توقعات مرحلة ما بعد الرئيس

تحاول مؤخراً الصحافة الإسرائيلية ، استشراف المرحلة الفلسطينية القادمة في حال تغيب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن المشهد السياسي الفلسطيني ، و ذلك بسبب ظروف قهرية خارجة عن إراداته.

وتكاد تلك التحليلات الإسرائيلية، التي تحاول التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الساحة الفلسطينية ، في مرحلة ما بعد الرئيس، أن تُصور الوضع الفلسطيني في المستقبل بأنه سيبدو أكثر كارثياً ، مما هو عليه الآن ، مما يُظهر مدى القلق الإسرائيلي من احتمالية حدوث فوضى أمنيه في أراضي السلطة الفلسطينية ، الأمر الذي سينعكس سلبا على أمن إسرائيل، و يجعلها تتحمل مسئولية أكبر للحفاظ على الهدوء في مناطق الضفة الغربية.

وأعتقد هنا ، أن تحمس الإعلام الإسرائيلي للتنبؤ بما سوف تؤول إليه الأوضاع السياسية الفلسطينية في المستقبل ، ولتوقع أسماء بعض الشخصيات الفلسطينية ، التي يمكنها أن تقود المرحلة المقبلة ، يعود كل ذلك لرغبة الباحثين و المحللين الإسرائيليين في استشعار ردود أفعال الفلسطينيين بشكل عام، و مسئولي السلطة الفلسطينية بشكل خاص حول تلك التحليلات السياسية الإسرائيلية ، من أجل حث الفلسطينيين على إصدار تصريحات رسمية، قد تكشف ما يدور في خُلد الرئيس عباس ، و تساعد إسرائيل في التعرف على طبيعة استعدادات السلطة الفلسطينية لتلك المرحلة الحرجة.

وعبر تحليلي للمشهد السياسي الفلسطيني الحالي، و طبيعة الإجراءات السياسية الحديثة التي اتخذتها السلطة تجاه قطاع غزة ، استنتجت من كل ذلك ، أن السلطة الفلسطينية الحالية ، قد تغيرت بشكل جذري، و هي ليست مثل السلطة السابقة في فترة ما قبل الانقسام!

فالسلطة الفلسطينية الحالية، و التي مركزها رام الله ، أصبحت الآن أكثر دهاءً و خبرة مما سبق، و قد تعلمت قيادتها من تجربتها السابقة بغزة درسا قاسيا ، جعلها تتخذ إجراءات مشددة من أجل الحفاظ على قوتها بالضفة الغربية .

فبكل بساطه لن تسمح قيادة سلطة رام الله ، بأن يتكرر مشهد انقلاب غزة مرةً أخرى في الضفة الغربية ، الانقلاب الذي أدى في نهاية الأمر إلي سيطرة حركة حماس على السلطة و أجهزتها بقطاع غزة.

لذا لا أستبعد، أن يكون هناك شيئا ما ، يدور من وراء الكواليس، و أن يكون هناك بالفعل خطة محكمه يديرها الرئيس و رجاله ، للاستعداد جيدا للمرحلة القادمة ، و لكن ليس بالضروري أن يكشف الرئيس وحاشيته، عما يدور في خلدهم من خطط و إجراءات ، لأن عنصري المفاجأة و السرية، مطلوبان أيضا في كواليس العمل السياسي القيادي.

وعلى أبعد تقدير ، لا أتوقع أن تكون أمور الحكم و السلطة في الضفة الغربية ، عشوائية كما كانت عليه في السابق خلال فترة ما قبل الانقسام الفلسطيني ، فهناك ما يتم إعداده بالفعل في المطبخ السياسي المصغر للسلطة ، و لكنه على ما يبدو أن تلك الإعدادات و التحضيرات تتسم بالسرية و الجدية ، وتتم بعيدا عن أعين وسائل الإعلام المحلية و الدولية.

و بما أنه لا خلود لإنسان على وجه هذه الأرض، لابد من استشراف المستقبل الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس ، عبر عمل تصور موضوعي وواقعي ، بعيدا عن أسلوب الانحياز لقائد سياسي معين ،أو الاستهتار من قدرة قيادة معينه ، في التعامل بشكل عملي مع تحديات القضية الفلسطينية ، في ظل غياب القائد الرئيسي للسلطة الفلسطينية ، أثناء فترة الانقسام وعدم تحقيق المصالحة الوطنية.

فالهدف من توقع تلك السيناريوهات، هو تقديم رؤية مستقبلية حول المرحلة المقبلة، و إثارة نقاش سياسي جدي عن كيفية التعامل مع قضايا الحكم، في ظل غموض مستقبل القضية الفلسطينية، و الشعور بالقلق و الخوف من تدهور الأوضاع الفلسطينية إلي الأسوأ.

ومن أهم السيناريوهات التي أتوقع أن تحدث في حال تغيب الرئيس عن الحكم في المرحلة القادمة، في ظل استمرار الانقسام و عدم تحقيق مصالحة وطنية جدية بين حركتي فتح و حماس هي ما يلي:

– تولي المحكمة الدستورية العليا أمور الحكم

في ضوء اختفاء أي أمل فلسطيني ، للتوصل لحل نهائي لمشكلة الانقسام الفلسطيني، و عدم انجاز حلم المصالحة الوطنية ، وفي حال أصدر الرئيس عباس قبل مغادرته السلطة الفلسطينية ، قرارا رئاسيا بحل المجلس التشريعي ، سيشكل ذلك مانعا قانونيا لتولي رئيس المجلس التشريعي الحالي ، منصب رئاسة السلطة في المستقبل ، وهنا يُمكن لرئيس المحكمة الدستورية العليا، التي شكلها الرئيس عباس في عام 2016 ، أن يتولى رئيس هذه المحكمة في المستقبل ، منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ،وذلك حسب المادة (119) من مشروع المسودة الثالثة المنقحة لدستور دولة فلسطين ، التي تنص على أنه “إذا شغر مركز الرئيس أو قرر المجلس النيابي اتهامه وفقًا للماد ة (90) من الدستور، يتولى رئيس المجلس النيابي رئاسة الدولة مؤقتًا لمدة لا تزيد عن (60) يومًا تجري خلالها الانتخابات للرئاسة، وفقًا لقانون الانتخابات، وإذا رغب رئيس المجلس النيابي في ترشيح نفسه أو حال دون توليه الرئاسة مانع قانوني، يتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الدولة مؤقتًا لحين إتمام إجراءات انتخاب الرئيس. و ليس لرئيس المحكمة في هذه الحالة أن يرشح نفسه للرئاسة “.

لذا من الأرجح بأن يتحقق هذا السيناريو في مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في حال تم بالفعل حل المجلس التشريعي الحالي من قبل الرئيس عباس ، لإحداث مانع قانوني يحول من تولي الدكتور عبد العزيز دويك ، لرئاسة السلطة في المستقبل في حال غادر الرئيس عباس موقعه الرئاسي ، و بالطبع سيلقى ذلك القرار رفضا كبيرا من حركة حماس التي ستقوم بالتالي بعمل طعن ضد هذا القرار.

– استمرار عمل مؤسسات السلطة بالضفة مع متابعة الشئون الإنسانية لغزة

و مع استمرار الانقسام الفلسطيني و تنصيب رئيس المحكمة الدستورية بشكل مؤقت كرئيس للسلطة الفلسطينية ، سيستمر رئيس الوزراء الفلسطيني في إدارة أمور مؤسسات السلطة ضمن حالة إعلان الطوارئ ، ولكن لن تتأثر الوزارات بتلك الحالة، و سيستمر عملها بشكل طبيعي ، فتاريخ مؤسسات السلطة لن ينتهي في يوم و ليله ، بسبب غياب الرئيس ، لأن السلطة هي مشروع دولي طويل الأمد ، وهي تعتبر نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية ، ولن يسمح المجتمع الدولي بانهيار تلك السلطة.

فلو انهارت السلطة حينذاك ، سيعتبر ذلك بمثابة فشل كبير لمشروع التسوية مع إسرائيل ، لذا أتوقع أن تستمر مؤسسات السلطة بالعمل كالمعتاد بدعم دولي ، مع عدم تخلي السلطة الفلسطينية برام الله عن قطاع غزة بشكل كامل ، حيث من المتوقع أن تحتفظ سلطة رام الله بتنسيق منخفض المستوى مع بعض فروعها في قطاع غزة، بحيث يقتصر ذلك التنسيق فقط على متابعة أمور القطاع الإنسانية ، مثل التحويلات الطبية و أمور الطلبة و تصاريح التنقل و بعض المعاملات المدنية المتعلقة بجوازات السفر و بطاقات الهوية ، وذلك دون التورط في دفع فواتير القطاع ، مع إتباع سياسة تحميل أكبر قدر ممكن من مسئولية إدارة قطاع غزة لحماس، أو القيادي محمد دحلان في حال عاد لغزة ، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بشعرة معاوية مع سكان القطاع، فيما يخص فقط التنسيق المدني و الإنساني.

– تطبيق خطة أمنية محكمه في الضفة الغربية

ومن يتابع التوقعات الإسرائيلية حول مرحلة ما بعد الرئيس ، يستنتج أن إسرائيل لديها توقع كبير بانهيار السلطة الفلسطينية ، وحدوث فوضى أمنية كبيرة ، و اقتتال داخلي على الحكم في الضفة الغربية، و ربما انقلاب جديد ضد السلطة الفلسطينية، مثلما حدث في غزة خلال عام 2007.

و لكنني هنا، أستبعد حدوث هذا السيناريو، حيث أرى أن السلطة في رام الله ، تعلمت درسا صعبا من أحداث غزة السابقة ، و لن تسمح لأجهزتها الأمنية بارتكاب نفس الأخطاء السابقة بغزة ، التي أدت إلي انهيارها بغزة، و من ثم سيطرة حركة حماس عليها بشكل كامل.

وأعتقد أنه بالفعل، لدى المؤسسات الأمنية بالضفة الغربية، و تحت إشراف مباشر من قبل رئيس السلطة الفلسطينية عباس ، خطة أمنية محكمه لاستمرار السيطرة الأمنية على الضفة الغربية، و لمنع حدوث أي اختراق داخلي أو خارجي لمنظومة الأمن الفلسطيني بالضفة الغربية ، على خلاف ما حدث بغزة في السابق.

وعلى ما يبدو أن من إحدى بوادر تلك الخطة الأمنية ، هو إجراءات السلطة الحديثة بخصوص تقاعد العسكريين بغزة، و استبدالهم بجنود جدد في الضفة الغربية ، الأمر الذي يشير إلي رغبة السلطة الفلسطينية في رام الله ، بزيادة عدد أفرادها الأمنيين في الضفة و تمكينهم ، و تعزيز قوتهم من أجل فرض سيطرة أمنية مشددة على محافظات الضفة الغربية.

و لا أتصور، بأنه في حال تغيب الرئيس الفلسطيني عن موقعه الرئاسي في المستقبل، أن تنهار تلك الأجهزة الأمنية بكل بساطه، مثلما حدث سابقا بغزة ، لأن وضع حركة حماس العسكري في الضفة الغربية، ليس متمكنا مقارنة بوضعها في غزة، و ذلك بسبب الحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الضفة الغربية، التي تهدف إلي تجريد حركة حماس و فصائل المقاومة الأخرى من السلاح، و التي تحاول أن تمنع نمو أي خلايا عسكرية جديدة لفصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية.

لذا لا يوجد مقارنة بين الإمكانيات العسكرية لحركة حماس في غزة ، التي ساعدتها بالسابق في السيطرة على الحكم بغزة ، وما بين الإمكانيات العسكرية المتواضعة لحركة حماس بالضفة الغربية ،و التي من الصعب أن تُمكن حركة حماس من عمل انقلاب جديد على السلطة الفلسطينية برام الله ، خلال مرحلة ما بعد الرئيس ، خاصة في ظل استعدادات أجهزة الأمن الفلسطينية بالضفة الغربية لأي محاولة عسكرية ضدها ، و في نفس الوقت عدم تنازل إسرائيل عن جزء من سيطرتها الأمنية على الضفة الغربية.

– عقد انتخابات رئاسية في الضفة الغربية بدون غزة

وهنا كما قلت بالسيناريو الأول، أنه في حال استلم رئيس المحكمة الدستورية منصب رئيس السلطة الفلسطينية بشكل مؤقت ، سيتم بعدها التحضير لإجراء انتخابات رئاسية من أجل الخروج من المأزق السياسي بعد انتهاء الفترة المؤقتة لتولي رئيس المحكمة الدستورية لمنصب الرئاسة، ومع استمرار الانقسام سترفض بالطبع حركة حماس تلك الانتخابات الرئاسية، و ستطعن بقانونية رئيس المحكمة الدستورية ومنصبه الرئاسي المؤقت ، و في أية قرارات سياسية صادرة عنه ، مما سيحول ذلك من إمكانية عقد انتخابات رئاسية في غزة ، وسيتم بالتالي تكرار سيناريو عقد الانتخابات المحلية بالضفة الغربية دون غزة ، حيث من المحتمل أن يتم عقد انتخابات رئاسية جديدة في الضفة الغربية فقط ، من أجل سد الفراغ في الحكم ، و الحيلولة من انهيار السلطة.

وقد يترشح في تلك الانتخابات الرئاسية الجديدة ، شخصيات قيادية من حركة فتح، أو مستقلين موالين لحركة فتح ، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة، برئيس جديد في الضفة الغربية، ليس معترفا بها بغزة ، لكنه قد ينال اعتراف بعض الدول العربية و الغربية، التي ستضطر لذلك الاعتراف ، خشيةً من أن تحدث فوضى أمنيه بالضفة الغربية ، و أن تنهار السلطة الفلسطينية بشكل كامل.

– استمرار سيطرة حماس على قطاع غزة لحين بدء معركة التحرير الكبرى

وفي ظل استمرار الانقسام، و بروز قيادة سياسية جديدة في الضفة بدون موافقة من حركة حماس ، أتوقع هنا ، أن تستمر حركة حماس بسيطرتها الأمنية على قطاع غزة، حتى لو عاد القيادي محمد دحلان للساحة السياسية بغزة ، فتفاهمات حماس- دحلان ، لن تُنصب دحلان كوالي لغزة ، بل ربما ستزيد من فرصته بالفوز في الانتخابات الرئاسية، في حال فقط انتهى الانقسام الفلسطيني، وتم التوافق على إجراء انتخابات رئاسية موحدة في كل من الضفة الغربية وغزة في آن واحد.

لكن في حال استمر انفصال غزة عن الضفة ، و تم عقد انتخابات رئاسية بالضفة الغربية فقط ، سيحول ذلك من تحقيق طموح دحلان بالحصول على كرسي الرئاسة ، و عليه أتوقع استمرار حكم حماس لغزة، لحين اتخاذ قرار مصيري من قيادة حركة حماس بغزة ، حول الخوض في حرب التحرير الكبرى ضد إسرائيل، التي يروج لها منذ زمن عدد كبير من قادة حركة حماس بغزة، و التي ستحسم مصير حركة حماس في غزة بشكل نهائي .

ففي حال انتصرت حماس في تلك الحرب، سيزيد ذلك من قوة الحركة و سيمكنها أكثر في القطاع، و سيقوي موقفها في الضفة الغربية و القدس، مما سيعيدها بقوة إلي المشهد السياسي الفلسطيني، بصفتها الحركة المنتصرة و المحررة لأراضي فلسطين التاريخية.

و لكن ، في حال لم تنتصر حماس في تلك المعركة المستقبلية ، و نجحت إسرائيل بنزع سلاح حماس في قطاع غزة ، ستتغير الأوضاع الفلسطينية في قطاع غزة بشكل دراماتيكي، و ستبدأ بعدها حقبة سياسية جديدة في القطاع، سينعكس بالتالي ، تأثيرها على الأوضاع السياسية و الأمنية بالضفة الغربية.

لذا الأمر كله يتعلق بحركة حماس، و مدى استعدادها العسكري للمرحلة القادمة، و كيفية إدارتها لشئون القطاع الأمنية بنوع من الحنكة السياسية و الحذر الشديد.

و أخيرا ، أستطيع القول ، أن تلك كانت مجرد سيناريوهات سياسية و أمنية ، تم توقعها في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني ، وبناءً على ما يتصدر في وسائل الإعلام الفلسطينية و الإسرائيلية و الدولية ، من تصريحات سياسية لطرفي الانقسام الفلسطيني، و من قرارات سياسية صادرة عن رئاسة السلطة ، و من ردود فعل للقادة الفلسطينيين على أرض الواقع.

لكن لو انتهى الانقسام الفلسطيني ، قبل أي غياب محتمل للرئيس الفلسطيني الحالي ، لن يكون هناك أي حاجة لحدوث تلك السيناريوهات ، لأن عندها ستكون الظروف طبيعية، و سيتم العمل حسب الدستور ، و القانون الفلسطيني الأساسي، دون الاضطرار لتنفيذ إجراءات احترازية و استثنائية ، لإدارة مشاكل الانقسام الفلسطيني في مرحلة ما بعد الرئيس.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s