسي بحرية خوفاً من سياسة القمع وتكميم الأفواه و التهديد بانتهاك شرفه أو اعتقاله أو حتى اغتياله ، فلابد هنا من القول ، أن السياسة انحدرت لتلك المستويات الدنيئة ليس فقط بسبب الفاسدين المخترقين للحياة السياسية، بل بسبب الشرفاء أيضاً، الذين استسلموا بسرعة و انسحبوا بصمت من عالم السياسة، إما تجنباً للمشاكل أو خشيةً على أمنهم الشخصي و حياتهم الأسرية.

فالسياسة في الدول المتقدمة، ليست حرب ووعيد و وتهديد و انتهاك لحقوق الإنسان ، السياسة هي طريقة لحل المشكلات و الأزمات التي تتعرض لها البلاد، لكن بطريقة إبداعية وذكية ، تحمي أمن وحقوق المواطنين، و تحقق النمو و الرخاء للشعب ، إنها ببساطة فن الممكن و اللا مستحيل.هذه هي السياسة التي نحتاج إلي ممارستها كعرب دون خوف أو تهديد.

لذا أكرر هنا أن السياسة ليست لعبة قذرة كما يظن معظم الناس، بل هي أفضل وسيلة يستطيع الحكام و القادة توظيفها من أجل مصلحة الشعوب، و لكنها تعتمد على من هم هؤلاء القادة الذين سيستعملون تلك الوسيلة الإنسانية ؟

فتصوروا مثلاً ، لو امتهن السياسة تاجر سلاح ، كيف ستكون نظرته للسياسة؟

بالطبع ستكون السياسة بالنسبة إليه ، عبارة عن صفقات للأسلحة الرابحة بين الدول الغارقة بالحروب و الصراعات الدموية، و سوف يستغل منصبه السياسي لتحقيق ثروات هائلة في عالم الأسلحة المشروعة أو حتى المحرمة دولياً ، ولن يهمه حينذاك عدد القتلى و المصابين من المدنيين، فهم بالنسبة إليه مجرد أرقام!

لكن تصوروا، لو امتهن السياسة خبير في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان ، كيف ستكون نظرته للسياسة ؟

بالطبع سوف يخشى هذا الخبير على سمعته، بأنه رجل ينتهك حقوق المواطنين وسوف يقوم بتشجيع حرية الرأي و دعم مؤسسات المجتمع المدني ، و سيحرص على الالتزام بالمعاهدات الدولية و القوانين و الدستور الوطني من أجل حماية حياة المدنيين ، لأنه يؤمن بالإنسانية و الحق المقدس بالحياة ويرى أن الشعب لديه السلطة الأولى و الأخيرة.

وتصوروا أيضاً، لو امتهن السياسة رجل أعمال فاسد محاط بالغانيات، و همه الأكبر أن يحقق أرباح مالية بكافة الوسائل المشروعة و الغير مشروعه ، فكيف ستكون نظرته للسياسة ؟

بالطبع سوف يستغل النساء من أجل التأثير و الضغط على الخصوم، وسوف يقدم الرشاوى لكي يجلب الحلفاء، و لن يكترث إذا ما وظف مال الشعب لمصلحته السياسية الخاصة ، فثروات البلاد و أموال الشعب سوف تكون بالنسبة إليه ملكية شخصية ، والشعب هم مجرد رعاع يتوسلون إليه من أجل أن يتكرم عليهم بمنحة أو صدقة ما.

لكن تصوروا لو امتهن السياسة رجل شرطة نزيه ، قضى حياته وهو يحقق في ملفات الفساد ويلاحق المجرمين، كيف ستكون نظرته للسياسة ؟

بالطبع سوف يلتزم هذا الشرطي بالقانون و سيعتبر أموال الشعب أمانه عنده ، وسيحترم القضاء و لن يتردد بتسجيل أي مورد مالي يأتي للشعب بسجلات الدولة أو يتخاذل في محاسبة الفاسدين ، حيث سيعتبر هذا الشرطي ، أن لا أحد يجب أن يعلو صوته فوق صوت القانون.

إذن نستنتج من تلك التصورات السابقة ، أن السياسة هي سلاح ذو حدين ، يمكن أن تكون قذرة إذا استخدمها الفاسدون و القتلة و يمكن أن تكون نظيفة إذا استخدمها الصالحون و النزهاء.

وما نحتاجه بعالمنا العربي، أن يتجرأ هؤلاء الصالحون و النزهاء بالخوض بعالم السياسة، وأن لا يترددوا بإعلاء كلمة الحق، ومحاربة الفساد و لكن بطريقة حكيمة و سلمية، وتخلو من كافة أنواع العنف و التحريض و التشهير بأشخاص ومؤسسات و شركات و تنظيمات سياسية دون وجود أدلة و إثباتات مادية ، حيث تلك هي الأخطاء القاتلة التي تقضي على صاحبها و التي يقع بها بعض الوطنيين المتحمسين للتعبير عن مشاعرهم الوطنية ورغبتهم بمحاربة الفساد بأي وسيلة دون وجود أدلة و جهات تدعم قضيتهم!

و لابد من الإشارة ، أنه طالما كان هناك استخدام لأي شكل من أشكال العنف و التحريض، من قبل هؤلاء الأفراد الذين ينشدون التغيير و الإصلاح ، تحت شعار الديمقراطية و حرية التعبير، فعلى هؤلاء الناشطون السياسيون أن يعوا جيدًا ، أن جهودهم السياسية، سوف تبؤ بالفشل و ستعود عليهم بمزيد من اليأس و الإحباط ، فالسياسة هي فن الإقناع و التغيير بأقل الخسائر الممكنة ، و التضحية بالنفس بسبب اعتقادات و أفكار غير مدعومة بأدلة و حلفاء، تعتبر من أهم أسباب فشل السياسيون و عدم تأثيرهم على سياسات حكومتهم أو مشاركتهم في عملية الإصلاح السياسي التي يجب أن تتم بالتدريج وعلى دفعات تمهيدية.

فالسياسة ليست مجرد أن تتظاهر بالشارع بشكل عشوائي و تلعن الحكام أو تدعوا لاستخدام العنف و الانتقام ….

السياسة هي تكتيكات ذكية و عمل دبلوماسي دءوب و إجراءات شفافة و أنشطة سلمية من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، بشكل قانوني و حضاري و بأقل الخسائر المادية و البشرية الممكنة في سبيل مصلحة المواطنين.

السياسة بكل بساطة ليست لعبة قذرة، بل هي حياة و مصير لشعوب بأكملها ..

رأس العبد!

إنها حلوى الكريمة المخفوقه ، المكسوة بغطاء من الشوكولاته اللامعة و المرتكزة على قطعة دائرية من البسكويت الهش ، يُقبل عليها الأطفال العرب و يتهافتون لشرائها من أقرب دكان صغير بجوار مدرستهم، حيث يبتسم لهم البائع ويقول لهم لقد اكتفينا من بيع هذه الحلوى فنحن في أول أيام الربيع و حلوى ” رأس العبد” تباع فقط في فصل الشتاء بدلاً من البوظة .
و تباع حلوى “رأس العبد” في عدة بلدان عربية مثل لبنان و الأردن و فلسطين ، ويعود أصل الحلوى إلي الدنمارك التي كانت تصنع تلك الحلوى قبل 200 عام ، أما الآن فتلك الحلوى تنتشر وتباع في البلدان العربية تحت مسمى عنصري ووحشي و هو “رأس العبد” حيث تم تشبيه هذه الحلوى برأس الإنسان الأسود اللون الذي تم إهانته أيضا و تلقيبه بأنه عبد في عصر من المفترض أن تكون العبودية قد انتهت إلي الأبد .
فتصوروا أن أطفال إفريقيا السوداء يأكلون كل يوم رؤوس العرب عن طريق حلوى تسمى “رأس العربي” فكيف سيكون عندئذ شعور العرب ؟
ولكن للأسف ، مازال العرب يتعاملون بكل برود و لا مبالاة مع أي مصطلح عنصري ضد أي إنسان أصله إفريقي أو أسود اللون، حيث يعتبر العرب أن ذوي البشرة السوداء ما هم سوى عبيد وخدم عند أثرياء العرب و هم يستحقون أن يتم سحقهم كقطعة الشوكولاته.
و أعتقد هنا أنه بمجرد القبول بتسمية حلوى لذيذة يقبل عليها الأطفال باسم مقتبس من قاطعي الرؤوس و أكلي لحوم البشر ، ما هو إلا تصرف عنصري و عليه يجب أن يقوم العرب بشكل عام و الفلسطينيين بوجه الخصوص ، بتغيير اسم الحلوى في الحال، لأن اسم تلك الحلوى يروج للإرهاب و العنصرية و لجماعات أكلي لحوم البشر الغير طبيعية و المنتشرة في أماكن مجهولة بالعالم .
وبالرغم من قلة وعي العرب في مجال استخدام مصطلحات عنصرية إلا و أنه قد انتبه إلي التسمية الخاطئة لتلك الحلوى بعض أصحاب المصانع الغذائية الواعية في الدول العربية ، والتي تتحمل المسئولية الاجتماعية ، مثل شركة غندور في لبنان التي قامت بتغيير اسم الحلوى من ” رأس العبد” إلي حلوى “طربوش غندور ” ومصنع زيدان بالأردن الذي قام أيضا بتغيير اسم الحلوى العنصري إلي ” حلوى سامبو”.
ومن الجدير بالذكر أن العرب منذ القدم اعتادوا على تسمية الأشخاص الذين يتم جلبهم من إفريقيا للعمل في مجال الخدمة ب “العبيد” ، حيث كان يتم تسخير الأفارقة من أجل خدمة العرب و القيام بالأعمال الشاقة التي يتعفف العربي عن القيام بها ، و بقيت تسمية الأفارقة بهذه التسمية العنصرية حتى عصرنا هذا، فمازال العربي عندما يريد أن يسخر من أي شخص ذو بشرة سوداء يقوم بتلقيبه ب “العبد” ومازال العربي يتعامل مع الإفريقي بتكبر شديد.
و قد انعكست ربما تلك العنصرية الشديدة من قبل العرب تجاه الأفارقة حول موضوع مدى انجذاب بعض الشباب الإفريقي لأعمال العنف و انضمامه لبعض التنظيمات الإرهابية العالمية من أجل التعبير عن غضب عارم و سخط كبير تجاه بعض العرب و الغربيين الذين كانوا يعاملون الجيل القديم في إفريقيا بعنصرية و يستغلونهم في تجارة الرقيق الأسود التي مازالت تلك التجارة منتشرة للأسف بشكل سري في بعض الدول العربية.
و أعتقد هنا أن جماعات افريقية مثل جماعة “بوكو حرام ” ، قد ظهرت في إفريقيا نتيجة تلك العنصرية التي تعاني منها إفريقيا، حيث يتم استغلال نساء وفتيات القارة السوداء في عمليات تجارة البشر من قبل بعض منظمات الجريمة الدولية ، مما أدى إلي سخط بعض الجماعات الشبابية الإفريقية و اعتبارهم أن كل شيء يأتي من البيض بشكل عام ومن الغرب بشكل خاص ما هو إلا محاولة لتحرير المرأة الإفريقية من أجل استغلالها كعبده عند العرب أو عند الغربيين ، لذا فهم اعتقدوا أنه بمنعهم الفتيات من التعليم سوف يقومون بذلك بحماية شرف النساء الإفريقيات.
و أخيرا يمكننا القول ، أنه لابد من أن يتم مراجعة الكثير من المصطلحات اللغوية التي نطلقها على عدة أشياء في حياتنا و التي تعتبر في كثير من الأحيان مصطلحات عنصرية نستخدمها تلقائيا دون أن ندرك أننا نسبب بذلك أذى نفسي كبير في نفوس وعقول أناس يعيشون معنا في بلادنا كمواطنين، لكننا بتعاملنا العنصري معهم نجعلهم يشعرون بأنهم أقليات مضطهدة ومواطنين من الدرجة الثانية ، دون أن ندرك أن تشبيه الطعام برؤوس البشر ما هو إلا ترويج لعمل شيطاني إرهابي، فبكل بساطه إنها حلوى الكريمة المخفوقة المكسوة بالشوكولاته و ليست رأس لأي إفريقي.

لا لعبادة الأصنام !

يتميز الإنسان منذ عدة عصور زمنية ببحثه المستمر عن الأمن و الحماية و الراحة النفسية ، فالنفس البشرية منذ الأزل وهي تبحث عن ارتباط ما مع الخالق أو الطبيعة أو أي إنسان أخر قد يمدها بشعور من الطمأنينة و الإحساس بالأمان ، فقبل بداية عصر الديانات السماوية الثلاثة صنع البشر لأنفسهم أصناما تجسد أشكالهم الآدمية من أجل عباداتها حيث رأوا أن هذه الأصنام هي الآلهة التي سوف توفر لهم الحماية و الأمان و سوف تساعدهم على تحدي الصعاب و حل جميع مشاكلهم اليومية وذلك فقط بمجرد الإخلاص لها وتقديم القرابين و التودد لتلك الأصنام في كافة المناسبات.

لكن مع بدء عهد الديانات السماوية ، ظهرت ثورة دينية في شبه الجزيرة العربية و في بقاع أخرى من العالم ، وبدأ الرسل و الأنبياء يبشرون الناس بأن هناك اله واحد هو من يستحق العبادة و أن الأصنام التي صنعوها بأيدهم لن تجديهم نفعا و لن تحميهم و لن تساعدهم أبدا ، فهذه الأصنام ممكن أن تتحطم في أي لحظه و تتحطم معهم جميع أحلامهم و أمالهم، فالخلاصة التي دعت إليها الديانات السماوية الثلاثة بكل بساطه تتلخص في عبارة نفي واحدة وهي
” لا لعبادة الأصنام”

ولكن في عصرنا الحديث هذا و في عالمنا العربي مازال هناك أناس متأثرون بفكرة و ثقافة عبادة و تقديس الأصنام التي يصنعوها بأيديهم ، لكن تلك المرة طبيعة الأصنام التي يعبدوها تختلف تماما عن الأصنام الوثنية القديمة ، ففي القدم كانت الأصنام تصنع من الطين و الحجارة و الخشب أما في عصرنا هذا و في القرن الواحد العشرين فنحن نصنع أصنامنا من البشر أنفسهم وعندما تنهار وتتحطم تلك الأصنام البشرية تتحطم معها أحلامنا و أمالنا و نشعر حينذاك بأننا خسرنا مصدر الحماية و الأمان لنا سواء في حياتنا الشخصية أو العملية.

للأسف يقع كثير من أفراد الشعوب العربية في فخ عبادة أصنام بشرية صنعوها بأيديهم و ذلك عن طريق تقديسهم لشخصيات عامة بشكل مبالغ فيه مثل على سبيل المثال أن يقدسوا قائد أو زعيم سياسي ما ، حيث يقومون بتعليق كل أمالهم و أحلامهم على هذا القائد وينسوا أن هذا القائد ما هو إلا إنسان عادي قد يخطئ و قد يصيب ، قد يخطط لهم لمستقبل جيد أو قد يقودهم إلي الانهيار ، و قد يكون ممثل بارع ذو كاريزما معينه و يستطيع أن يجذبهم بشكل مزيف و يبشرهم دائما بالنصر و قد يكون إنسان صادق وواقعي لكنه غير جذاب ويناقشهم بصراحة عن احتمالية النصر أو الهزيمة ، فالمواطن العربي بطبيعته عاطفي و يحكم على قائده بمدى الكاريزما السياسية التي يتحلى بها هذا القائد بدون عمل أي تحليل أو نقد منطقي لطبيعة الخطاب السياسي الذي يلقيه هذا القائد أمام المواطن العادي.

و الكثير من المواطنين العرب قد يتناسون الطبيعة البشرية التي لا تستطيع الخلود للأبد لذا يستمر الكثير منهم وخاصة الشباب بتقديس شخصيات سياسية معينه ، يرتبطون بها و يعلقون مستقبلهم و مستقبل أمة بأكملها عليها وينسوا أن كل ما هو على هذه الأرض هو بكل بساطة فاني و أن التغيير هو الثابت الوحيد في هذه الحياة.

وقد تبلغ سذاجة بعض المواطنين العرب مستوى كبيرا ، عندما يدعون أن قائد معين يعتبر بالنسبة لهم بمثابة والدهم و أنهم من دونه هم لا شيء ، الأمر الذي يعزز الاعتمادية المباشرة على السلطة الأبوية الشرقية التي تفضل أن تحكم دون أن تسمح بمناقشة الأبناء أو الشعب بالقرارات التي يتخذها الأب الحاكم ، فتصبح سلطه هذا القائد كسلطة الأب الذي يجب أن يطيعوه جميع الأبناء بدون أي مناقشة أو مراجعة لقراراته حتى لو كانت خاطئة ، ويصبح المواطن الذي انتقد قرارات الأب الحاكم كالابن العاق الذي يجب أن يطرد من رحمة والده.

ومن المظاهر التي تدل أيضا على سذاجة بعض المواطنين العرب و المثقفين العرب عندما يقولون عبارة أنه “من ليس له كبير يجب أن يبحث عن كبير” وهذه العبارة تعود إلي الفكر القبلي حيث هناك شيخ كبير لقبيلة ما و هو من يحكم القبيلة بأكملها لوحده ، و تعتبر سلطته و أعرافه بمثابة قوانين إلزامية يجب على جميع أفراد القبيلة أن يحترموها و يطيعوها دون أية مراجعة أو مناقشة لها ، وهنا تتلاشى ماهية الدولة المدنية ودستورها وقوانينها التشريعية التي يجب أن تكون كمرجع موحد لكافة المواطنين ، بحيث يتساوى الجميع أمام قوانين الدولة و لا يخضعون للسلطة المزاجية للحاكم ، فالدستور و القانون يجب أن يكونا هما الفيصل الوحيد و رأس الدولة الذي يجب أن يمتثل أمامهما الجميع بدءا من المواطن العادي وصولا إلي الحاكم أو القائد الأعلى للدولة .

إنها بالفعل أصنام بشرية صنعناها بأيدينا وقدسناه لحد العبادة ، إنها أصنام صنعنها لدرجة أننا عندما نواجه مشكلة صغيرة بحياتنا اليومية نتهرب من مسئولية مواجهتها و نتهرب من التحديات التي تعترضنا فنهرع إلي لوم الآلهة البشرية التي نعبدها و نناشدها في كل مرة لتنقذنا و ننسى أو نتناسى أننا نتحمل المسئولية الكبرى عن حياتنا و قراراتنا و مستقبلنا وحتى قدرنا.

إننا نتجاهل أيضا أن هذه الأصنام الآدمية ما هي إلا بشر مثلنا لا تملك أن تقدم لنا الحل السحري لمشاكلنا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، إنهم بشر عاديون كانوا أيضا يعبدون أصنام بشرية أخرى مثل بعضنا و قد تحطمت أيضا أصنامهم عبر الزمن .

لذا يجب علينا كشعوب عربية واعية بدلا من أن نصنع أصنام بشرية ، أن نقوم بالعمل على المطالبة بتطوير مزيد من القوانين المدنية التي يجب أن تحافظ و تحمي حقوقنا الأساسية و يجب علينا كمثقفين عرب أن ندعو إلي تعزيز سلطة الدستور و القانون و أن لا نقدس سوا الخالق و أن نبتعد عن تقديس البشر مهما كانت سلطتهم ، فلا خلود لإنسان على وجه الأرض، فالبشر زائلون و الوطن هو الباقي!

أخلاق الحروب و النزاعات

بما أن حياتنا كعرب مليئة بأحداث عنف و تقلبات سياسية متعددة منذ القدم ، وبما أننا نعيش دوماً في شرق أوسط هائج و متقلب يتسم بكثرة الصراعات الداخلية و الخارجية ، حيث عانت ومازالت تعاني بعض الشعوب العربية من ويلات الاستعمار الأجنبي و النزاع الطائفي و الحروب الأهلية ، ومازال هناك حتى تلك اللحظه شعب عربي يناضل من أجل نيل الحرية و الاستقلال كالشعب الفلسطيني الذي يخضع للاحتلال الإسرائيلي ومازال يعاني من كوارث الحروب و النزاعات.

فلماذا إذن نتحدث عن أخلاقيات السلام و الحرية و العدل ، وتلك المبادئ المثالية البعيدة كل البعد عن حياتنا الواقعية التي نعاصرها يوما بيوم وساعة تلو الأخرى ..

فبكل بساطه فاقد الشيء لا يعطيه !

ربما علينا أولاً أن نتأقلم كشعوب مع حياة الحرب و الصراع و الأزمات المتتالية ، وربما علينا أن نتبنى ثقافة محاولة البقاء و النجاة في أصعب و أحلك الظروف حتى لا ننقرض في المستقبل أو نتحول إلي مجرد أرقام و احصائيات في تقارير المستشفيات و سجلات الوفيات.

ولكي نستطيع العيش في تلك الظروف و الأوضاع الخطرة ، فلابد لنا أن نطالب سوياً كشعوب مدنية مسالمة بوضع معايير و أخلاقيات للحرب و النزاع الدائر في بلادنا ، حتى نستطيع أن ننقذ ما يمكن انقاذه أو حتى نستطيع أن نحمي أنفسنا و نحافظ على الحقوق الانسانية لضحايا الحروب و النزاعات ، لعلنا نقلل من الخسائر بقدر ما أمكن، أملين أن يأتي يوما مشرقاً جديداً ننعم به بالسلام و الأمن.

ربما تبدو الفكره غريبة و متشائمة نوعا ما ، لكنها واقعيه وتعبر عن حياتنا اليومية كشعوب تعاني من قسوة العنف و شدة الأزمات بكافة أشكالها ومراحلها.

إن الشيء الذي أتحدث عنه هنا ليس هو ما يسمى بإدارة الأزمة أو ادارة الطوارئ إنما هو المطالبة بوضع ميثاق شرف و أخلاقيات للمحاربين و المقاتلين من كل الأطراف ، وذلك طبقا للأخلاقيات العربية و الدينية و الدوليه و مبادئ حقوق الانسان.

و ربما يستغرب البعض و يتساءل هل يوجد أخلاق للحرب ، فالحرب معظمها شر و دمار وضد الإنسانيه !

فهل هناك حرب أخلاقية ؟ و كيف يكون لمسببات الموت و الهلاك أخلاق ؟ هل المحارب يستطيع أن يكون له قلب ؟ و هل يشعر بمأساة وألام الضحية ؟

وأجيب على تلك التساؤلات الفلسفية بأنه بالطبع ، لا يمكن تسمية أية أداة للقتل بأنها أخلاقية أو انسانية !
فالحرب لا تجلب لأهلها و أصحابها سوى الدمار و الهلاك مهما كان نوع النصر ، فلابد أن يكون هناك خسائر بشرية ومادية و معنوية.

لذلك لابد من فرض شروط وخطوط حمراء للمحاربين يجب أن لا يتم تجاوزها مهما كانت الظروف ويتم فرضها على أية جهة محاربة سواء كانت تلك الجهة تعتبر نفسها تحارب من أجل الدفاع عن النفس أو تحارب من أجل احتلال و استعمار بلاد أو تحارب من أجل انتقام أسود و شعور سادي لتشبع رغبتها بالسيطرة ، فلابد من أن يكون هناك التزامات ومسئوليات يتحملها المحاربين مهما كانت قوتهم و مبرراتهم للحرب.

وقد تكون الفئة الوحيدة التي يمكن أن تستفيد من ميثاق أخلاقيات الحرب هي فئة المدنيين وحدهم الذين لا حول لهم و لا قوة و الذين لا ينحازون لأي طرف كان في النزاع ، لكنهم مع الأسف يتحملون نتائج ومصائب تلك الصراعات بشكل عشوائي وظالم وهذا ما حدث بالفعل للكثير من المدنيين بالعالم بوجه عام و في الشرق الأوسط بشكل خاص هذا ما حدث عندما ……

عندما يتم محاصرة مخيم اليرموك في سوريا حيث يدفع اللاجئون الفلسطينيون كل يوم ثمن باهظ ويتم تجويعهم بسبب معركة هم ليسوا أصلاً طرفاً بها.
عندما تشن اسرائيل حروبها ضد الفلسطينيين وتشتعل الأوضاع في المنطقة فيسقط ضحايا مدنيين من كلا الطرفين حتى لو بنسب غير متعادلة.
عندما يتم قتل رجال ونساء و أطفال أبرياء في العراق عبر تفجيرات انتحارية و لا تدري الضحية لماذا قُتلت و أي ذنب اقترفت !
عندما تريد جماعه مجهولة في لبنان أن تنتقم من حزب الله فتفجر سيارة في منتصف شارع مزدحم يعج بالمدنيين الأبرياء.
عندما يتم حرق السفارات الأجنبية في ليبيا و يتم قتل دبلوماسي غربي بسبب فيلم هابط لا ذنب له فيه.
عندما يتم خطف الصحفيين و عمال الإغاثة الدوليين باليمن لمجرد أنهم يحملون جوازات سفر أجنبية.

إنهم دوماً المدنيون هم من يدفعون ثمن الحروب و النزاعات سواء عن طريق الصدفه أو الخطأ أو بسبب حظهم العاثر الذي جعلهم يتواجدون في التوقيت و المكان الغير مناسبين .

إنها طبيعة الحروب و النزاعات المتواجدة في منطقة الشرق الأوسط التي تهدد حياة المواطن العادي وتثير الذعر و الرعب في قلوب أطفاله ، فلقد أصبحنا نعيش في عالم عربي شرق أوسطي جديد مكتظ بالحروب والنزاعات التي تأخذ صفة الأشباح حيث لا نعرف ما هي هوية القاتل و لا المقتول ، هي حروب تتسم بعضها بأنها مجهولة الأهداف و الهوية !
فهل هي حروب على الإرهاب ، أم حروب من أجل تحرير وطن أم حروب من أجل تصفيات سياسية ومصالح ذاتية؟

لا أحد يستطيع أن يجيب على تلك التساؤلات الغامضة ، سوى مخططي الحروب و مسببي النزاع.

لذلك لابد لنا كمدنيين ومؤسسات مجتمع مدني و حقوقيين أن نعتمد سوياً سياسة محاسبة ومسائلة ومحاكمة مجرمي الحرب عن طريق استخدام الأدوات القانونية و الوسائل السلمية التي تطالب بحماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات وعلينا أيضاً العمل على مطالبة أطراف النزاع بتطبيق قواعد القانون الدولي ، كاتفاقيات جنيف الأربعة التي تتناول حماية حقوق الانسان الأساسية أثناء الحروب .

العدالة و حقوق الانسان في عالمنا العربي بين الواقع و التطبيق

ما إن و ضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها و انتصر الحلفاء على هتلر و النازية ، نبعت في ذلك الحين حاجة ملحة لحماية حقوق المدنيين أثناء السلم و الحرب بعد أن عانى الكثير من المدنيين في أنحاء العالم من انتهاكات خطيرة في مجال حقوقهم الأساسية و تعرض الكثير منهم لمحاولات التعذيب و الإبادة الجماعية و الهجرة القسرية من ديارهم.

فكان قصر “شايو” بباريس بمثابة مكان ميلاد ثلاثون مادة لحقوق الانسان تحت مظلة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1948 ، حيث صيغت تلك المواد عبر وثيقة دولية سُميت فيما بعد بالإعلان العالمي لحقوق الانسان التي تم اعتمادها من معظم أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، فقام بالتصويت في ذلك الوقت نحو 48 دولة لصالح تلك الوثيقة و امتنع عن التصويت نحو 8 دول تنتمي معظمها للاتحاد السوفيتي سابقاً.

إن عام 1948 كان مجرد بداية لحقبة زمنية جديدة في مجال نشأة ثقافة حقوق الانسان و مبادئ الديمقراطية والعدالة في البلدان الغربية حيث كان أبرز ما تناوله الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو التأكيد على أن أي انسان له الحق في الحرية والعيش بكرامه و الحق في الحياة و أن جميع الناس سواسية أمام القانون و يجب أن لا يتعرض أي انسان للتعذيب و لكل فرد له حرية التعبير عن الرأي و حرية التنقل في البلاد دون منع أو قيد .

أما بالنسبة للبلدان العربية ، فعلى الرغم من أن بعض الدول العربية وقعت على وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان و اعتمدت الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي تم توقيعه خلال القمة العربية السادسة عشرة في تونس خلال عام 2004 ، فقد استمرت الكثير من الشعوب العربية في المعاناة من انتهاكات خطيرة في مجال حقوق الانسان و كان هناك قصور لدى الحكومات العربية في تطبيق المبادئ الأساسية للميثاق العربي و للإعلان العالمي لحقوق الانسان التي كان أبسطها حرية الرأي و التعبير و الحق في الحياة بكرامة و المساواة أمام القضاء و القانون ، الأمر الذى أثار غضب الشعوب العربية وجعلهم ينتفضوا و يثوروا على أنظمة حكمهم الديكتاتورية التي كانت تتبع آنذاك سياسة القمع و تكميم الافواه ، لذلك كانت النتيجة الطبيعية لتلك السياسات التعسفية من قبل هذه الحكومات هو حدوث ثورات شعبية كبيرة بدأت منذ نهاية عام 2010 و أطلق عليها فيما بعد مُسمى “الربيع العربي” في كل من تونس و مصر و ليبيا و اليمن.

لذلك نستطيع القول أن عالمنا العربي في أشد الاحتياج لتطبيق مبادئ حقوق الانسان وغرس ثقافة احترام سيادة القانون و استقلال القضاء فبدون ذلك لا يمكن تأسيس مجتمع عربي ديمقراطي متقدم تسوده قيم العدالة و المساواة ، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هل تكتفي الدول العربية بالتوقيع على اتفاقيات عربية ودولية في مجال حقوق الانسان و العدالة ؟ أم أن هناك حاجة ضرورية لعمل اجراءات عملية تضمن تطبيق تلك الاتفاقيات بشكل فعال على أرض الواقع.

و لكي يتم ضمان تطبيق مبادئ حقوق الانسان و العدالة في عالمنا العربي لابد من المحافظة على استقلالية القضاء و تطبيق القانون على الجميع دون تمييز حيث أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الميثاق العربي لحقوق الانسان ينصان خصوصا على مبادئ المساواة أمام القانون وافتراض البراءة ، والحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة مستقلة ونزيهة مُشكلة وفقا للقانون، فيجب أن يتم اعطاء القاضي الحرية و الاستقلالية في عملية اتخاذ القرار بأي قضية تتعلق بحياة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم وواجباتهم وممتلكاتهم و ذلك بالاستناد على قوانين الدولة المعمول بها و التي يجب أن تراعي حقوق الانسان و أن يتم تطبيقها بشفافية عالية بغض النظر عن سلطة و نفوذ الشخص المتهم في أي قضية .

وتعتبر استقلالية القضاء صمام الأمان لأي مجتمع مدني ديمقراطي ينشد العدالة و المساواة فبدون سلطة قضائية مستقلة و نزيهة و بدون مراعاة مبادئ حقوق الانسان سوف تسود بالتأكيد ثقافة الغاب و سوف تُظلم فئات عديدة من المجتمع و تُنتهك حقوقها الاساسية.
و من هنا يرى العديد من الخبراء في مجال القانون و حقوق الانسان أن هناك مطلب أساسي لتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني من أجل مراقبة أداء المحاكم بحيث تضمن محاكمات عادلة للمواطنين ، و أن يتم التأكيد على استقلالية السلطة القضائية و عدم تداخل الصلاحيات بينها وبين السلطات الأخرى أو تأثرها بالاتجاهات السياسية للأحزاب الحاكمة.

و أخيراً نستطيع القول أن هناك أيضاً ضرورة لإشراك مؤسسات المجتمع المدني في عملية صياغة الأنظمة والتشريعات والقوانين والسياسات العامة المنظمة لحياة الأفراد في المجتمع ، وتوطيد علاقاتها بالبرلمانات وتبادل المعلومات بينها والضغط عليها لإقرار سياسات عادلة وديمقراطية تنسجم مع حاجات وأولويات ومصالح مجتمعاتها المحلية.

الأخلاق و حرية التعبير عن الرأي

تعتبر حرية الرأي و التعبير من أهم الأدوات الديمقراطية التي تستعملها الشعوب للتعبير عن حقوقها المشروعة و مطالبها من قبل السلطة الحاكمة لها ،فكلما ارتفع مستوى التعبير عن الرأي لدى الشعوب كلما دل ذلك على ارتفاع مستوى الحرية و الديمقراطية في البلاد.
و يعرف المختصون في مجال حقوق الانسان و الديمقراطية ،حرية التعبير عن الرأي بأنها الحرية في التعبير عن الأفكار و الآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط عدم تعارضها شكلاً أو مضموناً مع قوانين و أعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير و يصاحب حرية الرأي و التعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق كحق حرية العبادة و حرية الصحافة و حرية التظاهرات السلمية.
و يعتبر الفيلسوف البريطاني جون سيتوارت ميل من أوائل الفلاسفة الذين طالبوا بحرية التعبير عن الرأي حيث قال عبارته الشهيرة ” إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً ،و كان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً ،فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة ” وكان الحد الذي وضعه جون لحرية التعبير هو مدى الحاق الضرر بالأفراد و المجتمع و الدولة جراء استخدام هذه الحرية من التعبير عن الرأي.
أما من الناحية التاريخية فقد تم استخدام مصطلح حرية الرأي لأول مره في العصور الوسطى و ذلك بعد الثورة التي أطاحت بالملك جميس الثاني من إنكلترا عام 1688 حيث تم حينذاك تنصيب الملك وليام الثالث و الملكة ماري الثانية على العرش و بعد عام من هذا التنصيب الملكي أصدر البرلمان البريطاني قانون ” حرية الكلام في البرلمان ” ثم انتقلت تلك الظاهرة من السماح بحرية الكلام و التعبير إلي فرنسا و ذلك بعد عقود من الزمن و بعد نجاح الثورة الفرنسية التي نصت في إعلان مبادئ حقوق الانسان و المواطن لعام 1789،على أن حرية الرأي و التعبير جزء أساسي من حقوق المواطن.
أما بالنسبة لمدى تطبيق حرية التعبير عن الرأي في عالمنا العربي ، فقد عانت الشعوب العربية الكثير و مازالت تعاني بعضها من قيود تفرضها السلطات الحاكمة على حرية التعبير عن الرأي حيث ورث بعض الحكام العرب ثقافة الاضطهاد السياسي ضد الكتاب و المثقفين و الناشطين السياسيين المعارضين منذ حقب زمنية متتالية مروراً بحكومات ديكتاتورية انتهت معظمها في عصرنا الحالي الذي بدأ يشهد تغيرات جذرية و ثورات مجتمعية كبيرة أدت الي نشأة واقع سياسي جديد يعايشه العالم العربي الآن و يطلق عليه حالياً بالربيع العربي.
و بما أن أسس الديمقراطية في الوطن العربي تعد حالياً في مرحلة التنمية،يعتقد بعض الخبراء في مجال العلوم السياسية ،أن مستوى الوعي السياسي و الديمقراطي لدى المواطن العربي العادي مازال بسيط و في طور البناء و التكوين و هو يحتاج للكثير من الوقت لكي يستوعب المفهوم الحقيقي لحرية التعبير عن الرأي و كيفية استخدام أدواتها السلمية مع مراعاة الضوابط الأخلاقية و القانونية و بعيداً عن استخدام أساليب الذم و القدح و وسائل العنف.
لذا إذا أردنا أن نتحدث عن طرق ووسائل التعبير عن الرأي التي يستخدمها المواطنون العرب حالياً من أجل ايصال أصواتهم للسلطات الحاكمة في بلادهم ،فقد تم ملاحظة أن تلك الوسائل تتراوح ما بين استخدام أساليب ومناهج سلمية للحوار و المناقشة وما بين استخدام أساليب العنف و الذم و القدح التي تظهر بقوة من خلال التظاهرات العنيفة التي قد تؤدي إلي حدوث اشتباكات مسلحة أحياناً أو إلي تخريب لبعض الممتلكات العامة للدولة.
لذلك لقد رغبت أن أتناول في هذا المقال الجانب الأخلاقي و القانوني لحرية التعبير عن الرأي ، الذي يجب أن يتم اتخاذه بمحمل الجد و المسئولية من قبل جميع أفراد المجتمع ،خاصة أعضاء النخب السياسية و الثقافية ،لأنه يجب علي تلك النخب أن تكون بمثابة قدوة حسنة لباقي أفراد المجتمع وللحكام في ذات الوقت.
و سأسرد هنا بعض حالات و نماذج للتعبير عن حرية الرأي في العالمين العربي و الغربي و التى للأسف تعتبر أمثلة سلبية لتلك الحرية التي أسيئ فهمها من قبل البعض ،لذا وجب التنبيه والتنويه بها ،لعلنا نستطيع أن نستخلص منها الدروس و العبر.
إن من أبرز الممارسات السلبية التي جاءت تحت شعار حرية الرأي و التعبير و التي أدت إلي حدوث أعمال عنف و شغب في بعض البلدان وأدت أيضاً إلي مقتل السفير الأمريكي في ليبيا،كانت عندما قام بعض الكتاب و رسامو الكاريكاتير الغربيون بالتعبير عن حريتهم في انتقاد الأديان السماوية وذلك عن طريق نشر رسوم ساخرة من الديانة الإسلامية في الصحف الغربية بالإضافة إلي إنتاج فيلم مسيء للرسول محمد عليه الصلاة و السلام ،حيث أغضب ذلك الفيلم معظم المسلمين المتواجدين في كافة أنحاء العالم ،كما أنه أيضاً لم يسلم سابقاً من تلك السخرية و الانتقاد اللاذع ؛كل من الديانتين المسيحية و اليهودية اللتان ما زال يسخر بعض الكتاب و الإعلاميون الغربيون من شخصياتها الدينية المذكورة في الكتب المقدسة.
أما على الصعيد السياسي فقد أساء بعض الناشطون السياسيون العرب استخدام أدوات الديمقراطية السلمية للتعبير عن الرأي حيث عندما أراد هؤلاء السياسيون التعبير عن اعتراضهم على سياسة الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي تجاه الإعلان الدستوري الجديد قاموا باستغلال الدعم الانساني الموجه من قبل الحكومة المصرية الحالية لسكان قطاع غزة و اعتبروا ذلك الدعم بمثابة حجة سياسية قوية تثبت أن الحكومة المصرية الحالية تهمل الشأن المصري الداخلي و تهدد الأمن القومي المصري وتشجع تهجير الغزيين للعيش في سيناء ،الأمر الذي يعتبر غير مقبول من الناحية الأخلاقية و الإنسانية لأنه يعتبر متاجرة سياسية في ألام أهالي القطاع الذين يعانون من ويلات الحصار و الحروب.
أما من ناحية الإعلام المجتمعي ،أعتقد أن بعض المواطنين قد أساء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك و التويتر عندما أصبحوا يستخدمون بعض الألفاظ السوقية الخارجة عن نطاق الأدب و الأخلاق و ذلك من أجل التعبير عن غضبهم و سخطهم من بعض القادة السياسيين الفلسطينيين و العرب فقد وصل بهم الأمر بأن أصبح بعضهم يسخر و يتعجب من كلمات الشكر التي تذكر لأي دولة تقدم مساعدة انسانية للشعب الفلسطيني و كأن كلمة شكراً تعتبر مصطلح غريب وبعيد عن أخلاق المجتمع الفلسطيني ، الذي يجب عليه من الناحية الأدبية أن يشكر أي جهة تقدم له مساعدة بغض النظر عن المواقف السياسية لحكومتها.
ومن أكثر الأمور الملفته للنظر أثناء متابعة التعليقات الساخرة المنشورة في الصفحات الاجتماعية لبعض المثقفين و الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي هو التطاول على الناحية الشخصية للقادة السياسيين و التي تعتبر من أكثر الأمور إحراجا لهؤلاء القادة حيث تتعدى تلك الانتقادات المساحة الشخصية و الأسرية لأي إنسان عادي مما يعتبر ذلك تجاوزاً للمعايير الأخلاقية والقانونية لحرية التعبير عن الرأي ، فبغض النظر إذا كان ذلك الشخص المعرض للنقد إنسان ظالم أو مظلوم فحسب حقوق الانسان و الأعراف والدولية ، يجب احترام خصوصية و أسرة أي متهم أو مذنب مهما بلغ جرم ذنبه.
لذلك يجب على المثقف أو الناشط السياسي العربي أن يميز جيداً ما بين حرية التعبير عن الرأي و مابين الذم و القدح الذي يطال الناحية الشخصية و العائلية للشخصيات العامة و السياسية وعليه بدلاً من تضييع الوقت في الذم و الشتم بأن يركز على انتقاد السياسة الخاطئة التي قد ينتهجها السياسي تجاه قضايا وطنه و أن يبحث عن دليل لإدانة المسئول الفاسد قبل تشويه سمعته و إلقاء التهم عليه جزافاً.
أما من ناحية استخدام الشباب العربي لبعض المواقع الاجتماعية من أجل التعبير عن الرأي لقد تم ملاحظة ، بأنه هناك بعض من الشباب الذين يتهاونون في استخدام تعبيرات لفظيه جارحه و خادشة للحياء أثناء انتقادهم لشخصيات و أحزاب سياسية بارزة و قد يستخدم البعض منهم أيضاً ألفاظ عنصرية تتعلق بالتمييز في العمر ،وذلك يتضح جلياً عندما يعبرون عن سخطهم بقولهم على سبيل المثال أن أحد رجال السياسة المسنين قد أصابه الخرف أو عندما مثلاً يعبر بعض الشباب المصري عبر موقع التويتر عن سخطهم من النخبة الحاكمة في مصر فيرددون مراراً بأنهم لا يريدون حكم “العواجيز” حسب تعبيرهم ،و هم لا يدركون هنا بأنهم وقعوا في مصيدة العنصرية و التمييز ضد كبار السن ،مما يجعل بعض المختصين في مجال مناهضة العنف و في مجال الصحة النفسية يصفون هؤلاء الشباب بأنهم يستخدمون تعبيرات العنف اللفظي و المصطلحات العنصرية.
وقد يتساءل البعض لماذا يتم المطالبة باحترام مشاعر الشخصيات العامة و القيادات السياسية و البعض منهم لا يحترم حرية الرأي والتعبير و يقوم باستخدام وسائل غير أخلاقية ضد المواطنين و المعارضين لهم ،فأجيب بأن ما أناشد به هنا هو أن يتم اعتماد لغة الحوار الأخلاقية الراقية و أساليب التعبير عن الرأي القانونية السلمية حتى لو كانت تلك اللغة موجهة و مخاطبة لأشد أعدائنا و أكثر الناس إيذاءً لنا ،لأنه بالأخلاق و القانون تنتصر الأمم ،ولأن الأدوات السلمية والأخلاقية للتعبير عن الرأي هي القوة الناعمة القادرة على التغيير و التأثير في سياسات الحكام و يجب أن لا يستهتر أحد بها و أن لا يعتبرها وسيلة ضعيفة للتغيير المجتمعي و السياسي بل هي وسيلة أساسية للإصلاح و التطوير لا يستغني عنها أي مجتمع مهما اختلفت ثقافته و أخلاقه. و أخيرا أود أن أختم مقالتي هذه ببيت شعري لأمير الشعراء أحمد شوقي يقول:
” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ! ”