حافظوا على حياة أطفالكم

منذ صغرنا ، طالما ما استمعنا لمواعظ و إرشادات دينية في المدارس و المساجد عن عقوق الأبناء تجاه والديهما، و أن الجنة تحت أقدم الأمهات ، و طاعة الوالدين في كل شيء واجباً عدا الشرك و الكفر بالله .

 و لكن نادرا ما نسمع عن عقوق الوالدين أنفسهما تجاه أبنائهم ، و عن انتهاكهما لحقوق أطفالهم الأبرياء و استخدامهم لجميع أنواع العنف تجاه أطفالهم سواء كان ذلك عنف نفسي أو جسدي أو لفظي أو غيره من أنواع العنف الأخرى المتوحشة ، حيث من النادر أن نجد أحدا ينتقد الأب العنيف و الأم اللعانة الشاتمة التي تصب كامل غضبها على أطفالها بدون ذنب لهم، سوى أنها تُسقط إحباطها و فشلها بالحياة على أطفالها الأبرياء وتسبب لهم بعقد نفسية.

 للأسف لا نلاحظ وجود حملات توعية كبيرة تنظمها المؤسسات التعليمية العربية بشكل عام و الفلسطينية بشكل خاص في مجال توعية الوالدين في حقوق الطفل، حتى أن المدرسين في بعض المدارس الحكومية كانوا يتباهون منذ زمن أمام تلاميذهم ، بامتلاكهم أطول و أرفع عصا يمكن أن يستخدموها لإرهاب تلاميذهم بالمدرسة ، مما أنشأ ذلك جيل عنيف و متسرب من تلك المدارس.

 و لا يتمثل العنف ضد الأطفال فقط في مظاهر العنف المنزلي الذي يتعرض له الطفل بشكل دوري داخل بيته، بل هناك أيضا بعض الممارسات الخاطئة التي يقوم بها الوالدين عندما يصطحبون أطفالهم للمشاركة في أنشطة سياسية خطرة، قد تعرض حياة أطفالهم لخطر الموت أو الإصابة الخطيرة .

 و هذه المشاركة السياسية للطفل الذي لا يعي الهدف منها ، تُعد استغلالا سياسيا من قبل الوالدين و المشرفين على تلك الأنشطة السياسية لحياة هؤلاء الأطفال الأبرياء ، وذلك حتى يتم استخدام صورة الطفل الضحية كمادة إعلامية دسمه للأخبار العاجلة.

 وكأن هؤلاء الآباء و الأمهات لا يهمهم سوى الشهرة ،و المكاسب المالية التي لا تتجاوز بضعة دولارات مقابل تعريض حياة أطفالهم للخطر وانتهاك خصوصيتهم.

 فتارة نجد أم تجلب أبنها الرضيع ذو العامين ، بحفاضته البيضاء ، يقف عاري الصدر في أخطر مكان بالعالم قرب الحدود الإسرائيلية ، ممسكا بإحدى يديه زجاجة حليب يرضع منها بكل براءة ، و ممسكا بيده الأخرى حجرا لا يعلم ما معناه ، فيتم المتاجرة سياسيا و إعلاميا بصورته البريئة في مشهد دراماتيكي مصطنع قد يعرض الطفل لخطر الموت بسبب التسمم بالغاز أو التعرض لرصاصة جندي إسرائيلي طائشة.

 و تارة أخرى ، نجد أمهات يجلبن أطفالهن اللذين لا تتجاوز أعمارهم بضعة أشهر ، في وسط مسيرة ملوث هوائها بالغازات السامة فيختنق هؤلاء الأطفال بالغاز السام ، دون وجود أدنى مشاعر رحمة في قلوب أمهاتهم الجاهلات بحق أطفالهن بالحياة و الصحة.

 أين عاطفة الأمومة و الأبوة في قلوب العائلات التي تضحي بأطفالها، لكي يصبح هؤلاء الأطفال مجرد قرابين بشرية لأهداف سياسية ؟

 أين دور المؤسسات الاجتماعية و التعليمية و الحقوقية في توعية هؤلاء الآباء و الأمهات المستهترين بأبسط حقوق الطفل ؟

 لا نريد أن نحرر فلسطين بدماء أطفالنا ، نريد أن تحمي فلسطين أولا أطفالها و تكون لهم بمثابة وطنا أمنا ، ينعمون به بحياة كريمه و آمنه.

 أطفال فلسطين ليس مكانهم مقابر الموتى ، و أسرة المستشفيات ، و لا حتى شاشات الأخبار الساخنة التي تبحث عن سبق صحفي لطفل جريح أو شهيد .

أطفال فلسطين مكانهم الحقيقي هو الحدائق الخضراء و الملاعب الآمنة و البيوت الرحيمة و المدارس العلمية .

 لذا كفى المتاجرة بحياة الأطفال، و استغلالهم سياسيا سواء في مظاهرة حزبية أو مسيرة حدودية أو سبق إعلامي .

 فمن لا يحب أطفاله لا يحب وطنه ، ومثلما هناك عقوق للأبناء تجاه الوالدين ، هناك أيضا عقوق للوالدين تجاه أبنائهم .

 أطفالكم أمانه بأعناقكم، دعوهم وشأنهم ، يعيشون بسلام دون إقحامهم بأمور أكبر منهم ، لا تحكموا عليهم بالموت مسبقا أعطهم فرصة للحياة ليكبروا ، و يقرروا كيف يمكن أن يخدموا وطنهم ، فلا تقرروا مستقبلهم نيابة عنهم لأنهم مجرد أطفال ضعفاء لا يملكون أن يحددوا مصيرهم وحدهم.

Advertisements

حماس الداهية: كيف نجحت في إدارة أزمات القطاع و الصراع مع إسرائيل؟

كلما حاولت إسرائيل أن تستغل أزمة قطاع غزة الإنسانية أو تعرقل ملف المصالحة أو تأزم العلاقات بين حماس ومصر ، لتأليب الرأي العام الفلسطيني و الدولي ضد حماس ، تتجاهل حماس تلك المحاولات الإسرائيلية، و تجد دوما المخرج الغير متوقع لتلك الأزمات بكل مرونة و خفه، عبر تصدير تلك الأزمات السياسية و الإنسانية التي يعاني منها القطاع لإسرائيل بصفتها دولة احتلال ، و ذلك من خلال استخدام أساليب وتكتيكات سياسية غير مباشرة .

و يدل ذلك على أن لدى حماس قيادة داهية تخطط لها بكل ذكاء ، و تُدير أزماتها بشكل مثير للانتباه ، الأمر الذي سبب إحراج كبير لقيادة الجيش الإسرائيلي التي أصبحت تشعر أنها بمنتصف الطريق الذي من الصعب التراجع عنه ، و أنها مثل الراقصة التي ترقص على السلالم ، فيما يخص التعامل مع قطاع غزة.

فإسرائيل لا تستطيع أن تُقرر حرب جديدة على القطاع للقضاء على حكم حماس بغزة حسب رغبة وزير دفاعها ليبرمان ، خوفا من إحداث فراغ أمني وسياسي بالقطاع ، و خوفا من إتاحة الفرصة للسلفيين و الداعشيين للسيطرة على القطاع ، فتواجه حينئذ إسرائيل معركة مع أشباح مجهولين الهوية ، و في نفس الوقت لا تستطيع إسرائيل أن تقف مكتوفة اليدين، و لا تواجه الأزمات الأمنية التي تُصدرها لها حماس ، عبر محاولات التسلل المتعددة للحدود ، أو غض قيادة حماس الطرف عن إطلاق بعض الصواريخ من فصائل مقاومة أخرى ، أو دعم وتوجيه حماس للمقاومة المسلحة في الضفة الغربية.

ولم تُصدر حماس فقط أزمات أمنية لإسرائيل ، بل وصل الأمر لتصدير أزمات بيئية و صحية لإسرائيل ، مثل تلوث مياه البحر بمياه الصرف الصحي ، مما أدى ذلك لحرمان سكان غلاف غزة الإسرائيليين بشكل مؤقت من الاستجمام بشاطئ البحر المتوسط الممتد من ساحل قطاع غزة بسبب تلوث مياه البحر بفضلات سكان القطاع.

لذا من الواضح جدا ، أن قيادة الجيش الإسرائيلي بسبب حماس ، تعيش الآن في مأزق سياسي و أمني كبير، ولا تعرف كيف تتعامل مع قطاع غزة الذي كاد ينفجر في وجهها ، و الذي وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي أيزنكوت بالجحيم ، و أنه لا يمكن تهديد سكانه دوما.

أما على صعيد أخر، فأنه في الوقت الذي كادت أن تفشل به المصالحة الفلسطينية بشكل نهائي ، بسبب محاولة تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد لله ، أثناء زيارته الأخيرة لقطاع غزة خلال شهر مارس 2018 ، تعاملت حماس بكل دهاء مع هذا الحدث الأمني الخطير وبكل هدوء ، حيث لم تنفعل قيادتها و لم يتوتر عناصرها ، بل حافظوا جميعا على برودة أعصابهم وتم بكل صمت إجراء تحقيق داخلي وملاحقة أمنية ، أدت لمقتل المشتبه الرئيس بحادث التفجير ، مما أغلق ذلك ملف القضية.

و بعد ذلك نجحت الحركة في إدارة دفة صراعها مع السلطة بكل مرونة و احتراف عن طريق دعمها لمسيرة العودة الكبرى ، لتتجه كافة الأنظار لحدث أكبر يشبه بحشوده الضخمة يوم القيامة ، و يفوق بصورته الإعلامية الكبيرة أي حدث متعلق بفشل المصالحة.

وفي ظل أحداث مسيرة العودة الكبرى ، التي كانت أول فعالية لها في يوم الأرض بتاريخ 30 مارس 2018 ، تحول الرأي العام الفلسطيني بين ليله وضحاه من الشعور باليأس و الإحباط جراء تعرقل ملف المصالحة ، إلي شعور بالحنين لذكريات الماضي و حلم العودة ، و إلي شعور وطني فخور ، مشابه لمشاعر انتفاضة 87، التي تم إعلانها بدماء الشهداء و الجرحى ، مما منح ذلك الشعب اليائس و المحبط الحماسة و الثقة ، بأنه يستطيع أن يحشر إسرائيل في الزاوية ، و يُحملها تبعات الحصار على قطاع غزة ، و في نفس الوقت يثير انتباه العالم الخارجي تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين و قطاع غزة المحاصر.

وقد تسببت بالطبع هذه المسيرة الكبرى ، التي شارك بها ألاف الفلسطينيين بالقطاع بدعم من حماس وكافة الفصائل الفلسطينية ، في إحراج قادة الجيش الإسرائيلي الذي تحكمت حماس بصورتهم الخارجية ، وجرتهم لمربع الجندي العنيف الذي يقتل محتجين مدنيين يتظاهرون بشكل سلمي قرب الحدود.

لم تُدر حماس المعركة مع إسرائيل بذكاء فقط ، عن طريق دعمها لمسيرة العودة الكبرى، بل منذ بدأت تستقبل حماس بعض الوفود الأجنبية و الشخصيات العامة التي أوشكت أن تعترف بقيادة حماس، وبدأت تتناقش معها بجدية قضية حصار غزة ، عززت تلك الزيارات الدولية الاعتراف الضمني بحركة حماس، كممثل وحيد لقطاع غزة، و كحكومة الأمر الواقع التي لا يستطيع أحد أن يتجاهلها ، و لا تستطيع أي مؤسسه دولية أن تعمل بدون التنسيق معها.

و تستمر حركة حماس بإدارة أزمات القطاع بدهاء ، عبر تصدير كافة مشاكل القطاع لإسرائيل، وتحميلها مسئولية أعباء القطاع الإنسانية ، بصفتها دولة محتلة تحاصر غزة ، مع توجيه في نفس الوقت عقول الغزيين نحو مواجهة عدو واحد و رئيسي ، ألا و هو إسرائيل، و ليس حماس كما تحاول قيادة إسرائيل أن تروج لذلك.

ومع خلافات حماس الداخلية مع السلطة الفلسطينية برام الله ، لم تحرق حماس جميع جسورها مع رام الله ، بل نجحت بتحييد دور السلطة بغزة في جانب واحد ، ألا وهو مطالبتها دوما للسلطة بدفع نفقات القطاع من رواتب و كهرباء ومياه و صحة ، دون أن تُتيح للسلطة السيطرة الأمنية الشاملة على القطاع، أو أن تُسلمها بشكل نهائي كافة مفاتيح حكم قطاع غزة ، وذلك حتى لا يفشل مشروع حماس العسكري الكبير المدعوم من قبل إيران، والذي يتمثل بالاستعداد لحرب التحرير الكبرى ( حرب وعد الآخرة ) المخطط لشنها خلال العام 2022 حسب ما صرح به معظم قادة حماس.

و مع محاولات حماس المتعددة لتصدير أزمات قطاع غزة الإنسانية لإسرائيل وتحميلها مسئولية كل شيء من حصار و فقر و بطالة و انقسام فلسطيني ، تُدير حماس صراعها مع إسرائيل من قلب الضفة الغربية و القدس وداخل الخط الأخضر عبر دعمها المستمر للمقاومة الفلسطينية المسلحة في تلك المناطق و تشجيعها لأية عمليات هجومية يشنها المقاومين الفلسطينيين هناك، ضد أية أهداف إسرائيلية ، مما يجعل ذلك إسرائيل تشعر بالإرهاق و الجنون و التشتت من حصار حماس لها من جميع الجهات.

لذا حتى تلك اللحظة، نجحت حماس في تحدي إسرائيل، و نجحت في توجيه دفة أي أزمة بالقطاع نحو إسرائيل مباشرة، لكن المعركة بين حماس و إسرائيل لم تُحسم بعد ، و لم يتم حتى الآن الإعلان عن المنتصر النهائي !

حيث يتوقف ذلك النصر على مدى فعالية الإستراتيجية السياسية و الأمنية التي يتبناها كل طرف.

فإستراتيجية إسرائيل البعيدة المدى ، تعتمد حسب تصريحات قيادتها ، على اللحظة التي يمكن أن يتوفر بها بديلا لحركة حماس لحكم القطاع ، عندئذ لن تتردد إسرائيل بإعادة احتلال القطاع و القضاء على حماس نهائيا، ولكن في ظل عدم وجود بديل آخر لحماس ، تتخوف إسرائيل من احتمالية أن يسقط القطاع بأيدي جماعات متطرفة، و تتورط إسرائيل بفوضى أمنية مشابهه لما يحدث بسوريا و العراق.

وفي نفس الوقت، يمكننا القول ، بأن إسرائيل مشغولة في هذه المرحلة الحرجة بتهديدات حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان ، و همها الأكبر هو إيران ، التي تعتبرها رأس الحربة في أية معركة مقبلة ، لذا على الأغلب ستحاول إسرائيل تأجيل معركتها الحاسمة مع حماس ، و ستترك إسرائيل حماس و شأنها بالقطاع، حتى لو كانت تُشكل لها صداعا كبيرا ، فلن تُشتت إسرائيل جهودها المكثفة في التصدي للمشروع النووي الإيراني ، من أجل حروب جانبية مع غزة ، وفي نفس الوقت ستستمر إسرائيل في سياستها بتدمير أنفاق غزة و التدمير التدريجي للبنية العسكرية لحماس عندما تسنح لها أي فرصة لذلك.

أما حماس فاستراتيجيها تكمن بالحفاظ على بقائها العسكري و استمرارها بقطاع غزة لأطول مدى ممكن ، وإدارة صراعها مع إسرائيل حسب رؤية قيادتها حتى موعد حرب التحرير الكبرى.

و يعتمد كل ذلك بشكل كبير على مدى قدرة حماس بحشد الرأي العام الفلسطيني و الدولي ضد إسرائيل ، و على مدى قدرتها باستقطاب مزيد من الدعم المادي والعسكري لترسانتها العسكرية بغزة ، من أكبر حلفائها في الشرق الأوسط إيران.

إن كل طرف يعلم خبايا معركته الداخلية ، و كيف يجد حل لأزمته السياسية ، لكن حتى الآن مازالت حماس هي الطرف المتفوق في معركة بقاءها و استمرارها بقطاع غزة و في صراعها مع إسرائيل ، حيث مازالت إسرائيل تظهر بشكل الرجل الذي يتلقى صدمات حماس باستمرار ويتفاعل معها بحذر ، و ذلك عبر تصدير حماس لإسرائيل عمليات عسكرية و أزمات إنسانية من كافة الجهات ، من غزة و الضفة و القدس وحتى من أراضي الخط الأخضر.

من سيفوز بالنهاية ؟

لن يتم الإجابة على ذلك السؤال الآن ، لأن معرفة إجابة هذا السؤال بشكل شبه نهائي ، قد تكون خلال الأربع سنوات القادمة ، عندما تستقر الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط ، خاصة بسوريا ، و عندما تُعلن الولايات المتحدة الأمريكية موقفها النهائي من الاتفاقية الدولية للملف النووي الإيراني الذي يشكل قلق كبير لإسرائيل و حلفائها في المنطقة.

لننتظر ونرى ماذا سيحدث في المستقبل!

السياسي والبحث عن معنى الحياة

كثيرا ما نجد بعض الناس  هائمين  على  وجوهم  ، يسيرون في الحياة بدون تحقيق أي هدف ، يبحثون بشكل عشوائي عن معنى لحياتهم في هذا العالم القاسي،  الذي لا يستطيع أن يعيش به سوى الأقوياء، هؤلاء  اللذين لديهم القدرة على البقاء و الاستمرار في أصعب الظروف الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و البيئية.

فغالبا ما يكون البقاء للأقوى،  و إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب،  هذا المثل الشائع الذي يلخص لغة القوة،  و يُصور العالم كغابة موحشة، مليئة بالحيوانات المفترسة التي  تعيش  على  فرائسها من الحيوانات الضعيفة.

و يشعر معظم البشر، بأن الحياة  غير عادلة،  و أن القوى يتحكم  بالضعيف،  الأمر الذي جعل عدد كبير من هؤلاء البشر ،  يعتمدون  منهج القوة و العنف كأسلوب حياة،  و كأداة  لتحقيق ذاتهم  للوصول لأهدافهم  الشخصية.

ومع الرغبة الشديدة لإثبات الذات  وتحقيق الأهداف ، يميل عادةً الإنسان بطبعه للحفاظ على وجوده ، و استمرار حياته لأقصى حد ممكن.

حيث  مازال الإنسان  غير مقتنعا  بفكرة الرحيل الأبدي ، و أن  الموت هو النهاية  الأخيرة  لحياته ، فحسب  الديانات السماوية الثلاث ، تبقى روح  الإنسان خالدة حتى بعد  فناء جسده.

لذا في رحلة الحياة هذه ،  هناك من يقتنع بأن يلعب  دورا  متواضعا في الحياة،  و أن يعيش حياة مسالمة ، و يموت بهدوء ، دون حدوث  أية مشاهد موت دراماتيكية.

و هناك من يبحث عن معنى لحياته، بلعب دور البطل القاهر، الذي لا يُهزم، و الذي يتم الهتاف باسمه  بكل فخر في معظم أحياء مدينته أو أزقة قريته الصغيرة.

من هنا يمكننا أن نجد الدافع الرئيسي لبعض الشباب العربي  ،  في ممارستهم  للنشاط  السياسي بكافة أنواعه ، سواء كان  نشاط سياسيا سلميا، أو كان  نشاط  سياسيا عنيفا ، فكلٌ يبحث عن معنى لحياته حسب طبيعة فهمه لقواعد الحياة ،  و حسب أسلوب تفكيره ، وبناءً على الأيدلوجية السياسية التي يتبناها.

ومن أقصر الطرق لدخول التاريخ في عالمنا العربي ،  هو ممارسة السياسة ، و القيام بنشاط سياسي  ملفت للنظر ،  يُسلط الأضواء على هذا الناشط السياسي .

و يمكن تحقيق ذلك ، بأن يقوم مثلاً   هذا الناشط السياسي  بعمل قتالي  ضد استعمار ما ، أو أن يشارك بمظاهرات و احتجاجات غاضبة  ضد  دولة ما،  أو  أن يُحرض  على شخصيات قيادية  في بلده عبر مواقع التواصل الاجتماعي .

فكل عمل سياسي ، يرمز لمعنى الحياة الذي يبحث عنه هذا الناشط السياسي.

حيث أن الحياة عند هذا السياسي  الغاضب و الثائر ،  تتمثل بالتضحية بكل شيء من أجل الانتقام ، و الثأر،  و توكيد الذات،  و الوصول إلي الصورة المثالية لمجتمعه ، حسب رؤيته لما يجب أن تكون الحياة في هذا المجتمع  ، فهو لا يريد أن يكون عالمه ، عالم متخاذل و مستسلم و ضعيف ،  والسلام بالنسبة إليه هو لغة الضعفاء و الخونة ،  وما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

أما الهدف السامي الذي يصبوا إليه هذا  النوع من الناشطين السياسيين  ، هو أن تلتحم روحه مع سحاب  السماء ،  و أن يصبح جثمانه بمثابة قربان للأرض، و  للأيدلوجية السياسية و العقيدة الدينية التي يتبناهما ، و أيضا للحياة  المثالية  التي يتخيلها   حسب أفكاره  الخاصة،  ومعايير الحزب السياسي الذي ينتمي إليه.

و يكمن  معنى الحياة لهذا الناشط السياسي ،  بأن   الدنيا  مجرد  متاع مؤقت،  و هي بمثابة جسر للآخرة ،  لأن الحياة الدائمة هي  في جنات الخلد.

لذا يعتبر هذا الناشط  أن مفتاح الحياة الدنيا ، هو الجلد و الصبر على الشدائد ، و أنه  يجب استخدام القوة لأبعد الحدود من أجل تلقين الأعداء،  و المتخاذلين أقسى الدروس ، وتدفعيهم الثمن بكل الوسائل المتاحة.

وفي الوقت الذي فسر هذا الناشط السياسي،  معنى الحياة حسب لغة القوة و الانتقام ، هناك ناشط سياسي آخر ،  يبحث عن معنى الحياة  عبر محاولة العيش في  حياة شبه  متوازنة  برجماتية ، تجمع بين  متاع  الدنيا و الآخرة،  وذلك من خلال تأجيل التفكير بحياة الآخرة ،  لحين الوصول لمرحلة عمرية معينه ، يكون ضمنها  قد حقق رغباته  الدنيوية  في الشهرة و النجاح و الثروة  و المنصب السياسي الرفيع ،  و في نفس الوقت خصص جزء من مراحل عمره المتأخرة للتوبة  والعبادة .

فمعنى الحياة عند هذا السياسي، هو القدرة على النجاة في أحلك الظروف السياسية المتقلبة  ، و الاستثمار في الوقت و العلاقات الإنسانية بأكبر قدر ممكن،  حتى يأتي الوقت المناسب للانقضاض على خصمه السياسي  ، و من ثم الحصول على المنصب الذي يتوق إليه بشدة.

و الحياة بالنسبة لهذا السياسي ، هي  بمثابة مباراة كرة قدم يجب أن يفوز بها ، لذا  يحاول هذا السياسي دوما  أن يحيط نفسه بفريق قوي  و ذو نفوذ ، يقدم له الدعم وقت المباراة  السياسية ، وفي نفس الوقت  يحاول هذا السياسي أن يحوز  على إعجاب  أكبر عدد ممكن من الجمهور الذي يشاهد بحماسة هذه المباراة الطاحنة .

إن معنى الحياة لهذا السياسي،  يتمثل أيضاً بالفوز و النجاح المادي و الشهرة، بغض النظر عن الفراغ النفسي و العاطفي، الذي يشعر به بسبب تخلي عنه أقرب الناس إليه.

وبالاستمرار بالبحث عن معنى الحياة ، نلاحظ أن هناك ناشط سياسي  من نوع آخر ، ألا وهو  السياسي المثقف ، الذي يعتقد أن الحياة السياسية يجب أن تكون عادلة و فاضلة ،  و تهدف إلي حماية مصالح  المواطن و تحرير الوطن .

لذا يحاول  هذا السياسي ، أن يستثمر وقته في الترويج لقضيته عبر المحافل الوطنية و الدولية ، و أن يبذل  جهده  في مناصرة  حقوق شعبه،   و لكنه في نهاية المطاف يكتشف أن هناك من باع الوطن،  و أن الوطن ملئ بالفاسدين الذين يتاجرون بأرواح و دماء الشعب ، فيشعر بالإحباط و يفقد معنى الحياة الذي كان يبحث عنه،  و يصل لقناعه بأن الحياة  مجرد خدعه ، و أنه لا يوجد هدف يستحق الإنسان أن يعيش من أجله ، و ذلك بعد أن سقطت الأقنعة الزائفة عن وجوه المنافقين و المتاجرين بثروات الوطن.

لذا كل إنسان في هذه الدنيا ، يبحث عن معنى لحياته ، بطريقته و أسلوبه،  و ليس بالضرورة أن يكون ناشطا سياسيا ، فهناك  أشخاص عاديين    يبحثون عن السعادة الشخصية،  دون الاكتراث بأمور السياسة ،  وهناك من يبحثون  عن الحب و  العائلة ، وهناك من يبحثون  عن المال و النجاح المهني .

لكن السياسي، هو من أكثر الباحثين عن الذكرى الخالدة، و عن صفحات التاريخ التي ستدون اسمه بعد وفاته.

لذا هناك السياسي الذي يرغب بالموت ،  في مشهد مسرحي دراماتيكي دامي،  وسط تكبيرات و تهليل المشيعين .

وهناك السياسي الذي يرغب بالموت،  وهو يخطب خطابه الأخير،  في مشهد مسرحي صاخب يضخ  بالكاميرات و الأضواء الساطعة، وسط  صمت و تصفيق الجماهير.

فكل يرى الحياة و يبحث عن معناها،  حسب الطريقة التي يريد أن يختم بها حياته…

هل بدأت إسرائيل تقرع طبول الحرب على لبنان ؟

مع تطور التحالف الإيراني مع قوات حزب الله ، و إعلان الحكومة اللبنانية عزمها للاستمرار في التنقيب عن النفط و الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية ، لا يكاد أن يمر يوما دون سماع تصريح سياسي أو عسكري لمسئول إسرائيلي ، يُعبر به عن مدى قلق إسرائيل من استغلال حزب الله لهذا الغاز ، و عن تخوف إسرائيل من زيادة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط ، و بالأخص التواجد المستمر لقوات الحرس الثوري الإيراني بالقرب من الحدود الإسرائيلية. لذا بدأت إسرائيل تُصعد من لهجة التهديد و الوعيد تجاه قوات حزب الله تارة ، و تجاه القوات الإيرانية تارة أخرى ، و في نفس الوقت أصبحت ترسل رسائل تحذيريه للشعب اللبناني حول طبيعة الحرب المقبلة على لبنان.

التهديدات و التحذيرات الإسرائيلية للبنانيين

و ضمن محاولة إسرائيلية حثيثة لتحذير اللبنانيين من خطر التحالف الإيراني مع قوات حزب الله في لبنان ، توعد وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الشعب اللبناني ، و بالأخص سكان بيروت ، قائلا : “لن يكون هناك صور مثل حرب لبنان عام 2006 ، حين شاهدنا سكان بيروت يتجولون على شاطئ البحر وسكان تل أبيب في الملاجئ. المرة القادمة في تل أبيب وفي بيروت سيكونون في الملاجئ”.

و لم يكتف ليبرمان بتهديد اللبنانيين بالحرب فقط ، بل أيضا أعلن ليبرمان عبر تصريح له في الصحف الإسرائيلية بأن بلوك الغاز في البحر رقم 9 هو لإسرائيل ، ومع ذلك أعلن لبنان مناقصة بشأنه ، و وصف ليبرمان المناقصة اللبنانية للتنقيب عن الغاز والنفط بأنها أمر” استفزازي جدا“ و أسهب بالقول بأن الشركات الدولية التي ستشارك في المناقصة سترتكب خطأ فادحا.

أما الوزير الإسرائيلي نفتالي بينيت ، فقد صرح أثناء المؤتمر السنوي لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب بأن رأس الأخطبوط ، يجلس في طهران ويمد أذرعه، واحدة في لبنان وهي حزب لله، وواحدة في غزة وهي حماس. و أكد أن إسرائيل لن تسمح بذلك و أنها أصابت حتى الآن ، الرسول أي حزب الله ولم تصب المرسل إيران.

و حذر بينيت بأن إسرائيل لن تكتفي بضرب حزب الله هذه المرة، وإنما ستشمل ضرب لبنان بموجب المعادلة التي كان اقترحها في الماضي وهي: حزب الله يساوي لبنان.

و لم تشمل التهديدات الإسرائيلية مجرد إطلاق تصريحات سياسية غاضبة على لسان القادة الإسرائيليين ، بل وصل الأمر لاقتراح اسم جديد لأية حرب قد تشنها إسرائيل على لبنان ، حيث كتب الجنرال الإسرائيلي، إيلي بن مائير في مقال له نشره في صحيفة معاريف ، بأن الاسم الأكثر ملائمة للحرب القادمة على الجبهة الشمالية للجيش الإسرائيلي ، هو “حرب الشمال الأولى”، وليس حرب لبنان الثالثة، لافتاً إلى أن هذا يعني دخول إسرائيل بحالة استنزاف غير مسبوقة في حال اندلع القتال.

و تدل تلك التصريحات النارية الإسرائيلية على وجود بالفعل مخطط إسرائيلي لشن حرب ثالثة على لبنان قد تهدف لتجريد حزب الله من قدراته العسكرية ، و تحييد لبنان عسكريا ضمن خطة إقليمية كبيرة لإحداث تغيير جذري في الشرق الأوسط.

و في حال حدثت تلك الحرب ، على ما يبدوا أن إسرائيل لن تتردد في استهداف البنية التحتية اللبنانية ، حيث تعتبر إسرائيل أن حزب الله هو من يمثل لبنان في المعركة القادمة ، و أن على الجميع دفع الثمن ، لذا ليس من المستبعد أن تقوم إسرائيل بعمل مغامرة خطيرة في لبنان، من اجل الانتقام من ذراع إيران الأكبر في لبنان في حرب قد تكون أكثر تدميرا من الحروب السابقة.

المحاولات الإسرائيلية للتأثير على الانتخابات اللبنانية

و لم تكتف إسرائيل بالتهديد العنيف لتدمير لبنان في الحرب المقبلة ، بل امتد الأمر لأن يتم حشد أصوات بعض القادة العسكريين الإسرائيليين من أجل التأثير على سير الانتخابات اللبنانية في المستقبل ، عن طريق شن حملة تحريضية ضد حزب الله في مواقع التواصل الاجتماعي التي يمتلكها المتحدثون الرسميون للجيش الإسرائيلي ، من أجل العمل على تشويه صورة حزب الله في الشارع اللبناني ، كتصويره على سبيل المثال ، بأنه يهدد مصالح اللبنانيين باعتباره وكيل لإيران في لبنان.

وقد نشر مؤخراً ، العميد العسكري الإسرائيلي ، رونين منليس ، مقالا طويلا باللغة العربية في موقع المصدر الإسرائيلي بعنوان “2018 .. خيار اللبنانيين! ”

و حذر رونين في هذا المقال ، من محاولات حزب الله للسيطرة على الأحزاب اللبنانية و ترجيح كفة الانتخابات لصالحه مصرحاً بأن : ” الصراع يتعلّق بمتغيّريْن اثنين: هل الجمهور الدولي ولبنان سيسمحان لإيران وحزب الله باستغلال براءة رؤساء الدولة اللبنانية ، وإقامة مصنع صواريخ دقيقة كما يحاولان في هذه الأيّام، وهل سينجح حزب الله برعاية الانتخابات الجديدة بإسقاط الأحزاب السّنية في الانتخابات القادمة (أيّار 2018) من التمسك بالحكم وتحويل الدولة بشكل رسميّ إلى دولة برعاية إيرانية؟ ”

لذا يبدو بشكل واضح من تلك الحملة التحريضية الإسرائيلية ضد حزب الله و إيران ، رغبة إسرائيل الشديدة لتأليب الرأي العام اللبناني ضد حزب الله ، و التأثير بشكل غير مباشر على سير الانتخابات اللبنانية في المستقبل ، محاولة إسرائيل بذلك تحميل الشعب اللبناني المسئولية عن أي دعم قد يقدمه اللبنانيون لحزب الله في الانتخابات المقبلة ، و في نفس الوقت تحاول إسرائيل أن تثير حمى التنافس الحزبي و النزعة الطائفية بين اللبنانيين السنة و اللبنانيين الشيعة عن طريق إثارتها لتساؤلات حول مدى إمكانية نجاح الأحزاب السنية بالانتخابات اللبنانية مقابل حزب الله الشيعي ، بدعوى أن حزب الله سيحول لبنان إلي دولة شيعيه ، و أن اللبنانيين سيدفعون ثمناً باهظاً نتيجة لتحالف حزب الله مع إيران ، في حال بدأت حرب جديدة بين لبنان و إسرائيل.

ردود فعل حزب الله و الحكومة اللبنانية على التهديدات الإسرائيلية

وردا على تلك التهديدات الإسرائيلية المتعلقة برغبة لبنان في التنقيب عن الغاز ، و طبيعة التحالف الإيراني مع حزب الله اللبناني ، صرح الرئيس اللبناني العماد ميشيل عون ، بحسب بيان صادر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية اللبنانية، بأن “لبنان تحرك لمواجهة الادعاءات الإسرائيلية بالطرق الدبلوماسية، مع تأكيده على حقه في الدفاع عن سيادته وسلامة أراضيه بكل السبل المتاحة”. ، وأكد عون على “خطورة الموقف الصادر عن وزير الجيش الإسرائيلي ليبرمان حول البلوك رقم 9 في المنطقة الاقتصادية الخالصة في جنوب لبنان.

و في تاريخ 9 شباط ، 2018 ، وقعت الحكومة اللبنانية ، عقوداً مع ثلاثة شركات أجنبية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية الإقليمية، وهي “توتال” الفرنسية و”إيني” الايطالية و”نوفاتيك” الروسية، متجاهلة بذلك التهديدات والتصريحات الإسرائيلية ، وهي بذلك تكون قد ضربت بعرض الحائط التهديدات الإسرائيلية حول النفط و أعلنت رفضها للإملاءات الإسرائيلية و الأمريكية بشكل عملي.

أما بالنسبة لموقف حزب الله من التهديدات الإسرائيلية ، فقد أعلن الأمين العام لحزب الله ، حسن نصر الله خلال إحياء ذكرى القادة الشهداء، أن المقاومة اللبنانية قادرة على إيقاف منصات النفط الإسرائيلية خلال ساعات، وقال أن ثمة معركة نفط وغاز تديرها واشنطن من شرق الفرات إلى العراق فقطر والخليج، و أشار إلى أن إسرائيل تحاول استغلال إدارة الرئيس دونالد ترامب والوهن العربي للحصول على قرار أميركي بضم الجولان إلى كيانه .

وهدد نصر الله ، إسرائيل قائلاً: بأنه إذا طلب مجلس الدفاع الأعلى اللبناني، وقف المنصات الإسرائيلية داخل فلسطين فإن ذلك الأمر سيتم خلال ساعات.

و تحديا لإسرائيل ، أعلن نصر الله بمناسبة ذكرى الثورة الإيرانية ، اعتزاز حزب الله بالنظام الإيراني ، واعتبر أنه من الظلم اتهام حزب الله الذي يفتخر بعلاقته مع إيران بأنه يخدم مصلحة غير مصلحة لبنان، مؤكداً أنّ إيران لا تتدخل في الشأن اللبناني بل على العكس الحكومة اللبنانية ترفض العرض الإيراني لمساعدة البلاد.

ويبدو من تلك التصريحات اللبنانية ، أن الحكومة اللبنانية لن تتنازل عن مشروع التنقيب عن الغاز و النفط في المياه الإقليمية اللبنانية ، و سيستمر حزب الله في تحالفه الاستراتيجي مع إيران على الرغم من التهديدات الإسرائيلية ، حيث يتمتع حزب الله بدعم كبير من إيران في مجال بناء قدراته العسكرية وفي مجال الدعم المالي لعناصره ، و لدى حزب الله قناعه أنه في حال شنت إسرائيل حرب على لبنان ، لن تتردد إيران بتقديم الدعم اللازم للحزب لمواجهة الجيش الإسرائيلي .

و يُعتبر تهديد حزب الله لإسرائيل بإيقاف منصات غازها خلال ساعات، على أن الحزب يمتلك بالفعل قدرة عسكرية كبيرة ، قد تمكنه من تحقيق توازن في عملية الردع بينه و بين إسرائيل ، و أن إسرائيل ستفكر مئة مرة قبل أن تفكر بقصف لبنان ، نظرا لقدرة حزب الله في قصف مواقعها بدعم من إيران، مما سيسبسب ذلك خسائر فادحة لإسرائيل.

أما بالنسبة للحكومة اللبنانية فهي لا تمتلك سوى استخدام ورقة الدبلوماسية من أجل طلب الدعم الدولي لمشروعها الكبير المتعلق بالغاز ، و في نفس الوقت طلب الحماية الدولية من أي اعتداء إسرائيلي على أراضيها .

و لا يستطيع أي حزب لبناني مهما كبر حجمه أن يمنع تطور التحالف الإيراني مع حزب الله ، فلدى حزب الله نفوذ كبير في لبنان ، و هو يمتلك قوة عسكرية ضخمه ، و هو من يسيطر بشكل شبه كامل على الجنوب اللبناني ، إضافةً إلي وزنه السياسي في البرلمان اللبناني وتمتعه بشعبية كبيرة عند الطائفة الشيعية اللبنانية ، مما يجعل أي حزب لبناني صغير يتردد في انتقاد التحالف المقدس بين حزب الله و إيران ، و لكن هذا لا يعني تجاهل وجود بعض الأحزاب اللبنانية المعارضة لسياسة حزب الله في لبنان وسوريا ، و التي علا صوتها في الآونة الأخيرة ، من أجل الاعتراض على طبيعة التحالف بين حزب الله و إيران ، حيث انتقد سعد الحريري ، رئيس تيار المستقبل ، حزب الله أثناء كلمة له في الذكرى ل 13 لاغتيال والداه رفيق الحريري ، فقد خاطب الحريري الجمهور اللبناني بشكل مباشر ، قائلاً : “نحن تيار يرفض أي تحالف مع حزب الله” ، لافتاً إلى أن “المواجهة السياسية والانتخابية الحقيقية هي بين تيار المستقبل وحزب الله. ”

ومن الجدير بالذكر ، أن إسرائيل مازالت تخشى من نمو النفوذ الإيراني في بعض الدول العربية ، مما يشكل ذلك تهديدات جدية على وجودها في الشرق الأوسط ، لذا تسعى إسرائيل على تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة عبر استهداف حلفاء إيران الإستراتيجيين في الشرق الأوسط ، و أبرزهم حزب الله في لبنان .

و تشعر إسرائيل بالقلق من الدعم الإيراني العسكري لحزب الله، الذي تتواجد قواته بشكل مستمر في الحدود اللبنانية – الإسرائيلية ، مما يُشكل ذلك خطر كبير على إسرائيل من حيث قدرة الحزب لاستهداف البلدات الإسرائيلية الشمالية في أية حرب مقبلة.

ومع شعور إسرائيل بحجم الخطر الذي قد يشكله حزب الله على إسرائيل في حال اشتعلت حرب جديدة بينها و بين لبنان ، تحاول إسرائيل الاكتفاء بالتهديدات و التصريحات النارية من أجل تأليب الرأي العام اللبناني ضد حزب الله على أمل أن تنجح في إحداث ثورة داخلية ضد حزب الله في لبنان.

و من الواضح جدا ، أن إسرائيل تُدرك جيدا أن أية حرب جديدة على لبنان سوف تكون مكلفة و حرب مدمرة للطرفين ، لذا تحاول إسرائيل في هذه المرحلة التلويح فقط بالحرب مع الاحتفاظ بخط الرجعة ، لحين تحسن الظروف الإقليمية ، و لحين توفر الوقت المناسب لبدء حربها الجديدة من أجل تحييد لبنان عسكريا و تجريد حزب الله من أسلحته .

و على أبعد تقدير ، أن إسرائيل تحاول حالياً تأجيل حربها على لبنان لأطول مدة زمنية ممكنة ، حتى تنتهي من بناء جداراها على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، و لكن ذلك لا يعنى أن إسرائيل قد لا تتورط بحرب جديدة على لبنان قبل الانتهاء من بناء الجدار ، في حال قام حزب الله بتنفيذ عملية عسكرية نوعية ضد إسرائيل ، و في حال سقط عدد من القتلى في الصف الإسرائيلي نتيجة لتلك العملية المحتملة في أي وقت.

أما بالنسبة لحزب الله ، فهو يمتلك قوة عسكرية كبيرة لا يمكن الاستهانة بها ، و هو لديه القدرة لاستعمال أسلحة و صواريخ متطورة قد تُغير من المعادلة الإسرائيلية ، و تحقق توازن في عملية الردع المتبادل بينه و بين إسرائيل ، ولكن في تلك المرحلة لا يرغب أيضاً حزب الله في التصعيد، وهو يتخذ موقف الدفاع عن مصالحه في لبنان ، و حليفه الأسد في سوريا ، وفي نفس الوقت يُدرك الحزب ، أن حربا ثالثة قادمة على لبنان ، و لابد من البقاء على أهبة الاستعداد بشكل دوري دون منح فرصة لإسرائيل بجر قدميه لتلك الحرب.

كيف تصبح سياسيا ناجحا ، دون أن تتعرض للخطر ؟

إن من   أبرز سمات العمل السياسي،  هي أن يضع السياسي بعين الاعتبار،  احتمالات كبيرة للمغامرة السياسية التي قد تصل لدرجة المخاطرة بحياته و حياة أسرته، من أجل تحقيق هدف سياسي، قد يتعارض مع مصالح و سياسات المنافسين و الأعداء.

وعند الحديث عن العمل السياسي ، خاصة في العالم العربي ، دائما ما يتم ترديد بعض المصطلحات السلبية ، التي تثبط من عزيمة  الشباب العربي لممارسة السياسة بشكل إيجابي من أجل إحداث إصلاح سياسي ،  كأن يقال لهم على سبيل المثال ،   بأن السياسة لعبة قذرة ، و أن السياسة خطيرة و تعرضهم لخطر الملاحقة الأمنية ،  بسبب تمسكهم بمبادئهم السياسية التي قد تتعارض مع مصالح بعض المعارضين و الحكام و الدول.

لكن في هذا المقال ، سأعرض قواعد سلوكية سياسية  ،  توضح  كيفية المشاركة بالأنشطة السياسية  بنجاح ، و  دون التعرض لأي خطر،  خاصة في ظل وجود بعض الأنظمة السياسية  الشمولية و الغير ديمقراطية في بعض دول العالم ،  التي  قد تهدد حياة الناشط السياسي إذا اعترض على سياستها الداخلية أو الخارجية.

لذلك ليس بالضرورة  ،  أن كل من يمارس العمل السياسي يجب أن يغامر بحياته،  و أن يتعرض للأذى سواء من المنافسين و الأعداء،  حيث أنه  في حال اتبع  الناشطون السياسيون بعض القواعد السياسية  التي يمكنها أن تضبط سلوكهم السياسي ، قد يستطيعوا  أن يحموا  أنفسهم من الخطر.

لذا أسرد إليكم هنا، أهم هذه القواعد التي قد تجعل أي شخص سياسي،  ناجحا و أمنا بنفس الوقت:

احصل على درجة علمية مرموقة

حتى تكون سياسيا ناجحا ،  وتنال احترام وتقدير الجمهور ، لابد من أن تكون أولاً ، حاصلا على شهادة أكاديمية  معترف بها،  تدل على أنك شخص متعلم و مثقف ، مما سيشعرك ذلك بمزيد من الثقة بالنفس أثناء تعاملك مع أشخاص من خلفيات علمية متنوعة،  و ستمنحك الشهادة الأكاديمية  مزيد من المصداقية عند  مناقشتك مواضيع اجتماعية و سياسية ، و  ستدعم  خطابك  السياسي،  بحيث تتناسب مفرداته مع  فئات متنوعة من الجمهور،  دون التعرض لحرج الأخطاء اللغوية، فالعلم ضروري جدا لدعم موقف السياسي ، خاصة أن المجتمعات العربية تحترم أصحاب الألقاب العلمية و من يمتلك الشهادات الأكاديمية الرفيعة.

اعرف قوانين بلادك جيدا و احترمها

حتى لا تقع في مشاكل قانونية، و يتم توريطك بقضايا غير قانونية  قد تؤدي بك إلي  السجن،  مما سيشوه سجلك السياسي  ، يجب عليك أن تعرف قوانين بلادك جيدا ، لكي يكون نشاطك السياسي قانونيا ، و لا يسبب لك   أية متاعب قانونية ، لذا حاول أن تراعي أثناء خطابك السياسي الاعتبارات القانونية ، فلا تتورط في أنشطة سياسية تثير الفتنة المجتمعية و تؤدي إلي فلتان أمني ، و لا تتبع أسلوب الذم و القدح  للشخصيات العامة أو  الاعتبارية ، و لا تناصر قضايا شائكة و غير قانونية تتعلق بتهم فساد أو جرائم جنائية.

احترم عادات و تقاليد مجتمعك

يجب عليك كسياسي أن تحترم عادات وتقاليد المجتمع الذي تعيش فيه ، فمهما كانت خلفيتك الثقافية و المجتمعية ، ومهما تعارضت  أفكارك الشخصية مع عادات و تقاليد مجتمعك ، لابد من مراعاة الثقافة المحلية،  عندما تبدأ بالترويج لأفكار جديدة بغرض الإصلاح المجتمعي و السياسي ، و ذلك حتى لا يتهمك البعض بالفوقية و الغرور،  و يتهموك أيضاً بأنك  من مروجي  الثقافة الأجنبية و الأجندات الخفية التي تهدف  للقضاء على العادات المحلية الأصيلة.

حاول أن تكون مستقل ماليا حتى لا يتم شراءك

حتى لا يتم شراء صوتك السياسي،  و استغلال نشاطك السياسي لدعم أجندات  سياسية داخلية أو خارجية  قد تخالف قناعتك الوطنية ، و حتى تحافظ على استقلالك السياسي  ، لابد أن توفر لنفسك دخل مادي مستقل عن عملك السياسي،  يضمن لك مستقبلا ماديا أمناً ، لأنه نادرا ما أن يتقاضي  السياسي النزيه و الحر أموال مقابل نشاطه السياسي.

لا تدخل في صفقات أعمال مشبوهة و لا تقبل الرشوة

حتى لا تتورط في أعمال غير قانونية ،و لا يتم اتهامك بالفساد ، و تحافظ على نزاهتك و حسن سيرتك و ثقة الجمهور بك ، ابتعد عن أية صفقات أعمال  مشبوهة  مثل عمليات غسيل الأموال أو صفقات تتعلق بتجارة البشر و المخدرات و السلاح ، و يجب أيضاً عليك كسياسي  أن لا تستسلم لإغراءات  مقدمي الرشاوى المادية و الغير مادية ، حتى لا تقع في شرك الفساد المالي و الأخلاقي مما سيعرضك للخطر و ينهي  مستقبلك السياسي.

حافظ على سمعتك بحياتك

إن أهم ما يملكه السياسي هو سمعته الشخصية،  و السمعة هي نقطة الضعف التي يمكن ابتزاز بها أي سياسي من قبل أعدائه ، لذا لكي ينجح السياسي و يحمي نفسه من خطر الابتزاز، عليه  تجنب زيارة الأماكن المشبوهة ، و تجنب التورط في علاقات غير شرعية مع  احدي الجنسين، و تجنب التورط في الإدمان على الخمر و لعب الميسر ، لأن  أهم  عوامل النجاح السياسي هو  المحافظة  على السمعة الشخصية ، و حسن السيرة   حتى لا تلاحقه  الشبهات المتعلقة بسلوكه الأخلاقي  و حتى لا تغتاله  الإشاعات معنويا.

حافظ على صحتك النفسية و الجسدية

يجب على السياسي أن لا يهمل في كل من صحته  النفسية والجسدية ، حتى يحافظ على سلامة عقله و رجاحته في اتخاذ القرارات السياسية ، و يجب عليه أن يقوم بعمل فحوصات صحية دورية ليتأكد من سلامة جسده وخلوه من الأمراض ، ليستطيع الاستمرار في نشاطه السياسي لفترات أطول ،  بدلا من الانشغال في العلاج بأمراض مفاجئة تهدد حياته بسبب إهماله الصحي.

لا تكن عنصريا، و لا تحرض على العنف و القتل قولا أو فعلا

في عالم متحضر و  متقدم ،  يميل معظم السياسيون  المعاصرون في العالم ، لاعتماد لغة حوار سلمية سواء مع الحلفاء أو الأعداء،  حيث أصبح المنهج السلمي هو الأكثر شيوعا،  و الأكثر فعالية لحل النزاعات ، لذا من الأفضل للسياسي أن لا يستخدم  لغة  العنصرية و التحريض على العنف  والقتل ضمن  خطابه السياسي ،  حتى لا ينشر ثقافة   الكراهية و الحقد في المجتمع ، و عليه أن يتجنب  أيضا التورط في أي أنشطة عنف  قد تعرض حياته و حياة الآخرين للخطر.

تجنب  مناقشة الأمور الحساسة المتعلقة بالدين و الأقليات

من الأفضل للسياسي أن لا يتورط في مناقشات جدلية تتعلق بالدين،  أو أمور قد تثير الفتنة بالمجتمع ،  مثل الطائفية  وحقوق الأقليات، بل يجب أن يحترم السياسي جميع الديانات و المذاهب،  و أن تكون لغة خطابه السياسي  لغة متسامحة ، و غير عنصرية ، و تحترم حقوق الجميع.

لا تلقي التهم جزافا و انتقد القرارات السياسية بموضوعية

السياسي الناجح هو الشخص الذي يكون مسئول عن كل تصريح سياسي يصدر من جهته ،  و الذي لا يتهم الآخرين  جزافا ، حتى لو كان هؤلاء المتهمين،  هم خصوم و أعداء ، فيجب أن يتم دعم تلك الاتهامات  ببراهين و أدلة مادية،  و السياسي الناجح هو أيضاً الذي ينتقد القرارات السياسية بشكل بناء و بكل موضوعية بهدف الإصلاح ، و ليس بهدف تأجيج المشاعر و التحريض على الآخرين ،  لنيل الشهرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ففي حال أراد السياسي فعلاً محاربة  الفساد ،  عليه أن يستخدم  أدوات  القانون و القضاء،  بدلا من بث الإشاعات المغرضة التي قد تهدد مستقبله السياسي ،و تعرضه لخطر الانتقام منه.

لا تقترب من  الجماعات المسلحة

على السياسي الذي يحرص على حياته ، أن ينأي بنفسه عن أية علاقات مع أية جماعات مسلحة ، حتى لا يتورط بمشاكل أمنية مع تلك الجماعات ، قد تعرض حياته للخطر ، و تجعله يخضع للمراقبة الشديدة من قبل أي جهاز أمني محلي أو أجنبي مما يقيد نشاطه السياسي الحر.

أخبئ رأسك  عند تقلب و تغير الأمم

في ضوء  عدم وضوح الرؤية السياسية ، و انتشار الفوضى الأمنية ، و حدوث التغيرات السياسية خاصة في أوقات الثورات و الحروب ، من الأفضل للسياسي أن لا يتحالف مع أي جماعة سياسية جديدة ناشئة ، و أن لا يتحدث في أمور جدلية قد تعرضه للخطر.

و في ظل عدم توفر معلومات مؤكدة عن أوضاع البلاد ، من الأفضل للسياسي  أن يلتزم الصمت حتى تهدأ النفوس الثائرة ، و يتمكن من التعبير عن رأيه السياسي بدبلوماسية،  ودون أن يثير غضب أي طرف من أطراف النزاع.

تجنب  العمل مع أي جهاز استخباري محلي أو أجنبي

لكي يحافظ السياسي على استقلالية رأيه السياسي، و موضوعيته ، وثقة الجمهور به كسياسي مستقل  يعبر عن مطالب شعبه  الحقيقية ، و قناعاته السياسية الحرة التي تهدف لتطوير المجتمع ، من الأفضل للسياسي تجنب  العمل مع أية أجهزة مخابرات ، سواء كانت تلك الأجهزة محلية أو أجنبية ليحمي مصداقيته ، و حتى لا يتم توجيه صوته السياسي لخدمة أجندات سياسية خفية ، لا يعلم نتائجها، و قد تقضي على مستقبله السياسي و تجعله هدف للتصفية السياسية.

تعرف على القوانين الدولية و تجارب الشعوب  الأخرى

من الأفضل للسياسي أن يتعرف على مبادئ القانون الدولي ، لكي يدعم وجهة نظره السياسية بالقرارات الدولية التي تخدم قضيته السياسية على المستوى الدولي،  و على السياسي الناجح أيضا أن يتعرف على تجارب الشعوب الأخرى في  التاريخ ، حتى يستخلص الدروس و العبر و يوفر الوقت على شعبه من إعادة  ارتكاب نفس أخطاء الشعوب الأخرى .

لا تتدخل في السياسات الداخلية للدول الأخرى

السياسي الناجح هو من لا يتدخل في شؤون غيره ، و لا يهاجم السياسات الداخلية للدول الأخرى ، و يحترم خصوصيتها ،  و ذلك حتى لا يتعرض  لاتهامات  خارجية من تلك الدول بأنه  يثير  الفتنة  في تلك البلاد ، أو أنه يعمل لدى جهاز أمني  معادي ،  مما يعرض السياسي  للمنع من السفر إلي  هذه الدول ، و يعيق نشاطه السياسي الخارجي.

تلك كانت  أهم  قواعد السلوك السياسي ، التي إذا حاول أي سياسي أن يطبقها  بحرص شديد ومسئولية ، حينئذ  يمكنه ممارسة  عمله السياسي بكل هدوء و عقلانية ،  دون الشعور بالقلق من التعرض لأي تهديد على حياته ، مما  يمكنه ذلك التفرغ  لأنشطة  الإصلاح السياسي،  و لتوعية  مواطنين شعبه في مجال التنمية السياسية و الثقافة السياسية المثمرة التي تدعو إلي الخير العام و مصلحة الوطن.

لذا مارسوا السياسة  ، لكن بدون خطر …

 

كيف يضحي الفقراء بحياتهم لينعم الأثرياء بالحرية ؟

إن من أكثر الأشياء  التي تُلفت الأنظار عند متابعة تاريخ الثورات العربية ضد الاستعمار ، و بعض الأنظمة السياسية الديكتاتورية  ، أن من يقوم بالثورة هم غالبا الشباب الذين ينتمون إلي الطبقة الوسطى.

و لكن هناك أيضا ثوار من نوع أخر ، هناك من هو مستعد بأن يفقد حياته الثمينة ، و يقبل بأن يكون وقود للثورة بجسده النحيل في سبيل الانتقام من الظلم و التهميش و الحياة الغير عادلة !

إنهم  الشباب اللذين ينتمون للطبقة الفقيرة ، فمستوى التضحية بأرواحهم ، وحياتهم يصل  لدرجة الرغبة الشديدة بالذوبان مع تراب  الوطن ، و بأن   يقدموا  أنفسهم كقرابين بشرية  للأرض  و الحرية و الكرامة الوطنية و للانتقام بشكل دراماتيكي و عنيف من أعداء وطنهم ،  دون الاكتراث لأهمية  الحياة  ومتعة الدنيا ، فالدنيا بعد هذا الفقر المدقع  و الظلم الشديد،  هي بالنسبة لهم فانية،  و لا تساوي مثقال ذرة ، و أجرهم ربما سينالونه في الآخرة.

و عندما نقارن بين مستوى التضحية التي   يقوم بها هؤلاء الشباب الفقراء ،  مع  مستوى التضحية التي يقوم بها باقي الشباب من الطبقات الأخرى المتوسطة و الثرية ، نلاحظ أن المستوىات  الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية  ،  تلعب   دوراً كبيراً   في تحديد طبيعة النضال السياسي و الفكر الأيدلوجي الذي يتبناه هؤلاء الشباب من كل طبقة.

فعادة ما تكون تضحيات الشباب المنتمين  للطبقة الوسطى ، تتمثل على سبيل المثال ، بمحاولة المساهمة في بعض الأنشطة السياسية الفكرية و الاجتماعية و الإعلامية ، مثل المشاركات في حملات المناصرة و الدعم  عبر وسائل الإعلام الاجتماعي،  أو حضور بعض  الندوات السياسية و الاجتماعية،  أو التوقيع على بيان سياسي يندد بسياسة ما ، أو الظهور في التجمعات السلمية  و المؤتمرات السياسية.

أما الشباب الذين ينتمون للطبقة  الغنية ، فنراهم يتخذون  اتجاهاً  آخراً ،  أقل خطورة ،  أو أكثر أمانا لهم  في طبيعة نضالهم السياسي ، لأنه بكل بساطه  لديهم ما يمكن أن يخسروه ، في حال ورطوا أنفسهم بمغامرة سياسية غير محسوبة.

لذا نرى أن مستوى التضحية السياسية  لهؤلاء الشباب ، تكمن في تضحيتهم إما بالمال أو الوقت ، فنجدهم على سبيل  المثال ،  يقضون بعض الدقائق في التعبير عن غضبهم عبر منصات الإعلام الاجتماعي  بكتابة (وسم أو هاشتاج ) لقضية معينه باللغة الانجليزية ،  أو يقومون  بالترويج  لهويتهم الوطنية  بوضع  علم بلادهم  على أكتافهم ، عندما يسافرون للخارج ، أو أنهم قد يتقلدون بسبب علاقتهم مع السلطة  بعض المناصب الدبلوماسية الرفيعة المستوى ، و أخيرا هناك من قد يتبرع بجزء من ماله لدعم قضية بلاده.

لذا يمكننا هنا أن نصل لقناعه بأن كل طبقة في المجتمع تناضل و تكافح،  لكن حسب تقديرها لحجم التضحية التي يمكن أن تقدمها، و حسب ميزان الربح و الخسارة .

فالشباب العاملون و الذين ينتمون للطبقة الوسطى لديهم وظائفهم و جامعتهم و أحلامهم في الثراء و المنصب الرفيع بالمستقبل،  فلماذا يخسروا كل تلك الميزات ، و يعقدون عقدا  مع الموت، و ينقضون وعودهم لأبنائهم بأنهم سيصبحون يوما ما شيئا ما .

و الشباب الأثرياء، والذين ينتمون سواء للطبقة البرجوازية أو الأرستقراطية،  لديهم أرصدتهم المرتفعة في البنوك، و مناصبهم الرفيعة في المؤسسات الدولية ، و مقاعدهم الدراسية في الجامعات الأمريكية و الأوروبية ، فلماذا يضحون بكل هذا النعيم و الثراء ، و يقدمون أنفسهم للموت من أجل ثورة ، قد يقودها غيرهم، و يجنون ثمارها بكل سهولة و لو بعد حين.

أما الشباب الفقراء، فهم ليس لديهم عمل كريم لكي يكون لهم أمل في الحياة الرغدة ، أو طموح بأنهم في يوم ما سيزاد رزقهم و يصبحون أعضاء في الطبقة المتوسطة على الأقل.

و هم لا يملكون المال لكي يسافروا، و يتعلموا في الجامعات الأجنبية أو حتى المحلية من أجل أن يحصلوا على الشهادات العلمية الرفيعة التي قد تدعمهم في تطوير حياتهم للأفضل، و تساعدهم في بناء مستقبلا واعدا.

و هم لا يملكون المال لكي يدفعوا ثمن اشتراك خدمة الانترنت الشهرية ، لكي ينفثوا عن غضبهم و سخطهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي،  بدلا من أن يسيروا تحت أشعة الشمس المحرقة،  لساعات طويلة في تظاهرات غاضبة بالقرب من الحدود قد تعرض حياتهم للخطر.

و هم لا يملكون المال لكي يشتروا ثمن بزة سوداء  مهندمة ،  لكي يتصدروا المؤتمرات السياسية و الندوات الاجتماعية و الإعلامية،  بدلا من انتظار صدقة شهر رمضان، لكي يشتروا مجرد حذاء مستعمل يحمي أقدامهم من مياه الصرف الصحي التي تُغرق حارات مخيماتهم البائسة.

إنهم بكل بساطه ليس لديهم ما يخسروه !

و هم لا يملكون سوى أجسادهم النحيلة التي تعاني من سوء تغذية بسبب الجوع و الحرمان ، لذا فهم يقدمون تلك الأجساد الهزيلة كوقود للثورة لتحترق تلك الأجساد في نيران الغضب و الانتقام من الحياة الغير عادلة و من الظلم و التجاهل المجتمعي و الاستغلال السياسي و أخيرا من براثن الاحتلال و الاستعمار الأجنبي.

هذا بكل بساطه ، ما فعله الشهيد الفلسطيني المقعد إبراهيم  أبو ثريا ،  الذي غضب و ثار،  عندما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بالقدس كعاصمة لإسرائيل ،  فانتفض أبو ثريا  لوطنه المجروح  و المنقسم على بعضه البعض ، انتفض  عبر رفع  العلم الفلسطيني   في أخطر منطقة بين حدود قطاع غزة و إسرائيل ، انتفض  أبو ثريا و ثار  مع الثوار على الواقع الأليم و الحياة البائسة التي يعيشها بقطاع غزة ، فضحى بنصف جسده ، ليعلنها ثورة على كل شيء !

ثوره على الفقر !

ثورة على التهميش بحقوق  ذوي الإعاقة !

ثورة على الظلم الاجتماعي !

ثورة على الفساد و الاستغلال السياسي !

و  أخيرا ثورة على الاحتلال الإسرائيلي!

القدس و محاولات كسر التابوهات لتصفية القضية الفلسطينية!

لا يخلو أي نقاش سياسي حول القضية الفلسطينية يتم تداوله بشكل علني في وسائل الإعلام أو داخل أروقة الحكم الفلسطينية ، من الحديث عن الخطوط الحمراء الفلسطينية التي لا يجرؤ أي زعيم فلسطيني تجاوزها في ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ، و التي تُعد بمثابة تابوهات أو محرمات في السياسة الفلسطينية لا يملك أي قائد فلسطيني القدرة للتنازل عنها.

و عند الحديث عن التابوهات الفلسطينية ، أقصد هنا بثلاث محرمات رئيسية في القضية الفلسطينية ألا وهي : القدس و حق العودة للاجئين و حدود الدولة فلسطينية لعام 1967.

لذا على مر السنين ، ركزت إسرائيل بشكل مكثف حول محاولة كسر تلك التابوهات الفلسطينية ، من أجل تصفية القضية الفلسطينية ، وحسم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، لصالح المصالح الإسرائيلية ، وحسب الرؤية الإسرائيلية لملف التسوية النهائية.

ومن أجل كسر أول و أخطر تابوه فلسطيني ، وهو القدس ، التي يُصر الفلسطينيون على كونها العاصمة المقدسة للدولة الفلسطينية ، بدأت إسرائيل بالفعل ومنذ عدة عقود زمنية في تنفيذ مخططها المدروس جيدا لتهويد القدس ، مع الاستمرار بمحاولة تنفيذها لمشروع القدس الكبرى ، الذي يهدف إلي توسيع نطاق بلدية القدس عن طريق ضم المستوطنات الإسرائيلية المتواجدة بالقدس الشرقية و محيط الضفة الغربية لتكون تحت إدارة بلدية القدس.

و كطريقة منهجية إسرائيلية مستمرة لكسر تابوه القدس نرى أنه من الواضح جدا ، نجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتاياهو بعقد صفقة تاريخية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل حتى فوزه بالانتخابات الرئاسية ، تكمن بنود تلك الصفقة ، بأن ينال ترامب دعم اللوبي اليهودي و الإنجيلين بأمريكا أثناء فترة الحملة الانتخابية الرئاسية ، مقابل وعود من ترامب لتمرير قرارات أمريكية لصالح إسرائيل بعد فوزه بكرسي الرئاسة الأمريكية.

لذا مع إعلان ترامب خلال يوم الأربعاء الموافق 6/12/2017 ، بأن القدس هي عاصمة إسرائيل ، يكون ترامب بذلك قد أوفى بوعده لنتاياهو ، و قد اتخذ بالفعل قرارا تاريخيا ، حاول الرؤساء الأمريكيون السابقون تأجيله عدة مرات خوفا من ردود فعل غاضبة بالعالم العربي.

و بهذا الاعتراف الأمريكي الخطير ، تكون إدارة ترامب قد دقت أيضا أول مسمار في نعش القضية الفلسطينية، و بدأت بشكل مدروس ومخطط له جيدا ، عملية تصفية القضية الفلسطينية ، عن طريق كسر أخطر المحرمات الفلسطينية التي تتمثل بالقدس و التي مازال العرب و المسلمين يعتبرونها العاصمة الأولى للدولة الفلسطينية المستقبلية.

و لا يمكن الاستهتار بهذا الاعتراف الأمريكي ، حتى لو اعتبره البعض بأنه مجرد اعترافا رمزيا ، لأن هذا الاعتراف سيكون له انعكاسات خطيرة على أرض الواقع، وهو يذكرنا أيضاً باعتراف الولايات المتحدة سابقا بإسرائيل خلال عام 1948 ، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك أول دولة غربية تعترف بإسرائيل، قبل نيل إسرائيل اعتراف رسمي من الأمم المتحدة ، الخطوة الرسمية الأمريكية التي تلتها بعد ذلك اعترافات متوالية من قبل دول أخرى ، على الرغم من اعتراض العرب حينذاك و رفضهم لوجود الدولة الإسرائيلية بعد صدور قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة إسرائيل.

لذلك ليس من المستبعد أن تنتقل عدوى الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة لإسرائيل لبعض الدول الأخرى التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع إسرائيل ، مثل بعض دول أوربا الشرقية و بعض الدول الأسيوية و الإفريقية ، فخطوة ترامب الجريئة ستشجع باقي الدول للإقتداء بالولايات المتحدة الأمريكية و للسير في خطاها ، الخطوة التي ستحاول إسرائيل توظيفها بشكل مكثف لإقناع باقي الدول العظمي لتغيير موقفها الرسمي تجاه القدس، و لتمرير قرارات أمريكية جديدة عبر الأمم المتحدة لصالح تعزيز عملية الاعتراف الدولي بالقدس كعاصمة لإسرائيل.

أما بالنسبة للتابوه الثاني ، الذي تحاول إسرائيل كسره من أجل تصفية القضية الفلسطينية هو حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، حيث مازالت إسرائيل تطلق بالونات اختبارها لجس نبض الشارع الفلسطيني و العربي ، وذلك عبر تسريب تصريحات لبعض مسئوليها حول إمكانية توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية و إمكانية إقناع مصر بالتنازل عن مساحات معينة من أراضي سيناء لتوسيع قطاع غزة من أجل استيعاب عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين لتوطينهم بسيناء ، الأمر الذي لاقى رفضاً مصرياً رسمياً ، لكن في ذات الوقت لم يُحبط هذا الرفض المصري الآمال الإسرائيلية لإذابة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر الاستمرار بطرح ومناقشة أفكار إسرائيلية تدور حول التوطين أو تقديم تعويضات مالية لهؤلاء اللاجئين من قبل الدول المانحة .

و عن التابوه الثالث، الذي تحاول إسرائيل اختراقه بالتعاون مع حليفتها الكبرى ، الولايات المتحدة الأمريكية ، يمكن القول بأنه تابوه حدود الدولة الفلسطينية على عام 1967 ، حيث تحاول إسرائيل فرض سلطة الأمر الواقع على الفلسطينيين، و تحديد حدود الدولة الفلسطينية بشكل أحادي يتجاهل المطالب الفلسطينية بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967.

و تجدر الإشارة ، أنه عند متابعة التسريبات الإعلامية المتعلقة بوجود صفقة أمريكية لتسوية القضية الفلسطينية و متابعة التصريحات الرسمية لحكومة نتاياهو حول شروط إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية ، نلاحظ أن هناك مخطط أمريكي – إسرائيلي لتسويق مشروع دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة لا تشمل بالضرورة القدس ، يتم تأسيسها على إقليم جغرافي صغير يشمل قطاع غزة و بعض أراضي الضفة الغربية ، مع اختراق صارخ من قبل المستوطنات الإسرائيلية لهذا الإقليم ، مما يعطي الفلسطينيين دولة منقوصة السيادة ، قد تكون أشبه بنظام حكم ذاتي محدود السيادة و الصلاحيات.

ومع محاولات إسرائيل الحثيثة لكسر التابوهات الفلسطينية الثلاث ، خلال هذه الفترة الزمنية الحرجة بحياة الشعوب العربية ، يتم للأسف محاولة تجزئة القضية الفلسطينية ومحاصرتها عبر العمل على محو الخطوط الفلسطينية الحمراء من أجل تصفية القضية الفلسطينية حسب الرؤية الأمنية الإسرائيلية .

وما يجري الآن في هذه الفترة ، يمكن وصفه بأنه عبارة عن محاولات إسرائيلية جادة لحرق مراحل كبيرة من مفاوضات التسوية النهائية ، من أجل القفز على الشروط الفلسطينية في المفاوضات و فرض سلطة الأمر الواقع ، وحشر الفلسطينيين بالزاوية في ظل تشتت جهود الدول العربية ضمن صراعات إقليمية و عربية مشتعلة في كل من اليمن و سوريا و ليبيا و العراق.

ملف الانقسام الفلسطيني بين الماضي و المستقبل

  • مقدمة:

مرَ نحو عشرة أعوام على اندلاع أحداث الانقسام الفلسطيني، و الشعب الفلسطيني مازال ينتظر أي أمل، و لو كان ضئيلاً من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس للأبد.

لكن للأسف  في كل مرة يشعر بها الشعب الفلسطيني بالتفاؤل ، يتم تخييب ظنه  بصدور تصريحات فلسطينية جديدة  عبر وسائل الإعلام ،  حول وجود عدة  عراقيل و صعوبات ، تُعيق تحقيق المصالحة  الفلسطينية الشاملة بين حركتي فتح وحماس ، بسبب خلافات سياسية تنمُ عن حالة مستمرة من الانشقاق في الصف الفلسطيني ، و تضارب المصالح السياسية بين الفصائل السياسية المتناحرة.

و قد  جعل ذلك  الانشقاق الفلسطيني ، الشعب الفلسطيني يشعر بكم كبير من اليأس و الاحباط ، حيث  انعكس  الانقسام الفلسطيني بشكل سلبي وخطير على كافة الأوضاع الانسانية بقطاع غزة ، و أدت  تلك الخلافات السياسية بين السلطة الفلسطينية برام الله  و حركة حماس بقطاع غزة،  إلي اتخاذ بعض الإجراءات المشددة   من قبل رئيس السلطة الفلسطينية ، محمود عباس ، تجاه قطاع غزة ، مثل عدم تحمل السلطة الفلسطينية مسئولية دفع فواتير كهرباء غزة المحولة من إسرائيل ، و ذلك تحت مبرر أن حماس تجمع ضرائب غزة ،و لا تدفع مستحقات الكهرباء للسلطة لسداد فواتير الكهرباء الممتدة للقطاع من بعض  الخطوط الإسرائيلية.

و تُعد أزمة الكهرباء في قطاع غزة ، من أخطر الأزمات  الانسانية ، التي يتعرض لها سكان قطاع غزة  باستمرار ، نتيجة  الانقسام الفلسطيني ، وذلك لما لديها  من تبعات و انعاكسات خطيرة على الوضع الانساني و الاقتصادي و الاجتماعي و الصحي و البيئي في قطاع غزة.

و بالإضافة إلي أزمة  الكهرباء ، نتج أيضا عن الانقسام الفلسطيني ، أزمات أخرى تُشكل أكثر خطورة على مواطني قطاع غزة ، تتعلق بمسألة الحياة أو الموت ، مثل قضية تأخر التحويلات الطبية لمرضى الحالات الحرجة بقطاع غزة ، و عدم قدرة مواطني قطاع غزة للسفر إلي الخارج  للعلاج ، بسبب الإغلاق المستمر لمعبر رفح البري و القيود المشددة للسفر عبر معبر إيرز الإسرائيلي.

ومع تدهور الأوضاع الانسانية في قطاع غزة ، وتمسك  طرفي الانقسام بوجهة نظرهما ،  و بمبراراتهما لعدم الوصول للمصالحة النهائية ، حاولت بعض الأطراف العربية و الإقليمية  مثل مصر وقطر وتركيا ، التوسط بين الطرفين ،  لإغلاق هذا الملف المعقد .

لكن في كل مرة تحاول تلك الدول الوصول لمصالحة مع الإخوة المنقسمون ، تبقى هناك ملفات عالقة ، و لا يتم الوصول لحل نهائي ، مما يجعل مستقبل القضية الفلسطينية يبدو غامضا و مجهولا ، و يستدعى ذلك إلي  ضرورة عمل مراجعة نقدية وموضوعية  للملف الداخلي  للقضية الفلسطينية،  الذي غرق للأسف  في بحر من الخلافات و الانقسامات السياسية الداخلية ، فبدلا من أن يتم  التركيز على قضايا أساسية  ، تتمثل بالتخلص من الاحتلال الاسرائيلي،  و تحقيق الوحدة الوطنية،   و بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ، يتم الانشغال بخلافات داخلية.

و في ظل تأزم  الوضع الفلسطيني ، و في ضوء استمرار المناكفات السياسية بين حركة حماس بغزة و حركة فتح  برام الله ، حول من سيستلم أولا لشروط الآخر ، حيث اشترط  الرئيس عباس على  حركة حماس ، بأن تقوم أولاً  بحل اللجنة الإدارية التي شكلتها  في شهر مارس 2017،  و في نفس الوقت اشترطت  حركة حماس  على الرئيس عباس ، أن تتحمل حكومة  الوفاق الوطني كافة  مسئولياتها بقطاع غزة،  بما فيها القيام  بدفع رواتب موظفي حركة حماس بغزة.

جاءت المفاجأة الكبرى ، ضمن بيان صحفي لحركة حماس ، صدر بتاريخ 17/9/2017 ، أعلنت من خلاله الحركة حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، و دعت به حكومة الوفاق الوطني للوصول لقطاع غزة؛ لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فورا. و صرحت الحركة في  نفس البيان  أن قرار حل اللجنة الإدارية ،  جاء استجابة للجهود المصرية ، بقيادة جهاز المخابرات العامة المصرية والتي جاءت تعبيراً عن الحرص المصري على تحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام.

ولم تُضيع السلطة الفلسطينية تلك الفرصة،  فقد استجابت بالفعل لقرار حماس المفاجئ، وأرسلت وفد وزاري و أمني رفيع المستوى ، جاء إلي قطاع غزة  بتاريخ 2/10/2017 ،  تحت قيادة  رئيس حكومة الوفاق الوطني ، رامي الحمد الله ، في أول زيارة بهذا المستوى منذ عام 2015،  من أجل استلام مهام الحكومة بشكل رسمي.

ولكن على الرغم من تلك الخطوات الرسمية التي تم تبادلها بين حركة حماس و السلطة الفلسطينية برام الله ، تبقى هناك  عدة تساؤلات رئيسية ، ألا وهي،  هل بتسليم حماس وزارت  قطاع غزة لأيدي السلطة الفلسطينية سينتهي الانقسام الفلسطيني للأبد ؟ أم أنها مجرد إجراءات شكلية جاءت فقط كاستجابة مؤقتة للمحاولات المصرية للتقريب بين الطرفين؟

لذا سنحاول عبر هذا المقال الإجابة على تلك التساؤلات، بعد أن يتم عرض موجز لأهم جذور الصراع السياسي بين حماس و فتح، و أهم التطورات و المراحل السياسية التي حدثت خلال فترة الانقسام،  وصولا لتوقعات مستقبل المصالحة الوطنية التي ترعاها بشكل مباشر المخابرات المصرية.

 

  • جذور الصراع السياسي بين حماس وفتح

بدأت مظاهر الانقسام الفلسطيني تتشكل عقب انتهاء الانتخابات التشريعية الثانية خلال عام  2006 ، و التي شكلت نتائجها مفاجأة  كبرى لجميع الفصائل الفلسطينية ، و على رأسها حركة فتح ، حيث فازت حركة حماس بتلك الانتخابات التشريعية ، بواقع 76 مقعدا من أصل 132 مقعدا ، بينما فازت حركة فتح ب 43 مقعدا ، و فازت قائمة أبو على مصطفى بثلاثة مقاعد فقط.

ومع شعور حركة فتح بالصدمة جراء  فوز حركة حماس الساحق في تلك الانتخابات ، رفضت حركة فتح المشاركة في الحكومة الجديدة التي شكلتها حماس برئاسة رئيس الوزراء السابق ،إسماعيل هنية  ، وذلك من أجل ترك  المجال لحماس بأن  تخوض تجربة حكم جديدة حزبية ، و أن تواجه   بشكل منفرد  تحديات السلطة و الحكم على أرض الواقع ، وذلك دون تقديم أي دعم سياسي من طرف فتح  لتلك الحكومة الجديدة.

وبتسلم حركة حماس مقاليد الحكم،  تحت رئاسة الرئيس محمود عباس،  الذي فاز أيضا في عام 2005 بالانتخابات الرئاسية للمرة الأولى ،  قام  سعيد صيام ، وزير الداخلية السابق ،  خلال عام 2006 باتخاذ قرار مصيري ، أعتقد أنه  يُعتبر  أول شرارة لانطلاق الصراع السياسي بين الرئيس عباس و حركة حماس ، وهو قرار تشكيل قوة أمنية جديدة بقطاع غزة ، تتكون من أعضاء حركة حماس ، تحت مسمى “القوة التنفيذية ” ، الأمر الذي اعتبره الرئيس عباس آنذاك  بمثابة تحدي كبير لسلطته ،  وتطور أمني خطير ، لما له من  تداعيات سلبية على  وضع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تم تشكيلها سابقا منذ عام 1996.

لذا كان هناك عدة مناشدات من الرئيس،  لحركة حماس بضرورة تفكيك تلك القوة التنفيذية ،  لأن وجود تلك القوة  يتضارب مع أداء أجهزة الأمن الفلسطينية التي أيضا قاطعت تلك القوة التنفيذية  بشدة.

ومع رفض حكومة حماس حل تلك القوة التنفيذية ، أدى ذلك لاشتعال الأوضاع بقطاع غزة خلال عام 2007 ، حيث استخدمت حماس تلك القوة الأمنية الجديدة من أجل الانقلاب  على جميع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المتواجدة بقطاع غزة ، و شبت مواجهات دامية بين عناصر حماس و عناصر حركة فتح و بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية مثل جهاز الأمن الوقائي ، مما أدى إلي سقوط  عدد كبير من القتلى والجرحى  في صفوف مواطني قطاع غزة ، بما فيهم بعض العاملين في أجهزة أمن السلطة و القوة التنفيذية التابعة لحماس.

و بعد انتهاء الأحداث الدموية بين حركتي فتح و حماس ، برزت في الأفق عدة مبادرات عربية ووطنية  من أجل الوساطة بين الحركتين لإقناعهما  بالمصالحة و انهاء الانقسام ، حيث كان من أهم تلك المبادرات ،  اتفاق مكة بالسعودية و الورقة المصرية و إعلان الدوحة  و اتفاق الشاطئ.

لكن للأسف ، باءت جميع المبادرات العربية التي حاولت أن تجمع بين فتح وحماس من أجل مصالحتهما مع بعضهما البعض  بالفشل ، بسبب عدم رغبة أي طرف بتقديم أية تنازلات للطرف الآخر .

وعلى الرغم من فشل الوساطة العربية لمصالحة طرفي الانقسام ، نجح اتفاق الشاطئ  الذي تم عقده بين حركتي حماس و فتح خلال عام 2014 ،  بتشكيل حكومة التوافق الوطني .

إلا أن ذلك أيضا لم ينهى الانقسام الفلسطيني ، حيث عجزت تلك الحكومة في توفير رواتب لموظفي حركة حماس الجدد ، الذين عينتهم حماس بدلا من موظفي السلطة القدامى الذين استنكفوا سابقا عن العمل بناءً على قرار رئاسي صادر من الرئيس عباس خلال عام 2007.

ومع عجز حكومة التوافق الوطني عن تلبية مطالب حماس ، قررت الحركة  في عام 2017 ، تشكيل لجنة إدارية عليا لإدارة  شؤون قطاع غزة ، لتكون بمثابة سلطة تنفيذية فعلية بقطاع غزة ، تنفي بذلك صلاحيات وزراء حكومة التوافق الوطني  وتنافس عملهم بالقطاع.

ومن هنا  نستطيع القول ،  أنه منذ تأسيس  تلك اللجنة الإدارية ، و رفض حماس الشديد لحلها ، احتد الصراع السياسي مرة أخرى بين الرئيس عباس و حماس ، و تدهورت الأمور السياسية بشكل دراماتيكي ، مما أدى لقيام  الرئيس عباس بفرض  إجراءات عقابية ومشددة تجاه قطاع غزة ،  للضغط على حركة حماس لكي تسلم مفاتيح حكم غزة له مرة أخرى.

  • إشكالية اللجنة الإدارية العليا  في غزة

بعد تحذيرات جدية من الرئيس عباس لحركة حماس،  حول مدى خطورة اتخاذ قرار سياسي لتشكيل  لجنة ادارية تدير شؤون  قطاع غزة ، تجاهلت حركة حماس تلك التحذيرات،  و أعلنت  بشكل رسمي عن تشكيلها  لللجنة الإدارية العُليا لإدارة شؤون قطاع غزة،  بعد أن صادق عليها  نواب كتلتها في المجلس التشريعي بغزة، بتاريخ  23/3/2017 ،  وذلك تحت مبرر  أسمته “غياب حكومة الوفاق عن متابعة شؤون القطاع”.

و علل  الدكتور محمود الزهار ، عضو المكتب السياسي لحركة حماس ، عبر تصريحات صحفيه له ، بأن أسباب تشكيل تلك  اللجنة  تعود لرغبة حركة حماس بمراقبة و متابعة وتوجيه حكومة الوفاق الوطني و أنها ليست حكومة جديدة أو مجلس وزراء.

وتكونت اللجنة الإدارية التي شكلتها حماس لإدارة شؤون قطاع غزة ،  من سبعة أعضاء وهم: عبد السلام صيام رئيسا، وتوفيق أبو نعيم مسؤول عن وزارة الداخلية والأمن الوطني، واسماعيل محفوظ مسؤول عن وزارات العدل والشؤون الاجتماعية والأوقاف، وباسم نعيم مشرف على وزارة الصحة وسلطة البيئة، ورفيق مكي مسؤول عن وزارات الاقتصاد والزراعة وسلطة المياه، وكمال أبو عون مسؤول عن وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة، ويوسف الكيالي للإشراف على وزارة المالية وديوان الموظفين العام.

و تأكيدا لجدية دور  اللجنة الإدارية في متابعة شؤون قطاع غزة ، و دليلا على رغبة حركة حماس باستمرار عمل هذه اللجنة في المستقبل  ، قدمت  اللجنة الإدارية ،  لنواب حماس في المجلس التشريعي بغزة ،   خطة إستراتيجية  تمتد على مدار خمس سنوات من 2017 إلي 2021.

 

و أعتقد هنا، أن تشكيل هذه اللجنة الإدارية من قبل حركة حماس، قد أحدث بالفعل إشكالية معقدة  أمام  أعضاء حكومة الوفاق الوطني و أضعف من قدرتهم على  القيام  بمهامهم  الوظيفية بقطاع غزة  بشكل كامل و فعال .

حيث   نجد أن  من  أهم مهام هذه اللجنة الإدارية، كانت تتمثل بمتابعة شؤون الوزارات الحكومية بقطاع غزة،  و اصدار تعليمات وتوجيهات لموظفي الوزرات بقطاع غزة بشكل يؤدي إلي تضارب الصلاحيات و المسئوليات بين الوزراء المعينين من قبل الرئيس عباس، و بين أعضاء تلك اللجنة ، الذين تم تعينهم من قبل حركة حماس ، وذلك بسبب تجاهل أعضاء  اللجنة  لدور هؤلاء الوزراء، اللذين بدورهم بدؤوا يشعرون بالتهميش و عدم السيطرة الفعلية على فروع وزارتهم  المتواجدة بقطاع  غزة.  الأمر الذي   أثر   سلبيا على مصلحة المواطن الغزي، و أعاق  بعض المعاملات الأساسية  والضرورية  التي يحتاجها المواطن مثل التحويلات الطبية للضفة الغربية و إسرائيل.

  • تفاهمات حماس مع الخصم الأكبر للرئيس

ومع تعثر المصالحة الفلسطينية  بين حركتي فتح وحماس،  و صعوبة الوصول إلي تفاهم سياسي بين الطرفين  ، فتحت قيادة حماس الباب  بحذر أمام القيادي محمد دحلان ،  و أعوانه من أجل ترميم العلاقة السياسية بين الحركة و  دحلان ، و التي شهدت سابقا اضطرابات  وصراعات  حادة   إبان فترة الانقلاب  السابق .

حيث برزت بعض التحولات النادرة  في منهجية  حركة حماس  السياسية ، فقد بدأت قيادة الحركة تعيد التفكير بعلاقاتها بدحلان ، و قررت  أن تمنحه فرصة فريدة من نوعها من أجل  إصلاح  أخطاء الماضي، و إنهاء  الصراع  السابق  بينهما، و ذلك كمحاولة  من الحركة  إيجاد أي مساعدة  عن طريق دحلان من أجل تخفيف  الحصار المفروض على  قطاع غزة ، و فتح معبر رفح البري عن طريق  تحسين علاقاتها  مع السلطات المصرية التي تتمتع بعلاقة قوية مع دحلان.

و في شهر يوليو 2017 ، صرح القيادي بحركة حماس ، أحمد يوسف لجريدة الغد الأردنية ، أن حركة حماس وقعت بالفعل على ورقة تفاهمات بينها وبين دحلان،  حيث شملت تلك الورقة 15 بنداً محورياً، تستهدف “تحقيق المصالحة المجتمعية الوطنية، وإنقاذ الوضع المتدهور في القطاع”  .

و صرح يوسف بأنه “سيجري تشكيل لجنة إدارية جديدة بمشاركة وطنية واسعة لإدارة قطاع غزة؛ وذلك للرد على اتهامات تفرد حركة حماس ووجود العنف والتطرف في القطاع، حيث تضم كلاً من حركة حماس ومحسوبين على دحلان في غزة، ومختلف القوى والفصائل الوطنية والإسلامية”

و حسب تصريحات يوسف ، أن من ضمن بنود تلك الورقة هو تولي حركة حماس الملف الأمني الداخلي، بينما سينشغل تيار دحلان بإدارة شؤون غزة إلى جانب القوى والفصائل الوطنية والإسلامية في القطاع.

و أشار يوسف ، أن من ضمن التفاهمات أيضا هو السماح لأحد قيادات تيار دحلان ، سمير المشهراوي بالعودة إلي قطاع غزة من أجل العمل  على تفعيل اللجنة الوطنية للتكافل الاجتماعي، التي تعطلت سابقاً بسبب الخلافات مع دحلان، حيث سيتم إعادة بناء وهيكلة اللجنة لتتولى الدعم والإسناد المالي للقطاع.
لذا بناءً على تصريحات القيادي أحمد يوسف،  نستنتج  أن لجوء حركة حماس للتفاهم مع دحلان ، بدلا من الرئيس عباس ،  جاء ذلك من أجل تحقيق مصالح مشتركة بين حماس و دحلان ، تتمثل برفع اللوم الشعبي على حركة حماس جراء  عدم تمكنها من حل  الأزمات الإنسانية بالقطاع ، و طلب مساعدة و دعم من  دحلان و حلفائه العرب لحل تلك الأزمات ، وفي نفس الوقت سيحسن دحلان من صورته السياسية في الشارع الفلسطيني، و سيروج لنفسه كبطل منقذ للقطاع ، مما سيزيد من شعبيته عند مواطني قطاع غزة ، و يسهل عليه الفوز في أية انتخابات رئاسية مقبلة.

لذلك  قد تكون تلك التفاهمات بين دحلان و حماس ، بمثابة تحدي للرئيس عباس،  و بمثابة رسالة غير مباشرة من حماس للرئيس ، مفادها أن  حماس تستطيع أن تتخلى عن المساعدات المشروطة التي يلوح عباس بمنعها تارةً و بالسماح لها تارةً أخرى.

ففي هذه المرة ، حماس اختارت أن تراهن على ورقة فلسطينية جديدة،  و تفاهمت مع الخصم الأكبر للرئيس عباس ، ألا وهو القيادي محمد دحلان،  كرد غير مباشر منها على رفض السلطة الفلسطينية الاستجابة لأهم شروطها  الرئيسة المتمثلة بدفع رواتب موظفي حماس بقطاع غزة.

  • إجراءات رئاسية مشددة للضغط على حماس

في ضوء  استمرار رفض  حركة حماس  حل لجنتها الإدارية ، حاول  الرئيس عباس عدة مرات  ارسال بعض  الوفود الفتحاوية لاقناع  حماس بضرورة  العدول عن قراراها ، حيث كان هناك  مبادرة سياسية نقلها عباس عبر لجنة سداسية من أعضاء مركزية حركة فتح،  تدعو  حركة حماس  إلي حل اللجنة الإدارية أولاً ، وتمكين حكومة التوافق الوطني من العمل في غزة عبر تسليمها المؤسسات والمعابر، على أن يجري تعديل لاحق على الحكومة، التي سيكون من مهامها التحضير فورا لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال 3  أشهر، وأثناء ذلك يتم العمل على عقد مجلس وطني جديد، يأخذ على عاتقه تجديد منظمة التحرير.

لكن حركة  حماس رفضت هذه  المبادرة ، و لجأت بدلا من ذلك إلي الحوار مع القيادي محمد دحلان ، الخصم الأكبر للرئيس ، مما أثار ذلك غضب عباس ، و جعله يتخذ اجراءات مشددة تجاه قطاع غزة ، وصفها البعض بأنها عقابية من أجل الضغط على حركة حماس لحل اللجنة الإدارية .

وتتمثل تلك الإجراءات  المشددة تجاه قطاع غزة ، برفض السلطة الفلسطينية دفع فاتورة كهرباء قطاع غزة ، المزودة عبر  الخطوط الإسرائيلية ، و بخصم نسبة من رواتب موظفين السلطة الفلسطينية  القدامى في غزة ، و إعلان خطة تقاعد مبكر لعدد من الموظفين المدنيين و  العسكريين التابعين  لمؤسسات السلطة  الحكومية بغزة، الأمر الذي شكل صدمة كبيرة لسكان قطاع غزة ، الذين يعتمد معظمهم  على دخل موظفي السلطة الفلسطينية و الذين يعانون من حصار إسرائيلي مشدد و هم بأمس الحاجة إلي أي مصدر دخل ثابت.

لذا لاقت اجراءات السلطة الفلسطينية المشددة تجاه قطاع غزة ، استهجان عدد كبير من مؤسسات حقوق الانسان المحلية و  بعض المنظمات الدولية، مثل مكتب الأمم المتحدة  لحقوق الانسان الذي أصدر بيان صحفي بتاريخ 11/8/2017 ، يُصرح من خلاله ، أن الأزمة السياسية في غزة تحرم مليوني شخص من الكهرباء والرعاية الصحية والمياه النظيفة في ظل درجات حرارة صيفية قائظة، وناشد المكتب إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحركة حماس حل نزاعاتهم.

و لم يقتصر توجيه الانتقادات حول اجراءات السلطة المشددة تجاه قطاع غزة من قبل فقط بعض المنظمات الحقوقية،  بل وصل الأمر إلي  أن  تُصدر زهافا جلؤون،  رئيسة حزب “ميرتس” اليساري الإسرائيلي، ، عقب لقاء لها مع الرئيس عباس في مقره برام الله بتاريخ 20/8/2017 ، تصريحا صحافيا ، مفاده  بأن  “خيار معاقبة الغزيين كلهم من خلال قطع الكهرباء،  يشكل خطوة خاطئة وغير شرعية في الوقت الحالي”.

و في رد السلطة الفلسطينية برام الله ، على تلك الانتقادات بخصوص إجراءات السلطة المشددة تجاه غزة  ، برر الدكتور نبيل شعث، مستشار الرئيس محمود عباس، للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية  في مقابلة صحفية تمت معه عبر موقع دنيا الوطن ، خلال شهر يوليو 2017 ،  بأن  تلك الإجراءات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية في قطاع غزة،  تهدف لإيصال رسالة لحركة حماس مفادها، أنه كفى للانقسام ويجب استعادة الوحدة الوطنية، وعدم القبول بمخططات الانقسام.   ونفى شعث  بأن تكون إجراءات الرئيس تجاه غزة، ضد مواطنين قطاع غزة ، مشيراً  بأن  السلطة الفلسطينية تتحمل مسئولية غزة منذ أكثر من 10 أعوام ، وحماس تجمع الضرائب و لا تدفع نفقات الكهرباء.

لذا أرى هنا أن الغرض من تنفيذ هذه الإجراءات المشددة تجاه قطاع غزة ، هو  ارسال رسالة تهديدية ومباشرة لقيادة حركة حماس  بغزة ، تُعبر عن غضب الرئيس عباس  من  سياسة حماس في القطاع ، التي تتسم بتهميش حكومة الوفاق  الوطني،  و الهروب نحو تحالفات و تفاهمات مع خصوم الرئيس، بدلا من التفاهم بشكل مباشر مع الرئيس نفسه و الوصول لحل نهائي لقضية الانقسام الفلسطيني .

 

و أعتقد أيضاً ، أن الرئيس أراد عبر إرسال تلك الرسالة ، أن يُخبر  قيادة حماس ،  بأنه مستعد أن يسلمها قطاع غزة بكامل نفقاته ، و أن من يحكم القطاع بشكل فعلي،  عليه أن يتكبد  أيضاً كافة نفقاته و ليس فقط القيام بحصد موارد دخله.

 

 

 

 

  • الوساطة المصرية لإنهاء الأزمة

ومع احتدام الأزمة السياسية ، و ارتفاع  وتيرة  التهديدات  المتبادلة بين  حركة حماس و الرئيس عباس ، حول قضية حل اللجنة الإدارية بغزة ،  اتخذت حركة حماس قرارا مصيريا بخصوص تلك اللجنة، حيث في تاريخ 17/9/2017 ، أعلن مكتب حركة حماس بغزة ، بقيادة رئيسه يحي السنوار ، عن حل اللجنة الإدارية بغزة ، وذلك استجابةً للجهود المصرية المبذولة من قبل جهاز المخابرات المصرية الذي نجح بإقناع قيادة حركة حماس بضرورة إزالة العثرة الرئيسية أمام طريق المصالحة ، و إفساح المجال لحكومة الوفاق الوطني لكي تستلم مهامها بفعالية.

ومن الجدير بالذكر ، أن جهاز المخابرات المصرية ، لعب دور كبير في التوسط بين حركتي حماس و فتح منذ بداية الانقسام الفلسطيني خلال الأعوام السابقة ، لكن الدور المصري هذه المرة ، كان بتوجيهات رسمية واضحة وجدية كبيرة من قبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ، حيث توافقت تلك التوجيهات المصرية  مع إقرار كل من حركتي فتح و حماس،  أنه لا بديل عن دور مصر في ملف المصالحة الفلسطينية.

أما عن  أهم الأسباب التي دعت مصر للتدخل بشكل مباشر من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، فقد تكون قوة الإدراك المصري لأهمية وجود استقرار سياسي و اقتصادي بقطاع غزة ، الأمر الذي سينعكس إيجابيا على أمن الحدود المصرية مع قطاع غزة ، بالإضافة لذلك يرى المصريون  أن استقرار قطاع غزة السياسي،  يعتمد على عودة السلطة الفلسطينية إلي غزة ، مما سيشجع الحكومة المصرية  على إعادة فتح معبر رفح البري بشكل رسمي،  و لكن تحت مسئولية حرس الرئاسة الفلسطينية بناءً على اتفاقية المعابر الدولية ، الأمر الذي سيخفض من حدة الحصار المفروض على قطاع غزة.

و أعتقد أيضاً ، أن  مصر قد وجدت أنه من الضروري أن يتم احتواء حركة حماس عربيا حتى تضمن إدارة ملف المصالحة الفلسطينية فيما يتفق مع مصلحة مصر القومية، حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري لصحيفة الأهرام المصرية ، بأن لدى مصر مصلحة و الشعب الفلسطيني له مصلحة من عودة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها إلي قطاع غزة و أن تكون مسيطرة على المعابر و أن تنتهج حماس سياسة تبتعد عن أي نوع من الضغط و التأثير على الأمن القومي المصري.

لذا تُعد قضية المصالحة الفلسطينية بالنسبة للمصريين ،  ليست مجرد قضية فلسطينية داخلية بل هي قضية عربية و إقليمية  ترتبط  بالأمن القومي المصري ارتباطا شديدا ، خاصة بأمن سيناء و الحدود البرية بينها وبين قطاع غزة .

و قد تم تتويج الجهود المصرية لإنجاح  المصالحة الفلسطينية ، بزيارة   وزير المخابرات المصرية ، خالد فوزي ، قطاع غزة بتاريخ 3/10/2017 ، للمشاركة بشكل رسمي في الاجتماع الوزاري لحكومة الوفاق الوطني بقيادة رئيسها ، رامي الحمدلله ، حيث تم بث خلال هذا الاجتماع كلمة مسجلة للرئيس المصري ، عبدالفتاح السيسي ، الذي أعرب عن دعم مصر الرئيسي لمطالب الشعب الفلسطيني المشروعة  ، و أكد للجميع بأنه لا يوجد وقت لتضيعيه و أن التاريخ سيحاسب من يتسبب في إضاعة الفرصة الحالية لتحقيق السلام.

 

لم يكتف أيضاً وزير المخابرات المصري ، خالد فوزي بالمشاركة فقط في الاجتماع الوزاري لحكومة الوفاق الوطني ، بل قام بلقاء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ، إسماعيل هنية ، حيث عبر لهنية عن تقديره لجهود حركة حماس في إتمام المصالحة الفلسطينية قائلاً: ” إن التاريخ سيسجل أنكم وحدتم الشعب الفلسطيني”.

 

و متابعةً  للجهود المصرية المبذولة من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني ، لا يمكننا أن نستبعد أن هناك موافقة أمريكية و دولية لإتمام المصالحة الفلسطينية ، بسبب رغبة المجتمع الدولي بعودة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة من أجل استلام الحكم ،و ذلك لمنع حدوث انفجار كبير في الوضع الإنساني بقطاع غزة ، الأمر الذي قد يؤدي إلي اشتعال مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل.

 

  • هل سينتهي الانقسام الفلسطيني في المستقبل القريب؟

بناءً على المعطيات السابقة و تحليل جذور الصراع السياسي بين حركتي فتح و حماس ، و حسب  التطورات السياسية الجديدة في قضية المصالحة الفلسطينية  ، من المتوقع  أن يُقبل قطاع غزة على حقبة سياسية جديدة تتمثل بعودة السلطة الفلسطينية لإدارة  قطاع غزة ، لكن تلك العودة لن تكون فورية،  بل ستتم كخطوات تدريجية يتم تطبيقها عبر عدة مراحل  بعد أن يرتفع مستوى الثقة السياسية بين حركتي فتح وحماس.

حيث بعد أن أعلنت حركة حماس حلها للجنة الإدارية،  ورحبت رسمياً ،  بوفد السلطة الفلسطينية  ،الذي زار قطاع غزة بقيادة الحمد الله ، لدرجة أن عدد كبير من الفلسطينيين ،  اعتبر زيارة هذا الوفد الوزاري الفلسطيني لغزة بمثابة عيد وطني ، صرح الرئيس عباس في مقابلة مع محطة تلفزيونية مصرية، عشية زيارة رئيس حكومته رامي الحمدالله  لغزة ، بأنه يرفض تكرار نسخة حزب الله في الحكم بغزة ، وإنه غير مستعجل، الأمر الذي خفض من نسبة التفاؤل  بنجاح المصالحة الفلسطينية ، وجعل بعض الفلسطينيين يشعرون  بالحيرة حول إن كان الانقسام الفلسطيني قد انتهى بالفعل ، أم كل تلك الترحيبات الشعبية  بالمصالحة،هي مجرد فقاعات إعلامية أشاعت بعض من أجواء  الفرح  المؤقت و التفاؤل الوهمي بين الفلسطينيين.

و على الرغم من حالة الشك الفلسطينية حول مستقبل المصالحة الفلسطينية ، إلا أن حركة حماس قد أظهرت جانب كبير  من المرونة في التعامل مؤخرا مع ملف المصالحة ، ملقيةً بذلك الكرة في ملعب الرئيس عباس ليحسم ملف المصالحة عن طريق تراجعه عن إجراءاته المشددة تجاه القطاع.

وقد تضاربت الأنباء  الصادرة من بعض الصحف العربية حول تنازل حركة حماس عن المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية أم لا  ، حيث بتاريخ 6/10/2017، كشفت صحيفة الرأي أن حركة حماس تُفكر بالتنازل  بعد المصالحة عن مطلبها القديم في المشاركة بحكومة وحدة وطنية ، تمهيدا للانتخابات و  تجنبا لإحراج ملف المصالحة مع الإدارة الأمريكية.

لكن في اليوم التالي لما تم نشره عبر صحيفة الرأي ، صرح مسئول ملف العلاقات الوطنية في حركة حماس ، حسام بدران عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك ، بأن حكومة وحدة وطنية تعني مشاركة حقيقية لكل الفصائل الفلسطينية الفاعلة، وحماس في مقدمتها.

و أعتقد هنا أن حركة حماس مازالت تدرس موضوع الاستمرار بالمشاركة في إدارة قطاع غزة و أنها لم تقرر بعد حول تنازلها الكامل عن إدارة قطاع غزة بشكل نهائي .

و أرى أن حركة حماس  وصلت لقناعة كبيرة بأن تتخلص من  جزء كبير يتعلق بإدارة حكم  قطاع  غزة المثقلة بالمشاكل و الأزمات المالية و الاقتصادية و الاجتماعية و الإنسانية ، والتي استهلكت جزء كبير من طاقة وجهد ووقت الحركة،  و أن هناك  تغيير كبير في المنهجية السياسية لحركة حماس ، تتمثل بتسليم السلطة المقبولة دوليا إدارة المؤسسات الحكومية  لفك الحصار عن غزة  حتى يتثنى لها الوقت الكافي  للتفرغ بشكل كامل في أعمال المقاومة ، و ربما الاكتفاء بلعب دور المعارضة و مراقبة للسلطة بعد تفعيل المجلس التشريعي.

و أعتقد هنا  ، بأن  حماس قد اختبرت بالفعل تجربة حكم قاسية وصعبة في غزة ، تعلمت من خلالها  بعض الدروس الكبيرة التي تتمثل بأنه لا يمكن الجمع بين الحكم و المقاومة في آن واحد، ,و أن الحكم ليس مجرد إدارة مؤسسات حكومية،  بل هو مسئولية كبيرة تكمن بالقدرة على  توفير دعم مادي كبير من قبل الدول المانحة  للاستجابة للمتطلبات الإنسانية لقطاع غزة.

لذا أتوقع أن تتنازل حركة حماس في المستقبل القريب ، بشكل شبه كامل عن إدارة المؤسسات الحكومية بقطاع غزة لكن تحت شرط دمج موظفيها ضمن تلك المؤسسات الحكومية وتوفير رواتب شهرية لهم.

أما بالنسبة للملف الأمني، فلا أتوقع أن تقدم حماس تنازلا كبيرا في هذا الملف الحساس و الخطير و الذي يمس عمل المقاومة الفلسطينية ، لذا ربما يكون هناك بعض المداولات والحوارات السياسية و الأمنية  بين الطرفين وذلك تحت إشراف مباشر من قبل  المخابرات المصرية ، من أجل الوصول لصيغة توافقية بين الطرفين لإدارة الملف الأمني بشكل يضمن لحركة حماس عدم المساس بسلاح المقاومة الفلسطينية، و يضمن مشاركة حركة حماس في إدارة المعابر البرية للقطاع بالتعاون مع قوات حرس الرئاسة الفلسطينية.

و بالنسبة للرئيس عباس، فإن استعادة حكم غزة مرة ثانية ، سيعتبر بمثابة  نجاح كبير له يختم به سيرته الذاتية ، و يقوي موقفه الدولي أمام العالم ، عندما يطالب إسرائيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 ، بصفته رئيس يحكم الشعب الفلسطيني بأكمله و ليس فقط بالضفة الغربية.

لذا أتوقع أنه بالرغم من اختلاف المصالح و الأهداف السياسية و الأيدلوجيات بين حركتي فتح وحماس ، إلا و أن الانقسام الفلسطيني ، يمر الآن في المرحلة النهائية ، فبعد عشرة  أعوام  من الانشقاق الفلسطيني ، حان الوقت لطي هذا الملف للأبد.

لكن لإغلاق هذه الصفحة السوداء بتاريخ القضية الفلسطينية ، يحتاج الأمر إلي حسن نوايا سياسية من قبل كافة الأطراف، و إلي العمل بشكل جدي من أجل عدم عرقلة أية جهود وطنية وعربية لإتمام المصالحة الوطنية بشكل كامل يعيد الحياة و الأمل للشعب الفلسطيني.

لذا أتوقع أن الانقسام الفلسطيني سينتهي فعليا في المستقبل، لكن مع وجود بعض التحفظات السياسية من قبل  الطرفين ، ومع احتفاظ كل طرف بخصوصيته ومنهجيته السياسية المتعلقة بكيفية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي سواء عن طريق المقاومة السلمية التي تتبناها حركة فتح ، أو المقاومة المسلحة التي تتبناها حركة حماس.

و أخيرا ، مع وجود إشراف مصري مكثف على ملف المصالحة الفلسطينية، يمكننا أن نعتبر ذلك الإشراف المصري بمثابة صمام أمان لإتمام هذا الملف الفلسطيني المعقد،  و ستكشف لنا الفترة المقبلة  بعض التطورات و التغيرات السياسية  التي ستبين بشكل أكثر وضوحا مستقبل المصالحة الفلسطينية و مدى نجاح المصريين في إنهاء الانقسام الفلسطيني.

 

 

معادلة السلام الإسرائيلية الجديدة

بدأت تتشكل في الآونة الأخيرة، ملامح أكثر وضوحا لخطة السلام الإسرائيلية الجديدة مع العرب التي تخطط لها الحكومة الإسرائيلية منذ فترة طويلة.
فبعد فشل عدة جولات من مفاوضات السلام بين السلطة الفلسطينية و الحكومة الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية أوسلو الشهيرة ، و بعد أن سادت أجواء من اليأس و الإحباط في صفوف الفلسطينيين، بسبب خيبة أمالهم من عدم قدرتهم على إقناع إسرائيل بالاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 ، و عدم النجاح في حسم قضايا الوضع النهائي المتمثلة : بعودة اللاجئين الفلسطينيين، و الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية ، و إخلاء جميع المستوطنات الإسرائيلية من أراضي الضفة الغربية.
جعل كل ذلك الفلسطينيين، يشعرون بأن مفاوضات السلام تحولت إلي طريق مسدود ملئ بالألغام السياسية، و أن هذا الطريق لن يحقق لهم حلم الدولة المستقلة. ومع إصرار إسرائيل المستمر، بتأجيل كل شيء يتعلق بالسلام النهائي مع الفلسطينيين، و تقديمها في كل مرة لشروط جديدة للتفاوض مع الفلسطينيين، مثل ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة تارة ، أو أن تتوقف السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب الأسرى و أهالي الشهداء تارة أخرى الأمر الذي يرفضه الفلسطينيون بشكل مستمر.
بات الأمر جلياً، بأن هناك قرار إسرائيلي سياسي رفيع المستوى ، بعدم التفاوض مع القيادة الفلسطينية الحالية، التي يرأسها الرئيس محمود عباس ، وذلك على الرغم من المحاولات الدولية الكثيفة لإقناع الحكومة الإسرائيلية ، بأن الرئيس عباس هو الشريك الفلسطيني الوحيد و الحالي للسلام مع إسرائيل، في ظل رفض قيادات الفصائل الفلسطينية الأخرى الاعتراف بدولة إسرائيل. ومن الذرائع التي تستخدمها إسرائيل للتهرب من المفاوضات بشكل مباشر مع السلطة الفلسطينية ، هو أن السلطة الفلسطينية لا تُمثل كل الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة ، بسبب سيطرة حركة حماس على القطاع ، الأمر الذي يُضعف موقف السلطة الفلسطينية ، عندما تُطالب دول العالم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967.
لكنني أعتقد هنا، أن لدى إسرائيل معادلة سلام جديدة، و أسباب إستراتيجية أخرى، تجعلها لا تقتنع بضرورة العودة للتفاوض مع السلطة الفلسطينية الحالية، و تلك الأسباب هي ما يلي:
أولاً) إدارة الصراع و ليس حله
من يراقب السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه الملف الفلسطيني، قد يلاحظ أن إسرائيل تتجه أكثر فأكثر، نحو إدارة الصراع بينها و بين الفلسطينيين، بدلا من حل الصراع بشكل نهائي. ففي الوقت الذي تتمسك به إسرائيل بسياستها الاستيطانية في أراضي الضفة الغربية، و عدم اعترافها بأية حقوق للشعب الفلسطيني لاسترداد أراضيه الشرعية ، تحاول إسرائيل أن تُمسك العصا من المنتصف، للحفاظ على علاقة متوازنة مع الطرف الفلسطيني.
وذلك عن طريق تقديم بعض التسهيلات الإسرائيلية للفلسطينيين، مثل تصاريح العمل داخل إسرائيل، و دعمها لبعض مشاريع البنية التحتية مثل مشاريع المياه و الكهرباء وشق الطرق التي تنفذها بعض المؤسسات الدولية العاملة بالضفة الغربية و قطاع غزة ، من أجل محاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الهدوء، و الاستقرار الأمني، و الحيلولة من ازدياد وتيرة العنف ضد المستوطنين، وقوات الجيش الإسرائيلي المتواجدين في كل من الضفة الغربية و القدس.
و تهدف إسرائيل من إداراتها للصراع مع الفلسطينيين ، هو نيل أكبر وقت ممكن، لاستكشاف ما ستؤول إليه تطورات الأوضاع السياسية في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة . حيث حسب تصريحات بعض القادة الأمنيين الإسرائيليين، أن لدى إسرائيل قلق كبير من أن تنهار السلطة الفلسطينية في أي وقت، أو أن تسيطر حركة حماس في المستقبل على الضفة الغربية، مثلما سيطرت بالسابق على قطاع غزة.
لذا على أبعد تقدير ، أعتقد أن إسرائيل ، لا تريد التعامل مع قيادة فلسطينية، لا يوجد لها مستقبل مضمون ، في ظل التغيرات الإقليمية العاصفة بالشرق الأوسط ، التي جعلت مهمة التخطيط للمستقبل عملية معقدة و غير مؤكدة .
و ربما يعتقد الإسرائيليون أنه من الأفضل لهم الانتظار لحقبة زمنية أخرى، حتى تستقر الأمور، و تتضح لهم أكثر رؤية الشعب الفلسطيني، وتوجهاته نحو قيادة فلسطينية جديدة ، يُمكنها أن تُمثلهم جميعا في المستقبل، و باستطاعتها أن تُقنع الشعب الفلسطيني بأهمية السلام مع إسرائيل ، وذلك بدلا من إهدار الوقت في التفاوض مع قيادة فلسطينية تقليدية ، مازال مستقبلها غامض، ومجهول في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.
ثانياً) السلام العربي ثم السلام الفلسطيني
من يتابع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ، بنيامين نتاياهو، حينما قال أثناء مشاركته في احتفال سنوي ، جاء بمناسبة قرب بدء السنة العبرية الجديدة خلال شهر سبتمبر 2017 ، سيشعر من تلك التصريحات ، مدى فخر نتاياهو عندما صرح أثناء الحفل، بأن هناك تطور كبير في العلاقات العربية – الإسرائيلية ، لم تشهده أية حقبة تاريخية سابقة .
الأمر الذي يدل على أن وجهة السلام الإسرائيلية الحالية، هي الدول العربية السنية ، و بالأخص الدول الخليجية و ليس الفلسطينيين. و قد تطورت العلاقات العربية – الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، لدرجة أن الصحافة الإسرائيلية ، سربت خلال شهر سبتمبر 2017 ، خبرا حول زيارة سرية لأمير سعودي رفيع المستوي إلي تل أبيب ، و أن هناك علاقات تعاون إسرائيلية مع دول عربية ، لم تُوقع بعد اتفاقيات سلام مع إسرائيل ، حيث على أغلب الظن ، يتعلق هذا التعاون بمسألة محاولة إفشال المشروع النووي الإيراني.
لذا وجدت إسرائيل بوابتها للعرب في هذه المرة، ليس عن طريق القضية الفلسطينية ، بل عن طريق إقناعها للعرب ، بمبدأ أن “عدو عدوي هو صديقي” ، أي أن هناك مصلحة عربية إسرائيلية مشتركة، تتمثل بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي متطور، قد يهدد أمن و استقرار الدول العربية في الشرق الأوسط.
و على ما يبدو أن إسرائيل قد نجحت بالفعل، في إقناع العرب أنها ليست المشكلة في الشرق الأوسط ، و أنها ليست عدوة للعرب ، محاولة بذلك نسج علاقات تعاون مع تلك الدول العربية ، ومتبعة في نفس الوقت معادلة سلام جديدة، تتمثل : بالسلام مع العرب أولا ، ثم النتيجة من ذلك السلام مع الفلسطينيين، كتحصيل حاصل و ليس كعامل رئيسي. وهنا أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل ليست مفتاحا رئيسيا لها، للدخول إلي قلوب العرب ، بل أصبح أمن الدول العربية ، هو كلمة السر لاحتمال توقيع اتفاقيات سلام مستقبلية بين العرب و إسرائيل.
ثالثاً) السلام مع الشعوب قبل الحكومات
و هنا جاء دور القوة الناعمة الإسرائيلية، التي بدأت تستخدمها إسرائيل بكثافة، من أجل تحسين صورتها عند الشعوب العربية، و الشعب الفلسطيني أيضاً. حيث باتت إسرائيل تستخدم بغزارة وسائل الإعلام الاجتماعي مثل الفيسبوك و التويتر ، من أجل الترويج لدولتها بأنها دولة ديمقراطية متحضرة ، تراعي حقوق الإنسان، عن طريق تقديمها لبعض الخدمات الإنسانية المشروطة للفلسطينيين و الجرحى السوريين ، مثل العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، أو تسهيل المرور و التنقل للفلسطينيين من الحالات الإنسانية الطارئة أو دعمها لمشاريع إنسانية في الضفة و غزة تتم بتمويل من قبل مؤسسات أجنبية.
و تأتي تلك الجهود الإعلامية الإسرائيلية ، كمحاولات إسرائيلية حثيثة ، تنمُ عن حرص الحكومة الإسرائيلية الشديد لتغيير الصورة الذهنية السلبية لإسرائيل في عقول الشعوب العربية ، و محاولة إقناع الشعوب العربية بأن إسرائيل ليست مجرد جيش احتلال ، يشن حروب ضارية على قطاع غزة وجنوب لبنان ، تؤدي إلي تدمير بيوت ومباني، و قتل نساء و أطفال، بل تحاول إسرائيل أن تُرسل رسالة للعرب ، بأنها شعب إنساني يقدم المساعدة لمن يقبل السلام و التعايش معه.
فمن يتابع الصفحات الالكترونية ، التي يُديرها كل من المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، و منسق الإدارة المدنية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، يؤاف مردخاي ، يلاحظ أن تلك الصفحات تحاول ليس فقط تحسين صورة إسرائيل عند العرب ، بل أيضاً ، تحاول أن تجد اهتمامات و عوامل مشتركة بين العرب و الإسرائيليين ، مثل الاستماع للموسيقى العربية، أو تهنئة العرب بأعيادهم الدينية .
و كأننا نشعر من تلك المجاملات الإسرائيلية للعرب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك خطة إسرائيلية جدية، تسعى لتطبيع العلاقات مع الشعوب العربية بشكل مباشر، بدلا من انتظار التطبيع بشكل رسمي مع الحكومات العربية.

مما يدل ذلك على أن إسرائيل تُهيئ منذ زمن طويل ، الأجواء و الأرضية المناسبة، لزرع بذور السلام مع الشعوب العربية، قبل البدء بعقد سلام نهائي ورسمي مع حكومات تلك الشعوب.

 

إلي وزارة الزراعة: فلتنقذوا حيوانات غزة من جهل المستهترين!

ضجت مواقع الإعلام المجتمعي ، مؤخرا بالسخرية من خبر انتحار قرد كان مُعتقل بقفص حديدي، يفتقر لأدنى معايير الحياة و السلامة ، معلقا في سجن لتعذيب الحيوانات ، يُطلق عليه صاحبه مسمى “حديقة حيوان” ، وهي بالطبع لا يمكن تسميتها بحديقة ، لأنها ليس سوى مجرد معتقل نازي للحيوانات ، حيث يتم استغلال الحيوانات الضعيفة التي لا حول لها و لا قوة ، من قبل بعض المستغلين من أجل جذب الزوار و أطفال المدارس مقابل بضعة شواكل، وبدون تقديم أدنى رعاية لهذه الحيوانات ، أو توفير بيئة مناسبة لها للعيش بشكل طبيعي و صحي.

وهنا أتسأل ، هل أصبحت حياة الحيوانات البريئة بقطاع غزة ، مجرد سلعة للعرض أمام الغزيين ، و مجرد أحاديث للسخرية ، يتم تسييسها وربطها بمعاناة قطاع غزة من الحصار و الانقسام ، دون وجود أي رحمة أو شفقة على تلك الحيوانات المسكينة التي يتم تعذيبها بالقطاع بحجة، أن مواطني غزة ، هم أيضا معذبين.

لذا عندما نسمع مثلا أخبار ، عن تحويل بعض الأسود إلي إسرائيل لتلقي العلاج بعد معاناتها بغزة ، أو عرض حيوانات محنطة و ميتة في قفص أمام الأطفال ، لا نرى أي اعتراض أو نقد من مواطني القطاع، أو المسئولين، سوى السخرية، و المطالبة بالسماح أيضا لمواطني القطاع للسفر عبر إيرز مثل الأسود و القطط.

و هنا أتساءل ، هل عندما يتم اعتقال الحيوانات الحية و المحنطة، بداخل ما يسمى بحدائق حيوانات بغزة ، هل هذه هي الصورة المثالية للحيوانات التي نريد أن نروجها في عقول أطفالنا الأبرياء الذين يعانون من الحصار، و لم يسبق لهم أن رأوا بأم أعينهم حيوانات حية وحقيقية ؟

ماذا نعلم أطفالنا ؟ و ماذا نغرس في عقولهم ؟

مشاهد لحيوانات ميتة ومحنطه ! أو لحيوانات معذبة ! أو لحيوانات جائعة ! أو لحيوانات مريضه !

لماذا يتم السماح لهؤلاء المستهترين، و تجار الحيوانات، بفتح معتقلات تجارية لحيوانات بريئة تحت مسمى حديقة حيوانات ؟

يجب أن يكون هناك معايير معينه لافتتاح أي حديقة حيوانات عامة أو خاصة ، من ضمنها على الأقل ، أن يستطيع أن يوفر صاحب الحديقة لحيواناته الطعام و التطعيم و الدواء، و أن يوفر لتلك الحيوانات مساحة واسعة ومفتوحة وممتلئة بالأشجار و الأعشاب، لكي تنطلق بحرية و تعيش حياة على الأقل شبه طبيعة، و ليس أن يتم حبسها كالجرذان في أقفاص بالية و غير إنسانية .

كيف نريد أن نتحرر من الاحتلال، و نطالب العالم المتحضر بأن يحترم حقوق الإنسان الفلسطيني، و نحن لا نحترم حقوق أضعف الكائنات الحية ، و نحن نستغل حياة تلك الكائنات للتجارة و السخرية و التقاط الصور التذكارية، بدون أي اعتراض من قبل مروجي حقوق الإنسان و المدافعين عن البيئة و المسئولين في وزارة الزراعة ، حول تلك الانتهاكات التي يعاني منها حيوانات قطاع غزة.

و من منا لا ينسى مشهد اللبؤة التي تم حقنها بمخدر ، وربط عنقها بسلسلة حديدية كسبية حيوانية ، و أصبح صاحبها يتجول بها أيام العيد في شوارع الرمال ، لكي يلتقط أطفال غزة ، معها صور مقابل بضعة شواكل ، في مظهر متوحش و أمام مرأى الجميع، دون اعتبار لسلامة الأطفال الذين يلتقطون تلك الصور مع اللبؤة المهانة ، أو أي اعتبار لصحة وحياة تلك اللبؤة التي تضررت بسب حقنها المتواصل بالمخدر.

وقد يتساءل سائلا ، فلنحصل أولا على حقوقنا الإنسانية كمواطنين، قبل أن نطالب بحقوق الحيوانات !

وهنا أجيب على هذا التساؤل ، بأنه من لا يرحم لا يُرحم ، و كما تُدين تُدان ، وارحموا من في الأرض ، يرحمكم من في السماء ، و امرأة دخلت النار بسبب هرة.

كوننا شعب يعاني من الاحتلال، و الظلم، و الحصار، و الانقسام ، لا يعني ذلك أن نكون مستهترين و عديمي الرحمة و الشفقة مع تلك الحيوانات المسكينة، التي كانت تنعم بحياة سعيدة في غابات إفريقيا، لكن تجار البشر و الحيوانات سرقوها وهربوها عبر الأنفاق لقطاع غزة ، مقابل أموال زهيدة لبيعها لأشخاص جهلاء و مستهترين ، همهم الرئيسي هو استغلال تلك الحيوانات مقابل بضعة شواكل!

وها هو عيد الأضحى يقترب أيضا على الأبواب ، و سنشهد للأسف مظاهر أكثر لوحشية بعض الغزيين تجاه أضاحي العيد ، فقد انتشرت سابقا عدة فيديوهات على مواقع اليوتوب، تظهر كيف يقوم أصحاب الأضحية أو الجزارين، بذبح أضاحي العيد بطريقة وحشية، فمنهم من يطلق النار على أرجل الأضحية ، ومنهم من يرفس بقدمه رأس الأضحية و منهم من يتسابق بطعن الأضحية عدة مرات في ظهرها دون إتباع أي نوع من آداب الذبح في الإسلام ، حيث أوصى الرسول المسلمين قائلا ، إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و أوصى بأن لا يسمح أن يري الحيوان الذي يراد ذبحه حيوانا آخر يذبح.

إن تلك المظاهر الوحشية ، في طرق تعامل بعض الغزيين ، المستهترين ، و الجهلاء منهم، تضر للأسف بسمعة قطاع غزة ، وتشوه تلك الانتهاكات ضد حقوق الحيوانات من صورة المواطن الغزي ، حيث أنها تصوره بأنه مجرد إنسان بدائي، ومتوحش، و يعشق العنف والدم ، و يستهتر بحياة الكائنات الضعيفة.

فكيف يريد سكان القطاع أن يرحمهم الله ، و ينقذهم من الحصار الظالم و هم لا يرحمون من هم أضعف منهم ألا وهي الحيوانات الضعيفة؟

لذا على وزارة الزراعة بقطاع غزة ، أن تتابع بجدية ملف انتهاكات حقوق الحيوان بغزة ، و أن لا تمنح أية تراخيص لما يسمى بحديقة حيوان في غزة ، بل عليها أيضا أن تقوم بحملة تفتيش داخل المزارع و الحدائق لإنقاذ الحيوانات التي يتم استغلالها بشكل سيئ في تلك الأماكن ، و عليها أيضا أن تُرحل جميع الحيوانات البرية المتواجدة فيما يسمى حديقة حيوانات بقطاع غزة إلي منظمات حماية الحيوان الدولية لتتولى رعايتها ومسئوليتها.

و يكفي القطاع ما به من انتهاكات و حصار ، حتى الحكومة عاجزة عن توفير الغذاء و الدواء لفقراء القطاع، فكيف سيتم توفير الغذاء و الدواء و الرعاية لحيوانات يعتبرها المواطنين مجرد سلع رخيصة.

وعندما نتطور و نتحضر أكثر و نحصل على أقل حقوقنا الإنسانية ، لنفكر بعدها باستضافة حيوانات بحدائقنا ، بطريقة إنسانية ومشرفة، و ليس بطريقة وحشية ، عن طريق حبسها و إزهاق أرواحها ، بمعتقل حيواني ، لكي تكون مجرد دمى للفرجة، أمام أطفال أبرياء، يتم خداعهم بصور مهينة للحيوانات ، تجعل أطفالنا يعتقدون أن عالم الحيوان هو مجرد أقفاص و جثث محنطه ،وليس بيئة قيمه يجب أن نحافظ عليها.

لذا أتمنى من المسئولين في وزارة الزراعة بغزة ، عدم الاستهتار بالأمر، و أن يراعوا ضميرهم ، بالتعامل مع ملف تلك الحيوانات المعتقلة، فيما يسمى حديقة الحيوان بغزة ، و أن يتم بالفعل اتخاذ إجراءات حاسمه حول هذا الموضوع ، حتى لا يتم شيطنه قطاع غزة أكثر من ذلك ، وحتى لا يصبح قطاع غزة وقصصه المؤلمة حول انتهاك حقوق الحيوانات ، مجرد أضحوكة للعالم ، و مصدر للسخرية من قبل الشامتين بجهل بعض الغزيين.

فلتنهي وزارة الزراعة تلك المهزلة، و لتنقذ تلك الحيوانات البريئة، من جهل المستغلين !

فنحن نريد أن نرى في غزة ، إنسان حر و أخلاقي، يلهو مع حيوان سعيد، و لا نريد أن نرى إنسان متوحش وسادي، يتمتع بمنظر حيوان معتقل بقفص حديدي.