القدس و محاولات كسر التابوهات لتصفية القضية الفلسطينية!

لا يخلو أي نقاش سياسي حول القضية الفلسطينية يتم تداوله بشكل علني في وسائل الإعلام أو داخل أروقة الحكم الفلسطينية ، من الحديث عن الخطوط الحمراء الفلسطينية التي لا يجرؤ أي زعيم فلسطيني تجاوزها في ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ، و التي تُعد بمثابة تابوهات أو محرمات في السياسة الفلسطينية لا يملك أي قائد فلسطيني القدرة للتنازل عنها.

و عند الحديث عن التابوهات الفلسطينية ، أقصد هنا بثلاث محرمات رئيسية في القضية الفلسطينية ألا وهي : القدس و حق العودة للاجئين و حدود الدولة فلسطينية لعام 1967.

لذا على مر السنين ، ركزت إسرائيل بشكل مكثف حول محاولة كسر تلك التابوهات الفلسطينية ، من أجل تصفية القضية الفلسطينية ، وحسم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ، لصالح المصالح الإسرائيلية ، وحسب الرؤية الإسرائيلية لملف التسوية النهائية.

ومن أجل كسر أول و أخطر تابوه فلسطيني ، وهو القدس ، التي يُصر الفلسطينيون على كونها العاصمة المقدسة للدولة الفلسطينية ، بدأت إسرائيل بالفعل ومنذ عدة عقود زمنية في تنفيذ مخططها المدروس جيدا لتهويد القدس ، مع الاستمرار بمحاولة تنفيذها لمشروع القدس الكبرى ، الذي يهدف إلي توسيع نطاق بلدية القدس عن طريق ضم المستوطنات الإسرائيلية المتواجدة بالقدس الشرقية و محيط الضفة الغربية لتكون تحت إدارة بلدية القدس.

و كطريقة منهجية إسرائيلية مستمرة لكسر تابوه القدس نرى أنه من الواضح جدا ، نجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتاياهو بعقد صفقة تاريخية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل حتى فوزه بالانتخابات الرئاسية ، تكمن بنود تلك الصفقة ، بأن ينال ترامب دعم اللوبي اليهودي و الإنجيلين بأمريكا أثناء فترة الحملة الانتخابية الرئاسية ، مقابل وعود من ترامب لتمرير قرارات أمريكية لصالح إسرائيل بعد فوزه بكرسي الرئاسة الأمريكية.

لذا مع إعلان ترامب خلال يوم الأربعاء الموافق 6/12/2017 ، بأن القدس هي عاصمة إسرائيل ، يكون ترامب بذلك قد أوفى بوعده لنتاياهو ، و قد اتخذ بالفعل قرارا تاريخيا ، حاول الرؤساء الأمريكيون السابقون تأجيله عدة مرات خوفا من ردود فعل غاضبة بالعالم العربي.

و بهذا الاعتراف الأمريكي الخطير ، تكون إدارة ترامب قد دقت أيضا أول مسمار في نعش القضية الفلسطينية، و بدأت بشكل مدروس ومخطط له جيدا ، عملية تصفية القضية الفلسطينية ، عن طريق كسر أخطر المحرمات الفلسطينية التي تتمثل بالقدس و التي مازال العرب و المسلمين يعتبرونها العاصمة الأولى للدولة الفلسطينية المستقبلية.

و لا يمكن الاستهتار بهذا الاعتراف الأمريكي ، حتى لو اعتبره البعض بأنه مجرد اعترافا رمزيا ، لأن هذا الاعتراف سيكون له انعكاسات خطيرة على أرض الواقع، وهو يذكرنا أيضاً باعتراف الولايات المتحدة سابقا بإسرائيل خلال عام 1948 ، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك أول دولة غربية تعترف بإسرائيل، قبل نيل إسرائيل اعتراف رسمي من الأمم المتحدة ، الخطوة الرسمية الأمريكية التي تلتها بعد ذلك اعترافات متوالية من قبل دول أخرى ، على الرغم من اعتراض العرب حينذاك و رفضهم لوجود الدولة الإسرائيلية بعد صدور قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة إسرائيل.

لذلك ليس من المستبعد أن تنتقل عدوى الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة لإسرائيل لبعض الدول الأخرى التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع إسرائيل ، مثل بعض دول أوربا الشرقية و بعض الدول الأسيوية و الإفريقية ، فخطوة ترامب الجريئة ستشجع باقي الدول للإقتداء بالولايات المتحدة الأمريكية و للسير في خطاها ، الخطوة التي ستحاول إسرائيل توظيفها بشكل مكثف لإقناع باقي الدول العظمي لتغيير موقفها الرسمي تجاه القدس، و لتمرير قرارات أمريكية جديدة عبر الأمم المتحدة لصالح تعزيز عملية الاعتراف الدولي بالقدس كعاصمة لإسرائيل.

أما بالنسبة للتابوه الثاني ، الذي تحاول إسرائيل كسره من أجل تصفية القضية الفلسطينية هو حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، حيث مازالت إسرائيل تطلق بالونات اختبارها لجس نبض الشارع الفلسطيني و العربي ، وذلك عبر تسريب تصريحات لبعض مسئوليها حول إمكانية توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية و إمكانية إقناع مصر بالتنازل عن مساحات معينة من أراضي سيناء لتوسيع قطاع غزة من أجل استيعاب عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين لتوطينهم بسيناء ، الأمر الذي لاقى رفضاً مصرياً رسمياً ، لكن في ذات الوقت لم يُحبط هذا الرفض المصري الآمال الإسرائيلية لإذابة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر الاستمرار بطرح ومناقشة أفكار إسرائيلية تدور حول التوطين أو تقديم تعويضات مالية لهؤلاء اللاجئين من قبل الدول المانحة .

و عن التابوه الثالث، الذي تحاول إسرائيل اختراقه بالتعاون مع حليفتها الكبرى ، الولايات المتحدة الأمريكية ، يمكن القول بأنه تابوه حدود الدولة الفلسطينية على عام 1967 ، حيث تحاول إسرائيل فرض سلطة الأمر الواقع على الفلسطينيين، و تحديد حدود الدولة الفلسطينية بشكل أحادي يتجاهل المطالب الفلسطينية بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967.

و تجدر الإشارة ، أنه عند متابعة التسريبات الإعلامية المتعلقة بوجود صفقة أمريكية لتسوية القضية الفلسطينية و متابعة التصريحات الرسمية لحكومة نتاياهو حول شروط إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية ، نلاحظ أن هناك مخطط أمريكي – إسرائيلي لتسويق مشروع دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة لا تشمل بالضرورة القدس ، يتم تأسيسها على إقليم جغرافي صغير يشمل قطاع غزة و بعض أراضي الضفة الغربية ، مع اختراق صارخ من قبل المستوطنات الإسرائيلية لهذا الإقليم ، مما يعطي الفلسطينيين دولة منقوصة السيادة ، قد تكون أشبه بنظام حكم ذاتي محدود السيادة و الصلاحيات.

ومع محاولات إسرائيل الحثيثة لكسر التابوهات الفلسطينية الثلاث ، خلال هذه الفترة الزمنية الحرجة بحياة الشعوب العربية ، يتم للأسف محاولة تجزئة القضية الفلسطينية ومحاصرتها عبر العمل على محو الخطوط الفلسطينية الحمراء من أجل تصفية القضية الفلسطينية حسب الرؤية الأمنية الإسرائيلية .

وما يجري الآن في هذه الفترة ، يمكن وصفه بأنه عبارة عن محاولات إسرائيلية جادة لحرق مراحل كبيرة من مفاوضات التسوية النهائية ، من أجل القفز على الشروط الفلسطينية في المفاوضات و فرض سلطة الأمر الواقع ، وحشر الفلسطينيين بالزاوية في ظل تشتت جهود الدول العربية ضمن صراعات إقليمية و عربية مشتعلة في كل من اليمن و سوريا و ليبيا و العراق.

Advertisements

ملف الانقسام الفلسطيني بين الماضي و المستقبل

  • مقدمة:

مرَ نحو عشرة أعوام على اندلاع أحداث الانقسام الفلسطيني، و الشعب الفلسطيني مازال ينتظر أي أمل، و لو كان ضئيلاً من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس للأبد.

لكن للأسف  في كل مرة يشعر بها الشعب الفلسطيني بالتفاؤل ، يتم تخييب ظنه  بصدور تصريحات فلسطينية جديدة  عبر وسائل الإعلام ،  حول وجود عدة  عراقيل و صعوبات ، تُعيق تحقيق المصالحة  الفلسطينية الشاملة بين حركتي فتح وحماس ، بسبب خلافات سياسية تنمُ عن حالة مستمرة من الانشقاق في الصف الفلسطيني ، و تضارب المصالح السياسية بين الفصائل السياسية المتناحرة.

و قد  جعل ذلك  الانشقاق الفلسطيني ، الشعب الفلسطيني يشعر بكم كبير من اليأس و الاحباط ، حيث  انعكس  الانقسام الفلسطيني بشكل سلبي وخطير على كافة الأوضاع الانسانية بقطاع غزة ، و أدت  تلك الخلافات السياسية بين السلطة الفلسطينية برام الله  و حركة حماس بقطاع غزة،  إلي اتخاذ بعض الإجراءات المشددة   من قبل رئيس السلطة الفلسطينية ، محمود عباس ، تجاه قطاع غزة ، مثل عدم تحمل السلطة الفلسطينية مسئولية دفع فواتير كهرباء غزة المحولة من إسرائيل ، و ذلك تحت مبرر أن حماس تجمع ضرائب غزة ،و لا تدفع مستحقات الكهرباء للسلطة لسداد فواتير الكهرباء الممتدة للقطاع من بعض  الخطوط الإسرائيلية.

و تُعد أزمة الكهرباء في قطاع غزة ، من أخطر الأزمات  الانسانية ، التي يتعرض لها سكان قطاع غزة  باستمرار ، نتيجة  الانقسام الفلسطيني ، وذلك لما لديها  من تبعات و انعاكسات خطيرة على الوضع الانساني و الاقتصادي و الاجتماعي و الصحي و البيئي في قطاع غزة.

و بالإضافة إلي أزمة  الكهرباء ، نتج أيضا عن الانقسام الفلسطيني ، أزمات أخرى تُشكل أكثر خطورة على مواطني قطاع غزة ، تتعلق بمسألة الحياة أو الموت ، مثل قضية تأخر التحويلات الطبية لمرضى الحالات الحرجة بقطاع غزة ، و عدم قدرة مواطني قطاع غزة للسفر إلي الخارج  للعلاج ، بسبب الإغلاق المستمر لمعبر رفح البري و القيود المشددة للسفر عبر معبر إيرز الإسرائيلي.

ومع تدهور الأوضاع الانسانية في قطاع غزة ، وتمسك  طرفي الانقسام بوجهة نظرهما ،  و بمبراراتهما لعدم الوصول للمصالحة النهائية ، حاولت بعض الأطراف العربية و الإقليمية  مثل مصر وقطر وتركيا ، التوسط بين الطرفين ،  لإغلاق هذا الملف المعقد .

لكن في كل مرة تحاول تلك الدول الوصول لمصالحة مع الإخوة المنقسمون ، تبقى هناك ملفات عالقة ، و لا يتم الوصول لحل نهائي ، مما يجعل مستقبل القضية الفلسطينية يبدو غامضا و مجهولا ، و يستدعى ذلك إلي  ضرورة عمل مراجعة نقدية وموضوعية  للملف الداخلي  للقضية الفلسطينية،  الذي غرق للأسف  في بحر من الخلافات و الانقسامات السياسية الداخلية ، فبدلا من أن يتم  التركيز على قضايا أساسية  ، تتمثل بالتخلص من الاحتلال الاسرائيلي،  و تحقيق الوحدة الوطنية،   و بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ، يتم الانشغال بخلافات داخلية.

و في ظل تأزم  الوضع الفلسطيني ، و في ضوء استمرار المناكفات السياسية بين حركة حماس بغزة و حركة فتح  برام الله ، حول من سيستلم أولا لشروط الآخر ، حيث اشترط  الرئيس عباس على  حركة حماس ، بأن تقوم أولاً  بحل اللجنة الإدارية التي شكلتها  في شهر مارس 2017،  و في نفس الوقت اشترطت  حركة حماس  على الرئيس عباس ، أن تتحمل حكومة  الوفاق الوطني كافة  مسئولياتها بقطاع غزة،  بما فيها القيام  بدفع رواتب موظفي حركة حماس بغزة.

جاءت المفاجأة الكبرى ، ضمن بيان صحفي لحركة حماس ، صدر بتاريخ 17/9/2017 ، أعلنت من خلاله الحركة حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، و دعت به حكومة الوفاق الوطني للوصول لقطاع غزة؛ لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فورا. و صرحت الحركة في  نفس البيان  أن قرار حل اللجنة الإدارية ،  جاء استجابة للجهود المصرية ، بقيادة جهاز المخابرات العامة المصرية والتي جاءت تعبيراً عن الحرص المصري على تحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام.

ولم تُضيع السلطة الفلسطينية تلك الفرصة،  فقد استجابت بالفعل لقرار حماس المفاجئ، وأرسلت وفد وزاري و أمني رفيع المستوى ، جاء إلي قطاع غزة  بتاريخ 2/10/2017 ،  تحت قيادة  رئيس حكومة الوفاق الوطني ، رامي الحمد الله ، في أول زيارة بهذا المستوى منذ عام 2015،  من أجل استلام مهام الحكومة بشكل رسمي.

ولكن على الرغم من تلك الخطوات الرسمية التي تم تبادلها بين حركة حماس و السلطة الفلسطينية برام الله ، تبقى هناك  عدة تساؤلات رئيسية ، ألا وهي،  هل بتسليم حماس وزارت  قطاع غزة لأيدي السلطة الفلسطينية سينتهي الانقسام الفلسطيني للأبد ؟ أم أنها مجرد إجراءات شكلية جاءت فقط كاستجابة مؤقتة للمحاولات المصرية للتقريب بين الطرفين؟

لذا سنحاول عبر هذا المقال الإجابة على تلك التساؤلات، بعد أن يتم عرض موجز لأهم جذور الصراع السياسي بين حماس و فتح، و أهم التطورات و المراحل السياسية التي حدثت خلال فترة الانقسام،  وصولا لتوقعات مستقبل المصالحة الوطنية التي ترعاها بشكل مباشر المخابرات المصرية.

 

  • جذور الصراع السياسي بين حماس وفتح

بدأت مظاهر الانقسام الفلسطيني تتشكل عقب انتهاء الانتخابات التشريعية الثانية خلال عام  2006 ، و التي شكلت نتائجها مفاجأة  كبرى لجميع الفصائل الفلسطينية ، و على رأسها حركة فتح ، حيث فازت حركة حماس بتلك الانتخابات التشريعية ، بواقع 76 مقعدا من أصل 132 مقعدا ، بينما فازت حركة فتح ب 43 مقعدا ، و فازت قائمة أبو على مصطفى بثلاثة مقاعد فقط.

ومع شعور حركة فتح بالصدمة جراء  فوز حركة حماس الساحق في تلك الانتخابات ، رفضت حركة فتح المشاركة في الحكومة الجديدة التي شكلتها حماس برئاسة رئيس الوزراء السابق ،إسماعيل هنية  ، وذلك من أجل ترك  المجال لحماس بأن  تخوض تجربة حكم جديدة حزبية ، و أن تواجه   بشكل منفرد  تحديات السلطة و الحكم على أرض الواقع ، وذلك دون تقديم أي دعم سياسي من طرف فتح  لتلك الحكومة الجديدة.

وبتسلم حركة حماس مقاليد الحكم،  تحت رئاسة الرئيس محمود عباس،  الذي فاز أيضا في عام 2005 بالانتخابات الرئاسية للمرة الأولى ،  قام  سعيد صيام ، وزير الداخلية السابق ،  خلال عام 2006 باتخاذ قرار مصيري ، أعتقد أنه  يُعتبر  أول شرارة لانطلاق الصراع السياسي بين الرئيس عباس و حركة حماس ، وهو قرار تشكيل قوة أمنية جديدة بقطاع غزة ، تتكون من أعضاء حركة حماس ، تحت مسمى “القوة التنفيذية ” ، الأمر الذي اعتبره الرئيس عباس آنذاك  بمثابة تحدي كبير لسلطته ،  وتطور أمني خطير ، لما له من  تداعيات سلبية على  وضع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تم تشكيلها سابقا منذ عام 1996.

لذا كان هناك عدة مناشدات من الرئيس،  لحركة حماس بضرورة تفكيك تلك القوة التنفيذية ،  لأن وجود تلك القوة  يتضارب مع أداء أجهزة الأمن الفلسطينية التي أيضا قاطعت تلك القوة التنفيذية  بشدة.

ومع رفض حكومة حماس حل تلك القوة التنفيذية ، أدى ذلك لاشتعال الأوضاع بقطاع غزة خلال عام 2007 ، حيث استخدمت حماس تلك القوة الأمنية الجديدة من أجل الانقلاب  على جميع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المتواجدة بقطاع غزة ، و شبت مواجهات دامية بين عناصر حماس و عناصر حركة فتح و بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية مثل جهاز الأمن الوقائي ، مما أدى إلي سقوط  عدد كبير من القتلى والجرحى  في صفوف مواطني قطاع غزة ، بما فيهم بعض العاملين في أجهزة أمن السلطة و القوة التنفيذية التابعة لحماس.

و بعد انتهاء الأحداث الدموية بين حركتي فتح و حماس ، برزت في الأفق عدة مبادرات عربية ووطنية  من أجل الوساطة بين الحركتين لإقناعهما  بالمصالحة و انهاء الانقسام ، حيث كان من أهم تلك المبادرات ،  اتفاق مكة بالسعودية و الورقة المصرية و إعلان الدوحة  و اتفاق الشاطئ.

لكن للأسف ، باءت جميع المبادرات العربية التي حاولت أن تجمع بين فتح وحماس من أجل مصالحتهما مع بعضهما البعض  بالفشل ، بسبب عدم رغبة أي طرف بتقديم أية تنازلات للطرف الآخر .

وعلى الرغم من فشل الوساطة العربية لمصالحة طرفي الانقسام ، نجح اتفاق الشاطئ  الذي تم عقده بين حركتي حماس و فتح خلال عام 2014 ،  بتشكيل حكومة التوافق الوطني .

إلا أن ذلك أيضا لم ينهى الانقسام الفلسطيني ، حيث عجزت تلك الحكومة في توفير رواتب لموظفي حركة حماس الجدد ، الذين عينتهم حماس بدلا من موظفي السلطة القدامى الذين استنكفوا سابقا عن العمل بناءً على قرار رئاسي صادر من الرئيس عباس خلال عام 2007.

ومع عجز حكومة التوافق الوطني عن تلبية مطالب حماس ، قررت الحركة  في عام 2017 ، تشكيل لجنة إدارية عليا لإدارة  شؤون قطاع غزة ، لتكون بمثابة سلطة تنفيذية فعلية بقطاع غزة ، تنفي بذلك صلاحيات وزراء حكومة التوافق الوطني  وتنافس عملهم بالقطاع.

ومن هنا  نستطيع القول ،  أنه منذ تأسيس  تلك اللجنة الإدارية ، و رفض حماس الشديد لحلها ، احتد الصراع السياسي مرة أخرى بين الرئيس عباس و حماس ، و تدهورت الأمور السياسية بشكل دراماتيكي ، مما أدى لقيام  الرئيس عباس بفرض  إجراءات عقابية ومشددة تجاه قطاع غزة ،  للضغط على حركة حماس لكي تسلم مفاتيح حكم غزة له مرة أخرى.

  • إشكالية اللجنة الإدارية العليا  في غزة

بعد تحذيرات جدية من الرئيس عباس لحركة حماس،  حول مدى خطورة اتخاذ قرار سياسي لتشكيل  لجنة ادارية تدير شؤون  قطاع غزة ، تجاهلت حركة حماس تلك التحذيرات،  و أعلنت  بشكل رسمي عن تشكيلها  لللجنة الإدارية العُليا لإدارة شؤون قطاع غزة،  بعد أن صادق عليها  نواب كتلتها في المجلس التشريعي بغزة، بتاريخ  23/3/2017 ،  وذلك تحت مبرر  أسمته “غياب حكومة الوفاق عن متابعة شؤون القطاع”.

و علل  الدكتور محمود الزهار ، عضو المكتب السياسي لحركة حماس ، عبر تصريحات صحفيه له ، بأن أسباب تشكيل تلك  اللجنة  تعود لرغبة حركة حماس بمراقبة و متابعة وتوجيه حكومة الوفاق الوطني و أنها ليست حكومة جديدة أو مجلس وزراء.

وتكونت اللجنة الإدارية التي شكلتها حماس لإدارة شؤون قطاع غزة ،  من سبعة أعضاء وهم: عبد السلام صيام رئيسا، وتوفيق أبو نعيم مسؤول عن وزارة الداخلية والأمن الوطني، واسماعيل محفوظ مسؤول عن وزارات العدل والشؤون الاجتماعية والأوقاف، وباسم نعيم مشرف على وزارة الصحة وسلطة البيئة، ورفيق مكي مسؤول عن وزارات الاقتصاد والزراعة وسلطة المياه، وكمال أبو عون مسؤول عن وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة، ويوسف الكيالي للإشراف على وزارة المالية وديوان الموظفين العام.

و تأكيدا لجدية دور  اللجنة الإدارية في متابعة شؤون قطاع غزة ، و دليلا على رغبة حركة حماس باستمرار عمل هذه اللجنة في المستقبل  ، قدمت  اللجنة الإدارية ،  لنواب حماس في المجلس التشريعي بغزة ،   خطة إستراتيجية  تمتد على مدار خمس سنوات من 2017 إلي 2021.

 

و أعتقد هنا، أن تشكيل هذه اللجنة الإدارية من قبل حركة حماس، قد أحدث بالفعل إشكالية معقدة  أمام  أعضاء حكومة الوفاق الوطني و أضعف من قدرتهم على  القيام  بمهامهم  الوظيفية بقطاع غزة  بشكل كامل و فعال .

حيث   نجد أن  من  أهم مهام هذه اللجنة الإدارية، كانت تتمثل بمتابعة شؤون الوزارات الحكومية بقطاع غزة،  و اصدار تعليمات وتوجيهات لموظفي الوزرات بقطاع غزة بشكل يؤدي إلي تضارب الصلاحيات و المسئوليات بين الوزراء المعينين من قبل الرئيس عباس، و بين أعضاء تلك اللجنة ، الذين تم تعينهم من قبل حركة حماس ، وذلك بسبب تجاهل أعضاء  اللجنة  لدور هؤلاء الوزراء، اللذين بدورهم بدؤوا يشعرون بالتهميش و عدم السيطرة الفعلية على فروع وزارتهم  المتواجدة بقطاع  غزة.  الأمر الذي   أثر   سلبيا على مصلحة المواطن الغزي، و أعاق  بعض المعاملات الأساسية  والضرورية  التي يحتاجها المواطن مثل التحويلات الطبية للضفة الغربية و إسرائيل.

  • تفاهمات حماس مع الخصم الأكبر للرئيس

ومع تعثر المصالحة الفلسطينية  بين حركتي فتح وحماس،  و صعوبة الوصول إلي تفاهم سياسي بين الطرفين  ، فتحت قيادة حماس الباب  بحذر أمام القيادي محمد دحلان ،  و أعوانه من أجل ترميم العلاقة السياسية بين الحركة و  دحلان ، و التي شهدت سابقا اضطرابات  وصراعات  حادة   إبان فترة الانقلاب  السابق .

حيث برزت بعض التحولات النادرة  في منهجية  حركة حماس  السياسية ، فقد بدأت قيادة الحركة تعيد التفكير بعلاقاتها بدحلان ، و قررت  أن تمنحه فرصة فريدة من نوعها من أجل  إصلاح  أخطاء الماضي، و إنهاء  الصراع  السابق  بينهما، و ذلك كمحاولة  من الحركة  إيجاد أي مساعدة  عن طريق دحلان من أجل تخفيف  الحصار المفروض على  قطاع غزة ، و فتح معبر رفح البري عن طريق  تحسين علاقاتها  مع السلطات المصرية التي تتمتع بعلاقة قوية مع دحلان.

و في شهر يوليو 2017 ، صرح القيادي بحركة حماس ، أحمد يوسف لجريدة الغد الأردنية ، أن حركة حماس وقعت بالفعل على ورقة تفاهمات بينها وبين دحلان،  حيث شملت تلك الورقة 15 بنداً محورياً، تستهدف “تحقيق المصالحة المجتمعية الوطنية، وإنقاذ الوضع المتدهور في القطاع”  .

و صرح يوسف بأنه “سيجري تشكيل لجنة إدارية جديدة بمشاركة وطنية واسعة لإدارة قطاع غزة؛ وذلك للرد على اتهامات تفرد حركة حماس ووجود العنف والتطرف في القطاع، حيث تضم كلاً من حركة حماس ومحسوبين على دحلان في غزة، ومختلف القوى والفصائل الوطنية والإسلامية”

و حسب تصريحات يوسف ، أن من ضمن بنود تلك الورقة هو تولي حركة حماس الملف الأمني الداخلي، بينما سينشغل تيار دحلان بإدارة شؤون غزة إلى جانب القوى والفصائل الوطنية والإسلامية في القطاع.

و أشار يوسف ، أن من ضمن التفاهمات أيضا هو السماح لأحد قيادات تيار دحلان ، سمير المشهراوي بالعودة إلي قطاع غزة من أجل العمل  على تفعيل اللجنة الوطنية للتكافل الاجتماعي، التي تعطلت سابقاً بسبب الخلافات مع دحلان، حيث سيتم إعادة بناء وهيكلة اللجنة لتتولى الدعم والإسناد المالي للقطاع.
لذا بناءً على تصريحات القيادي أحمد يوسف،  نستنتج  أن لجوء حركة حماس للتفاهم مع دحلان ، بدلا من الرئيس عباس ،  جاء ذلك من أجل تحقيق مصالح مشتركة بين حماس و دحلان ، تتمثل برفع اللوم الشعبي على حركة حماس جراء  عدم تمكنها من حل  الأزمات الإنسانية بالقطاع ، و طلب مساعدة و دعم من  دحلان و حلفائه العرب لحل تلك الأزمات ، وفي نفس الوقت سيحسن دحلان من صورته السياسية في الشارع الفلسطيني، و سيروج لنفسه كبطل منقذ للقطاع ، مما سيزيد من شعبيته عند مواطني قطاع غزة ، و يسهل عليه الفوز في أية انتخابات رئاسية مقبلة.

لذلك  قد تكون تلك التفاهمات بين دحلان و حماس ، بمثابة تحدي للرئيس عباس،  و بمثابة رسالة غير مباشرة من حماس للرئيس ، مفادها أن  حماس تستطيع أن تتخلى عن المساعدات المشروطة التي يلوح عباس بمنعها تارةً و بالسماح لها تارةً أخرى.

ففي هذه المرة ، حماس اختارت أن تراهن على ورقة فلسطينية جديدة،  و تفاهمت مع الخصم الأكبر للرئيس عباس ، ألا وهو القيادي محمد دحلان،  كرد غير مباشر منها على رفض السلطة الفلسطينية الاستجابة لأهم شروطها  الرئيسة المتمثلة بدفع رواتب موظفي حماس بقطاع غزة.

  • إجراءات رئاسية مشددة للضغط على حماس

في ضوء  استمرار رفض  حركة حماس  حل لجنتها الإدارية ، حاول  الرئيس عباس عدة مرات  ارسال بعض  الوفود الفتحاوية لاقناع  حماس بضرورة  العدول عن قراراها ، حيث كان هناك  مبادرة سياسية نقلها عباس عبر لجنة سداسية من أعضاء مركزية حركة فتح،  تدعو  حركة حماس  إلي حل اللجنة الإدارية أولاً ، وتمكين حكومة التوافق الوطني من العمل في غزة عبر تسليمها المؤسسات والمعابر، على أن يجري تعديل لاحق على الحكومة، التي سيكون من مهامها التحضير فورا لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال 3  أشهر، وأثناء ذلك يتم العمل على عقد مجلس وطني جديد، يأخذ على عاتقه تجديد منظمة التحرير.

لكن حركة  حماس رفضت هذه  المبادرة ، و لجأت بدلا من ذلك إلي الحوار مع القيادي محمد دحلان ، الخصم الأكبر للرئيس ، مما أثار ذلك غضب عباس ، و جعله يتخذ اجراءات مشددة تجاه قطاع غزة ، وصفها البعض بأنها عقابية من أجل الضغط على حركة حماس لحل اللجنة الإدارية .

وتتمثل تلك الإجراءات  المشددة تجاه قطاع غزة ، برفض السلطة الفلسطينية دفع فاتورة كهرباء قطاع غزة ، المزودة عبر  الخطوط الإسرائيلية ، و بخصم نسبة من رواتب موظفين السلطة الفلسطينية  القدامى في غزة ، و إعلان خطة تقاعد مبكر لعدد من الموظفين المدنيين و  العسكريين التابعين  لمؤسسات السلطة  الحكومية بغزة، الأمر الذي شكل صدمة كبيرة لسكان قطاع غزة ، الذين يعتمد معظمهم  على دخل موظفي السلطة الفلسطينية و الذين يعانون من حصار إسرائيلي مشدد و هم بأمس الحاجة إلي أي مصدر دخل ثابت.

لذا لاقت اجراءات السلطة الفلسطينية المشددة تجاه قطاع غزة ، استهجان عدد كبير من مؤسسات حقوق الانسان المحلية و  بعض المنظمات الدولية، مثل مكتب الأمم المتحدة  لحقوق الانسان الذي أصدر بيان صحفي بتاريخ 11/8/2017 ، يُصرح من خلاله ، أن الأزمة السياسية في غزة تحرم مليوني شخص من الكهرباء والرعاية الصحية والمياه النظيفة في ظل درجات حرارة صيفية قائظة، وناشد المكتب إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحركة حماس حل نزاعاتهم.

و لم يقتصر توجيه الانتقادات حول اجراءات السلطة المشددة تجاه قطاع غزة من قبل فقط بعض المنظمات الحقوقية،  بل وصل الأمر إلي  أن  تُصدر زهافا جلؤون،  رئيسة حزب “ميرتس” اليساري الإسرائيلي، ، عقب لقاء لها مع الرئيس عباس في مقره برام الله بتاريخ 20/8/2017 ، تصريحا صحافيا ، مفاده  بأن  “خيار معاقبة الغزيين كلهم من خلال قطع الكهرباء،  يشكل خطوة خاطئة وغير شرعية في الوقت الحالي”.

و في رد السلطة الفلسطينية برام الله ، على تلك الانتقادات بخصوص إجراءات السلطة المشددة تجاه غزة  ، برر الدكتور نبيل شعث، مستشار الرئيس محمود عباس، للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية  في مقابلة صحفية تمت معه عبر موقع دنيا الوطن ، خلال شهر يوليو 2017 ،  بأن  تلك الإجراءات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية في قطاع غزة،  تهدف لإيصال رسالة لحركة حماس مفادها، أنه كفى للانقسام ويجب استعادة الوحدة الوطنية، وعدم القبول بمخططات الانقسام.   ونفى شعث  بأن تكون إجراءات الرئيس تجاه غزة، ضد مواطنين قطاع غزة ، مشيراً  بأن  السلطة الفلسطينية تتحمل مسئولية غزة منذ أكثر من 10 أعوام ، وحماس تجمع الضرائب و لا تدفع نفقات الكهرباء.

لذا أرى هنا أن الغرض من تنفيذ هذه الإجراءات المشددة تجاه قطاع غزة ، هو  ارسال رسالة تهديدية ومباشرة لقيادة حركة حماس  بغزة ، تُعبر عن غضب الرئيس عباس  من  سياسة حماس في القطاع ، التي تتسم بتهميش حكومة الوفاق  الوطني،  و الهروب نحو تحالفات و تفاهمات مع خصوم الرئيس، بدلا من التفاهم بشكل مباشر مع الرئيس نفسه و الوصول لحل نهائي لقضية الانقسام الفلسطيني .

 

و أعتقد أيضاً ، أن الرئيس أراد عبر إرسال تلك الرسالة ، أن يُخبر  قيادة حماس ،  بأنه مستعد أن يسلمها قطاع غزة بكامل نفقاته ، و أن من يحكم القطاع بشكل فعلي،  عليه أن يتكبد  أيضاً كافة نفقاته و ليس فقط القيام بحصد موارد دخله.

 

 

 

 

  • الوساطة المصرية لإنهاء الأزمة

ومع احتدام الأزمة السياسية ، و ارتفاع  وتيرة  التهديدات  المتبادلة بين  حركة حماس و الرئيس عباس ، حول قضية حل اللجنة الإدارية بغزة ،  اتخذت حركة حماس قرارا مصيريا بخصوص تلك اللجنة، حيث في تاريخ 17/9/2017 ، أعلن مكتب حركة حماس بغزة ، بقيادة رئيسه يحي السنوار ، عن حل اللجنة الإدارية بغزة ، وذلك استجابةً للجهود المصرية المبذولة من قبل جهاز المخابرات المصرية الذي نجح بإقناع قيادة حركة حماس بضرورة إزالة العثرة الرئيسية أمام طريق المصالحة ، و إفساح المجال لحكومة الوفاق الوطني لكي تستلم مهامها بفعالية.

ومن الجدير بالذكر ، أن جهاز المخابرات المصرية ، لعب دور كبير في التوسط بين حركتي حماس و فتح منذ بداية الانقسام الفلسطيني خلال الأعوام السابقة ، لكن الدور المصري هذه المرة ، كان بتوجيهات رسمية واضحة وجدية كبيرة من قبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ، حيث توافقت تلك التوجيهات المصرية  مع إقرار كل من حركتي فتح و حماس،  أنه لا بديل عن دور مصر في ملف المصالحة الفلسطينية.

أما عن  أهم الأسباب التي دعت مصر للتدخل بشكل مباشر من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، فقد تكون قوة الإدراك المصري لأهمية وجود استقرار سياسي و اقتصادي بقطاع غزة ، الأمر الذي سينعكس إيجابيا على أمن الحدود المصرية مع قطاع غزة ، بالإضافة لذلك يرى المصريون  أن استقرار قطاع غزة السياسي،  يعتمد على عودة السلطة الفلسطينية إلي غزة ، مما سيشجع الحكومة المصرية  على إعادة فتح معبر رفح البري بشكل رسمي،  و لكن تحت مسئولية حرس الرئاسة الفلسطينية بناءً على اتفاقية المعابر الدولية ، الأمر الذي سيخفض من حدة الحصار المفروض على قطاع غزة.

و أعتقد أيضاً ، أن  مصر قد وجدت أنه من الضروري أن يتم احتواء حركة حماس عربيا حتى تضمن إدارة ملف المصالحة الفلسطينية فيما يتفق مع مصلحة مصر القومية، حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري لصحيفة الأهرام المصرية ، بأن لدى مصر مصلحة و الشعب الفلسطيني له مصلحة من عودة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها إلي قطاع غزة و أن تكون مسيطرة على المعابر و أن تنتهج حماس سياسة تبتعد عن أي نوع من الضغط و التأثير على الأمن القومي المصري.

لذا تُعد قضية المصالحة الفلسطينية بالنسبة للمصريين ،  ليست مجرد قضية فلسطينية داخلية بل هي قضية عربية و إقليمية  ترتبط  بالأمن القومي المصري ارتباطا شديدا ، خاصة بأمن سيناء و الحدود البرية بينها وبين قطاع غزة .

و قد تم تتويج الجهود المصرية لإنجاح  المصالحة الفلسطينية ، بزيارة   وزير المخابرات المصرية ، خالد فوزي ، قطاع غزة بتاريخ 3/10/2017 ، للمشاركة بشكل رسمي في الاجتماع الوزاري لحكومة الوفاق الوطني بقيادة رئيسها ، رامي الحمدلله ، حيث تم بث خلال هذا الاجتماع كلمة مسجلة للرئيس المصري ، عبدالفتاح السيسي ، الذي أعرب عن دعم مصر الرئيسي لمطالب الشعب الفلسطيني المشروعة  ، و أكد للجميع بأنه لا يوجد وقت لتضيعيه و أن التاريخ سيحاسب من يتسبب في إضاعة الفرصة الحالية لتحقيق السلام.

 

لم يكتف أيضاً وزير المخابرات المصري ، خالد فوزي بالمشاركة فقط في الاجتماع الوزاري لحكومة الوفاق الوطني ، بل قام بلقاء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ، إسماعيل هنية ، حيث عبر لهنية عن تقديره لجهود حركة حماس في إتمام المصالحة الفلسطينية قائلاً: ” إن التاريخ سيسجل أنكم وحدتم الشعب الفلسطيني”.

 

و متابعةً  للجهود المصرية المبذولة من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني ، لا يمكننا أن نستبعد أن هناك موافقة أمريكية و دولية لإتمام المصالحة الفلسطينية ، بسبب رغبة المجتمع الدولي بعودة السلطة الفلسطينية لقطاع غزة من أجل استلام الحكم ،و ذلك لمنع حدوث انفجار كبير في الوضع الإنساني بقطاع غزة ، الأمر الذي قد يؤدي إلي اشتعال مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل.

 

  • هل سينتهي الانقسام الفلسطيني في المستقبل القريب؟

بناءً على المعطيات السابقة و تحليل جذور الصراع السياسي بين حركتي فتح و حماس ، و حسب  التطورات السياسية الجديدة في قضية المصالحة الفلسطينية  ، من المتوقع  أن يُقبل قطاع غزة على حقبة سياسية جديدة تتمثل بعودة السلطة الفلسطينية لإدارة  قطاع غزة ، لكن تلك العودة لن تكون فورية،  بل ستتم كخطوات تدريجية يتم تطبيقها عبر عدة مراحل  بعد أن يرتفع مستوى الثقة السياسية بين حركتي فتح وحماس.

حيث بعد أن أعلنت حركة حماس حلها للجنة الإدارية،  ورحبت رسمياً ،  بوفد السلطة الفلسطينية  ،الذي زار قطاع غزة بقيادة الحمد الله ، لدرجة أن عدد كبير من الفلسطينيين ،  اعتبر زيارة هذا الوفد الوزاري الفلسطيني لغزة بمثابة عيد وطني ، صرح الرئيس عباس في مقابلة مع محطة تلفزيونية مصرية، عشية زيارة رئيس حكومته رامي الحمدالله  لغزة ، بأنه يرفض تكرار نسخة حزب الله في الحكم بغزة ، وإنه غير مستعجل، الأمر الذي خفض من نسبة التفاؤل  بنجاح المصالحة الفلسطينية ، وجعل بعض الفلسطينيين يشعرون  بالحيرة حول إن كان الانقسام الفلسطيني قد انتهى بالفعل ، أم كل تلك الترحيبات الشعبية  بالمصالحة،هي مجرد فقاعات إعلامية أشاعت بعض من أجواء  الفرح  المؤقت و التفاؤل الوهمي بين الفلسطينيين.

و على الرغم من حالة الشك الفلسطينية حول مستقبل المصالحة الفلسطينية ، إلا أن حركة حماس قد أظهرت جانب كبير  من المرونة في التعامل مؤخرا مع ملف المصالحة ، ملقيةً بذلك الكرة في ملعب الرئيس عباس ليحسم ملف المصالحة عن طريق تراجعه عن إجراءاته المشددة تجاه القطاع.

وقد تضاربت الأنباء  الصادرة من بعض الصحف العربية حول تنازل حركة حماس عن المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية أم لا  ، حيث بتاريخ 6/10/2017، كشفت صحيفة الرأي أن حركة حماس تُفكر بالتنازل  بعد المصالحة عن مطلبها القديم في المشاركة بحكومة وحدة وطنية ، تمهيدا للانتخابات و  تجنبا لإحراج ملف المصالحة مع الإدارة الأمريكية.

لكن في اليوم التالي لما تم نشره عبر صحيفة الرأي ، صرح مسئول ملف العلاقات الوطنية في حركة حماس ، حسام بدران عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك ، بأن حكومة وحدة وطنية تعني مشاركة حقيقية لكل الفصائل الفلسطينية الفاعلة، وحماس في مقدمتها.

و أعتقد هنا أن حركة حماس مازالت تدرس موضوع الاستمرار بالمشاركة في إدارة قطاع غزة و أنها لم تقرر بعد حول تنازلها الكامل عن إدارة قطاع غزة بشكل نهائي .

و أرى أن حركة حماس  وصلت لقناعة كبيرة بأن تتخلص من  جزء كبير يتعلق بإدارة حكم  قطاع  غزة المثقلة بالمشاكل و الأزمات المالية و الاقتصادية و الاجتماعية و الإنسانية ، والتي استهلكت جزء كبير من طاقة وجهد ووقت الحركة،  و أن هناك  تغيير كبير في المنهجية السياسية لحركة حماس ، تتمثل بتسليم السلطة المقبولة دوليا إدارة المؤسسات الحكومية  لفك الحصار عن غزة  حتى يتثنى لها الوقت الكافي  للتفرغ بشكل كامل في أعمال المقاومة ، و ربما الاكتفاء بلعب دور المعارضة و مراقبة للسلطة بعد تفعيل المجلس التشريعي.

و أعتقد هنا  ، بأن  حماس قد اختبرت بالفعل تجربة حكم قاسية وصعبة في غزة ، تعلمت من خلالها  بعض الدروس الكبيرة التي تتمثل بأنه لا يمكن الجمع بين الحكم و المقاومة في آن واحد، ,و أن الحكم ليس مجرد إدارة مؤسسات حكومية،  بل هو مسئولية كبيرة تكمن بالقدرة على  توفير دعم مادي كبير من قبل الدول المانحة  للاستجابة للمتطلبات الإنسانية لقطاع غزة.

لذا أتوقع أن تتنازل حركة حماس في المستقبل القريب ، بشكل شبه كامل عن إدارة المؤسسات الحكومية بقطاع غزة لكن تحت شرط دمج موظفيها ضمن تلك المؤسسات الحكومية وتوفير رواتب شهرية لهم.

أما بالنسبة للملف الأمني، فلا أتوقع أن تقدم حماس تنازلا كبيرا في هذا الملف الحساس و الخطير و الذي يمس عمل المقاومة الفلسطينية ، لذا ربما يكون هناك بعض المداولات والحوارات السياسية و الأمنية  بين الطرفين وذلك تحت إشراف مباشر من قبل  المخابرات المصرية ، من أجل الوصول لصيغة توافقية بين الطرفين لإدارة الملف الأمني بشكل يضمن لحركة حماس عدم المساس بسلاح المقاومة الفلسطينية، و يضمن مشاركة حركة حماس في إدارة المعابر البرية للقطاع بالتعاون مع قوات حرس الرئاسة الفلسطينية.

و بالنسبة للرئيس عباس، فإن استعادة حكم غزة مرة ثانية ، سيعتبر بمثابة  نجاح كبير له يختم به سيرته الذاتية ، و يقوي موقفه الدولي أمام العالم ، عندما يطالب إسرائيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 ، بصفته رئيس يحكم الشعب الفلسطيني بأكمله و ليس فقط بالضفة الغربية.

لذا أتوقع أنه بالرغم من اختلاف المصالح و الأهداف السياسية و الأيدلوجيات بين حركتي فتح وحماس ، إلا و أن الانقسام الفلسطيني ، يمر الآن في المرحلة النهائية ، فبعد عشرة  أعوام  من الانشقاق الفلسطيني ، حان الوقت لطي هذا الملف للأبد.

لكن لإغلاق هذه الصفحة السوداء بتاريخ القضية الفلسطينية ، يحتاج الأمر إلي حسن نوايا سياسية من قبل كافة الأطراف، و إلي العمل بشكل جدي من أجل عدم عرقلة أية جهود وطنية وعربية لإتمام المصالحة الوطنية بشكل كامل يعيد الحياة و الأمل للشعب الفلسطيني.

لذا أتوقع أن الانقسام الفلسطيني سينتهي فعليا في المستقبل، لكن مع وجود بعض التحفظات السياسية من قبل  الطرفين ، ومع احتفاظ كل طرف بخصوصيته ومنهجيته السياسية المتعلقة بكيفية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي سواء عن طريق المقاومة السلمية التي تتبناها حركة فتح ، أو المقاومة المسلحة التي تتبناها حركة حماس.

و أخيرا ، مع وجود إشراف مصري مكثف على ملف المصالحة الفلسطينية، يمكننا أن نعتبر ذلك الإشراف المصري بمثابة صمام أمان لإتمام هذا الملف الفلسطيني المعقد،  و ستكشف لنا الفترة المقبلة  بعض التطورات و التغيرات السياسية  التي ستبين بشكل أكثر وضوحا مستقبل المصالحة الفلسطينية و مدى نجاح المصريين في إنهاء الانقسام الفلسطيني.

 

 

معادلة السلام الإسرائيلية الجديدة

بدأت تتشكل في الآونة الأخيرة، ملامح أكثر وضوحا لخطة السلام الإسرائيلية الجديدة مع العرب التي تخطط لها الحكومة الإسرائيلية منذ فترة طويلة.
فبعد فشل عدة جولات من مفاوضات السلام بين السلطة الفلسطينية و الحكومة الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية أوسلو الشهيرة ، و بعد أن سادت أجواء من اليأس و الإحباط في صفوف الفلسطينيين، بسبب خيبة أمالهم من عدم قدرتهم على إقناع إسرائيل بالاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 ، و عدم النجاح في حسم قضايا الوضع النهائي المتمثلة : بعودة اللاجئين الفلسطينيين، و الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية ، و إخلاء جميع المستوطنات الإسرائيلية من أراضي الضفة الغربية.
جعل كل ذلك الفلسطينيين، يشعرون بأن مفاوضات السلام تحولت إلي طريق مسدود ملئ بالألغام السياسية، و أن هذا الطريق لن يحقق لهم حلم الدولة المستقلة. ومع إصرار إسرائيل المستمر، بتأجيل كل شيء يتعلق بالسلام النهائي مع الفلسطينيين، و تقديمها في كل مرة لشروط جديدة للتفاوض مع الفلسطينيين، مثل ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة تارة ، أو أن تتوقف السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب الأسرى و أهالي الشهداء تارة أخرى الأمر الذي يرفضه الفلسطينيون بشكل مستمر.
بات الأمر جلياً، بأن هناك قرار إسرائيلي سياسي رفيع المستوى ، بعدم التفاوض مع القيادة الفلسطينية الحالية، التي يرأسها الرئيس محمود عباس ، وذلك على الرغم من المحاولات الدولية الكثيفة لإقناع الحكومة الإسرائيلية ، بأن الرئيس عباس هو الشريك الفلسطيني الوحيد و الحالي للسلام مع إسرائيل، في ظل رفض قيادات الفصائل الفلسطينية الأخرى الاعتراف بدولة إسرائيل. ومن الذرائع التي تستخدمها إسرائيل للتهرب من المفاوضات بشكل مباشر مع السلطة الفلسطينية ، هو أن السلطة الفلسطينية لا تُمثل كل الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة ، بسبب سيطرة حركة حماس على القطاع ، الأمر الذي يُضعف موقف السلطة الفلسطينية ، عندما تُطالب دول العالم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967.
لكنني أعتقد هنا، أن لدى إسرائيل معادلة سلام جديدة، و أسباب إستراتيجية أخرى، تجعلها لا تقتنع بضرورة العودة للتفاوض مع السلطة الفلسطينية الحالية، و تلك الأسباب هي ما يلي:
أولاً) إدارة الصراع و ليس حله
من يراقب السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه الملف الفلسطيني، قد يلاحظ أن إسرائيل تتجه أكثر فأكثر، نحو إدارة الصراع بينها و بين الفلسطينيين، بدلا من حل الصراع بشكل نهائي. ففي الوقت الذي تتمسك به إسرائيل بسياستها الاستيطانية في أراضي الضفة الغربية، و عدم اعترافها بأية حقوق للشعب الفلسطيني لاسترداد أراضيه الشرعية ، تحاول إسرائيل أن تُمسك العصا من المنتصف، للحفاظ على علاقة متوازنة مع الطرف الفلسطيني.
وذلك عن طريق تقديم بعض التسهيلات الإسرائيلية للفلسطينيين، مثل تصاريح العمل داخل إسرائيل، و دعمها لبعض مشاريع البنية التحتية مثل مشاريع المياه و الكهرباء وشق الطرق التي تنفذها بعض المؤسسات الدولية العاملة بالضفة الغربية و قطاع غزة ، من أجل محاولة الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الهدوء، و الاستقرار الأمني، و الحيلولة من ازدياد وتيرة العنف ضد المستوطنين، وقوات الجيش الإسرائيلي المتواجدين في كل من الضفة الغربية و القدس.
و تهدف إسرائيل من إداراتها للصراع مع الفلسطينيين ، هو نيل أكبر وقت ممكن، لاستكشاف ما ستؤول إليه تطورات الأوضاع السياسية في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة . حيث حسب تصريحات بعض القادة الأمنيين الإسرائيليين، أن لدى إسرائيل قلق كبير من أن تنهار السلطة الفلسطينية في أي وقت، أو أن تسيطر حركة حماس في المستقبل على الضفة الغربية، مثلما سيطرت بالسابق على قطاع غزة.
لذا على أبعد تقدير ، أعتقد أن إسرائيل ، لا تريد التعامل مع قيادة فلسطينية، لا يوجد لها مستقبل مضمون ، في ظل التغيرات الإقليمية العاصفة بالشرق الأوسط ، التي جعلت مهمة التخطيط للمستقبل عملية معقدة و غير مؤكدة .
و ربما يعتقد الإسرائيليون أنه من الأفضل لهم الانتظار لحقبة زمنية أخرى، حتى تستقر الأمور، و تتضح لهم أكثر رؤية الشعب الفلسطيني، وتوجهاته نحو قيادة فلسطينية جديدة ، يُمكنها أن تُمثلهم جميعا في المستقبل، و باستطاعتها أن تُقنع الشعب الفلسطيني بأهمية السلام مع إسرائيل ، وذلك بدلا من إهدار الوقت في التفاوض مع قيادة فلسطينية تقليدية ، مازال مستقبلها غامض، ومجهول في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.
ثانياً) السلام العربي ثم السلام الفلسطيني
من يتابع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ، بنيامين نتاياهو، حينما قال أثناء مشاركته في احتفال سنوي ، جاء بمناسبة قرب بدء السنة العبرية الجديدة خلال شهر سبتمبر 2017 ، سيشعر من تلك التصريحات ، مدى فخر نتاياهو عندما صرح أثناء الحفل، بأن هناك تطور كبير في العلاقات العربية – الإسرائيلية ، لم تشهده أية حقبة تاريخية سابقة .
الأمر الذي يدل على أن وجهة السلام الإسرائيلية الحالية، هي الدول العربية السنية ، و بالأخص الدول الخليجية و ليس الفلسطينيين. و قد تطورت العلاقات العربية – الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، لدرجة أن الصحافة الإسرائيلية ، سربت خلال شهر سبتمبر 2017 ، خبرا حول زيارة سرية لأمير سعودي رفيع المستوي إلي تل أبيب ، و أن هناك علاقات تعاون إسرائيلية مع دول عربية ، لم تُوقع بعد اتفاقيات سلام مع إسرائيل ، حيث على أغلب الظن ، يتعلق هذا التعاون بمسألة محاولة إفشال المشروع النووي الإيراني.
لذا وجدت إسرائيل بوابتها للعرب في هذه المرة، ليس عن طريق القضية الفلسطينية ، بل عن طريق إقناعها للعرب ، بمبدأ أن “عدو عدوي هو صديقي” ، أي أن هناك مصلحة عربية إسرائيلية مشتركة، تتمثل بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي متطور، قد يهدد أمن و استقرار الدول العربية في الشرق الأوسط.
و على ما يبدو أن إسرائيل قد نجحت بالفعل، في إقناع العرب أنها ليست المشكلة في الشرق الأوسط ، و أنها ليست عدوة للعرب ، محاولة بذلك نسج علاقات تعاون مع تلك الدول العربية ، ومتبعة في نفس الوقت معادلة سلام جديدة، تتمثل : بالسلام مع العرب أولا ، ثم النتيجة من ذلك السلام مع الفلسطينيين، كتحصيل حاصل و ليس كعامل رئيسي. وهنا أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل ليست مفتاحا رئيسيا لها، للدخول إلي قلوب العرب ، بل أصبح أمن الدول العربية ، هو كلمة السر لاحتمال توقيع اتفاقيات سلام مستقبلية بين العرب و إسرائيل.
ثالثاً) السلام مع الشعوب قبل الحكومات
و هنا جاء دور القوة الناعمة الإسرائيلية، التي بدأت تستخدمها إسرائيل بكثافة، من أجل تحسين صورتها عند الشعوب العربية، و الشعب الفلسطيني أيضاً. حيث باتت إسرائيل تستخدم بغزارة وسائل الإعلام الاجتماعي مثل الفيسبوك و التويتر ، من أجل الترويج لدولتها بأنها دولة ديمقراطية متحضرة ، تراعي حقوق الإنسان، عن طريق تقديمها لبعض الخدمات الإنسانية المشروطة للفلسطينيين و الجرحى السوريين ، مثل العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، أو تسهيل المرور و التنقل للفلسطينيين من الحالات الإنسانية الطارئة أو دعمها لمشاريع إنسانية في الضفة و غزة تتم بتمويل من قبل مؤسسات أجنبية.
و تأتي تلك الجهود الإعلامية الإسرائيلية ، كمحاولات إسرائيلية حثيثة ، تنمُ عن حرص الحكومة الإسرائيلية الشديد لتغيير الصورة الذهنية السلبية لإسرائيل في عقول الشعوب العربية ، و محاولة إقناع الشعوب العربية بأن إسرائيل ليست مجرد جيش احتلال ، يشن حروب ضارية على قطاع غزة وجنوب لبنان ، تؤدي إلي تدمير بيوت ومباني، و قتل نساء و أطفال، بل تحاول إسرائيل أن تُرسل رسالة للعرب ، بأنها شعب إنساني يقدم المساعدة لمن يقبل السلام و التعايش معه.
فمن يتابع الصفحات الالكترونية ، التي يُديرها كل من المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، و منسق الإدارة المدنية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، يؤاف مردخاي ، يلاحظ أن تلك الصفحات تحاول ليس فقط تحسين صورة إسرائيل عند العرب ، بل أيضاً ، تحاول أن تجد اهتمامات و عوامل مشتركة بين العرب و الإسرائيليين ، مثل الاستماع للموسيقى العربية، أو تهنئة العرب بأعيادهم الدينية .
و كأننا نشعر من تلك المجاملات الإسرائيلية للعرب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك خطة إسرائيلية جدية، تسعى لتطبيع العلاقات مع الشعوب العربية بشكل مباشر، بدلا من انتظار التطبيع بشكل رسمي مع الحكومات العربية.

مما يدل ذلك على أن إسرائيل تُهيئ منذ زمن طويل ، الأجواء و الأرضية المناسبة، لزرع بذور السلام مع الشعوب العربية، قبل البدء بعقد سلام نهائي ورسمي مع حكومات تلك الشعوب.

 

إلي وزارة الزراعة: فلتنقذوا حيوانات غزة من جهل المستهترين!

ضجت مواقع الإعلام المجتمعي ، مؤخرا بالسخرية من خبر انتحار قرد كان مُعتقل بقفص حديدي، يفتقر لأدنى معايير الحياة و السلامة ، معلقا في سجن لتعذيب الحيوانات ، يُطلق عليه صاحبه مسمى “حديقة حيوان” ، وهي بالطبع لا يمكن تسميتها بحديقة ، لأنها ليس سوى مجرد معتقل نازي للحيوانات ، حيث يتم استغلال الحيوانات الضعيفة التي لا حول لها و لا قوة ، من قبل بعض المستغلين من أجل جذب الزوار و أطفال المدارس مقابل بضعة شواكل، وبدون تقديم أدنى رعاية لهذه الحيوانات ، أو توفير بيئة مناسبة لها للعيش بشكل طبيعي و صحي.

وهنا أتسأل ، هل أصبحت حياة الحيوانات البريئة بقطاع غزة ، مجرد سلعة للعرض أمام الغزيين ، و مجرد أحاديث للسخرية ، يتم تسييسها وربطها بمعاناة قطاع غزة من الحصار و الانقسام ، دون وجود أي رحمة أو شفقة على تلك الحيوانات المسكينة التي يتم تعذيبها بالقطاع بحجة، أن مواطني غزة ، هم أيضا معذبين.

لذا عندما نسمع مثلا أخبار ، عن تحويل بعض الأسود إلي إسرائيل لتلقي العلاج بعد معاناتها بغزة ، أو عرض حيوانات محنطة و ميتة في قفص أمام الأطفال ، لا نرى أي اعتراض أو نقد من مواطني القطاع، أو المسئولين، سوى السخرية، و المطالبة بالسماح أيضا لمواطني القطاع للسفر عبر إيرز مثل الأسود و القطط.

و هنا أتساءل ، هل عندما يتم اعتقال الحيوانات الحية و المحنطة، بداخل ما يسمى بحدائق حيوانات بغزة ، هل هذه هي الصورة المثالية للحيوانات التي نريد أن نروجها في عقول أطفالنا الأبرياء الذين يعانون من الحصار، و لم يسبق لهم أن رأوا بأم أعينهم حيوانات حية وحقيقية ؟

ماذا نعلم أطفالنا ؟ و ماذا نغرس في عقولهم ؟

مشاهد لحيوانات ميتة ومحنطه ! أو لحيوانات معذبة ! أو لحيوانات جائعة ! أو لحيوانات مريضه !

لماذا يتم السماح لهؤلاء المستهترين، و تجار الحيوانات، بفتح معتقلات تجارية لحيوانات بريئة تحت مسمى حديقة حيوانات ؟

يجب أن يكون هناك معايير معينه لافتتاح أي حديقة حيوانات عامة أو خاصة ، من ضمنها على الأقل ، أن يستطيع أن يوفر صاحب الحديقة لحيواناته الطعام و التطعيم و الدواء، و أن يوفر لتلك الحيوانات مساحة واسعة ومفتوحة وممتلئة بالأشجار و الأعشاب، لكي تنطلق بحرية و تعيش حياة على الأقل شبه طبيعة، و ليس أن يتم حبسها كالجرذان في أقفاص بالية و غير إنسانية .

كيف نريد أن نتحرر من الاحتلال، و نطالب العالم المتحضر بأن يحترم حقوق الإنسان الفلسطيني، و نحن لا نحترم حقوق أضعف الكائنات الحية ، و نحن نستغل حياة تلك الكائنات للتجارة و السخرية و التقاط الصور التذكارية، بدون أي اعتراض من قبل مروجي حقوق الإنسان و المدافعين عن البيئة و المسئولين في وزارة الزراعة ، حول تلك الانتهاكات التي يعاني منها حيوانات قطاع غزة.

و من منا لا ينسى مشهد اللبؤة التي تم حقنها بمخدر ، وربط عنقها بسلسلة حديدية كسبية حيوانية ، و أصبح صاحبها يتجول بها أيام العيد في شوارع الرمال ، لكي يلتقط أطفال غزة ، معها صور مقابل بضعة شواكل ، في مظهر متوحش و أمام مرأى الجميع، دون اعتبار لسلامة الأطفال الذين يلتقطون تلك الصور مع اللبؤة المهانة ، أو أي اعتبار لصحة وحياة تلك اللبؤة التي تضررت بسب حقنها المتواصل بالمخدر.

وقد يتساءل سائلا ، فلنحصل أولا على حقوقنا الإنسانية كمواطنين، قبل أن نطالب بحقوق الحيوانات !

وهنا أجيب على هذا التساؤل ، بأنه من لا يرحم لا يُرحم ، و كما تُدين تُدان ، وارحموا من في الأرض ، يرحمكم من في السماء ، و امرأة دخلت النار بسبب هرة.

كوننا شعب يعاني من الاحتلال، و الظلم، و الحصار، و الانقسام ، لا يعني ذلك أن نكون مستهترين و عديمي الرحمة و الشفقة مع تلك الحيوانات المسكينة، التي كانت تنعم بحياة سعيدة في غابات إفريقيا، لكن تجار البشر و الحيوانات سرقوها وهربوها عبر الأنفاق لقطاع غزة ، مقابل أموال زهيدة لبيعها لأشخاص جهلاء و مستهترين ، همهم الرئيسي هو استغلال تلك الحيوانات مقابل بضعة شواكل!

وها هو عيد الأضحى يقترب أيضا على الأبواب ، و سنشهد للأسف مظاهر أكثر لوحشية بعض الغزيين تجاه أضاحي العيد ، فقد انتشرت سابقا عدة فيديوهات على مواقع اليوتوب، تظهر كيف يقوم أصحاب الأضحية أو الجزارين، بذبح أضاحي العيد بطريقة وحشية، فمنهم من يطلق النار على أرجل الأضحية ، ومنهم من يرفس بقدمه رأس الأضحية و منهم من يتسابق بطعن الأضحية عدة مرات في ظهرها دون إتباع أي نوع من آداب الذبح في الإسلام ، حيث أوصى الرسول المسلمين قائلا ، إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و أوصى بأن لا يسمح أن يري الحيوان الذي يراد ذبحه حيوانا آخر يذبح.

إن تلك المظاهر الوحشية ، في طرق تعامل بعض الغزيين ، المستهترين ، و الجهلاء منهم، تضر للأسف بسمعة قطاع غزة ، وتشوه تلك الانتهاكات ضد حقوق الحيوانات من صورة المواطن الغزي ، حيث أنها تصوره بأنه مجرد إنسان بدائي، ومتوحش، و يعشق العنف والدم ، و يستهتر بحياة الكائنات الضعيفة.

فكيف يريد سكان القطاع أن يرحمهم الله ، و ينقذهم من الحصار الظالم و هم لا يرحمون من هم أضعف منهم ألا وهي الحيوانات الضعيفة؟

لذا على وزارة الزراعة بقطاع غزة ، أن تتابع بجدية ملف انتهاكات حقوق الحيوان بغزة ، و أن لا تمنح أية تراخيص لما يسمى بحديقة حيوان في غزة ، بل عليها أيضا أن تقوم بحملة تفتيش داخل المزارع و الحدائق لإنقاذ الحيوانات التي يتم استغلالها بشكل سيئ في تلك الأماكن ، و عليها أيضا أن تُرحل جميع الحيوانات البرية المتواجدة فيما يسمى حديقة حيوانات بقطاع غزة إلي منظمات حماية الحيوان الدولية لتتولى رعايتها ومسئوليتها.

و يكفي القطاع ما به من انتهاكات و حصار ، حتى الحكومة عاجزة عن توفير الغذاء و الدواء لفقراء القطاع، فكيف سيتم توفير الغذاء و الدواء و الرعاية لحيوانات يعتبرها المواطنين مجرد سلع رخيصة.

وعندما نتطور و نتحضر أكثر و نحصل على أقل حقوقنا الإنسانية ، لنفكر بعدها باستضافة حيوانات بحدائقنا ، بطريقة إنسانية ومشرفة، و ليس بطريقة وحشية ، عن طريق حبسها و إزهاق أرواحها ، بمعتقل حيواني ، لكي تكون مجرد دمى للفرجة، أمام أطفال أبرياء، يتم خداعهم بصور مهينة للحيوانات ، تجعل أطفالنا يعتقدون أن عالم الحيوان هو مجرد أقفاص و جثث محنطه ،وليس بيئة قيمه يجب أن نحافظ عليها.

لذا أتمنى من المسئولين في وزارة الزراعة بغزة ، عدم الاستهتار بالأمر، و أن يراعوا ضميرهم ، بالتعامل مع ملف تلك الحيوانات المعتقلة، فيما يسمى حديقة الحيوان بغزة ، و أن يتم بالفعل اتخاذ إجراءات حاسمه حول هذا الموضوع ، حتى لا يتم شيطنه قطاع غزة أكثر من ذلك ، وحتى لا يصبح قطاع غزة وقصصه المؤلمة حول انتهاك حقوق الحيوانات ، مجرد أضحوكة للعالم ، و مصدر للسخرية من قبل الشامتين بجهل بعض الغزيين.

فلتنهي وزارة الزراعة تلك المهزلة، و لتنقذ تلك الحيوانات البريئة، من جهل المستغلين !

فنحن نريد أن نرى في غزة ، إنسان حر و أخلاقي، يلهو مع حيوان سعيد، و لا نريد أن نرى إنسان متوحش وسادي، يتمتع بمنظر حيوان معتقل بقفص حديدي.

توقعات مرحلة ما بعد الرئيس

تحاول مؤخراً الصحافة الإسرائيلية ، استشراف المرحلة الفلسطينية القادمة في حال تغيب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن المشهد السياسي الفلسطيني ، و ذلك بسبب ظروف قهرية خارجة عن إراداته.

وتكاد تلك التحليلات الإسرائيلية، التي تحاول التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الساحة الفلسطينية ، في مرحلة ما بعد الرئيس، أن تُصور الوضع الفلسطيني في المستقبل بأنه سيبدو أكثر كارثياً ، مما هو عليه الآن ، مما يُظهر مدى القلق الإسرائيلي من احتمالية حدوث فوضى أمنيه في أراضي السلطة الفلسطينية ، الأمر الذي سينعكس سلبا على أمن إسرائيل، و يجعلها تتحمل مسئولية أكبر للحفاظ على الهدوء في مناطق الضفة الغربية.

وأعتقد هنا ، أن تحمس الإعلام الإسرائيلي للتنبؤ بما سوف تؤول إليه الأوضاع السياسية الفلسطينية في المستقبل ، ولتوقع أسماء بعض الشخصيات الفلسطينية ، التي يمكنها أن تقود المرحلة المقبلة ، يعود كل ذلك لرغبة الباحثين و المحللين الإسرائيليين في استشعار ردود أفعال الفلسطينيين بشكل عام، و مسئولي السلطة الفلسطينية بشكل خاص حول تلك التحليلات السياسية الإسرائيلية ، من أجل حث الفلسطينيين على إصدار تصريحات رسمية، قد تكشف ما يدور في خُلد الرئيس عباس ، و تساعد إسرائيل في التعرف على طبيعة استعدادات السلطة الفلسطينية لتلك المرحلة الحرجة.

وعبر تحليلي للمشهد السياسي الفلسطيني الحالي، و طبيعة الإجراءات السياسية الحديثة التي اتخذتها السلطة تجاه قطاع غزة ، استنتجت من كل ذلك ، أن السلطة الفلسطينية الحالية ، قد تغيرت بشكل جذري، و هي ليست مثل السلطة السابقة في فترة ما قبل الانقسام!

فالسلطة الفلسطينية الحالية، و التي مركزها رام الله ، أصبحت الآن أكثر دهاءً و خبرة مما سبق، و قد تعلمت قيادتها من تجربتها السابقة بغزة درسا قاسيا ، جعلها تتخذ إجراءات مشددة من أجل الحفاظ على قوتها بالضفة الغربية .

فبكل بساطه لن تسمح قيادة سلطة رام الله ، بأن يتكرر مشهد انقلاب غزة مرةً أخرى في الضفة الغربية ، الانقلاب الذي أدى في نهاية الأمر إلي سيطرة حركة حماس على السلطة و أجهزتها بقطاع غزة.

لذا لا أستبعد، أن يكون هناك شيئا ما ، يدور من وراء الكواليس، و أن يكون هناك بالفعل خطة محكمه يديرها الرئيس و رجاله ، للاستعداد جيدا للمرحلة القادمة ، و لكن ليس بالضروري أن يكشف الرئيس وحاشيته، عما يدور في خلدهم من خطط و إجراءات ، لأن عنصري المفاجأة و السرية، مطلوبان أيضا في كواليس العمل السياسي القيادي.

وعلى أبعد تقدير ، لا أتوقع أن تكون أمور الحكم و السلطة في الضفة الغربية ، عشوائية كما كانت عليه في السابق خلال فترة ما قبل الانقسام الفلسطيني ، فهناك ما يتم إعداده بالفعل في المطبخ السياسي المصغر للسلطة ، و لكنه على ما يبدو أن تلك الإعدادات و التحضيرات تتسم بالسرية و الجدية ، وتتم بعيدا عن أعين وسائل الإعلام المحلية و الدولية.

و بما أنه لا خلود لإنسان على وجه هذه الأرض، لابد من استشراف المستقبل الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس ، عبر عمل تصور موضوعي وواقعي ، بعيدا عن أسلوب الانحياز لقائد سياسي معين ،أو الاستهتار من قدرة قيادة معينه ، في التعامل بشكل عملي مع تحديات القضية الفلسطينية ، في ظل غياب القائد الرئيسي للسلطة الفلسطينية ، أثناء فترة الانقسام وعدم تحقيق المصالحة الوطنية.

فالهدف من توقع تلك السيناريوهات، هو تقديم رؤية مستقبلية حول المرحلة المقبلة، و إثارة نقاش سياسي جدي عن كيفية التعامل مع قضايا الحكم، في ظل غموض مستقبل القضية الفلسطينية، و الشعور بالقلق و الخوف من تدهور الأوضاع الفلسطينية إلي الأسوأ.

ومن أهم السيناريوهات التي أتوقع أن تحدث في حال تغيب الرئيس عن الحكم في المرحلة القادمة، في ظل استمرار الانقسام و عدم تحقيق مصالحة وطنية جدية بين حركتي فتح و حماس هي ما يلي:

– تولي المحكمة الدستورية العليا أمور الحكم

في ضوء اختفاء أي أمل فلسطيني ، للتوصل لحل نهائي لمشكلة الانقسام الفلسطيني، و عدم انجاز حلم المصالحة الوطنية ، وفي حال أصدر الرئيس عباس قبل مغادرته السلطة الفلسطينية ، قرارا رئاسيا بحل المجلس التشريعي ، سيشكل ذلك مانعا قانونيا لتولي رئيس المجلس التشريعي الحالي ، منصب رئاسة السلطة في المستقبل ، وهنا يُمكن لرئيس المحكمة الدستورية العليا، التي شكلها الرئيس عباس في عام 2016 ، أن يتولى رئيس هذه المحكمة في المستقبل ، منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ،وذلك حسب المادة (119) من مشروع المسودة الثالثة المنقحة لدستور دولة فلسطين ، التي تنص على أنه “إذا شغر مركز الرئيس أو قرر المجلس النيابي اتهامه وفقًا للماد ة (90) من الدستور، يتولى رئيس المجلس النيابي رئاسة الدولة مؤقتًا لمدة لا تزيد عن (60) يومًا تجري خلالها الانتخابات للرئاسة، وفقًا لقانون الانتخابات، وإذا رغب رئيس المجلس النيابي في ترشيح نفسه أو حال دون توليه الرئاسة مانع قانوني، يتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الدولة مؤقتًا لحين إتمام إجراءات انتخاب الرئيس. و ليس لرئيس المحكمة في هذه الحالة أن يرشح نفسه للرئاسة “.

لذا من الأرجح بأن يتحقق هذا السيناريو في مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في حال تم بالفعل حل المجلس التشريعي الحالي من قبل الرئيس عباس ، لإحداث مانع قانوني يحول من تولي الدكتور عبد العزيز دويك ، لرئاسة السلطة في المستقبل في حال غادر الرئيس عباس موقعه الرئاسي ، و بالطبع سيلقى ذلك القرار رفضا كبيرا من حركة حماس التي ستقوم بالتالي بعمل طعن ضد هذا القرار.

– استمرار عمل مؤسسات السلطة بالضفة مع متابعة الشئون الإنسانية لغزة

و مع استمرار الانقسام الفلسطيني و تنصيب رئيس المحكمة الدستورية بشكل مؤقت كرئيس للسلطة الفلسطينية ، سيستمر رئيس الوزراء الفلسطيني في إدارة أمور مؤسسات السلطة ضمن حالة إعلان الطوارئ ، ولكن لن تتأثر الوزارات بتلك الحالة، و سيستمر عملها بشكل طبيعي ، فتاريخ مؤسسات السلطة لن ينتهي في يوم و ليله ، بسبب غياب الرئيس ، لأن السلطة هي مشروع دولي طويل الأمد ، وهي تعتبر نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية ، ولن يسمح المجتمع الدولي بانهيار تلك السلطة.

فلو انهارت السلطة حينذاك ، سيعتبر ذلك بمثابة فشل كبير لمشروع التسوية مع إسرائيل ، لذا أتوقع أن تستمر مؤسسات السلطة بالعمل كالمعتاد بدعم دولي ، مع عدم تخلي السلطة الفلسطينية برام الله عن قطاع غزة بشكل كامل ، حيث من المتوقع أن تحتفظ سلطة رام الله بتنسيق منخفض المستوى مع بعض فروعها في قطاع غزة، بحيث يقتصر ذلك التنسيق فقط على متابعة أمور القطاع الإنسانية ، مثل التحويلات الطبية و أمور الطلبة و تصاريح التنقل و بعض المعاملات المدنية المتعلقة بجوازات السفر و بطاقات الهوية ، وذلك دون التورط في دفع فواتير القطاع ، مع إتباع سياسة تحميل أكبر قدر ممكن من مسئولية إدارة قطاع غزة لحماس، أو القيادي محمد دحلان في حال عاد لغزة ، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بشعرة معاوية مع سكان القطاع، فيما يخص فقط التنسيق المدني و الإنساني.

– تطبيق خطة أمنية محكمه في الضفة الغربية

ومن يتابع التوقعات الإسرائيلية حول مرحلة ما بعد الرئيس ، يستنتج أن إسرائيل لديها توقع كبير بانهيار السلطة الفلسطينية ، وحدوث فوضى أمنية كبيرة ، و اقتتال داخلي على الحكم في الضفة الغربية، و ربما انقلاب جديد ضد السلطة الفلسطينية، مثلما حدث في غزة خلال عام 2007.

و لكنني هنا، أستبعد حدوث هذا السيناريو، حيث أرى أن السلطة في رام الله ، تعلمت درسا صعبا من أحداث غزة السابقة ، و لن تسمح لأجهزتها الأمنية بارتكاب نفس الأخطاء السابقة بغزة ، التي أدت إلي انهيارها بغزة، و من ثم سيطرة حركة حماس عليها بشكل كامل.

وأعتقد أنه بالفعل، لدى المؤسسات الأمنية بالضفة الغربية، و تحت إشراف مباشر من قبل رئيس السلطة الفلسطينية عباس ، خطة أمنية محكمه لاستمرار السيطرة الأمنية على الضفة الغربية، و لمنع حدوث أي اختراق داخلي أو خارجي لمنظومة الأمن الفلسطيني بالضفة الغربية ، على خلاف ما حدث بغزة في السابق.

وعلى ما يبدو أن من إحدى بوادر تلك الخطة الأمنية ، هو إجراءات السلطة الحديثة بخصوص تقاعد العسكريين بغزة، و استبدالهم بجنود جدد في الضفة الغربية ، الأمر الذي يشير إلي رغبة السلطة الفلسطينية في رام الله ، بزيادة عدد أفرادها الأمنيين في الضفة و تمكينهم ، و تعزيز قوتهم من أجل فرض سيطرة أمنية مشددة على محافظات الضفة الغربية.

و لا أتصور، بأنه في حال تغيب الرئيس الفلسطيني عن موقعه الرئاسي في المستقبل، أن تنهار تلك الأجهزة الأمنية بكل بساطه، مثلما حدث سابقا بغزة ، لأن وضع حركة حماس العسكري في الضفة الغربية، ليس متمكنا مقارنة بوضعها في غزة، و ذلك بسبب الحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الضفة الغربية، التي تهدف إلي تجريد حركة حماس و فصائل المقاومة الأخرى من السلاح، و التي تحاول أن تمنع نمو أي خلايا عسكرية جديدة لفصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية.

لذا لا يوجد مقارنة بين الإمكانيات العسكرية لحركة حماس في غزة ، التي ساعدتها بالسابق في السيطرة على الحكم بغزة ، وما بين الإمكانيات العسكرية المتواضعة لحركة حماس بالضفة الغربية ،و التي من الصعب أن تُمكن حركة حماس من عمل انقلاب جديد على السلطة الفلسطينية برام الله ، خلال مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في ظل استعدادات أجهزة الأمن الفلسطينية بالضفة الغربية لأي محاولة عسكرية ضدها ، و في نفس الوقت عدم تنازل إسرائيل عن جزء من سيطرتها الأمنية على الضفة الغربية.

– عقد انتخابات رئاسية في الضفة الغربية بدون غزة

وهنا كما قلت بالسيناريو الأول، أنه في حال استلم رئيس المحكمة الدستورية منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ، سيتم بعدها التحضير لإجراء انتخابات رئاسية من أجل الخروج من المأزق السياسي بعد انتهاء الفترة المؤقتة لتولي رئيس المحكمة الدستورية لمنصب الرئاسة، ومع استمرار الانقسام سترفض بالطبع حركة حماس تلك الانتخابات الرئاسية، و ستطعن بقانونية رئيس المحكمة الدستورية ومنصبه الرئاسي المؤقت ، و في أية قرارات سياسية صادرة عنه ، مما سيحول ذلك من إمكانية عقد انتخابات رئاسية في غزة ، وسيتم بالتالي تكرار سيناريو عقد الانتخابات المحلية بالضفة الغربية دون غزة ، حيث من المحتمل أن يتم عقد انتخابات رئاسية جديدة في الضفة الغربية فقط ، من أجل سد الفراغ في الحكم ، و الحيلولة من انهيار السلطة.

وقد يترشح في تلك الانتخابات الرئاسية الجديدة ، شخصيات قيادية من حركة فتح، أو مستقلين موالين لحركة فتح ، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة، برئيس جديد في الضفة الغربية، ليس معترفا بها بغزة ، لكنه قد ينال اعتراف بعض الدول العربية و الغربية، التي ستضطر لذلك الاعتراف ، خشيةً من أن تحدث فوضى أمنيه بالضفة الغربية ، و أن تنهار السلطة الفلسطينية بشكل كامل.

– استمرار سيطرة حماس على قطاع غزة لحين بدء معركة التحرير الكبرى

وفي ظل استمرار الانقسام، و بروز قيادة سياسية جديدة في الضفة بدون موافقة من حركة حماس ، أتوقع هنا ، أن تستمر حركة حماس بسيطرتها الأمنية على قطاع غزة، حتى لو عاد القيادي محمد دحلان للساحة السياسية بغزة ، فتفاهمات حماس- دحلان ، لن تُنصب دحلان كوالي لغزة ، بل ربما ستزيد من فرصته بالفوز في الانتخابات الرئاسية، في حال فقط انتهى الانقسام الفلسطيني، وتم التوافق على إجراء انتخابات رئاسية موحدة في كل من الضفة الغربية وغزة في آن واحد.

لكن في حال استمر انفصال غزة عن الضفة ، و تم عقد انتخابات رئاسية بالضفة الغربية فقط ، سيحول ذلك من تحقيق طموح دحلان بالحصول على كرسي الرئاسة ، و عليه أتوقع استمرار حكم حماس لغزة، لحين اتخاذ قرار مصيري من قيادة حركة حماس بغزة ، حول الخوض في حرب التحرير الكبرى ضد إسرائيل، التي يروج لها منذ زمن عدد كبير من قادة حركة حماس بغزة، و التي ستحسم مصير حركة حماس في غزة بشكل نهائي .

ففي حال انتصرت حماس في تلك الحرب، سيزيد ذلك من قوة الحركة و سيمكنها أكثر في القطاع، و سيقوي موقفها في الضفة الغربية و القدس، مما سيعيدها بقوة إلي المشهد السياسي الفلسطيني، بصفتها الحركة المنتصرة و المحررة لأراضي فلسطين التاريخية.

و لكن ، في حال لم تنتصر حماس في تلك المعركة المستقبلية ، و نجحت إسرائيل بنزع سلاح حماس في قطاع غزة ، ستتغير الأوضاع الفلسطينية في قطاع غزة بشكل دراماتيكي، و ستبدأ بعدها حقبة سياسية جديدة في القطاع، سينعكس بالتالي ، تأثيرها على الأوضاع السياسية و الأمنية بالضفة الغربية.

لذا الأمر كله يتعلق بحركة حماس، و مدى استعدادها العسكري للمرحلة القادمة، و كيفية إدارتها لشئون القطاع الأمنية بنوع من الحنكة السياسية و الحذر الشديد.

و أخيرا ، أستطيع القول ، أن تلك كانت مجرد سيناريوهات سياسية و أمنية ، تم توقعها في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني ، وبناءً على ما يتصدر في وسائل الإعلام الفلسطينية و الإسرائيلية و الدولية ، من تصريحات سياسية لطرفي الانقسام الفلسطيني، و من قرارات سياسية صادرة عن رئاسة السلطة ، و من ردود فعل للقادة الفلسطينيين على أرض الواقع.

لكن لو انتهى الانقسام الفلسطيني ، قبل أي غياب محتمل للرئيس الفلسطيني الحالي ، لن يكون هناك أي حاجة لحدوث تلك السيناريوهات ، لأن عندها ستكون الظروف طبيعية، و سيتم العمل حسب الدستور ، و القانون الفلسطيني الأساسي، دون الاضطرار لتنفيذ إجراءات احترازية و استثنائية ، لإدارة مشاكل الانقسام الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس.

رسائل السلم و الحرب بين إسرائيل و حماس !

مازال ليبرمان يتوعد ، و الجيش  الإسرائيلي يُهدد ، و المحللون  الاسرائيليون  يحذرون من حرب أخرى  قادمة على غزة ، و كأن جميع الإسرائيليون يستنفرون من أجل تحذير حماس من مغبة  شن  أي عملية عسكرية لها ضد إسرائيل.

و من يراقب  ما ينشر بكثافة  عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية ، حول أزمة كهرباء غزة و علاقتها بالحرب ، يكاد يلمح  بشدة أن هناك  رسائل مباشرة  توجها إسرائيل لحماس عبر وسائل إعلامها الإسرائيلي .

و يلاحظ أن هناك  توقع  إسرائيلي بأن  تبدأ حماس الحرب للتخلص من أزمتها ،  مما سيوفر  حجة قوية للجيش الاسرائيلي لمهاجمة غزة و محاولة القضاء على المقاومة الفلسطينية بالقطاع ، خاصة في ظل تقلص الدعم المادي و السياسي لحماس ، بسبب المقاطعة الخليجية لقطر ، و بسبب رفض السلطة الفلسطينية الاستمرار بدفع فواتير كهرباء غزة ، و تقليصها لرواتب  موظفي القطاع ، مما يجعل تلك المتغيرات السياسية  توفر  مناخ مناسب لإسرائيل لشن حرب على حماس ، قد تكون حرب نهائية وحاسمة.

و هنا  ستبرر اسرائيل حربها على حماس ، بأنها مجرد حرب دفاعية،  و مجرد رد عسكري على حماس  نتيجة  تنفيذ حماس عمليات عسكرية ضد المواطنين الإسرائيليين.

أما بالنسبة لحركة حماس ، فهي تراقب بصمت  ودهاء ، ما ينشر من تصريحات إسرائيلية حول تخوف إسرائيل  من حرب على غزة ، و على ما يبدو فإن الحركة بدأت تعي جيدا قواعد اللعبة الحربية الإسرائيلية ، و بدأت تعلم أنه ليس من مصلحتها و ليس من الحكمه ، في ظل التغيرات الإقليمية  و المحلية ، و بدون استعداد نهائي ، أن تتهور الحركة،  و تورط نفسها بحرب عشوائية قد تقضي على مستقبلها بقطاع غزة.

لذا كل طرف سواء كان فلسطيني أو إسرائيلي ،  يعلم مايريده جيدا ، و يفهم لغة الأخر من رسائل تهديد ووعيد ، و من رسائل طمئنة ،  تشير إلي رغبة الطرفين في  التهدئة  و القبول بأوقات  سلم مشروطة.

فاسرائيل من جهتها ، تريد أن تشن حرب على  حماس،  لكنها لا تريد أن تبادر بتلك الحرب ، لأنها تريد أن  توفر غطاء دولي لحربها ، و تريد أن تكون حربها المقبلة حرب نهائية ، فحسب تصريحات وزير جيشها الإسرائيلي ليبرمان ، أنه  ليس من المعقول أن تتورط إسرائيل بحرب كل عامين.

أما  من ناحية حماس ، فهي تريد أن تشن حرب مقدسه على إسرائيل تهدف إلي تحرير القدس ، تتزامن  مع تنبؤات مفكرها الإسلامي ،  بسام جرار،  الذي تنبأ بنهاية دولة اسرائيل خلال عام 2022 بناءً  على حسابات قرآنية.

لذا لماذا تبدأ حماس حربها ضد إسرائيل  في عام 2017 ، كرد فعل على الحصار ضدها ، في الوقت الذي يوجد لديها تاريخ مبارك  ومدة زمنية  أطول  لتطوير  قدراتها العسكرية،  من أجل شن حرب التحرير المقدسة حسب اعتقاد قادتها.

و بالنسبة   لحماس  أيضاً ، فإن كل ما اختبرته الحركة  من حروب سابقة ،  وكل ما تمر به الآن  ، من مناورات عسكرية ، هو مجرد  عمليات عسكرية تجريبية،  و  مرحلة استعداد كبري لما هو أعظم و أهول من ذلك ، يكمن بحرب كبرى و نوعية،  قد تحدد مصير الحركة ودورها في القضية الفلسطينية بالمستقبل.

و يستمر ليبرمان بإرسال رسائل  تحريضية  للغزين ضد حماس، أنها هي السبب في مأساتهم ، و أن حماس ستحول غزة كمدينتي الموصل و الرقة،   و في نفس الوقت يرسل رسائل تحفيزية لحماس ، تكمن بأن إسرائيل يمكنها أن تحول قطاع غزة لسنغافورة  في حال تنازلت حماس عن المقاومة.

لكن بالطبع، ترفض حماس بشدة تلك الإغراءات الإسرائيلية ، و تعلن بقوة عن دعمها للمقاومة،  و رفضها التخلي عن مشروع التحرير الكبير ، وفي نفس الوقت ترسل حماس رسالة مباشرة للإسرائيليين عبر تصريح  سياسي لقائدها ، خليل الحية ،  الذي أعلن خلال مؤتمر صحفي موجه للإعلام الفلسطيني ،  بأن حماس في الفترة الحالية لا تريد أن تتورط بأي حرب جديدة ، و أنها ترغب بالحفاظ على فترة هدوء و سلم مع إسرائيل.

إذن رسائل هنا وهناك ، رسائل  سلم وحرب، رسائل مباشرة وغير مباشرة و متبادلة بين الطرفين ، و الوسيط هنا ليس شخصيات  دولية أو عربية ،  كما كان بالسابق ، بل الوسطاء هنا ، هم وسائل إعلامية فلسطينية و إسرائيلية  التي  تركت ساحاتها مفتوحة لبث و نشر التصريحات  السياسية و العسكرية المتبادلة بين حماس و إسرائيل ، بحيث تشير تلك  التصريحات إلى رغبة كلا الطرفين بعدم التورط في أي حرب جديدة  خلال عام 2017، و أيضا  تحمل تلك التصريحات تهديدات كلا الطرفين في حال خرق أي طرف فترة الهدوء المؤقتة.

ومع تبادل الرسائل بين الطرفين ، أصبح شعب غزة  كأنه  جمهور متفرج يشاهد حلبة مصارعه بين الطرفين ، حيث يحاول كل طرف أن يفوز على الطرف الاخر ،  و  أن يجذب الجمهور  المتحمس  لصفه ، لكن  في واقع الأمر ،  شعب  غزة لا يرغب بالضرورة ،  أن يتحول قطاعه إلي سنغافوره،  و هو يرفض بالطبع أن يتحول القطاع الي الموصل أو الرقة .

شعب غزة ،  يريد أن يعيش حياه بسيطه آمنة تخلو من العنف و الفقر و البطالة و الحصار،  و يريد أن  ينعم شبابه بمستقبل مشرق و يلهو أطفاله بمنتزهات خضراء و شواطئ نظيفة ، إنه بكل بساطه يريد حياة هادئة  قد  تتوفر في أبسط قرية عربية متواجدة في الصعيد المصري.

لذا شعب غزة لا يحتاج من إسرائيل أن  تحول قطاعه لسنغافورة  ، لأن الشعب ببساطه هو من يبني وطنه،  و هو من يمتلك القدرة لأن يحوله إلي منجما للذهب أو قبرا  للموت !

فغزة  تحتاج  لأبنائها    لكي يقررورا  مصيرهم  بأيديهم ، و يختاروا قدرهم بعقولهم ،  و أن يعرفوا  ما هي  مصلحتهم ، عن طريق صمودهم ، و صبرهم ،  و تسلحهم بالعلم ، وتبنيهم  لثقافة التسامح و السلم الأهلي ، و الاخلاص للوطن ، و التعايش مع روح الحضارة العصرية.

لذلك  كشعب فلسطيني ، علينا أن نعرف ماذا نريد،  و  أن نبدأ ببناء نموذجا  لدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 ،  قبل أن نطالب العالم بالاعتراف بدولة فاشلة منقوصة غير كاملة السيادة ،  لا يوجد بها  أقل متطلبات  تأسيس الدولة ، ألا وهي الوحدة بين مؤسساتها الحكومية.

فالشعب الذي يفشل بالتوافق على يوم إجازة رسميه في كل من الضفة  الغربية و غزة ، لا يستطيع أن ينجح بالاتفاق على قرار واحد للتحرر من الاحتلال بطريقة عصرية و حضارية تكسبه احترام و ثقة العالم.

لذا من الواجب علينا كشعب فلسطيني ، أن نلوم أنفسنا أولاً قبل قيادتنا ، لأن القادة هم مرآه الشعوب ، و القائد هو ابن بيئته و مجتمعه.

فالقائد  المتوحش  و  الحاقد هو  بالأساس  نشأ و ترعرع  ضمن  مجتمع ناقم وعنيف ،  و القائد  السلمي و المستنير  هو  أيضا نتيجة تنشئة مجتمعية في  بيئة مثقفة و متسامحة.

لذلك  يكفى لوماً  للآخرين ، و لننظر كشعب  نظرة معمقة  إلي  داخل أنفسنا  ، و  داخل بيوتنا ،  و  داخل مدارسنا ،  ومن ثم  داخل مجتمعنا الممزق بسبب العنف و الجهل .

و علينا أن نشعر بالخجل  بسبب  عجز عقلنا الفلسطيني ، عن ايجاد حل نهائي للتخلص من احتلال مستمر منذ  خمسين  عاما ، فهل نحتاج لخمسين عاما أخرى،  للتكيف  مع متطلبات العصر ، و لكي يتطور عقلنا الفلسطيني حتى  نجد  الحل السحري للتخلص من هذا الاحتلال؟

فلتستمر إسرائيل بإرسال تحذيراتها  إلي حماس ، و لتستمر حماس بتهديداتها ووعيدها  لإسرائيل ، لكن نحن كشعب لدينا رسائل أخرى !

رسائلنا تكمن   باستمرارنا  بالصمود، و الصبر  من أجل الحياة ، و الأمل بمستقبل حر ومشرق،  يبدأ بتعليم أطفالنا أول  أحرف  الوطن،  الذي يجب أن يوفر لنا  الحريه و  الكرامة و الوحدة و  التسامح و الحضاره.

قراءة تحليلية للبرنامج السياسي لحركة فتح المقدم في المؤتمر السابع

تم نشر المقال في مجلة سياسات ، العدد 39

المقدمة :

بعد   مرور نحو 6 سنوات منذ  انتهاء  مؤتمر فتح السادس الذي تم عقده في بيت لحم  خلال عام 2009 ، عقدت حركة فتح مؤتمرها السابع بتاريخ  29/11/2016  برا م الله ،  بعد  التوصل لإجماع فتحاوي كبير بضرورة عقد هذا المؤتمر  قبل نهاية  عام 2016  ، وذلك  لأهميته الكبرى في  توحيد صفوف  أعضاء  حركة فتح  في فلسطين و الشتات،  و من أجل إعادة صياغة  البرنامج السياسي لحركة فتح  وتحديثه ليتناسب مع متطلبات المرحلة  المقبلة  التي ستمر بها القضية الفلسطينية خلال السنوات القادمة،  وذلك في ظل   استمرار الانقسام الفلسطيني، و زيادة الاستيطان الإسرائيلي، و تعثر عملية  مفاوضات السلام ، الأمر الذي  جعل مستقبل القضية الفلسطينية يبدو مجهولا و غامضا ، و يحتاج لمراجعة دقيقة من قبل أعضاء حركة فتح مع إجراء تقييم ذاتي لأوضاع الحركة ، من أجل الحفاظ على دور فتح التحرري الرائد في إدارة ملف القضية الفلسطينية ، و حماية  الثوابت الوطنية التي من أهمها ؛استقلال الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 و عاصمتها القدس وعودة اللاجئين.

وفي ضوء التحديات التي واجهتها حركة فتح،  خلال ترتيباتها لعقد  مؤتمرها السابع برام الله ، التي تكمن  بمحاولات حثيثة لبعض الأعضاء المفصولين من فتح  بتشتيت جهود الحركة ،و قلق فتحاوي من عدم سماح إسرائيل لأعضاء فتح بغزة  للذهاب  إلي رام الله  للمشاركة بالمؤتمر ، تجاوزت فتح تلك التحديات الكبيرة و نجحت بالفعل في عقد مؤتمرها السابع  بموعده المحدد مع حضور عربي ودولي مميز،  و بمشاركة  دبلوماسيين  عرب و أجانب  وممثلي لمنظمات دولية تابعه للأمم المتحدة ، وممثلي لأحزاب اشتراكية أوروبية و شخصيات دولية ناشطة في حركات التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

وتكمن أهمية مؤتمر فتح السابع ،  في مناقشته للبرنامج السياسي لحركة فتح ،  الذي ستلتزم به الحركة   خلال السنوات القادمة ، حيث يتناول هذا البرنامج استراتجييه فتح الوطنية في نضالها السياسي،  ورؤية فتح لأشكال النضال و الثوابت الوطنية التي لا يمكن التخلي عنها،  مع توضيح لأهم الخطوات التي يجب أن تتخذها فتح على كافة الأصعدة  و المستويات الوطنية و العربية و الدولية من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي،  وتوحيد الصف الفلسطيني و تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967  و عاصمتها القدس.

وبسبب  أهمية البرنامج السياسي لحركة  فتح المقدم في المؤتمر السابع ، الذي يتضمن  وصف  فتح  الخاص لأحوال  الشعب الفلسطيني و  تطورات  القضية الفلسطينية ، و الذي يرسم  أيضا أهم سياسات فتح المستقبلية من أجل التخلص من الاحتلال الإسرائيلي  في ظل المتغيرات الإقليمية و  العربية و الدولية ،  كان من الضروري  جدا إعادة قراءة هذا البرنامج السياسي بشكل معمق، من أجل تحليل  أهم بنوده  بأسلوب  موضوعي بعيدا عن التنظير السياسي.

وذلك  لكي يتم  تقديم  للقراء و المعنيين بالشأن الفتحاوي ،  نظرة تحليلية  شاملة  لإستراتيجية حركة فتح و خطة عملها المستقبلية ، التي تتضمن أهم الخطوات التي ستتخذها الحركة في سبيل تنفيذ مشروعها  التحرري الوطني،  بناءً على الثوابت الوطنية التي أكدت عليها الحركة مراراً في كل برامجها السياسية.

لذا ستتناول هذه القراءة التحليلية لبرنامج فتح السياسي، مراجعة لأهم محتويات البرنامج السياسي الذي تم كتابته في   ( 55 ) صفحة،  شملت مقدمة و ثلاثة فصول تحت عناوين متنوعة مثل إستراتيجية فتح و المهام و الخطوات المقبلة، كما شمل البرنامج ملخص الاشتباك و ملحقين.

  • الفصل الأول: في الإستراتيجية

تناولت إستراتيجية  حركة فتح ضمن البرنامج السياسي المقدم في المؤتمر السابع ،  عدة قضايا و  أمور  مهمة،  تتعلق بموضوع الثوابت الإستراتيجية للحركة،  و قضية التحرر الوطني من منظور حركة فتح ، بالإضافة لأهم  الأساليب التي ستتبعها حركة فتح في النضال ، مع عرض رؤية فتح حول  الهوية المستقلة و الوحدة الوطنية و الانتماء العربي و الأديان و العلاقات و التحالفات و بعض السمات الخاصة التي تتمسك بها الحركة. و تتلخص أهم أجزاء إستراتيجية فتح المقترحة في البرنامج السياسي للحركة في العناوين التالية:

  • الثوابت الإستراتيجية والسياسات المرحلية لحركة فتح:

عند قراءة بند الثوابت الإستراتيجية لحركة فتح ،  نلاحظ  أن أهم الثوابت التي تتمسك بها حركة فتح حتى هذا العصر،  هو الاعتزاز الفتحاوي الكبير بأن حركة فتح مازالت حركة ثورية تحررية ، تهدف إلي تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي و الاستيطان ، و هي مازالت متمسكة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

و يدل  ذلك الفخر الفتحاوي  بالثوابت الوطنية،  و تمسك الحركة بمسمى الحركة الثورية  و التحررية،  على عدم تغير  المبادئ التاريخية  لحركة فتح ،  وعلى تمسك فتح بالقواعد الأساسية التي تم تأسيسها بناءً عليها  منذ عهد بداية الثورة الفلسطينية  في الستينات ، وذلك بغض النظر عن  حدوث تغيرات سياسية  وطنية وعربية و دولية ، التي من شأنها أن تؤثر على الاتجاهات السياسية  لأعضاء الحركة ، إلا و أن الحركة مازالت تعتز وتفتخر بكونها حركة تحرير وطني ،  تسير في نهج طويل و بعيد المدى،  و تحمل في طياتها أهداف إستراتيجية كبرى.

و تعترف حركة فتح  ضمن طرحها لأهم ثوابتها الإستراتيجية ،  بوجود أخطاء سابقة تم ارتكابها من قبل بعض أعضاء فتح ، و تعرب الحركة عن استعدادها  لتصحيح تلك الأخطاء، مما  يدل ذلك على أن أعضاء فتح لديهم وعي كافي بنقاط ضعفهم و بالتصرفات الخاطئة  التي حدثت بالسابق من قبل بعض الأعضاء،  و هم  يدركون جيدا أن  فتح  كان لديها بعض  التجارب السياسية الخاطئة  ، لذا أعتقد أن  إعلان فتح  عن استعدادها  لتصحيح تلك الأخطاء يدل على أن الحركة  بدأت  بالفعل  إجراء تقييم ذاتي و داخلي لأدائها السياسي ، و يدل ذلك أيضاً على رغبة الحركة في استخلاص العبر و الدروس المستفادة من تجارب الماضي ،  من أجل تحسين طريقة إدارتها لملف القضية الفلسطينية لصالح الشعب الفلسطيني ، و عليه  أتوقع أن حركة فتح ستشهد موجة من الإصلاحات الداخلية الهامة ومزيد من العمل المنظم و المدروس  و التخطيط المستقبلي،  لرفع مكانة الحركة  عند الشعب الفلسطيني و لتعزيز ثقة أعضاء الحركة بأنفسهم و تمكينهم من الاستمرار في مشروع النضال الوطني تماشيا مع احتياجات المرحلة السياسية القادمة،  التي تتسم بكثرة التحديات الوطنية  بسبب استمرار الانقسام الفلسطيني و اتساع المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية.

و ذكرت  أيضا حركة فتح   ضمن إطار ثوابتها الإستراتيجية ، أنها تتمسك  بالديمقراطية و التعددية الحزبية و  هي تعتز بكونها  حركة ديمقراطية ، تشمل جميع طوائف الشعب الفلسطيني بمختلف أيدلوجياته و توجهاته الثقافية و الدينية و السياسية من التيارات اليسارية و الإسلامية و القومية،  و تؤكد  فتح بأنها حركة ديمقراطية شاملة لجميع طوائف الشعب الفلسطيني ، مما يدل ذلك على تطبيق   حركة  فتح  لمنهج المشاركة السياسية مع الجميع ،  و تبنيها لثقافة التنوع و احترام الاختلاف،  و قبول الرأي  الأخر،  بشرط عدم تصادم الفصائل الفلسطينية الأخرى مع مبادئ الحركة الأساسية،  و عدم تناقض مصلحة القوى السياسية الأخرى مع مصلحة الشعب الفلسطيني بشكل عام ، و مصلحة الحركة بشكل خاص. و أعتقد هنا  أن وصف  فتح  لنفسها بأنها حركة شاملة  لجميع طوائف الشعب الفلسطيني،  يجعل الحركة بعيدة عن التصنيف الديني و الأيدلوجي للأحزاب السياسية ،  و يعطيها مزيد من الشعبية والشرعية،  لأنها فتحت المجال لكافة أطياف الشعب للانتساب  إليها   بغض النظر عن ديانتهم و اختلاف ثقافتهم و اتجاهاتهم الفكرية و الأيدلوجية ، مما يجعلها أكبر حركة تمثل الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته،  و يدل أيضاً ذلك التعريف الديمقراطي لحركة فتح ، على الحنكة السياسية لمؤسسي الحركة،  و ذكاء أعضائها الذين وسعوا نطاق عضوية حركتهم لتشمل الجميع ،  الأمر الذي سوف يثري فكر الحركة بآراء متنوعة و يجعلها منفتحة على العالم ،  ومرنة و غير معزولة و قريبة من الحياة  الواقعية للشعب الفلسطيني في الداخل و الشتات.

  • التحرر من الاحتلال الصهيوني الاستعماري الاحلالي و إنهاء استيطانه والوصول إلي الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني

تصف  حركة فتح  ضمن استراتيجيها  تحت عنوان التحرر ، الاحتلال الإسرائيلي،  بأنه  احتلال احلالي و ليس مجرد احتلال مؤقت ، ويدل هذا الوصف على أن الحركة  تعتبر هدف إسرائيل الرئيس،  هو  إلغاء  الوجود الفلسطيني و احلال محله كيان إسرائيلي ، لذا استخدمت  حركة فتح  مصطلح  ” احلالي ”  بشكل مقصود ومتعمد ،  للإشارة لخطورة الاحتلال الإسرائيلي  على المشروع الوطني و بالأخص  خطورة  المشاريع الاستيطانية التي تتبنها الحكومة الإسرائيلية.

و تعتبر فتح  ضمن برنامجها السياسي،  أن صراعها الأساسي هو مع الاحتلال الإسرائيلي،  و ليس مع الفصائل الفلسطينية ، وهنا نجد تلميحات فتحاوية واضحة ،   بأنها لا تعادي أي حزب  سياسي فلسطيني  أخر و لا تتنافس معه  بل هي  تُعبر عن رفضها لتضييع وقتها في خلافات و تناقضات مع أحزاب فلسطينية أخرى لأن تركيزها الأساسي ، هو الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي  تعتبره عدوها الأول.

و تتمسك حركة فتح مثل أي حركه تحريرية و ثورية بالعالم ، بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ، وهي مازالت تطالب  بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 ، و حق عودة اللاجئين أو تعويضهم حسب قرارات الأمم المتحدة  رقم (194) و رقم (181).

و يدل اقتباس فتح لقرارات الأمم المتحدة وذكرها  ضمن  بند التحرر ، على تمسك أعضاء فتح  بأدوات القانون الدولي ، و قرارات الأمم المتحدة كمرجعية لفتح ،  عند المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني بالتحرر،  و هنا نلاحظ  مدى جدية الحركة  بتوظيف أدوات القانون الدولي في برامجها و استراتجياتها السياسية،  مما يدل على الثقافة الحقوقية و الدولية  لأعضاء الحركة و على نجاح  الدبلوماسية الفلسطينية  التي تقودها وزارة الخارجية الفلسطينية  في التأثير على قرارات و برامج حركة فتح،  بسبب  الانجازات  التي  حققها  فريق العمل الدبلوماسي الفلسطيني  في أروقة الأمم المتحدة،  عندما تم الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب خلال عام 2012.

وعند مطالعة بند التحرر في إستراتجية حركة فتح،  نجد اهتمام فتحاوي كبير  بقضية الاستيطان الإسرائيلي،  حيث تعتبر فتح أن من أهم الخطوات المقبلة التي يجب أن تتبعها الحركة  ضمن برنامجها السياسي،  هو التصدي للاستيطان بالإضافة إلي التصدي لمحاولات إسرائيل بتهويد القدس ، ويدل ذلك الاهتمام بقضية الاستيطان و القدس على أن فتح تدرك بشكل كبير خطورة الاستيطان على وحدة أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة،  وهي تعتبر أنه لا يمكن تحقيق تحرير كامل للأراضي الفلسطينية دون اقتلاع الاستيطان من أراضي الضفة الغربية و القدس الشرقية.

أما بالنسبه لوسائل الكفاح و النضال التي تعتمدها فتح من أجل الوصول إلي التحرر،  نلاحظ من خلال قراءة البرنامج السياسي للحركة ، أن فتح لم تتخل بشكل كامل عن مبدأ الكفاح المسلح ، بل مازالت تعتبره أداة مشروعة  حسب   القانون الدولي ،  الذي يكفل حق الدفاع عن النفس ضد أي عدوان،  لكن في نفس الوقت  لا تعتبر فتح الكفاح المسلح بأنه أداة وحيدة وملزمة  لها دائما ، أو مفروضة بشكل قصري على أعضاء الحركة لاستخدامها ضد الاحتلال الإسرائيلي ، وهنا أعتقد أن حركة فتح تراعي التغيرات الإقليمية و الدولية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط  التي أثرت على سياسات الدول فيما  يتعلق بمجال استخدام العنف لحل الصراعات ، حيث بات المجتمع الدولي يطالب طرفي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي،  بضرورة تبنى أدوات سلمية لحل الصراع مثل المفاوضات ، و أصبحت المجتمعات الدولية تنفر من استخدام القوة و العنف  ، وهذا ربما ما تخشاه حركة فتح ، بأن يتم الخلط بين العمل المقاوم المسلح الفلسطيني  وبين عمل التنظيمات الإرهابية ،  مما قد يُفقد التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية ، خاصة أن إسرائيل تستغل أي فرصة  من أجل اتهام حركة فتح بأنها حركة غير سلمية.

لذا من خلال الاطلاع على بند التحرر ،  نلاحظ أن حركة فتح لم تستنكر الكفاح المسلح و لم تنفي شرعيته و لكنها تُحبذ استخدام أدوات سلمية شعبية  ،  تتماشى مع متطلبات  العصر الحديث و المرحلة السياسية الجديدة ، مثل أدوات الدبلوماسية الفلسطينية و القانون الدولي و النضال الشعبي ، و أعتقد أن هذا قرار جيد وحكيم  من قبل فتح بتبنيها   النهج السلمي ، لأنه بالفعل قد حققت  الدبلوماسية الفلسطينية  نجاحات  كبيرة  في الأمم المتحدة، كان أحدثها إصدار القرار الأممي  رقم ( 2334 ) المتعلق بوقف الاستيطان ، و قد نجحت أيضا الدبلوماسية الفلسطينية بإقناع كبرى الدول الأوروبية مثل فرنسا و بريطانيا بأهمية استنكار الاستيطان ومقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

أما بالنسبة لملف القدس ، نلاحظ في  البرنامج السياسي لحركة فتح ،  رغبة الحركة بالتركيز على قدسية القدس من ناحية إسلامية ، حيث أضفت الحركة على القدس بعدا إسلاميا مقدساً ،  ولم تكتف بوصف القدس بأنها عربية ، وذلك لأنها  حسب اعتقادي  ،  تريد أن تروج   للقضية الفلسطينية كقضية إسلامية وليست فقط قومية عربية ، حتى تستقطب أكبر عدد ممكن من الدول الإسلامية الغير عربية لصالح القضية الفلسطينية ، ومن أجل  محاربة الرواية الإسرائيلية التي تروج ليهودية القدس، و هنا تريد فتح أن تستنهض جهود الدول الإسلامية  للدفاع عن القدس ومنع تهويدها.

  • أساليب النضال و أشكاله

وتؤكد  فتح مرة أخرى ضمن بند الأساليب ،  أن الكفاح المسلح هو حق ثابت ،  مما يدل على أن حركة فتح لا تمانع وجود مقاومة مسلحة في الأراضي الفلسطينية،  لكنها في نفس الوقت يوجد لديها تحفظات حول هدف الكفاح المسلح،  حيث شددت الحركة بأن   الكفاح  المسلح  هو كفاح مشروط ويجب أن لا يستهدف حياة المدنيين،   و أنه يجب أن لا يتم خارج الأراضي الفلسطينية ، مما  يدل  على وعي أعضاء فتح بحقوق الإنسان و أخلاقيات الحرب،  و اتفاقيات جنيف الأربعة،  التي تطالب  بعدم المساس بحياة المدنيين العزل . و تأكيد فتح أن الكفاح المسلح يجب أن لا يتم خارج فلسطين،  يدل على مدى  احترام حركة فتح لسيادة الدول الأجنبية و العربية ، و حرصها الشديد على  كسب ثقة تلك الدول و الاحتفاظ بعلاقات تعاون وشراكة وصداقة حقيقية من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني،  ومن أجل عدم توريط القضية الفلسطينية بمشاكل أمنية ، قد تؤثر سلباً على مستقبل الشعب الفلسطيني ، و تضعه في قوائم الإرهاب الدولي ، وذلك لتقطع الطريق أمام أي محاولة إسرائيلية لاستغلال العمل المسلح الفلسطيني بالخارج من أجل تأليب  الرأي العام الدولي  ضد القضية الفلسطينية.

و ترى أيضاً ، فتح أن استخدام  الكفاح المسلح في الداخل الفلسطيني ،  يجب أن يتم عند الضرورة،  وبشكل منظم   حتى لا يحدث فوضى أمنية و فوضى سلاح داخل الأراضي  الفلسطينية، وهنا أكاد أستشعر قلق فتحاوي  كبير حول تخوف الحركة من حدوث  فلتان أمني في الشارع الفلسطيني ، خاصة أن عام 2016 قد شهد أحداث إطلاق نار متفرقة في المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية  ، مما يجعل حركة فتح متحفظة حول مدى جدوى استخدام السلاح في داخل الأراضي الفلسطينية. و تعتقد فتح أيضاً أن استخدام الكفاح المسلح يجب أن يكون في الوقت المناسب و بناءً على تقييم واقعي للقدرات الذاتية للحركة، و مدى استعداد الشعب الفلسطيني وقدرته على الصمود، و الظروف الداخلية في فلسطين بسبب  اختلاف موازين القوة بالعالم،  حيث  تدرك فتح بشكل واضح،  حجم قوة إسرائيل العسكرية ، لذلك ترى أن أنسب وسيلة لإضعاف إسرائيل هو العمل على هز مكانة إسرائيل الدولية عن طريق استخدام أدوات المقاومة السلمية التي تتعدد أشكالها، مثل المفاوضات و الدبلوماسية الدولية و العصيان المدني و المقاطعة الدولية و المظاهرات و المسيرات السلمية التي تعتبر أقل كلفة للشعب الفلسطيني و تحافظ على حياة الشعب الفلسطيني، و لكنها تسبب في نفس الوقت خسائر كبيرة في إسرائيل . ويدل هذا الطرح الفتحاوي لتعريف طبيعة المقاومة المطلوبة ضد الاحتلال الإسرائيلي ، على أن فتح هي  حركة واقعية،  لا تعاني من تضخيم  الذات،  وتدرك بشكل مدروس  قدراتها و إمكانياتها الحقيقية  و لا تريد أن تورط الشعب الفلسطيني في حروب دامية مثلما حدث بغزة ، أو أن تتسبب لشعبها  بخسائر مادية وبشرية ،و هي  ربما تعتبر الكفاح المسلح أداة يمكن استخدامها بالمستقبل البعيد،  في حال فشلت أدوات النضال السلمي بتحقيق التحرر الوطني و الاستقلال،  لذا أعتقد أن هذا الكفاح المسلح لم يسقط  بعد من حسابات فتح السياسية.

وتطرح فتح ببرنامجها السياسي قبولها السابق بفكره الدولة الفلسطينية الواحده التي يتعايش بها المسلمين و المسيحيين و اليهود بشكل سلمي، و هنا ألمح  تحذير فتحاوي لإسرائيل أنه في حين رفضت إسرائيل التفاوض على حدود دولتين،  فلن يكون هناك خيار أمامها سوى القبول بحل الدولة الواحدة.

  • الشخصية الوطنية المستقلة والهوية الفلسطينية:

وخلال الاطلاع على إستراتجية فتح تحت بند الهوية المستقلة ،  نجد أن فتح ترفض بشدة مبدأ إعادة توطين اللاجئين  الفلسطينيين في الدول العربية ، مما يدحض هنا  أية  شكوك فلسطينية و عربية،  تجاه إمكانية قبول فتح بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، و يدل على مدى تمسك فتح بحق العودة للاجئين و تعويضهم.

و تعتز فتح ضمن برنامجها السياسي بانتمائها للحضارة العربية و الإسلامية ، مما يدل على تمتع فتح بعلاقات جيدة مع الدول العربية و الإسلامية ،  و على رغبة فتح بتوثيق العلاقات العربية و الإسلامية لصالح القضية الفلسطينية ، و لكن في نفس الوقت ترفض فتح تبعيتها لأي دولة عربية أو إسلامية للحفاظ على هوية  الحركة  و استقلالية القرار الفلسطيني، حتى لا يتم إقحام  القضية الفلسطينية في الصراعات و الانقسامات العربية و الإقليمية مما ينعكس سلبا على مستقبل التحرر.  وهنا أعتقد أن فتح قد تعلمت جيداً من تجاربها السابقة مع الدول العربية ، وبالأخص من تجربة الحرب بين العراق و الكويت، مما جعل فتح تتبنى حالياً  سياسة النأي بالنفس عن أية خلافات عربية داخلية.

  • الوحدة الوطنية الفلسطينية:

لا تقتصر الوحدة الوطنية ضمن برنامج فتح السياسي على الشعب الفلسطيني المتواجد ضمن حدود  أراضي عام 1967، بل  تمتد تلك الوحدة لتشمل جميع الفلسطينيين المتواجدين في كل مكان بالعالم بما فيه أراضي الخط الأخضر ، مما يدل على عدم اعتراف فتح بشكل كامل بالدولة الإسرائيلية،  وعدم تخليها عن فلسطيني 48 و اعتبارها لهم  كجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني بالرغم من حصولهم على الجنسية الإسرائيلية.

ومن المثير للانتباه أيضا، أن فتح تعتبر ضمن برنامجها السياسي ، طائفة  اليهود السامرين ، كجزء من الشعب الفلسطيني ، وذلك على الرغم من اعتناقهم الديانة  اليهودية وعلاقتهم الجيدة مع إسرائيل ، مما يدل  على أن حركة فتح هي حركة  متسامحة دينياً ، وتحترم حقوق الأقليات الدينية، ولا تحمل أي عداء تجاه أصحاب الديانات السماوية الأخرى، لكن صراعها الأصلي هو مع الصهيونية و ليس الديانة اليهودية. و يدل أيضاً ذكر فتح للسامرين ضمن  بند الوحدة الوطنية ، على مدى حسن و قوة العلاقة بين  السامرين و قيادة حركة فتح.

و تعتبر فتح ضمن برنامجها السياسي، أن الاقتتال الداخلي الفلسطيني وإراقة الدم الفلسطيني،  هو خط أحمر بالنسبة لها،  مما يدل على توق الحركة للمصالحة الفلسطينية و تمسكها بالوحدة الوطنية. و تؤكد أيضاً الحركة  أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني، مما يدل على  حرص فتح الشديد من عدم سقوط  الفصائل الفلسطينية في مصيدة الحزبية، و يدل على  رغبة فتح  بقطع الطريق أمام تحكم  أي حزب سياسي فلسطيني بمصير الشعب الفلسطيني.

  • الانتماء العربي والعلاقة العربية:

وهنا تؤكد فتح على انتمائها للأمة العربية و اعتزازها بعضوية فلسطين في جامعة الدول العربية، وهي تُصر على التزامها بعدم الدخول في تحالفات جزئية مع بعض الدول العربية ضد دول عربية  أخرى، وعدم التدخل في الشئون الداخلية العربية، أو قبول الوصاية و التبعية لأحد ، مما يدل ذلك على اعتماد حركة فتح سياسة النأي عن النفس،  و يدل أيضاً على  الحنكة و الحكمة السياسية التي يتمتع بها أعضاء فتح بعدم تهورهم السياسي و منعهم لتوريط الشعب الفلسطيني في صراعات عربية هو في غنى عنها.

  • الإسلام و الأديان السماوية في إستراتجية فتح

و من المثير للانتباه في برنامج فتح السياسي ،  أنه تم كتابة  بند خاص يتعلق بالديانة الرسمية للدولة الفلسطينية، حيث أكدت حركة فتح بأن الدين الرسمي للدولة الفلسطينية يجب أن يكون الإسلام مع احترامها في نفس الوقت  للديانات السماوية الأخرى،  مثل المسيحية و اليهودية الغير صهيونية ، و أكدت الحركة  أيضاً على ضرورة عدم التمييز بين أصحاب الديانات الأخرى ، مما يدل على  تمسك فتح بمبادئ السلم الأهلي و التسامح الديني و احترامها لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  التي تطالب الدول باحترام حرية العقيدة و العبادات.

  • دور العلاقات الدولية في إستراتيجية فتح

أما بالنسبة لنظرة فتح  لموضوع  العلاقات الدولية  ، نلاحظ  من خلال قراءة إستراتجية فتح ، أن الحركة  لا تهدف لإنشاء علاقات دولية عشوائية وعفوية مع أية دولة بالعالم ، بل هي تؤسس  لعلاقات دولية  محسوبة سياسياً  بناءً  على فرضية  المصلحة المتبادلة من أجل  توظيف تلك العلاقات  في  الصراع مع إسرائيل ، حيث ذكر أعضاء فتح في برنامجهم السياسي،  أن الحركة يمكنها توظيف هذه  العلاقات الدولية في تأليب الرأي العام الدولي ضد إسرائيل و حث شعوب العالم على  مقاطعة إسرائيل و العمل على إزالة شرعيتها  باستخدام أدوات القانون الدولي و الوسائل الدبلوماسية.

ونلاحظ  أيضا من خلال الاطلاع على بند العلاقات الدولية في إستراتيجية فتح المستقبلية، أن هناك أمل فتحاوي كبير بانتهاء نظام القطبية الواحدة بالعالم  الذي   تقوده  الولايات المتحدة الأمريكية ،  و أن هناك بدايات لظهور نظام متعدد القطبية بقيادة عدة دول كبرى مثل روسيا و الصين و دول الاتحاد الأوروبي . وهنا أعتقد  أن اهتمام  فتح بطبيعة النظام الدولي يدل على رؤية فتح المستقبلية حول اختلاف موازين القوى في العالم ، لذا أتوقع هنا ، أن من  أولويات فتح  المستقبلية في مجال العلاقات الدولية هو مزيد من توثيق علاقاتها الدولية  مع كل من روسيا والصين وبعض الدول الأوربية مثل فرنسا ،  تلك الدول التي بدأت  بالفعل اتخاذ  مواقف أكثر انحيازاُ  تجاه القضية الفلسطينية ، مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية التي تنحاز بشكل علني وصريح  إلي الطرف الإسرائيلي ، وهنا نلمس توجه  فتح  السياسي نحو مزيد من التوازن في علاقاتها الدولية بين الغرب و الشرق ، وذلك حتى لا يتم احتكار ملف  مفاوضات  السلام   في أيدي  الولايات المتحدة الأمريكية.

وتنسجم  رؤية فتح في العلاقات الدولية مع ما يتم تطبيقه بالفعل على أرض الواقع بخصوص ملف المفاوضات، حيث رحب سابقاً ، الرئيس محمود عباس بالمبادرة الفرنسية ، و بدعوة روسيا للطرفين الفلسطيني- الإسرائيلي للمشاركة بمؤتمر للسلام في روسيا ، مما يدل على توافق و انسجام بين السياسة الفتحاوية و الدبلوماسية الفلسطينية التي تقودها وزارة الخارجية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وتعتبر فتح أيضاً العلاقات الدولية بأنها المدخل الوحيد للاعتراف بالدولة الفلسطينية كدولة كاملة العضوية بالأمم المتحدة ، وهي الطريق الذي سيجعل فلسطين عضو في محكمة الجنايات الدولية التي تعتبرها فتح ورقة هامة للضغط على إسرائيل،  و محاسبة قادتها ضد جرائم الحرب التي ارتكبوها  تجاه الشعب الفلسطيني.

  • سمات أخرى مميزة في إستراتيجية حركة فتح

ومن ضمن السمات الخاصة  التي ركزت عليها حركة فتح في برنامجها السياسي ،  هي الديمقراطية و التسامح و المدنية ، مما يدل على حرص أعضاء فتح  الشديد للمحافظة  على الطابع الديمقراطي  للحركة و عدم رغبتهم باحتكار القرارات الفتحاوية الرئيسة  في أيدي  فئة واحدة قليلة.

أما بالنسبة لتركيز فتح على سمة المدنية و رفضها للإرهاب و التطرف ، يدل  ذلك على اهتمام فتح  ببقائها  كحركة وطنية ذات شرعية دولية ،  لا تخالف القوانين الدولية ، و لا تخل بمبادئ النظام العالمي في محاربة الإرهاب و التطرف الذي بدأ يجتاح  العالم بسبب ظهور بعض الحركات الإرهابية.  لذا أعتقد هنا أن  فتح  تستنكر وتنبذ بشكل واضح  أية عمليات إرهابية  تحدث بالعالم و تستهدف المدنيين.

و تذكر  فتح في استراتيجيها ، أن من  السمات  الخاصة  التي تتميز بها هي الواقعية ، ومبدأ  إعمال العقل و المنطق ، و النظرة العلمية للأمور،  مما يدل على منطقية  فكر  أعضاء الحركة و إيمانهم بنظرية المدرسة الواقعية في الحياة السياسية  و يدل أيضاً على رغبتهم في تبني أهداف ذكية قابلة للتحقيق،   بعيدا  عن أسلوب الخيال السياسي و تضخيم الذات ، حيث تعلم  فتح  جيدا أنها لا يمكنها مواجهة  دولة قوية و تكنولوجية مثل إسرائيل بواسطة  الشعارات العاطفية الرنانة، بل  تستطيع دحض الرواية الإسرائيلية عن طريق الوقائع التاريخية و الأدلة و البراهين التي تثبت حق الشعب الفلسطيني بالأرض.  و تُشير  فتح  ضمن بند السمات الخاصة  إلي  الأزمة الإنسانية  التي يعاني منها الشعب الفلسطيني بقطاع غزة،  و التي تتمثل بمشكلة المياه و الكهرباء ، مما يدل على  اهتمام فتح ومتابعتها المستمرة لتطورات الوضع الإنساني بقطاع غزة ، وذلك على الرغم من سيطرة حركة حماس عليه،  إلا أن فتح مازالت تعتبر نفسها مسئولة عن رعاية مصالح سكان قطاع غزة ومحاولة إيجاد حلول إنسانية لمشاكلهم.

  • الفصل الثاني: مهام المرحلة القادمة

 

  • عناصر القوة والضعف:

لخصت فتح في برنامجها السياسي ، أهم مهامها  في المرحلة القادمة  و أكدت أنها  مستعدة لمرحلة نضال جديدة  و أكثر تعقيدا وخطورة بسبب بعض العوامل  الداخلية و الخارجية  مثل الانقسام الفلسطيني و  الانحياز الأمريكي لإسرائيل ، و الصراعات العربية و الإقليمية.

ونلاحظ من خلال قراءة مهام  المرحلة الجديدة التي ذكرتها فتح في برنامجها السياسي،  أن الحركة  قد أجرت قبل تحديدها  لتلك المهام تقييما سياسياً   لأهم  عناصر القوة والضعف التي ستتسم  بها مرحلة العمل السياسي المقبلة ، وذلك من أجل تحديد قدرات و إمكانيات فتح  الداخلية و الخارجية،  للتعامل مع متطلبات مرحلة النضال السياسي القادمة،  مما  يدل على  مدى إدراك  حركة فتح بأهم التحديات و الفرص التي قد تعيق تقدم ملف القضية الفلسطينية  أو تساهم  في تحقيق مزيد من الإنجازات السياسية لصالح الشعب الفلسطيني.

أولاً) عناصر القوة

و حسب تقييم حركة فتح، فإن أهم عناصر القوة التي يمكن استغلالها في إدارة الصراع مع إسرائيل خلال المرحلة القادمة هي ما يلي:

  • صمود الشعب الفلسطيني و التزامه و إيمانه القوي بعدالة قضيته : وهنا نرى أن فتح تستمد قوتها وشرعيتها من الشعب الفلسطيني، حيث تعتبر الحركة  دعم الشعب الفلسطيني هو من أهم عناصر القوة لأي حزب سياسي.
  • الدعم و التعاطف العربي مع القضية الفلسطينية : على الرغم من إدراك فتح أن الوطن العربي يعاني من انقسامات وصراعات داخلية من شأنها أن  تشتت اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية ، إلا و أن فتح لا تنكر دور الدول العربية   في دعم الشعب الفلسطيني،  مما يدل  على  أن فتح مازالت تُعولُ على الدور العربي في دعم القضية الفلسطينية ، وعلى تمسكها بمبادرة السلام العربية،  وحرصها على التعاون المشترك مع الدول العربية.
  • التطرف اليميني الاستيطاني الإسرائيلي : وهنا تعتقد فتح أن وجود أحزاب يمنية متطرفة بإسرائيل سيكون سبب في انهيار إسرائيل من الداخل ، و أن إسرائيل ستضعف مع مرور الزمن بسبب تطرف قياداتها الذين سيتسببون بعزلة إسرائيل دوليا .  لذا ترى فتح أن ذلك التطرف الإسرائيلي سيكون بمثابة نقطة قوة لها، لأنها ستستغلها من أجل تحميل إسرائيل مسئولية فشل السلام و ستتهمها بانتهاك القانون الدولي عن طريق الاستيطان.
  • تغير في الرأي العام بأوربا و أمريكا اللاتينية تجاه القضية الفلسطينية: وهنا تعتقد فتح أن الرأي العام في أوربا و دول أمريكا اللاتينية قد تغير لصالح القضية الفلسطينية،  بسبب استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية ما أفقد تعاطف العالم معها ، حيث بات العالم يعرف أن الفلسطينيين هم ضحية الاحتلال، و أن إسرائيل هي الجلاد الذي لا يريد السلام و ينتهك حقوق الشعب الفلسطيني. وهنا أعتقد أنه من الأفضل لحركة فتح عدم إظهار  دوما الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام بصورة  الضحية  المطلقة ، لأن بذلك  قد يظهر الشعب الفلسطيني  كشعب  ضعيف و مغلوب على أمره،  و لا يتحمل مسئولية الدفاع عن نفسه ، لذا من الأفضل استخدام أسلوب إيجابي وقوي ،  لتحسين صورة الشعب الفلسطيني في الخارج بتصويره على سبيل المثال ، بأنه شعب صامد وقوي وصاحب حق،  و يستحق الحصول على دولته المستقلة و التحرر من الاحتلال بناءً على حقه التاريخي في فلسطين،  وحسب ما يكفله له القانون الدولي و اتفاقيات حقوق الإنسان من حقوق وواجبات.
  • نهاية حقبة القطبية الواحدة ونمو أقطاب هامة بالعالم :   و هنا تعتبر فتح نهاية حقبة القطبية الواحدة و نمو أقطاب هامة في العالم  بمثابة عناصر قوة يمكن استغلالها جيداً، مما  يدل ذلك على تفكير فتح الاستراتيجي و البعيد المدى،  و على رغبة فتح  الشديدة بإحداث توازن في علاقاتها الدولية مع دول أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحاول فتح  التخلص من الوصاية الأمريكية على ملف مفاوضات السلام ، لأنها تشك في موضوعية الولايات المتحدة الأمريكية  تجاه القضية الفلسطينية بصفتها حليفة إستراتيجية لإسرائيل.  لذا أعتقد أن فتح  مهتمة جدا بتوثيق علاقتها الدولية مع  دول كبرى أخرى مثل روسيا و الصين و دول الاتحاد الأوربي وبعض دول أمريكا اللاتينية و إفريقيا  من أجل حشد أكبر عدد ممكن  من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين المستقلة على حدود 1967 ،  و لكي ترغم إسرائيل على القبول بالشروط الفلسطينية المسبقة لاستكمال مفاوضات السلام.
  • نمو اتجاه و لو ضعيف داخل إسرائيل ضد الاحتلال: وهنا تُشير فتح بأن هناك تغير و لو بسيط في اتجاهات المجتمع الإسرائيلي ضد سياسات الاحتلال ، حيث حسب فتح ، يخشى الإسرائيليون من أن لا يكون هناك مستقبل لدولتهم في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.  و هنا أعتقد أن فتح تراهن على ورقة الخلافات الداخلية الإسرائيلية بين أحزاب اليسار  الإسرائيلي و أحزاب اليمين الإسرائيلي، فطالما  نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية  انتقادات حادة  لقوى اليسار الإسرائيلي  ضد  سياسات  اليمين الإسرائيلي خوفا على مستقبل وسمعة دولتهم.  لذا  أتوقع  هنا، أن فتح سوف تستغل  تلك الخلافات الإسرائيلية و سوف تتوجه لقوى اليسار الإسرائيلي من أجل شرح  وجهة النظر الفلسطينية تجاه السلام العادل لكي تقنعهم بالضغط على اليمين الإسرائيلي لوقف مشاريعه الاستيطانية والقبول بالشروط الفلسطينية لاستكمال مفاوضات السلام.

 

ثانياً) عناصر الضعف

أما بالنسبة لعناصر  الضعف التي يمكن أن تؤثر سلباً  على مرحلة النضال في السنوات القادمة ، تلخص فتح تلك العناصر في النقاط التالية:

  • قوة إسرائيل العسكرية وتقدمها الاقتصادي و التكنولوجي والدعم الأمريكي لها:

وهنا تعترف  فتح  بتفوق  إسرائيل  عسكرياً عليها بسبب الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل،  مما يدل على مدى ثقة فتح بنفسها و اعترافها  بإمكانياتها الذاتية  الحقيقية  بدون تضخيم الذات ، فالحركة لا تبالغ  بحجم قوتها و لا تستهتر بقوة  إسرائيل المدعومة أمريكيا ، و هذا   يدل على واقعية فتح، وعلى حرصها الشديد بعدم رفع سقف توقعات الشعب الفلسطيني فيما يتعلق  بالكفاح المسلح ، خشية من أن تفقد الحركة مصداقيتها عند شعبها.

  • التغيير في موازين القوى يحتاج لوقت طويل: وهنا تعتقد فتح أن الوصول لتوازن قوى جديد لصالح  القضية الفلسطينية،  يحتاج لمدة زمنية طويلة،  حيث أن العالم بدء  يشهد تغيرات  جذرية قد تؤثر سلبيا على المرحلة المقبلة في النضال الفلسطيني،  ومن أمثلة هذه التغيرات الدولية ؛ انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي،  و قلق العالم من قضية اللاجئين السوريين، و تصاعد الإرهاب ، و زيادة شعبية الأحزاب اليمنية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية، و التي تصفها فتح بأحزاب “يمنية فاشية”. وهنا أعتقد أن و صف حركة  فتح للأحزاب  اليمينية  بالعالم   بالفاشية ، هو وصف غير مناسب  و يخالف  الأعراف الدبلوماسية ، لأن بذلك تكون فتح قد أعلنت بشكل مباشر عدائها للأحزاب اليمنية في أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية ، مما سينعكس سلبا على جهود الدبلوماسية الفلسطينية بمحاولة إقناع تلك الأحزاب بعدالة القضية الفلسطينية ، خاصة أن تلك الأحزاب بدأت تتخذ مواقع متقدمة بأروقة الحكم في كل من أوربا و الولايات المتحدة الأمريكية ، فالحزب الحاكم في بريطانيا هو حزب المحافظين الذي يعتبر حزب يميني  و الحزب الحاكم في أمريكا هو الحزب الجمهوري اليميني،  و هناك احتمال أيضاً أن تفوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات المقبلة بكل من فرنسا و هولندا ، لذا على فتح أن تكون أكثر حرصا حول مستقبل علاقاتها الدولية في تلك البلدان الهامة، و أن تتخذ موقف محايد تجاه الأحزاب السياسية الدولية ، حتى لا تستغل إسرائيل انتقاد فتح  الحاد لتلك الأحزاب اليمينية بالتحريض على  حركة فتح ، مما سينعكس سلبا على القضية الفلسطينية، ويقلل من التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني.
  • معاناة الوطن العربي من الانقسام و الصراعات الداخلية و الإقليمية: و من نقاط الضعف التي تأخذها فتح بعين الاعتبار،  هو انقسام الوطن العربي و التطرف الإسلامي ، و قلق فتح من احتمالية تقسيم كل من سوريا و العراق ، و نمو تنظيم  داعش  الذي  تعتقد  فتح أن من أسباب انطلاقه هو الغزو الأمريكي للعراق و الدعم  المتواصل له من قبل أيدي أجنبية . وهنا أعتقد أنه من الأفضل  لحركة فتح أن تنأى بنفسها عن كل شيء يتعلق بتنظيم داعش ، و أن لا تلعب دور المحلل السياسي لأسباب نمو هذا التنظيم،  أو تتهم أي دولة أجنبية بدعمه أو سبب ظهوره،  وذلك حتى لا تُقحم فتح نفسها في مأزق دولي ، و تقع  في فخ التهم المتبادلة  بدون أدلة وبراهين  حقيقية، فقضية  تنظيم داعش مازالت غامضة،  وحتى الدول الكبرى تتجنب الحديث عنها، وهي ليست من أولويات القضية الفلسطينية.  لذا يجب أن يتركز الخطاب الفتحاوي في البرنامج السياسي على الشأن الفلسطيني دون الاجتهاد بتحليل أسباب ظهور أية تنظيمات إسلامية متطرفة.
  • احتمالية التطبيع المجاني العربي مع إسرائيل:  وصفت فتح استعداد بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل بسبب ضغوطات أمريكية عليها ، أنه عنصر من عناصر الضعف في واقع القضية الفلسطينية . وهنا أعتقد أن فتح تخشى من أن تنجح إسرائيل بالتوصل لسلام عربي قبل الوصول لاتفاق نهائي مع الفلسطينيين ، مما يُضعف موقف الفلسطينيين ويفقدهم أهم ورقة عربية يمكنهم استخدامها للضغط على إسرائيل .
  • انقسام الساحة الفلسطينية سياسيا وجغرافيا: تعتبر فتح أن أخطر عناصر الضعف في المرحلة المقبلة هو استمرار  الانقسام الفلسطيني السياسي و الجغرافي  ، مما يدل على قلق فتح  الكبير من تشتت الصف الفلسطيني،  وعلى شعور  فتح  بالتضرر بشكل كبير من استمرار الانقسام  الفلسطيني،  وحاجتها  للعمل من جديد لاستعادة عافيتها وقوتها،  وتوحيد كوادرها في كافة أنحاء الوطن  و بالأخص بالضفة الغربية و قطاع غزة .
  • المهام المرحلية التفصيلية

و ترى فتح أنه من الضروري أن يتم   ترجمة التوجهات الرئيسة للحركة إلي مهام تفصيلية من أجل تحقيق أهداف الحركة في المرحلة القادمة،   و مواجهة الاحتلال الاستيطاني.  وتتلخص تلك المهام المرحلية المذكورة ببرنامج فتح السياسي عبر تلك النقاط التالية:

  • تقرير المصير: وهو يتمثل في الالتزام بالثوابت الوطنية، و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأقل ضمن حدود 1967 و عاصمتها القدس ، و العمل على توسيع الاعتراف الدولي بفلسطين،  ورفض مشروع دولة غزة،  أو دولة الضفة بدون غزة،  أو الدولة ذات الحدود المؤقتة. وهنا نلاحظ استخدام  فتح لكلمة  على “الأقل”  عند حديثها عن حدود الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 ،  مما يدل  على أن فتح  لن تقبل بإقامة دولة فلسطينية على مساحة أقل من حدود 1967 ، وفي نفس الوقت  أكاد أن أستشعر هنا  أمال فتحاوية  بالتفاوض مع إسرائيل  بالمستقبل البعيد،  لنيل مزيد من أراضي فلسطين التاريخية  لعام 1948، و أعتقد هنا أن فتح لا تريد أن تسقط  هذا الخيار من حساباتها ،  حتى تعطي فرصة أخرى للأجيال الفلسطينية  لاسترداد ولو جزء بسيط من أراضي الخط الأخضر. أما بالنسبة لرفض  فتح لإقامة دولة غزة أو دولة الضفة بدون غزة أو حتى دولة فلسطينية مؤقتة الحدود ، فأعتقد هنا أن هذا الرفض الفتحاوي لتلك الدول الممزقة يدل على تمسك فتح  بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الجغرافيا الفلسطينية،  و يدل على رفضها لكل المحاولات الإسرائيلية التي تُلمح  تارةً بدعمها  لإقامة دولة في غزة تحت  سيطرة حماس،   أو إقامة كونفدرالية بين الضفة الغربية والأردن،  مما يُجزأ  نسيج الشعب الفلسطيني،  و يُشتت الفلسطينيين  ضمن حدود دوله مجتزئة غير كاملة السيادة ، لذا أرادت فتح أن تُفشل كل المحاولات الإسرائيلية ، و أن تعلن تمسكها بالوحدة الجغرافية للدولة الفلسطينية المستقبلية ، مما يدل على مدى وعي و يقظة أعضاء فتح تجاه أي مخططات إسرائيلية ضد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967.
  • اللاجئين: تعتبر فتح أن من أهم المهام المرحلية لها،  هو العمل على  قضية عودة اللاجئين.  وتعترف فتح بوكالة  غوث اللاجئين – الأونروا  كعنوان للاجئين الفلسطينيين ، و تطالب بتحسين أوضاع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية ، مع التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية للاجئين الفلسطينيين.  وترفض فتح  مبدأ توطين اللاجئين في لبنان أو الوطن البديل في الأردن،  وتطالب بضرورة المحافظة على مخيمات اللاجئين خاصة بعد مأساة نهر البارد ومخيم اليرموك.

ويدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية اللاجئين  الفلسطينيين ، على عدم تنازل حركة فتح عن حق العودة و تعويض اللاجئين،  و على  متابعة فتحاوية مستمرة لما يحدث داخل المخيمات الفلسطينية بالداخل و الخارج , وهنا نكاد أن نستشعر قلق فتحاوي كبير لما يحدث داخل المخيمات الفلسطينية من محاولات لبعض الجهات الغير معروفة  بإقحام اللاجئين الفلسطينيين بالصراع المسلح في كل من سوريا و لبنان.  لذا أعتقد أن تأكيد فتح المستمر بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد السياسي للاجئين،  يهدف لحماية اللاجئين بالمخيمات الفلسطينية،  ومنعهم من التورط بأي صراع يتعلق بقوى خارجية أو مرتبطة بتنظيمات إرهابية.

  • الأسرى : و تعتبر فتح أن من أهم مهامها المرحلية، العمل على  الإفراج  عن جميع الأسرى الفلسطينيين ، و هي تشترط عدم توقيع  الفلسطينيين على أي اتفاق نهائي مع إسرائيل قبل تحرير الأسرى  من السجون الإسرائيلية ، معلنةً  بذلك دعمها لإضرابات الأسرى في السجون الإسرائيلية. ونلاحظ هنا أن  فتح قد تعمدت استخدام  عبارة  ” الإفراج عن جميع الأسرى”  و لم تخصص عملية الإفراج عن أسرى فتح فقط ، مما يدل على عدم تمييز  فتح  بين  أي أسير فلسطيني بسبب  انتمائه  الحزبي،  و يدل أيضاً على أن فتح  تعتبر جميع الأسرى من ضمن تحت  مسئوليتها الوطنية.
  • الحق في المقاومة المشروعة : و يذكر أعضاء فتح ضمن برنامجهم السياسي ، أن من أهم  المهام المرحلية لحركة فتح هو استمرار المقاومة ، و أن الكفاح المسلح شرعي حسب  القانون الدولي و طالما استمر الاحتلال و الاستيطان  و الأبارتهايد  الإسرائيلي. وهذا يدل على أن فتح لم تسقط من حساباتها السياسية  خيار المقاومة المسلحة ، لكنها تؤجلها للوقت المناسب،  لكي  تستخدمها كورقة ضغط في حال فشلت أدوات المقاومة السلمية. ونلاحظ أيضاً أن فتح تعمدت وصف إسرائيل بالدولة الأبارتهايديه حتى تشبها  بالاستعمار العنصري السابق  في جنوب إفريقيا و حتى تؤكد صفة العنصرية عند إسرائيل. أما بالنسبة لأشكال النضال ، الذي تريد اعتماده فتح ضمن مهامها المرحلية ، لخصت فتح ببرنامجها السياسي أشكال النضال في النقاط التالية:
  • المقاومة الشعبية الشاملة : وهنا تسرد فتح تجارب النضال الشعبي السلمي مثل تجربة نعلين و قرية باب الشمس و بلعين و تشيد  بدور المتضامنين العرب و الأجانب لدعمهم هذا النضال،  مما يدل  على تقدير فتح لهؤلاء  المتضامنين الأجانب و العرب ، و كان ذلك التقدير بارزا عندما تم دعوة هؤلاء المتضامنون للمشاركة في مؤتمر فتح السابع .
  • إعادة النظر في الاعتراف المتبادل : وهنا وضعت فتح خيار  إعادة النظر في  اعترافها بإسرائيل و إمكانية الانسحاب من اتفاقية أوسلو و التنسيق الأمني من ضمن الخطوات المقبلة،    مما يدل على شعور أعضاء فتح بالإحباط الشديد من سياسات إسرائيل الاستيطانية و أن هناك احتمال كبير   بأن تسحب فتح اعترافها بإسرائيل في المستقبل في حال  استمر الاستيطان الإسرائيلي و استمر الرفض الإسرائيلي للعودة للمفاوضات ، و أعتقد أن هذا  اتجاه خطير و تغير كبير في سياسة فتح وهو بمثابة إعلان فتحاوي كبير عن فشل اتفاقية أوسلو.
  • التخلص التدريجي من التبعية الاقتصادية الإسرائيلية : و هنا تعرب فتح عبر برنامجها السياسي على رفضها لشروط اتفاق باريس الاقتصادي ، و رغبتها باستخدام الطاقة الشمسية و استغلالها بدلاً من الطاقة الحرارية لكي تتخلص من الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية. وهذا يدل على امتعاض أعضاء فتح من اتفاقية باريس،  ورغبتهم بالاستقلال الاقتصادي.  و أعتقد أيضا أن  مطالبة  فتح باستخدام الطاقة الشمسية كطاقة بديلة ، يدل على وعي فتح البيئي و رغبتها باستثمار الموارد الطبيعية و الطاقة النظيفة من أجل التخلص من مشكلة الكهرباء المرتبطة  بالشركات الإسرائيلية ، مما يدل على  حداثة و تطور  التفكير الفتحاوي المتعلق في علوم البيئة و الطاقة النظيفة.
  • ابداع أشكال جديدة للنضال عبر المبادرات الشعبية : وهنا تعطي حركة فتح ، المجال لمبادرات أخرى  في  النضال السلمي،  مثل التمرد الشعبي على الاحتلال و العصيان المدني،  مما يدل  على رغبة  فتح  في دمج   الشعب الفلسطيني بأنشطة  النضال الشعبي،  و استخدامه كورقة ضاغطة  على الاحتلال الإسرائيلي،  و استخدام فتح لمصطلح  العصيان المدني و ليس المسلح ، يدل على أن  فتح قد تنوي في  المستقبل تشجيع الشعب الفلسطيني على القيام بانتفاضة شعبية ضد الاحتلال و ليس انتفاضة مسلحة.
  • مقاطعة المنتجات الإسرائيلية في الداخل و الخارج : وهنا تشير فتح ببرنامجها السياسي ، إلي أهمية مقاطعة السلع الاستهلاكية الإسرائيلية التي يوجد بديل محلي أو عربي لها ، وهنا نلمس  مدى واقعية فتح ، حيث لم تقل مقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية ، بل طالبت فقط  بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية ، التي يتوفر بديلا لها ، وهذا يدل على أن فتح تُقدر احتياجات الأسواق الفلسطينية ،  وتعلم أن هناك سلع إسرائيلية لا يمكن الاستغناء عنها مثل الوقود و الغاز و بعض المستلزمات الصحية.
  • تنشيط المقاطعة الأكاديمية و الثقافية وممارسة أشكال جديدة من العصيان المدني ضد الاحتلال:

و يدل ذلك الطرح على رغبة فتح بعزل إسرائيل في كافة الميادين الدولية، و نرى هنا تأثر فتح بأنشطة حركة المقاطعة الدولية ( BDS ) التي نجحت بإقناع عدد معين من الجامعات الأوروبية بعدم التعاون مع الجامعات الإسرائيلية.

  • تطوير الحراك المحلي و الدولي ضد الأبارتهايد الإسرائيلي: وهنا يبرز بقوة تأثر حركة فتح بتجربة نضال شعب جنوب إفريقيا،  و رغبة فتح بالترويج للقضية الفلسطينية كقضية شعب يعاني من سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية وذلك  تشبيها لما كان يحدث سابقا في جنوب إفريقيا. ويظهر أيضا هنا رغبة فتح بدعم جهود حركة المقاطعة الدولية (  BDS)  من أجل إحداث خسائر اقتصادية كبيرة لإسرائيل وعزلها دولياً.
  • المطالبة بطرد إسرائيل : و تؤكد هنا فتح نيتها  لطرد إسرائيل من المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الأكاديمية و الرياضية الدولية .
  • ملاحقة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية : و تقصد فتح هنا بملاحقة إسرائيل هو رفع قضايا ضد المستوطنين في محكمة الجنايات الدولية ،  باعتبارهم تنظيم إرهابي مدعوم من الاحتلال،  حيث  تتهمهم  فتح  بحرق الأطفال الفلسطينيين ،  مما يدل على نية فتح  لتشجيع  السلطة الفلسطينية لتقديم ملف  المستوطنين الذين تورطوا بعملية حرق عائلة الدوابشة في عام 2015 إلي محكمة الجنايات الدولية.
  • العمل على إنهاء حصار غزة وإزالة الحواجز الداخلية: وهنا نلمح اهتمام فتحاوي بقضية غزة، و برغبتها بتشجيع التواصل بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، و إنهاء الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة.
  • العودة إلي الأمم المتحدة ومجلس الأمن : وهنا تظهر رغبة  فتح باستخدام القانون الدولي وتوطيد علاقتها بمؤسسات الأمم المتحدة ، مما يدل  على اقتناع فتح الكبير بأهمية مؤسسات الأمم المتحدة في دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية،  وعلى رغبة فتح بمطالبة مجلس الأمن لتطبيق مواد الفصل السابع في  ميثاق  الأمم المتحدة  المتعلق بتوفير الحماية الدولية .
  • استعادة العلاقة المباشرة و القوية مع المؤسسات الاسرائيلية التي تدعم دولة فلسطين:

و يدل ذلك الطرح حول العلاقات مع  المؤسسات الإسرائيلية،  على اهتمام فتحاوي  بتوطيد العلاقات المباشرة مع مؤسسات إسرائيلية حقوقية تدعم حل الدولتين.  ووصف فتح بأنه يجب أن  تكون علاقتها  قوية مع تلك المؤسسات الإسرائيلية ،  يدل على أهمية تلك المؤسسات  بالنسبة لفتح،  التي تعتبرها بمثابة وسيلة مؤثرة لتغيير اتجاهات  المجتمع الإسرائيلي لصالح السلام العادل و حل الدولتين ، وعلى اهتمام فتح  الكبير بالتأثير على  الرأي العام الإسرائيلي و التعامل معه بصفته مجتمع مدني بعيدا عن تناقضات الحكومة الإسرائيلية.  و هنا نلمح  أيضا رغبة فتحاوية  بالتأثير على صندوق الانتخابات الإسرائيلية ،  لكي يتم  اختيار قيادة إسرائيلية تدعم حل الدولتين مما يدل على اهتمام فتحاوي بعقد  تحالفات قوية مع أحزاب يسارية إسرائيلية،  وهذا بالفعل ما أغضب سابقاً ، الحكومة الإسرائيلية عندما سحبت  تصريح ( VIP ) من مستشار الرئيس الفلسطيني ،  محمد  المدني  ومنعته من التواصل مع مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي.

  • نشر الرواية العربية الفلسطينية : وهنا ترغب فتح بالترويج للرواية الفلسطينية بناءً على أبحاث ودراسات  تاريخية ، حيث تعتقد فتح أن تلك الأدلة التاريخية سوف تسقط ما يتم تدوله من روايات  مذكورة في التناح ( التوراة وملحقاتها ) وصفتها فتح بأنها روايات خرافية لمخالفتها الحقيقية من حيث التاريخ والمسرح الجغرافي ، وهنا اعتقد أنه من الأفضل  لفتح تجنب الجدل الديني  ووصف فتح لروايات  التناح التوراتية   بأنها  خرافية،   يجعل فتح في دائرة الاتهام المتعلقة ب “لا سامية”  ،  مما  يفسد جهودها وسعيها لعقد علاقات قوية مع مؤسسات يهودية و إسرائيلية تدعم حل الدولتين ،  فإذا ما أرادت فتح أن تؤثر في المجتمع الإسرائيلي و باليهود بكافة أنحاء العالم ، عليها أن تبتعد  عن انتقاض الكتب الدينية السماوية ، حتى لو كانت نصوصها غير منطقية ، ويجب بدلاً من ذلك التركيز على الرواية الصهيونية السياسية ،  حتى لا تفقد  فتح دعم بعض يهود العالم المؤيدين للسلام ،  خاصة  طائفة السامرين التي تعتبرها فتح جزء من الشعب الفلسطيني .
  • مطالبة إسرائيل بالتعويض : وهنا تتطلع فتح إلي مطالبة إسرائيل بالتعويض عن الخسائر التي سببتها لقطاع غزة في الحروب الثلاث السابقة، و يدل ذلك على  سياسة  جديدة  قد تتبعها  فتح في المستقبل تكمن بتحميل  الاحتلال  ثمن  فاتورة إعمار غزة و ليس فقط  تحميل المسئولية للدول المانحة.
  • الاعداد لمواجهة اجراءات إسرائيل المضادة للمقاومة : و هنا تريد فتح أن ترفع مستوى الاستعداد والتأهب لدى الشعب الفلسطيني وتُعده لما قد يحدث في المستقبل من مواجهات مع إسرائيل، لذا ترى فتح ضرورة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كافة المجالات و التخلص من التبعية الإسرائيلية.

 

 

 

  • الإصرار على موقف جديد من المفاوضات لصيانة الحقوق

وبعد أن وصفت فتح  ضمن برنامجها السياسي لأشكال نضالها الشعبي في المرحلة المقبلة ، تُصر فتح على اتخاذ  موقف جديد بالنسبة للمفاوضات ، من أجل صيانة الحقوق الفلسطينية ، حيث تعتقد فتح أنها لا تستطيع أن ترفض  بشكل مطلق العودة للمفاوضات ، لأنها لا تريد أن يتم تحميلها مسئولية الصراع، وفشل السلام   أمام العالم،  مما يدل على إدراك  فتح  لقواعد اللعبة السياسية الدولية و وعيها لحجم  المسئولية  الوطنية  تجاه المفاوضات،  لكنها في نفس الوقت تتهم الولايات المتحدة الأمريكية  بتواطئها مع إسرائيل من أجل إفشال المفاوضات واستمرار  سياسة الاستيطان. و أعتقد أن هذا الشعور السلبي الفتحاوي من طبيعة العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية ، هو الذي جعل الحركة  ترحب بمبادرات السلام الدولية الأخرى، مثل مبادرة السلام الفرنسية ، وهنا أعتقد  أن فتح يجب أن لا  تتجاهل بشكل كامل  دور  إدارة  أوباما السابقة في انتقادها للاستيطان الإسرائيلي، وبرفضها لاستخدام الفيتو الأمريكي ضد قرار  الأمم المتحدة المتعلق بوقف الاستيطان ،   لذا من الأفضل لفتح أن لا تحرق جميع جسورها مع الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق كيلها لكم كبير من الاتهامات ضد السياسات الأمريكية في كل المناسبات.

وترى فتح أن من أهم شروط نجاح المفاوضات،  هو التفاوض على أساس قرارات الشرعية الدولية رقم (181) و (  194) و (  242  ) و ( 383 ) ، و إطار المبادرة العربية للسلام ، و مواصلة العمل لانعقاد مؤتمر دولي للسلام يضم العرب و أوروبا و دول البركس ، و رفض الرعاية الأحادية الأمريكية للسلام ، و الإصرار على آلية التحكيم ، و الإصرار على وضع جدول زمني واضح وملتزم يضع  حد نهائي لانتهاء الاحتلال الإسرائيلي ، و رفض تأجيل التفاوض على القدس و اللاجئين ، ورفض فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، ورفض يهودية الدولة الإسرائيلية رفضا قاطعا لا تراجع به.

وتدل تلك الشروط الفتحاوية للعودة للمفاوضات ، على أن فتح لا تريد أن تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية برعايتها لملف المفاوضات،  و هي تريد تدويل قضية المفاوضات و أن لا تخرج تلك المفاوضات  من تحت الرعاية  العربية ، و رفض فتح القاطع بالاعتراف في يهودية دولة إسرائيل ، يدل على تمسك فتح بحق العودة ، وعلى حرصها للمحافظة على حقوق فلسطيني 48 .  و أعتقد أيضا أنه يجب على فتح أن تضيف شرط أخر لضمان نجاح المفاوضات ، ألا وهو عمل تقييم ذاتي لأداء فريق عمل المفاوضات الفلسطيني،  وتجهيز الفريق بمزيد من الخبراء و أصحاب الشهادات العليا من القيادات الشابة المتميزة.

وعلى الرغم من سرد فتح لشروط نجاح المفاوضات،  إلا و أننا  نكاد أن نستشعر هنا وجود  قناعه  فتحاوية،  وحكم مسبق حول الامكانية الكبيره لفشل المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ، و هنا أعتقد  أن على فتح أن لا تستبق الأمور و الأحداث ، و تفقد الأمل في نجاح المفاوضات لأن السياسة متغيرة،  و قد تتغير الحكومة الإسرائيلية اليمينية في أي لحظة . و أعتقد أنه على  فتح أن تشجع فريق عمل المفاوضات الفلسطيني على البدء بالتفاوض في  القضايا السهلة و الغير معقدة أولاً  ، من أجل إحراز نجاح و لو كان بسيط ، حتى تعطي بصيص من الأمل للشعب الفلسطيني ،  ومن ثم يتم التدرج إلي القضايا الأكثر تعقيدا،  وذلك لتوفير الوقت و العمل بشكل منظم بناءً على جدول زمني وخطة عمل واقعية.  و أعتقد أيضاً، أن المفاوضات يجب أن لا تتحول إلي هدف فلسطيني بل يجب النظر إليها كوسيلة و أداة لإنهاء الاحتلال.

  • أشكال جديدة من المواجهة السياسية:

وهنا نلاحظ  مطالبة   فتحاوية  بضرورة  اعتذار بريطانيا  حول  وعد بلفور،  ومطالبة مجلس العموم البريطاني باستجواب اسرائيل حول السجن الاداري للأسرى و التنديد بالقوانين العنصرية ، و أعتقد هنا أن فتح تريد أن تستخدم ورقة بلفور لكي تضغط على بريطانيا لكي تنحاز لصالح القضية الفلسطينية ، وتحملها المسئولية عن الاحتلال.  ويدل هذا الطرح أيضا على تدهور العلاقات البريطانية -الفلسطينية بسبب تجميد بريطانيا مساعدتها المالية للسلطة الفلسطينية خلال عام 2016، بحجة أن الأموال قد يتم استخدامها لدفع رواتب الأسرى الفلسطينيين.

  • الفصل الثالث: الخطوات الداخلية المقبلة

خلال قراءة  الفصل الثالث في البرنامج السياسي لفتح ، تحت عنوان  الخطوات الداخلية  المقبلة التي ستتخذها حركة فتح ضمن عملها النضالي ، نجد أن الحركة مازالت  تعتبر نفسها بأنها أداة للثورة الفلسطينية و القائدة لها ، وهي تأخذ على عاتقها  مسئولية المشروع الوطني بأكمله.  لذا  تعتبر فتح  في برنامجها السياسي ، أن أهم مهامها الداخلية في المرحلة القادمة هو العمل على تطوير الذات و تصحيح الوضع الداخلي مما يدل على رغبة فتح الكبيرة بعمل إصلاحات داخلية  في الحركة. ونلاحظ أن من المهام الأساسية  التي ترى فتح أنها يجب أن تقوم بها في الساحة الفلسطينية هي:

أولا) إعادة بناء الحركة وتفعيلها و توحيدها

وهنا ترى فتح ضرورة استعادة الدعم الجماهيري للحركة بالعودة إلي المبادرة و الفعل،  و التأكيد على أن حركة فتح هي حركة تحرر وطني لا تتخلى عن مقاومة الاحتلال، و الحرص على أخلاقيات أبناء الحركة، و تأكيد قيم الالتزام و المحاسبة و العدالة ، و تجديد قانون المحبة في التعامل بين أبناء الحركة للحفاظ على وحدتها ،  وذلك يدل  على  أن فتح قد بدأت تشعر بالقلق من أن قد  تتراجع شعبيتها في الشارع الفلسطيني بسبب تمسكها بالمقاومة السلمية و المفاوضات ، و أعتقد هنا أن فتح تخشى من أن يتم اتهامها من قبل  البعض بأنها تخلت عن مقاومة الاحتلال،  فأرادت الحركة عبر عرضها   لمهامها الداخلية ، أن تؤكد للجميع  التزامها الكبير بمشروع التحرر الوطني و بمقاومة الاحتلال . و أعتقد أيضاً أن  ذكر فتح  لقيم  المحاسبة ضمن بند إعادة بناء الحركة،  يدل على نية فتح  الجدية لمحاربة  الفساد، و القيام بإصلاحات داخلية بالحركة.  أما استخدام فتح  لعبارة “تجديد  قانون المحبة ” يأتي بسبب شعور قوي عند أعضاء فتح ، بأن هناك من  يحاول تعكير أجواء الحركة و يؤثر سلبيا  على وحدة  الصف الفتحاوي،  لذا تعمدت فتح الإشارة إلي تجديد  قانون المحبة من أجل الدعوة  للتسامح  و تصفية الأجواء للمحافظة  على وحدة و قوة الحركة.

ومن المهام الداخلية الأخرى التي ستقوم بها فتح ، هو العمل على  إعادة البناء الحركي عن طريق إعادة الانتساب  وفق النظام الأساسي ، و إنهاء ظاهرة الكادر الغير مؤطر تنظيميا ، و إيجاد صيغ لتأطير العسكريين ، و انتظام عقد المؤتمرات الحركية، و تطوير أشكال تنظيمية تحفظ السرية ،مما يدل على سعي فتح لزيادة عدد  المنتسبتين  إليها ، و رغبتها   بتخصيص وظائفها الشاغرة في المستقبل لصالح  كوادرها فقط،  و ذلك  حتى  تحافظ على أسرار حركتها من الاختراق الخارجي.

وتعتبر فتح  أن استمرار التربية النضالية، وتعبئة كوادر الحركة بتراث الكفاح المسلح من خلال الاحتفال بالمعارك و إحياء تاريخ النضال من ضمن مهام تفعيل الحركة ، و يدل ذلك على افتخار فتح بكفاحها المسلح وتراثها العسكري ، وتحديها   لممثلي الحكومة الإسرائيلية ، الذين ينتقدون تاريخ فتح العسكري عبر مواقع التواصل الاجتماعي و الذين يطالبون فتح مرارا بعدم الاحتفال بذكرى شهدائها ومناضليها التاريخيين.

وترى فتح ضرورة إنشاء مركز أو مدرسة لإعداد كادر متخصص بالتثقيف و التدريب و ببناء الدراسات و الأبحاث الخاصة بالحركة،  مما يدل على  اهتمام الحركة  في مجال البحث السياسي و المجتمعي و برغبتها بتأهيل جيل فتحاوي جديد متعلم ومتمكن سياسيا . وتشدد فتح ضمن مهام بناء و تفعيل الحركة على استقلالية فتح في إطار منظمة التحرير،  مما يدل على حرص فتح بعدم السماح لأي تنظيم سياسي فلسطيني أو جهات عربية بالتدخل في الشأن الفتحاوي الداخلي . ولتحقيق مزيد من الاستقلالية  في الحركة ، تخطط فتح ضمن مهام المرحلة المقبلة لتنمية مواردها  المالية عن طريق الاعتماد على الذات و الجماهير الفلسطينية في الشتات و الداخل،  و إعادة بناء النظام المالي بما يضمن الشفافية. وهنا أتوقع  أن فتح قد تفتح باب التبرع لها في المستقبل و أنها ستحاول  تنفيذ  مشاريع  استثمارية تُدر لها دخل،  و نلاحظ أيضا نمو تيار إصلاحي داخل  فتح يطالب بمحاربة الفساد المالي و تطبيق معايير الشفافية.

وترى فتح أن من ضمن المهام الأخرى اللازمة لإعادة بناء الحركة وتفعيلها ، هو العمل على تنمية الكوادر الشبابية و تفعيل الشبيبة الفتحاوية في الداخل و الخارج ، و الاهتمام بالأشبال و الزهرات،  و يدل ذلك الطرح  على اهتمام فتحاوي كبير ببناء جيل جديد من الفتحاويين ، و العمل أيضا على تثقيف الأطفال سياسيا في مشروع  فتح  التحرري، وهنا  أعتقد  أنه على فتح أن  تكون حريصة جداً  بتعاملها مع فئة الأطفال خاصة  فيما  يتعلق  بموضوع الكفاح المسلح ، و أنه عليها الاكتفاء فقط بتثقيف الأطفال بشكل عام فيما يخص تاريخ القضية الفلسطينية و حب الوطن، حتى لا يتم اتهام فتح من قبل مؤسسات حقوق الطفل العالمية بترويجها للعنف في صفوف الأطفال.

أما بالنسبة لدور المرأة الفتحاوية في البرنامج السياسي لفتح ، ترى فتح أن من ضمن مهامها  هو العمل على تنمية دور المرأة ، و إعداد كادر نسوي مؤهل،  وتعزيز حضور المرأة في الأطر القيادية للحركة ،  لأن هناك فرصة لتمثيل المرأه في الحياة النيابية الفلسطينية . وهنا نلاحظ أن لدى فتح اهتمام بتطبيق معايير الجندر ضمن سياستها، و هي تهتم في حقوق المرأة السياسية ، لكن هذا الاهتمام جاء بسبب تقيميها لأوضاع النساء بالحركة و كاستجابة  لاحتياجات الانتخابات النيابية التي تشترط  نسبة معينة لمشاركة المرأة في القوائم الانتخابية.

وتعتقد فتح أنه من الضروري القضاء على الظواهر السلبية في المجتمع الفلسطيني ، مثل العشائرية و فصل الأجهزة الأمنية عن التنظيم المدني ، و رفض أي تمويل خارجي للكوادر دون رقابة مركزية ، مما يدل ذلك على رغبة  فتح بعدم السماح للعشائر الفلسطينية بالتأثير على شفافية أجهزة الأمن و القضاء، وعدم قبولها  لأي تمويل خارجي دون رقابة،  خوفا من اختراق الحركة و التأثير على استقلاليتها.

و تعطي فتح أهمية كبيرة للإعلام، وتري أن هناك حاجة لإعادة النظر في خطابها الإعلامي، و تبني مبدأ المبادرة و ليس رد الفعل، ويدل ذلك على رغبة فتح بمواجهة الإعلام الإسرائيلي بشكل أكثر احترافا،  من أجل التصدي للدعاية الصهيونية وكسب تأييد الرأي العام العالمي.

و أخيرا ترى فتح أن من المهام التي تنوي القيام بها في إطار إعادة بناء و تفعيل الحركة،  هي تقديم الخدمات الاجتماعية للشعب الفلسطيني ، خاصة في مجال الصحة و التعليم و الثقافة ، و تكريم قدامى المناضلين ورواد حركة فتح ، وهذا يدل على اهتمام فتح بالتواصل مع الجماهير، و زيادة صلتها مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني و فخرها بمناضليها السابقين.

ثانياً) تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية و مؤسساتها :

تعتبر فتح أن  من أهم  المهام المنوطة بها ، هو تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في مجلسها الوطني ، وضرورة العمل على إجراء الانتخابات للمجلس الوطني على أساس التمثيل النسبي،  و العمل على عقد المجلس الوطني و المجلس المركزي بانتظام ، و تشدد فتح ضمن برنامجها السياسي على أن المنظمة هي المرجعية الأعلى للسلطة الوطنية،  و هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني،  وأنه يجب تعزيز حضور المنظمة في أوساط اللاجئين في الشتات و المخيمات في الدول  العربية. و يدل ذلك الاهتمام الفتحاوي بمنظمة التحرير ،  و تشديدها على أن المنظمة هي السلطة الأعلى و الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ، أن فتح تريد قطع  الطرق أمام أية محاولات لتهميش دور المنظمة ، أو الالتفاف عليها من خلال عقد صفقات سياسية سرية مع إسرائيل تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية و اللاجئين، خاصة بعد أن صرح عدة مرات  وزير الجيش الإسرائيلي ليبرمان ،  أن لدى إسرائيل شركاء فلسطينيين آخرين يمكنها  عقد سلام معهم في المستقبل.  و أعتقد أيضاً أن فتح أرادت إرسال رسالة للجميع ، بضرورة التزام جميع الأطراف الفلسطينية والعربية بسياسات المنظمة ، دون تغليب مصلحة الحزب الواحد عن المصلحة العامة للشعب الفلسطيني.

ثالثا)   تحقيق وحدة الوطن و التصدي للحصار

تعتبر فتح أن من ضمن مهامها الوطنية هو تحقيق الوحدة الوطنية،  و تعتبر أيضاً أن الانقسام الفلسطيني هو بمثابة تهديد خطير على مستقبل القضية،  و هي تحمل بشكل مباشر مسئولية هذا الانقسام لحركة حماس ، وتطالب  في نفس الوقت بإنهاء الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة و إعادة تعمير القطاع.

وترى فتح أنه يجب العمل بجهد من أجل إنجاح الحوار الوطني،  و إنهاء الانقسام ، وتشكيل حكومة توافق وطني تقوم بتنظيم انتخابات رئاسية و تشريعية ، و توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية،  و الإفراج عن المعتقلين.

 

وترفض فتح بشدة قيام دولة مستقلة بغزة،  و تدعو  إلي استمرار تمويل السلطة لقطاع غزة ، و إلي ضرورة العمل على تنفيذ الاتفاقية الدولية لمعبر رفح ، و إعادة بناء مطار غزة ، و الميناء في ظل حكومة فلسطينية واحده،  ومن أجل وطن بأكمله و ليس من أجل تمكين دولة مستقلة بغزة ، و تؤكد فتح على ضرورة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع مصر و التعاون معها و التنسيق الأمني و الاقتصادي ، وضمان فتح معبر رفح و اطلاق مشاريع اعادة الاعمار. و يدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية الانقسام الفلسطيني و حصار غزة  على مدى اهتمام فتح بقطاع غزة، وعدم تخليها عنه،  وقلقها الشديد من أن تنفصل غزة كليا عن الضفة الغربية مما يؤثر سلباً على مستقبل الدولة الفلسطينية المستقلة.

و تعتبر فتح أن الوحدة الوطنية الشاملة،  تكمن في تحقيق وحدة الشعب في غزة و الضفة و القدس، و أراضي 48، و الشتات، مما يدل على أن فتح لن تتخلى عن دعم فلسطيني 48 و فلسطيني الشتات على الرغم من أنهم  يحملون جنسية أخرى غير الجنسية الفلسطينية.

وتدرك فتح أن هناك بروز لتيارات و أحزاب فلسطينية جديدة ، و ترحب فتح بها تحت منطلق احترامها  للتعددية و الديمقراطية،  لذا ترى الحركة أنه من الضروري تأسيس قاعدة للتعايش مع هذه القوى في إطار الشراكة المنضبطة ، وهنا أعتقد أن رؤية  فتح للشراكة مع الأحزاب الأخرى،  بأنها يجب أن  تكون منضبطة يدل على رغبة فتح بأن يكون هناك  نوع من التنسيق و التعاون و التوافق بين فتح والأحزاب الفلسطينية  الأخرى،  حتى لا يحدث فوضى سياسية و أمنية في الساحة الفلسطينية،  وحتى يتم توحيد القرار الفلسطيني ، وتغليب مصلحة الوطن عن مصلحة الحزب الواحد. وتعتبر فتح ببرنامجها السياسي  أن من أهم مرجعيات دعم الشراكة مع التيارات الأخرى،  هو التداول السلمي للسلطة ، و الاحتكام إلي صندوق الاقتراع،  و إنشاء محكمة دستورية عليا ، و تحصين المكتسبات السياسية الفلسطينية الايجابية من خلال اعتبار الالتزام بما نصت عليه من تعهدات شرطا حاسما للمشاركة في الحياة السياسية. وهنا نكاد نلمح  قلق فتح من أن تحاول بعض الأحزاب الفلسطينية  إلغاء الانجازات و الاتفاقيات السابقة ،  وتعتبر فتح أن من أهم شروط المشاركة في الحياة السياسية هو احترام الالتزامات السابقة من معاهدات وقوانين.

رابعا : الحفاظ على القدس

تؤكد فتح ببرنامجها السياسي ، أن  القدس هي عاصمة فلسطين الأبدية ، وترفض رفضا قاطعا عملية تهويد القدس،  أو اعتبار القدس بمثابة  عاصمة لدولتين ، و تعتبر فتح القدس بأنها مصدر لصدام خطير يهدد السلام العالمي و النظام الدولي . و يدل ذلك الطرح على أن فتح تريد تدويل ملف القدس، وربط عدم حسم قضية القدس بالأمن العالمي، لأنه في حال تم إعلان القدس كعاصمة لدولة إسرائيل،  سيثير ذلك غضب و احتقان الجماعات الإسلامية المتطرفة،  مما سيهدد مستقبل السلام العالمي.

وتطالب فتح بضرورة دعم أهل القدس ، و تقديم لهم تسهيلات و خدمات أساسية لتعزيز صمودهم،  و الحفاظ على هويتهم الوطنية ، و بضرورة إنشاء صندوق خاص باسم القدس يستقبل التبرعات المحلية و الإقليمية و الدولية ، و تعزيز دور مراكز الأبحاث المقدسية  في إصدار مواد اعلامية ودراسات عن مدينة القدس والعمل على تفعيل مفوضية القدس الحركية و اعتبارها مرجعية فتح لشئون القدس.

خامسا )  مهام الحكومة الفلسطينية

تنظر فتح للسلطة الفلسطينية كجسم مستقل عن الحركة ، و تعتقد أنها  باستطاعتها التأثير عليها بهدف تحويل  تلك السلطة تدريجيا إلي مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة ، و يدل هذا الطرح على أن فتح تعتبر السلطة مؤسسه مؤقتة ، وهي مجرد مرحلة  أولية في تأسيس الدولة الفلسطينية ومؤسساتها. وتؤكد فتح على ضرورة الالتزام بالتداول السلمي للسلطة ،  وضرورة العمل على بناء أجهزة أمن السلطة على أسس وطنية ومهنية، و الحفاظ على الدستور و القوانين ، و تعزيز دور المرأة ، ومنع أشكال التمييز و العنف.  وترى فتح أن من أهم مهامها أيضاً هو السعي على تطوير الاقتصاد الوطني،  ودعم القطاع الخاص ،و صندوق الاستثمار الفلسطيني، و العمل على  استقلال الاقتصاد الفلسطيني  من  الهيمنة الإسرائيلية ، وضرورة توفير شبكة أمان وحماية للفئات الأكثر معاناة في المجتمع ،  ودعم أسر الشهداء و الجرحى و الأسرى و و المعاقين و المعتقلين في سجون إسرائيل و قدامي المجاهدين،  وهنا أعتقد أن إشارة فتح لضرورة دعم السلطة لأهالي الشهداء و للأسرى يأتي كتحدي  فتحاوي للمحاولات الإسرائيلية بالضغط على السلطة الفلسطينية من أجل عدم دفع رواتب الأسرى  ودعم أهالي الشهداء ، و من جانب أخر أعتقد  أن استخدام فتح لكلمة “المجاهدين”  غير مستحب ،  نظرا  لحساسية هذا المصطلح في المجتمع الدولي ، و لسوء  استخدام هذا المسمى وتشويه من قبل الحركات الإرهابية في العالم ، لذا يجب على فتح أن تكون حريصة في استخدامها للمصطلحات اللغوية ،  حتى لا يتم استغلال ذلك من قبل إسرائيل في التحريض عليها عالميا ، و اتهامها بأنها جزء من حركات الجهاد العالمية .

 

سادسا) المهام تجاه الشعب الفلسطيني في الشتات

ترى فتح أن من أهم مهامها تجاه الشعب الفلسطيني في الشتات،  هو  تأييد حق العودة ،  والعمل على  دعم الجاليات الفلسطينية بالخارج ، ودعم كوادرها النضالية والمهنية،  مع ضرورة إشراك الجاليات الفلسطينية بعمليات اتخاذ القرار المتعلقة بالحكومة الفلسطينية ،  وتؤكد فتح ببرنامجها السياسي على ضرورة الدفاع عن فلسطيني الشتات من المخاطر،  خاصة حماية الفلسطينيين المتواجدين بسوريا و العراق و ليبيا. وهنا أعتقد أن على فتح أن تضع ضمن برنامجها السياسي آليات للدفاع عن فلسطيني الشتات  و أن توضح أيضا دورها في التنسيق مع  السفارات الفلسطينية من أجل دعم فلسطيني الشتات وحماية حقوقهم .

سابعا) المهام تجاه الشعب الفلسطيني في أراضي 48

تهتم  أيضاً فتح في برنامجها السياسي بفلسطيني ل48 و تعتبرهم جزء من شعبها الفلسطيني ، وترى فتح أنه يجب دعم فلسطيني ل  48 عن طريق رفض كافة القوانين العنصرية الإسرائيلية ورفض يهودية الدولة. و تطالب فتح  بعقد تحالفات بين القوى الفلسطينية في إسرائيل بما يحصل نسبة من المقاعد البرلمانية في الانتخابات الإسرائيلية توازي نسبة سكان العرب في إسرائيل. ويدل هذا الطرح الفتحاوي لقضية فلسطيني 48 على عدم اعتراف فتح ضمنيا بإسرائيل،  فهي مازالت  تعتبر أراضي 48 جزء من  فلسطين التاريخية التي يمكن استردادها في المستقبل البعيد ، و نلاحظ  أيضا  أن فتح مهتمة جدا في تعزيز علاقاتها  مع أعضاء الكنيست العرب ، و تدعم مسيرتهم الشعبية من أجل التأثير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية  وتوجيها لاختيار حكام إسرائيليين أقل تطرفا.

ثامنا ) المهام تجاه المجتمع الناطق بالعبرية في إسرائيل

تعتقد فتح أن عليها  تطوير خطابا مناسبا للمتحدثين بالعبرية في المجتمع الإسرائيلي،  لتقنعهم بعدالة القضية الفلسطينية ، و بالسلام العادل،  و تحذرهم بأنهم  قد يفقدون  امتيازات دولتهم الإسرائيلية في حال استمر دعهم للقيادات المتطرفة في إسرائيل . لذا ترى فتح أنه من المهم عمل برامج  إذاعية و تلفزيونية  مهنية  باللغة العبرية،  لتوجيه رسائل للشعب الإسرائيلي ،  وضرورة ترجمة أدبيات فتح بالعبرية و الانكليزية ، و نشر إعلانات في إسرائيل ، لإبراز برنامج فتح كبديل ديمقراطي لإسرائيل التي تصفها فتح بالدولة الأبارتهايديه. وهنا أعتقد أن على فتح أن تكون أكثر واقعية  في هذا الطرح ،  حث لا يمكن أن يقبل الشعب الإسرائيلي،  ببرنامج فلسطيني كبديل عن برنامج حكومته الإسرائيلية ،  حتى لو كان هذا البرنامج ديمقراطياً ، لذا من الأفضل لفتح عدم تقديم  برنامجها للإسرائيليين كبديل لبرامج حكوماتهم ، بل يجب  المحاولة فقط في إقناع الإسرائيليين ،  بأن فتح هي الشريك الأفضل للسلام العادل معهم.

تاسعا) مهام الحراك الخارجي: تفعيل العمل العربي و الاصرار على استقلال القرار الوطني الفلسطيني  

و تسعى فتح ضمن برنامجها السياسي المقدم في المؤتمر السابع، للعمل المكثف ثنائياً مع العرب، لكي تطالبهم بالتزامهم بعدم التطبيع مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال، و ذلك بناءً على مبادرة السلام العربية. و يدل ذلك السعي على شعور فتح بالقلق من محاولات إسرائيل السرية و العلنية للتطبيع مع بعض الدول العربية، لذا أرادت فتح أن تُذكر العرب بضرورة الالتزام ببنود مبادرة السلام العربية، وعدم التعاون مع إسرائيل قبل إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية على حدود 1967. وترى فتح أنه من الضروري إعادة تشكيل لجان الدعم و المساندة الشعبية العربية لدعم كفاح الشعب الفلسطيني،  و تسعى فتح  لتوثيق علاقتها الثنائية مع بعض الدول العربية لأهميتها الإستراتيجية وموقعها الجغرافي ، ولدورها التاريخي في دعم الشعب الفلسطيني مثل  مصر والأردن و سوريا و لبنان والسعودية و تونس والجزائر ودول الخليج واليمن و العراق السودان وليبيا و موريتانيا والصومال. و ركزت  فتح على أهمية  المحافظة على استقلال القرار الوطني الفلسطيني ورفض سياسة المحاور في الوطن العربي، و الحفاظ على مسافات متساوية مع العرب.  وهذا يدل على رفض فتح لأي تدخل عربي في سياستها الداخلية ،  وفي نفس الوقت رفضها أيضاً التدخل بالصراعات العربية ، و التزامها  الحياد تجاه أي دولة عربية ، خاصة في ظل  حالة الانقسامات  العربية ،  مثل الصراع الدائر بسوريا و الحرب بين اليمن والسعودية.

عاشرا) مهام العلاقات الدولية

أما بالنسبة لنظرة فتح للعلاقات الدولية، فهي تركز على ضرورة تعريف العالم بحركتها على أنها حركة تحرر وطني ، و تنتمي إلي قوى التحرر العالمية.  و ترى فتح أن من أهم مهامها الأساسية في مجال العلاقات الدولية هو التعاون مع الأحزاب و القوى السياسية في العالم للترويج لحركة فتح كحركة تحرر وطني. و تؤكد فتح انضمامها للحركة الاشتراكية الدولية ، وهنا نجد إعلان صريح  لفتح  حول  انتمائها للحركات اليسارية الدولية وتأييدها للاشتراكية . وترى فتح أنه يجب عليها تعزيز علاقاتها  مع المنظمات الغير حكومية  والحقوقية من أجل حشد الدعم الدولي ضد الاستيطان الإسرائيلي و حث شعوب العالم على مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، مما يدل على أن فتح لا تريد أن تقاطع  جميع المنتجات الإسرائيلية،  بل فقط  منتجات المستوطنات حتى لا يتم اتهامها  ب “لا سامية” . و تركز فتح على ضرورة توثيق علاقتها  مع منظمات الأمم المتحدة ، ومجلس الأمن،  و المحكمة الجنائية ، و لجنة حقوق الإنسان،  و العمل أيضا على توطيد علاقتها مع روسيا و الصين و الاتحاد الأوروبي و إفريقيا و أسيا،  مما يدل على رغبة فتح بتدويل القضية الفلسطينية ، و التخلص من الرعاية الأمريكية لملف المفاوضات.

و أخيراً ، تؤكد فتح ضمن برنامجها السياسي ، نبذها للإرهاب و التطرف و اهتمامها بتوقيع  فلسطين لاتفاقية منع التسلح النووي ، ويدل ذلك الاهتمام الفتحاوي بقضية التسلح النووي على نية فتح التحريض ضد برنامج إسرائيل النووي من خلال انضمامها للحملة العالمية المناهضة للتسلح النووي،  وهذا يعتبر تطور كبير في مستوى طموح أعضاء الحركة.

 

  • التعليقات الختامية والتوصيات:

بعد الاطلاع على أهم فصول البرنامج السياسي لحركة فتح المقدم خلال المؤتمر السابع للحركة،  و بعد تحليل أهم بنوده ، نستطيع القول أن فتح مازالت متمسكة بأهم الثوابت الوطنية المتمثلة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، و الحصول على دولة مستقلة في حدود 1967 و عاصمتها القدس، و عودة اللاجئين وتعويضهم ، ورفض يهودية الدولة الإسرائيلية.

ونلاحظ أيضاً اهتمام فتحاوي كبير في قضية الوحدة الوطنية ، و حرص فتحاوي شديد لإنهاء الانقسام الفلسطيني بأسرع وقت ممكن،  لما يشكله  هذا الانقسام من خطر وتهديد كبير لمشروع فتح التحرري الوطني ، و نجد  أن فتح تُولي أيضا اهتمام كبير لقطاع غزة ، و تعتبره جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية، ولكنها  تشعر بالإحباط من تعرقل محادثات المصالحة بينها وبين حركة حماس،  التي تعتبرها فتح المسئولة الأولى عن الانقسام الفلسطيني.

و من خلال قراءة البرنامج السياسي لحركة فتح ، نستشعر  مدى جدية حركة فتح بعمل إصلاحات داخلية بالحركة، ومحاسبة الفساد ، و تطبيق معايير الشفافية من أجل تقوية الحركة، و توحيد الصف الفتحاوي ، مما يدل على أن فتح بدأت بالفعل عمل تقييم داخلي لأهم نقاط قوتها وضعفها من أجل الاستمرار في مشروعها التحرري الوطني.

و بعد الاطلاع على أشكال النضال الذي تتمسك به فتح ، نلاحظ  أيضاً مدى تأثر فتح الكبير بتجربة التحرر في  جنوب إفريقيا ، حيث تعتبر فتح التجربة الإفريقية في التحرر من الاستعمار و الأبارتهايديه ،  نموذجا ناجحا في المقاومة السلمية يمكن الاحتذاء به و تطبيقه في الساحة الفلسطينية،  للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي.  و يظهر إعجاب فتح في التجربة الإفريقية  باستخدامها المتكرر لمصطلح “الأبارتهايد” ضمن فقرات برنامجها السياسي ، من أجل مقارنة الاحتلال الإسرائيلي بالاستعمار الأوروبي السابق  لجنوب إفريقيا ، الذي كان يميز بين السود و البيض بطريقة عنصرية،  والذي تعتبره فتح مشابها لتصرفات إسرائيل مع الشعب الفلسطيني.

و يتضح بشدة من خلال برنامج فتح السياسي ،  مدى اقتناع حركة فتح بفاعلية النضال السلمي ضد الاحتلال الإسرائيلي ، مثل تنظيم حملات دولية لمقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ، وعمل مسيرات سلمية في القرى الفلسطينية المتاخمة لحدود المستوطنات ، مما يدل على استمرار فتح في نهجها السلمي في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي ، مع عدم إسقاط   حق فتح في الكفاح المسلح الذي تعتبره بمثابة  أداة  مشروعه يكفلها القانون الدولي ، و يمكنها  استخدامه كتكتيك مؤقت مستقبلي وعند الضرورة في حال فشلت الطرق السلمية بالتخلص من الاحتلال الإسرائيلي .

و أرى أيضا أن هناك تطور في فكر الحركة السياسي في مجال العلاقات الدولية،  فيما يتعلق بتوثيق علاقتها الثنائية مع دول العالم ، خاصة مع روسيا ودول الاتحاد الأوروبي و دول أمريكا اللاتينية من أجل حشد أكبر دعم ممكن للقضية الفلسطينية ، و التخلص من الوصاية الأمريكية على ملف مفاوضات السلام. أما بالنسبة لعلاقة فتح بالوطن العربي ، فنلاحظ أن هناك رغبة كبيرة من أعضاء الحركة بالحفاظ على مسافات متساوية من جميع الدول العربية ، وعدم التدخل في الانقسامات العربية ، أو السماح لأي دولة عربية بالتدخل في الشأن الفتحاوي الداخلي للمحافظة على استقلالية حركة فتح.

 

و ختاماً ، أقترح هنا على حركة فتح بعض التوصيات الهامة  التي يمكن أن  تأخذها بعين الاعتبار عند تطويرها لبرامجها السياسية ، مثل ما يلي:

  • من المستحسن لحركة فتح تطوير خطة طوارئ و أزمات وتقديمها ضمن برنامجها السياسي لمعالجة أي طارئ جديد على القضية الفلسطينية و التصرف بأسرع وقت ممكن في وقت الأزمات.
  • من السابق للأوان، إعلان فتح فشل المفاوضات بشكل نهائي ، ومن الأفضل لحركة فتح العمل على حث منظمة التحرير الفلسطينية  على تجديد فريق عمل المفاوضات الفلسطينية وضخ دماء جديدة في قسم المفاوضات التابع لمنظمة التحرير.
  • من الأفضل لفتح عدم حرق جميع جسورها مع الولايات المتحدة الأمريكية و تصنيفها كعدو دائم لها ، لأن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت دولة عظمى و لها ثقلها السياسي في مجلس الأمن وهي لعبت دور إيجابي أثناء فترة حكم الرئيس الأمريكي أوباما،  عندما استنكرت الاستيطان الإسرائيلي و امتنعت عن استخدام حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بوقف الاستيطان قرار رقم (2334)  ، لذا يجب أن لا تفقد حركة فتح الأمل في استقطاب الأحزاب  الأمريكية لصالح القضية الفلسطينية وخاصة الحزب الديمقراطي الأمريكي.
  • من الأفضل لفتح أن تعتمد في خطابها السياسي ، مصطلحات الصراع الدولية والمهنية، مثل مصطلحات  “بناء السلام” ،  و “حل الصراع” و “الخصم” و “طرف الصراع” ، و الابتعاد عن استخدام ألفاظ لغوية صداميه،  تدل على الغضب الشديد و الإحباط مثل  كلمة “العدو”  و “الفاشية” ،  و ذلك حتى لا تفقد فتح التعاطف الدولي معها ،  ويتم اتهامها بتأجيج الصراع وعدم الرغبة في تحقيق السلام العادل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نساء ناجحات و لكن …

فازت بانتخابات الحزب، وبرزت كأقوى النساء في بلادها الإسلامية، حتى أصبحت أول رئيسة وزراء مسلمة تدعمها دول الغرب الكبرى، تحت شعار تمكين المرأة ونشر الديمقراطية، وعندما اغتالها المتمردون، اكتشف مناصري المرأة والديمقراطية، أنها كانت امرأة متسلطة، فقد أورثت حكم الحزب لابنها الأكبر، دون أن توصي بعمل انتخابات ديمقراطية.

انتسبت لإحدى أحزاب المعارضة، وثارت مع الثوار تطالب بالحرية والعدالة والقضاء على الاحتلال، فناضلت وانتفضت وقاطعت، وعند أقرب فرصة لنيل منصب حكومي ما، تنازلت عن مبادئها وتخلت عن ثورتها حتى تحافظ على راتبها الشهري، وأصبحت تتنافس مع غيرها من المدراء في المؤسسات الحكومية، من أجل السفر للمشاركة في مؤتمرات بالخارج على نفقة الدولة.

***

كانت فتاة متمردة تنتقد العادات والتقاليد، وتطالب بحرية المرأة، فتهافت عليها الصحف الغربية من أجل الاستشهاد برأيها حول مدى الاضطهاد الذي تشعر به المرأة العربية في مجتمعها، حتى أصبحت من أشهر الناشطات النسويات بمجتمعها، فتسابق عليها الرجال من أجل صداقتها والتعرف على أفكارها الجريئة، ووقعت بالحب مرارا، وألهمت مشاعر المثقفين من الرجال الذين كانوا بعد أن يعيشوا قصص ثورة الحب معها في زمن القهر السياسي، يتراجعون ويستسلمون لعادات مجتمعهم، فتصبح هي عاشقة لهم ويصبحوا هم أزواجا مثاليين لنساء غيرها.

 فأصبحت تلك الفتاة تعشق سيجارتها، وتصادق فنجان قهوتها، وتقوم بنشر قصص تمردها على الحياة والمجتمع المغلق، عبر فتحة صغيرة محفورة في جدران موقعها الإلكتروني، التي تُعد متنفس صغير من السجن الكبير الذي يحاصر أفكارها المتمردة وأحلامها الثائرة.

***

أصبحت فنانة مشهورة، وتألقت عبر أكبر شاشات السينما العربية، فانجذب إليها كبار رجال الأعمال، وأشهر الأثرياء، وأهدوها أثمن المجوهرات، حتى وقعت في فخ الأجهزة الأمنية الفاسدة ببلادها، الذين فرضوا عليها أن تمثل دور العاشقة مع نجوم السياسة والإعلام، وعندما انتهت صلاحيتها الجمالية، أصابها المرض، وذهب سُلطانها ثم نشرت الصحف خبر انتحارها الغامض.

***

ذهبت لأداء العمرة، لكي تدعو ربها بأن يوفقها في حياتها العملية، ويحمي أبنائها وزوجها من شر حاسد إذا حسد، وعندما عادت إلي بيتها، أسرعت لكي تتفقد بلهفة شديدة بريدها الإلكتروني، وتتابع بنهم كبير الرسائل التي وصلت إليها من مديرها، فقطعت إجازتها وتركت أبنائها، لكي تُثبت نفسها بالعمل أنها موظفة مثالية وذات كفاءة وتستحق الترقية، أصبح الوقت متأخرا، وهي مازالت تعمل بالمكتب وأطفالها ينتظرونها بالبيت، وكانت في كل مرة تتأخر بها عن العودة للمنزل تحاول تُقنع زوجها المخلص أنها مجبرة على الدوام الطويل، من أجل إرضاء مدراء العمل، وتمديد عقد عملها، وبعد أن انتهت فترة المشروع التي تعمل عليه، أرسل لها صاحب العمل رسالة شكر وإنهاء للخدمة، فعادت إلي منزلها لكي تبدأ من جديد، وتبحث عن عمل جديد، لعلها تسترجع مرةً أخرى مجدها المهني.

كانت جميلة ورقيقه مثل النسمة، وابتسم لها الحظ، وتزوجت من رجل مهم، ثم أنجبت الأطفال، وتفوقت بعملها، وحصلت على وظيفة دولية مرموقة، وبمرتب مرتفع، وتهافت أصحاب المصالح للتقرب منها، من أجل نيل مصلحة أو منفعة ما، فاغترت بنفسها، وتجاهلت غيرها من النساء العاديات المحدودات الدخل، وعندما بلغت عمر الستين عاماً، تقاعدت عن عملها، وأصبحت مجرد امرأة عادية، تقضي وقتها بمشاهدة مسلسلات التلفزيون الرمضانية، ولم يرن هاتفها المحمول إلا مرة واحدة بالشهر، فوجدت نفسها معزولة عن عملها الاجتماعي، ولم تجد حولها سوى ذكريات، وروايات ترويها للأحفاد حول إنجازاتها المهنية السابقة، وعن غدر وخداع أصدقاء المصلحة، الذين تخلوا عنها فور انتهاء صلاحية منصبها.

تلك نماذج واقعية لنساء نصادفهن غالبا بحياتنا اليومية، نعتقد أنهن ناجحات ومتميزات وأنهن يتمتعن بحياة أفضل منا ويتمتعن بحظوظ أكثر منا، لكن ليس كل ما يلمع ذهبا! فالنجاح لا يقاس بمدى الشهرة أو حجم الثروة أو التفوق المهني والأكاديمي، النجاح هو مدى قدرة الشخص في المساهمة بخدمة مجتمعه، ونهضة وطنه، بدون انتظار مقابل مادي أو معنوي من أجل الشعور بالرضا عن النفس وتحقيق الذات، والمشاركة في خدمة الإنسانية جمعاء ليشعر بطعم السعادة الحقيقية، التي يمكن أن تتحقق عندما يجد نفسه قادر على التأثير، وأحداث تغيير إيجابي، ليس فقط بمحيط مجتمعه الصغير بل على مستوى المساهمة في تطوير البشرية كلها لصالح الخير والسلام .لذا علينا أن لا ننخدع بالكلمات المتألقة ولا المظاهر الزائفة، فالناس مصالح، والمناصب زائلة، والعبرة في النهايات.

ماذا سيحدث لو أعلن الرئيس عباس قطاع غزة كإقليم متمرد ؟

غزة على وشك الانهيار ، وكارثة إنسانية تلوح في الأفق ، سكان منهكون من البطالة و الفقر، مياه ملوثة ، بيوت مظلمة ، مؤسسات حكومية شبة مفلسة ، اقتصاد منهار ، و حياة تكاد أن تكون شبه مستحيلة للفقراء و المحتاجين ، أما المرضى المهمشين فحدث و لا حرج فهم محكوم عليهم مسبقا بالإعدام بسبب الإهمال والحصار.

في غزة بالفعل يوجد حياة أقل ما تستطيع وصفها بأنها مأساوية، فقد شهد القطاع في العشر السنوات الأخيرة ، منذ بداية الانقسام الفلسطيني تحول طبقي خطير ، ذابت من خلاله الطبقة الاجتماعية الوسطى التي تحولت مع طول فترة الانقسام إلي طبقة فقيرة هشة ، فانقسم المجتمع الغزي إلي طبقتين متناقضتين تماما ؛ طبقة الفقراء الذي يعتمدون على المساعدات الإنسانية و الرواتب الضئيلة المقدمة لموظفي السلطة البسطاء، و طبقة أخرى برجوازية انتعشت من تجارة الحصار و الأسواق السوداء.

وهذا الانقسام الطبقي الخطير ، سيكون له بالطبع تداعيات خطيرة على مستقبل قطاع غزة، و سينعكس سلبا على مستوى استقرار الأمن فيه ، فهناك احتمال كبير أن يكون هناك ثورة جياع في حال لم يتم إيجاد حل إنساني و سياسي للمشاكل الحياتية لسكان القطاع.

فقد بدأت كرة الثلج بالتدحرج منذ أول عام في الإنقسام الفلسطيني، و لا أحد يستطيع أن يتجاهل احتمالية انفجار تلك الكرة الضخمة في وجه الجميع ، فالسؤال الرئيس الآن ، ليس هو هل ستنفجر الكرة أم لا ؟ بل هو ، متى ستنفجر تلك الكرة ؟

وفي ظل تكرار الأزمات المتعددة التي يختبرها قطاع غزة ، وتوارد الأنباء العاجلة عبر وسائل الإعلام عن خطط الرئيس عباس، لخصم رواتب موظفي السلطة تارةً، وعن إرسال وفود فتحاوية لحماس لكي تطالبها بتسليم قطاع غزة للرئيس تارةً أخرى.

لا يمكننا تجاهل هذه الإشارات الكبيرة لتلك الأزمات و الأنباء، حول ما ينتظر قطاع غزة بالفعل من مخطط سياسي خطير يكمن بإعلان الرئيس عباس ، قطاع غزة كإقليم متمرد ، وذلك في حال رفضت حركة حماس حل اللجنة الإدارية و التنازل بشكل كامل عن إدارة قطاع غزة، و تسليم مفاتيحه للسلطة الفلسطينية برام الله.

وعندما نتحدث عن إمكانية إعلان قطاع غزة كإقليم متمرد ، لا أقصد هنا عملية خصم نسبي من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، أو تخلي جزئي من السلطة الفلسطينية عن مسئولية دفع بعض نفقات القطاع ، بل أقصد بالإقليم المتمرد ، هو انفصال تام بين الضفة الغربية و قطاع غزة ، و عدم التزام كامل من قبل السلطة الفلسطينية بتحمل نفقات جميع القطاعات الصحية و التعليمية و الاقتصادية و المدنية ، مع وقف التحويلات المالية للقطاع، و امتناع السلطة بشكل رسمي عن دفع رواتب الموظفين بغزة.

لذا يستدعي الأمر تقديم نظرة استشرافية مختصرة لما ستؤول إليه الأوضاع السياسية و الأمنية بقطاع غزة ، في حال أعلن الرئيس عباس بشكل رسمي غزة كإقليم متمرد.

و بناءً على ذلك، أتوقع في هذا المقال، أكثر السيناريوهات المحتمل حدوثها، في حال تخلت السلطة الفلسطينية رسمياً عن قطاع غزة وهي ما يلي:

السيناريو الأول: حكم مشدد وسياسة تقشفية
إن أول سيناريو قد يحدث في حال أعلن الرئيس عباس غزة كإقليم متمرد، هو قبول حركة حماس بهذا التحدي الكبير في تحمل مسئولية القطاع لوحدها و بشكل كامل، مع تمسك الحركة بحقها الكامل في إدارة كافة المؤسسات الحكومية بغزة عن طريق اللجنة الإدارية ، بالإضافة إلي فرض سيطرة أمنية مشددة على القطاع، من أجل منع حدوث أي فلتان أمني بالشارع الغزي والتصدي لأية محاولة اختراق أمنية أو ثورة شبابية، قد تُخلخل من قدرة حركة حماس من السيطرة على القطاع ، و تعيق استعداد الحركة من بناء قدراتها العسكرية من أجل الاستعداد لمعركة التحرير الكبرى حسب منظور قيادة حماس و التي أسموها معركة “وعد الآخرة”.

و أعتقد هنا أن حركة حماس بالفعل، مستعدة لهذا السيناريو، و يظهر ذلك جلياً من خلال تصريحات قيادتها السياسية ، و طريقة ردهم على تهديدات الرئيس المتعلقة بتسليم القطاع للسلطة فقد أعلن مؤخرا النائب عن حركة حماس، مشير المصري خلال كلمه له في مؤتمر “بكفي حصار” ، أن حركة حماس لديها خطة معالجة لأي إجراء يتخذه الرئيس عباس تجاه الانفصال عن غزة.

ومن خلال هذا السيناريو ، أتوقع أيضا، أن تقوم حماس بتطبيق سياسة اقتصادية تقشفية تكمن بتقليص مصاريف الكهرباء و المياه و الوقود، و بزيادة نسبة الضرائب على أعضاء القطاع الخاص ، مع رفع قيمة الرسوم و المعاملات الرسمية في المؤسسات الحكومية ، من أجل زيادة نسبة العوائد المالية ، ليتم تغطية نفقات القطاع.

و أتوقع أيضا أن حماس ستمارس سياسة دبلوماسية مدروسة جيداً مع مؤسسات المجتمع المدني العاملة بقطاع غزة ، لتشجعهم على توفير مساعدات إنسانية للطبقة المحتاجة في غزة، مما قد يخفف عن عاتق الحركة عبء مسئولية تقديم مساعدات للفقراء.

السيناريو الثاني: كارثة إنسانية و تدخل دولي عاجل
وهنا أتوقع في هذا السيناريو، أن تستمر حركة حماس بتغطية فقط رواتب موظفيها ، و عدم تحمل مسئولية رواتب موظفي السلطة الفلسطينية القدامى، في حال تم قطع الراتب عنهم بشكل كامل، و ربما تعلن حماس أيضا عن عجزها لدفع نفقات الكهرباء ، و المياه و الصحة و التعليم ، مما سيؤدي إلي حدوث كارثة إنسانية كبيرة بالقطاع و إعلان حالة الطوارئ و طلب استغاثة عاجلة لمساعدات إنسانية من دول العالم، عن طريق مناشدات إنسانية تطلقها مؤسسات المجتمع المدني، التي ستلعب دور كبير في استقطاب المساعدات الدولية لقطاع غزة ، الأمر الذي سيؤدي إلي انتعاش حركات التضامن الدولية لفك الحصار عن غزة ، شبيهاً بما كان يحدث خلال الفعاليات السابقة لسفن الحرية.
و لا أستبعد هنا حدوث تدخل قطري و تركي لدعم قطاع غزة للاستمرار في الحياة، وربما يتدخل أيضاً القيادي محمد دحلان خلال حدوث تلك الأزمة الانسانية ، ويقوم بتقديم مساعدته ودعمه لحركة حماس، عن طريق التوسط بينها وبين مصر من أجل فتح معبر رفح البري و إدخال المساعدات الإنسانية للقطاع.

السيناريو الثالث: حرب مشتعلة ودمار شامل
أما السيناريو الثالث، وهو يمكن أن يحدث في حال قامت إسرائيل باستغلال فرصة إعلان الرئيس قطاع غزة كإقليم متمرد، و قامت حينئذ بإغلاق المعابر التجارية الإسرائيلية ، و منعت المواد الرئيسة للدخول إلي قطاع غزة، و أوقفت التحويلات المالية ، مما سيؤدي إلي فشل كبير لسياسة حماس التقشفية، بسبب تضييق الخناق أكثر على الحركة، وهنا يُصبح القطاع على حافة الانفجار ، الأمر الذي سيشعل غضب قيادة حماس العسكرية و يجعلهم يطالبون بضرورة الانتقام من إسرائيل، وفي نفس الوقت العمل على لفت انتباه العالم من جديد حول الكارثة الإنسانية بقطاع غزة ، وذلك عن طريق التصادم مباشرة مع قوات الجيش الإسرائيلي، في حرب جديدة محدودة، قد تُعيد أنظار العالم إلي قطاع غزة مرةً أخرى ، وتعاقب إسرائيل على سياسة حصارها المشدد للقطاع حسب مفهوم  قيادة حركة حماس.

و أستبعد هنا، حدوث هذا السيناريو، لأنني أرى أن إسرائيل غير معنية بالتورط في حرب جديدة على غزة، لما تُشكله تلك الحرب من تكلفة اقتصادية باهظة، و خسائر مادية كبيرة للإسرائيليين.

لذا أتوقع أن تقوم إسرائيل بزيادة التسهيلات الاقتصادية للقطاع، في حال شعرت الحكومة الإسرائيلية أن قطاع غزة أوشك بالفعل على الانفجار، متبعةً بذلك سياسة ” تنفيس القنبلة ” قبل تفجيرها ، وذلك للحيلولة من وقوع أية حروب جديدة، بالرغم من استعداد جيشها لأي اجتياح جديد للقطاع.

لكن يمكننا القول، أنه في حال فقدت حركة حماس الأمل، بسبب اشتداد أزمة القطاع، و زيادة الحصار الإسرائيلي عليها ، و تورطت حماس بالفعل في حرب أخرى ضد إسرائيل، بشكل عشوائي، و دون استعداد عسكري جيد، و أصبح هناك دمار شامل لمنشآت القطاع.

أتوقع هنا أن الأمور السياسية و الأمنية في قطاع غزة، قد تنقلب رأساً على عقب ، حيث لا أستبعد أبداً، أن تستغل إسرائيل تلك الحرب العشوائية الجديدة الغير مخطط لها جيداً ، من أجل محاولة إنهاء حكم حركة حماس، و تجريد القطاع من السلاح، و من ثم احتلال قطاع غزة بشكل مؤقت ، لحين يتثنى الوقت المناسب لإسرائيل لتسليم القطاع لقوات دولية، مثل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وهنا سيكون دور تلك القوات الدولية هو إدارة شئون القطاع لفترة قصيرة، وبعدها قد تدعو تلك القوات الدولية الفلسطينيين لتشكيل لجنة وطنية فلسطينية مؤقتة ، لكي تقود المرحلة الانتقالية بالقطاع ، و لكي تُجهز لانتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، لتبدأ بعد تلك المرحلة الانتقالية ،حقبة سياسية جديدة في غزة،لا تشمل بالضرورة أعضاء حركات المقاومة الإسلامية حسب الخطة الإسرائيلية.

ولابد من الإشارة ، أن هذا السيناريو تم تصوره بناءً على تحليلي السياسي لتصريحات القادة الإسرائيليين، التي يتم تداولها عبر وسائل الإعلام العبرية ، حيث صرح ليبرمان، عدة مرات في الصحف الإسرائيلية ، أن أية حرب قادمة على غزة، ستكون حاسمة وستهدف لإسقاط حكم حماس ، و قد ناقش نتاياهو سابقا في شهر فبراير ،2017 ، خلال لقاءه مع وزيرة الخارجية الاسترالية جولي بيشوب، فكرة جلب قوات دولية للقطاع .

لذا ليس مستبعدا، أن تكون إسرائيل قد فكرت بالفعل بهذا السيناريو الخطير، ولكنها ربما تنتظر الفرصة المناسبة لتطبيق مخططها الشبه معلن لتغيير نظام الحكم بغزة، و القضاء على حركات المقاومة المسلحة.

ويعتمد مدى إمكانية تطبيق هذا المخطط الإسرائيلي من عدمه ، على مدى الاستعداد العسكري لحركة حماس و حركات المقاومة الأخرى لمواجهة إسرائيل ، وعلى مدى قبول الأمم المتحدة للخوض بمغامرة جديدة في قطاع غزة ، و إرسال قواتها الدولية للقطاع بعد انتهاء المعركة المقبلة.

السيناريو الرابع: تمرد وجماعات متطرفة
وهذا السيناريو، يمكن أن يحدث فقط في حال فشلت حركة حماس بفرض سيطرتها الأمنية على قطاع غزة، بسبب الفقر و البطالة و انقطاع الكهرباء و إغلاق الحدود، أو بسبب احتمال وقف الدعم المالي الكامل لحركة حماس، وعجزها عن تمويل رواتب أعضائها بشكل دوري.

حينئذ ربما يحدث انشقاق جزئي في صفوف الحركة، وتمرد داخلي من قبل بعض أعضائها ، مما قد يؤدي إلي نشأة حركات تمردية سرية ، تهدف للانقلاب على حكم حركة حماس و تقوم بتشكيل مجموعات مسلحة متطرفة ، من أجل السيطرة على القطاع بشكل تدريجي، الأمر الذي سيؤدي إلي إغراق قطاع غزة في دوامة عنف خطيرة وفوضى أمنية كبيرة.

و لكن أعتقد هنا، أن نسبة حدوث هذا السيناريو تُعتبر ضئيلة جداً ، لأن حركة حماس معروفه بقوة تنظيمها الداخلي، و بإخلاص أعضائها لفكر الحركة الإسلامي، الذي يدعو إلي الالتزام بمبادئ السمع و الطاعة للقائد ، فقد تتلمذ معظم أعضاء حركة حماس منذ نعومة أظافرهم على أيدي أئمة مساجد الحركة، الذين غرسوا في نفوس عناصر حماس منذ طفولتهم ، قوة الإيمان بالجهاد في سبيل الله، و الصبر على الابتلاء و المحن ، لذا من الصعب، أن يحدث تمرد كبير داخل الحركة ، لكن كل شيء متوقع في هذا الزمن ، خاصةً في حال عجزت الحركة عن دفع نفقات أعضائها، و عجزت عن متابعة ورقابة تصرفات و سلوكيات عناصرها.

و بعد عرض تلك السيناريوهات الأربعة، أتمنى أن لا تتدهور أوضاع القطاع بشكل مأساوي يضر بمصلحة السكان المدنيين بالقطاع، و أتمنى أيضاً أن تنتهي الحالة المزرية للانقسام الفلسطيني، التي باتت تشكل خطر كبير على القضية الفلسطينية، و تقضي على حلم الدولة المستقلة.

و أخيراً، لابد من القول، أن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير ، فالسياسة متقلبة، و لا يوجد بها مسلمات، وفي عصرنا هذا كل شيء محتمل و قابل للحدوث ، لذا لا أحد يستطيع أن يتنبأ بشكل مؤكد ماذا ينتظر القضية الفلسطينية من مفاجآت ، و أحداث جديدة، قد تقلب موازين القوى في الساحة الفلسطينية.

لذا مهما تغيرت الظروف السياسية، وتبدلت الأمور الأمنية، يجب أن تكون أهدافنا الأولية و النهائية كفلسطينيين، هو الحفاظ على الوحدة الوطنية و التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وبناء دولتنا الفلسطينية المستقلة.

الدوافع الأمنية الإسرائيلية لقضية الاستيطان

منذ عدة عقود زمنية و إسرائيل منهمكة ببناء مستوطناتها في كل من القدس و الضفة الغربية تحت شعار حق اليهود في أرض فلسطين ، مما زاد من حدة الصراع و تأزم الأوضاع السياسية و الأمنية بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، وجعل الفلسطينيين يشعرون باليأس و الإحباط و بفقد الثقة بتصريحات القادة الإسرائيليين الذين يصرحون دوماً لوسائل الإعلام العربية و الغربية ، أنهم يرغبون بالسلام مع الفلسطينيين ، لكن عند الرجوع إلي أرض الواقع و الإطلاع على الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان ، يجد معظم الفلسطينيون أن تلك التصريحات الإسرائيلية متناقضة مع الواقع ولا يتم تطبيقها بشكل فعلي و حقيقي ، حيث مازالت إسرائيل مستمرة بتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية ، ومازالت ترفض التخلي عن سياستها الاستيطانية ، مما يعيق الطريق أمام الفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة بكل حرية و بدون أي اختراق لسيادتها من قبل إسرائيل.
وتجدر الإشارة ، أنه عندما يتم طرح سؤال على أي مسئول إسرائيلي عبر وسائل الإعلام ، عن سبب تمسك إسرائيل بالاستيطان ، ورفضها المتواصل لتفكيك المستوطنات المتواجدة في كل من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية ، يجيب هذا المسئول الإسرائيلي ، بأن تلك المستوطنات الإسرائيلية ليست العائق الوحيد أمام السلام ، و أنه وقد سبق لإسرائيل و أن انسحبت من قطاع غزة خلال عام 2005 ، ولكن ذلك الانسحاب انعكس سلبيا على أمن الشعب الإسرائيلي ، لأن حماس سيطرت على قطاع غزة ، ومن ثم بدأت صواريخ المقاومة الفلسطينية تنطلق بشكل مكثف تجاه المدن الإسرائيلية الواقعة ضمن غلاف غزة. لذا تتخذ إسرائيل من تجربتها السابقة في قطاع غزة، ذريعة كبرى لعدم تفكيك مستوطناتها في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت شعار الخوف من أن تتحول الضفة الغربية إلي غزة أخرى ، مما يجعلها تتهرب من مسئوليتها الكبيرة بالانسحاب الكامل من أراضي الضفة الغربية.
أما بالنسبة للقادة و المسئولين الفلسطينيين، فيرى معظمهم ، أن تلك التبريرات الإسرائيلية حول المستوطنات ، هي مجرد حجج واهية و غير مقنعه ، و مجرد ذريعة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.
و أرى هنا ، أن من أهم أسباب تمسك إسرائيل في الاستيطان، لا يعود لأسباب دينية توراتية كما يروج البعض لذلك ، حتى و إن أعلنت إسرائيل مراراً عن تمسكها بيهودية دولتها، إلا و أنني أعتقد أن إسرائيل مازالت تعتبر نفسها بمثابة دولة علمانية ، حيث أن بطاقات هوية مواطنيها ، لا يوجد بها أي بند يتعلق بنوع الديانة ، إضافةً لذلك ، فإن أغلب القوانين المدنية الإسرائيلية التي يعتمدها القضاء الإسرائيلي هي قوانين معظمها مشتقه من قوانين علمانية مصدرها كل من بريطانيا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن الملفت للنظر أيضاً ، أنه يوجد عدد كبير من المستوطنين العلمانيين الذين يسيطرون على عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية ، لذا نستطيع القول، أن الدين ليس هو الدافع الأساسي لاستمرار إسرائيل في استيطانها للأراضي الفلسطينية ، بل هناك أسباب أخطر و أعمق من ذلك، تجعل إسرائيل تشتعل غضباً، عندما تسمع أن هناك استنكار دولي للاستيطان و أن هناك مطالبات جدية لتفكيك مستوطناتها في كل من القدس الشرقية و الضفة الغربية ، خاصة في منطقة غور الأردن.
و بناءً على تحليلي لطبيعة و أهداف تلك المستوطنات الإسرائيلية، أعتقد أن من بعض الأسباب الحقيقية من خلف بناء تلك المستوطنات، تتمثل في أسباب إستراتيجية و أمنية بحتة تتلخص ضمن مما يلي:
أولاً) فرض واقع قسري و حدود مؤقتة على الفلسطينيين
تجدر الإشارة، أن عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية يبلغ نحو (251) بؤرة استيطانية ، حسب بعض الإحصائيات الصادرة من هيئة مقاومة الجدار و الاستيطان .
و تربط إسرائيل عادة تلك البؤر الاستيطانية عن طريق شارع رئيس وهو شارع رقم (60 ) من أجل ترسيخ شريط حدودي إسرائيلي بواسطة جدار استيطاني يعزل ما بين مدن الخط الأخضر و الضفة الغربية، و بذلك تكون إسرائيل قد شكلت لنفسها حدود ديمغرافية تفصلها عن الفلسطينيين ، الأمر الذي يجعل إسرائيل بأن تقوم بفرض و بشكل قصري واقع أمني جديد و حدود مؤقتة للدولة الفلسطينية المستقبلية حسب الرؤية الإسرائيلية ، وذلك بعد اقتطاع تلك المستوطنات لأجزاء من الأراضي الفلسطينية، تبلغ نسبتها نحو ( 1.2 %) من مساحة الضفة الغربية، مع سيطرتها بطريقة غير مباشرة عل نحو ( 40%) من مجمل أراضي الضفة الغربية ، عبر الطرق الالتفافية الاستيطانية و الجدار العازل و الحواجز العسكرية الإسرائيلية .
وبناءً على تلك المعطيات ، تبقى المستوطنات الإسرائيلية كعثرة كبيرة للتواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية و كعائق حدودي استراتيجي أمام الفلسطينيين لتوسيع دولتهم الفلسطينية و للتمدد مستقبلا، بالإضافة لعدم وجود أية ضمانات إسرائيلية بعدم اختراق السيادة الفلسطينية في المستقبل.
ثانياً) حصانة أمنية ضد أي محاولة اختراق عربية للحدود
مازالت تعتبر إسرائيل منطقة غور الأردن منطقة حدودية هامة وخطيرة، فهي تشكل بوابة شرقية للدول العربية للدخول إلي الأراضي الفلسطينية عبر الحدود الأردنية المتاخمة لغور الأردن ، فقد سبق و عبرت الجيوش العربية من خلال منطقة غور الأردن للأراضي الفلسطينية أثناء محاربتها لإسرائيل في عام 1967.
لذا بعد نكسة عام 1967 ، نفذت حكومة حزب العمل الإسرائيلية ، خطة ألون الاستعمارية ، التي تتمثل بإنشاء شبكة من المستوطنات العسكرية في منطقة غور الأردن ، وذلك حتى تكون تلك المستوطنات بمثابة حصانة أمنية إسرائيلية و بوابة عسكرية مغلقة أمام أية محاولات لاقتحام الحدود الفلسطينية المشتركة مع الأردن من قبل جيوش الدول العربية ، فبغض النظر عن توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام مع كل من الأردن ومصر ، إلا و أن الإسرائيليين مازالوا لا يثقون بالعرب و يفكرون بشكل استراتيجي في حماية حدودهم المشتركة مع الفلسطينيين ، عن طريق إنشاء تلك الكتل الاستيطانية التي توفر الدعم العسكري و الأمني لقوات حرس الحدود الإسرائيلية المتواجدة في منطقة غور الأردن.
ثالثاً) عزل الشعب الفلسطيني جغرافيا عن القدس العاصمة
حسب الكاتب الإسرائيلي بنيامين شوارتز ، الذي نشر مقال باللغة الانجليزية بعنوان الأسباب المنطقية للاستيطان ، فإن من الأسباب الرئيسة لتأسيس وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم في القدس ، هو أن شارون أراد أن يُبعد الفلسطينيين في الضفة الغربية من الاقتراب من شارع ( 60 ) ، و أراد في نفس الوقت أن يعزل فلسطيني الضفة الغربية جغرافياً عن القدس، و يضع حاجز بينهم وبين سكان القدس ، لذا تم اقتطاع مساحات شاسعة من أراضي بلدة أبو ديس ، تبلغ نحو(50) ألف دونما لبناء وتوسيع تلك المستوطنة لكي تكون بمثابة فاصل ديمغرافي كبير ، يحد من التواصل بشكل قسري بين سكان الضفة الغربية و القدس ، مما يمزق الحلم الفلسطيني بإعلان القدس الشرقية كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.
رابعاً) نقاط أمنية و مراكز لجمع معلومات استخبارتية
و من الأسباب الأخرى لوجود المستوطنات في الضفة الغربية ، هو أن تلك المستوطنات يتم استخدامها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كنقاط أمنية لاستقبال العملاء الذين يتعاونون مع إسرائيل في الضفة الغربية ، حيث أن اختراق المستوطنات الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية ، يوفر بيئة أمنة للتواصل و لالتقاء مسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع عملائهم العرب . و تعتبر أيضاً تلك المستوطنات كأماكن أمنية هامة لاختراق الحياة الفلسطينية الخاصة بشكل يومي من أجل جمع معلومات دورية عن أنشطة عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لذا بكل بساطة لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عن وسيلة رئيسة و إستراتيجية تخدمها في مجال عملها الاستخباراتي و الأمني.
و أخيراً ، بعد عرض مختصر للأسباب الأمنية و العسكرية ، من وراء استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية و القدس الشرقية ، لابد من القول أن إسرائيل تعتبر المستوطنات بمثابة سلاح استراتيجي ديمغرافي ، تواجه به الفلسطينيين و العرب سويا ، وهذا يفسر سبب فشل جميع مفاوضات السلام بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، لأن إسرائيل تعتقد أن أمنها القومي هو فوق كل الاعتبارات الأخرى ، وهي حسب تصريحات قياداتها ، لا تؤمن إسرائيل بالسلام المبني على حسن النوايا ، بل بالسلام الأمني الذي يؤمن حدودها ويضمن بقاء دولتها للأبد دون التعرض لأية تهديدات خارجية. فإسرائيل بالأساس هي دولة أمنية وعسكرية، و منطلقات تأسيسها جاءت بناء على حاجة أمنية لتوفير وطن أمن ليهود العالم على حساب الفلسطينيين، بعد أن تم استهداف هؤلاء اليهود من قبل النازية الألمانية ، لذا يعتبر الأمن عند إسرائيل حجر الأساس في بناء دولتهم العبرية.
و بناءً على ذلك التصنيف الأمني لإسرائيل، أعتقد أن على المفاوض الفلسطيني أن يدرس بدقة وجدية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، و أن يحاول الفهم بشكل جيد ومعمق ، العقلية و السيكولوجية الأمنية للطرف الإسرائيلي ، لكي يستطيع التفاوض معه بشكل عقلاني و منطقي حول أي موضوع يتعلق بالأرض و الأمن معا.
و أعتقد أيضا ، أن فريق التفاوض الفلسطيني ، يجب أن لا يشمل فقط خبراء فلسطينيين يحملون الشهادات العليا في الدبلوماسية و علم المفاوضات، بل يجب أن يشمل هذا الفريق أيضاً ، خبراء أمن و ضباط عسكريين فلسطينيين، لكي يستطيعوا تقديم ردود أمنية بحتة تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني ، وتمكنهم من التصدي لأي حجة إسرائيلية تتهرب من خلالها عن مناقشة موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية ، وحسم الحدود النهائية للدولتين وذلك تحت ذريعة أمن إسرائيل ونظريتها في الدفاع عن النفس.
فالسياسة بشكل عام و المفاوضات بشكل خاص ، هما علم كبير ، و ليس مجرد حوارات ونقاشات تدور حول دائرة مستديرة ، بل هي حسابات أمنية وعسكرية، يجب أن يقوم بها خبراء أمن استراتيجي، لديهم رؤية أمنية خاصة تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية، وكيفية رسم حدودها بشكل دقيق يضمن سيادة الدولة الفلسطينية ، ويضمن عدم اختراقها من قبل الجيش الإسرائيلي في أي وقت .
وهنا لابد من الإشارة أن الفلسطينيين يتعاملون مع دولة أمنية ومتفوقة عسكرية ، تُصدر أسلحتها التكنولوجية للعالم و تتفاخر بتقديمها استشارات أمنية لحلفائها، لذا علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع العقلية الأمنية الإسرائيلية بذكاء شديد و بمنطقية واقعية و بحجة قوية ، و ليس بناءً على اعتقادات أيدلوجية و انفعالات عاطفية ، قد تضللنا عن رؤية الواقع كما هو ، وقد تجعلنا نشعر بالإحباط بسبب عدم تمكنا من التعامل مع الدهاء الأمني للطرف الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية ، مما يجعل حلم تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة حتى الآن حلم بعيد المنال بسبب فقدان الفلسطينيين لشروط تأسيس الدولة الفلسطينية التي تتمثل بالسيادة و التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية و الاعتراف الدولي .
لذا فلنفكر سوياً ، كيف يمكننا كفلسطينيين تبديد المزاعم الإسرائيلية و ذرائعهم الأمنية لوجود تلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس ، من أجل الوصول لاتفاق سلام نهائي عادل ينهى الصراع للأبد ويفسح المجال لنا كشعب فلسطيني ببناء دولتنا المستقلة القابلة للحياة على حدود عام 1967 ، وعاصمتها القدس الشرقية.