ضحايا الديمقراطية في الوطن العربي!

يكاد تجاهل بعض الناشطين السياسيين في الوطن العربي ، لطبيعة أنظمة بلادهم السياسية و بيئتها الأمنية ، يجعلهم يخسرون المعركة السياسية مبكرا ، بل أسوء من ذلك فهم يضحون بحياتهم و استقرار عائلتهم بسبب حلم أو هدف غير واقعي وغير قابل للتحقيق عمليا ، لأن هذا الهدف يتصف بالرومانسية السياسية التي يتأثر بها هؤلاء الشباب الناشطين سياسيا عند مشاهداتهم لبعض مشاهد روائية تعرضها بعض أفلام السينما العربية والغربية ، أو عند قراءتهم لبعض كلمات ثورية يكتبها شعراء و أدباء ضمن روايات الأدب السياسي و في كتب السيرة الذاتية لبعض مشاهير الثورات العالمية و الدينية مثل سيرة الثائر اليساري الشهير ، تشي جيفارا أو المؤسس الكبير للإخوان المسلمين،حسن البنا.

إن مبدأ التضحية بالجسد من أجل تحقيق أي هدف سياسي أو اجتماعي بناءً على اتجاهات أيدلوجية أو سياسية أو اجتماعية ،لا يمكن فصله أبدا عن علاقته ببعض الطقوس الوثنية التي كان يتبعها الإنسان البدائي في العصور الجاهلية ، عندما كان يتم التعامل بلغة الدم و التضحية بالبشر باعتبارهم قرابين بشرية يتم تقديمها للآلهة من أجل حماية باقي أفراد القبيلة من غضب الطبيعة ، لذلك هناك تشابه كبير بين ما يحدث في عصرنا الحديث والعصور القديمه ، عندما يضحي بعض الناشطين السياسيين بحياتهم من أجل الوصول لغاية سياسية معينه دون الاكتراث بأهمية حياتهم و أمان عائلتهم.

و لابد من الإشارة، أنه حسب الديانات السماوية الثلاث ،كل من الروح و الجسد هما هبة من عند الله و لا يملك الانسان الحق بالتخلي عنهما أو بإلقاء نفسه إلي التهلكة ، و أتساءل هنا كيف يسعى هؤلاء الناشطون السياسيون للتحرر و الحصول على الديمقراطية وهم لا يتعاملون بديمقراطية مع أجسادهم البشرية ومع احتياجات أفراد عائلتهم للحماية و السلامة.

يجب عدم الاستهتار بقيمة الحياة البشرية من أجل تحقيق بعض الأهداف السياسية أو الاجتماعية و من أجل فقط أن نصبح أبطالاً ومشاهير لبضع سنوات و إن لم يكن عدة شهور ثم نتحول بعدها لمجرد ذكرى يطويها النسيان أو نصبح مجرد أرقام في سجلات المستشفيات و أرشيف الوفيات.

فطبيعة البشر هي النسيان والنكران أيضا، ومن لا يفكر بالبقاء و إنقاذ نفسه لأكبر قدر ممكن من الزمن ، فهو يخالف بذلك الطبيعة الإنسانية التي تتصف بالرغبة في الاستمرار و التكاثر و البقاء من أجل المساهمة في بناء و تطوير الحياة الإنسانية على الكرة الأرضية وليس مجرد في إطار حدود وطن معين.

لذا سبب طرحي لهذا الموضوع، هو ما ألمحه بشدة من خلال عيون المعارضين السياسيين و الثوار في الدول العربية ، الذين يغامرون بكل شيء و بحياتهم الشخصية من أجل تغيير أنظمة الحكم في بلادهم و ذلك تحت شعار تحقيق الديمقراطية، ولكنهم لا يعرفون جيداً ، الجوانب المتعددة للديمقراطية التي قد يتناسب بعضها مع طبيعة بلادهم وفي نفس الوقت قد يتعارض بعضها مع البيئة السياسية و الأمنية لبلادهم .

حيث يتصور بعض المعارضين ، أن الديمقراطية هي مجرد نسخة من تظاهرة في إحدى الشوارع الأوربية التي يسير بها المتظاهرون بهدوء تحت مراقبة الشرطة دون أي اصطدام بين الطرفين، لذا يتمنى الناشط العربي أن تصل بلاده لتلك المرحلة من الرقي الأمني و يحاول أن يقوم بتقليد نفس الأسلوب في شوارع بلاده التي تختلف طبيعة نظامها الأمني عن البلدان المتقدمة ، إن هؤلاء الناشطون السياسيون يحاولون حتى أن يقلدوا نفس البرامج السياسية الساخرة الأجنبية التي تنتقد الحكام الغربيين، دون وعي أن الديمقراطية والنقد السياسي ، هما عملية نسبية و لهما عدة أوجه تختلف حسب طبيعة المجتمع، فليس ما يصلح بأمريكا قد يناسب المصريون في القنوات الفضائية العربية و ليس ما يحدث في باريس قد يناسب اللبنانيون بشوارع بيروت.

لذلك ، لابد للناشط السياسي أن يكون لديه وعي ذكي في طريقة مطالبته لحكومة بلده بتطبيق الديمقراطية ، حيث أن الديمقراطية لا تطبق كدفعة واحدة ، بل تحتاج إلي عقود من الزمن لكي يتم استيعابها ضمن أنظمة الحكم التابعة للدول العربية.
وعلى الناشط السياسي أن يمتلك أيضاً الحكمة و الدهاء، خلال ممارسته لأنشطته السياسية بحيث يسعى بأن يقوم بتأهيل المواطنين العاديين أولاً لتقبل الديمقراطية ومن ثم تحفيز المسئولين والحكام لكي يكونوا رعاة لمبادئ تلك الديمقراطية الأولية التي بدأت بالفعل تنتشر رويدا رويدا في بعض البلدان العربية بسبب كثرة استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي.

و أرى هنا ، أنه بدلاً من أن يتجه الناشط السياسي لاستخدام أسلوب المعارضة الهجومية و العنيفة فيحدث بينه وبين المسئولين صداما عنيفا ، يجعله هو من يخسر بالنهاية ، و هنا لن يجد هذا الناشط أحداً يسانده أو يمتلك الشجاعة لكي يدافع عنه و يحميه، فعلي هذا الناشط أن يستخدم القوة الناعمة التي تتمثل بمحاولة الإقناع و استخدام لغة الحوار و القانون للمطالبة بالحقوق المشروعة.

لذا يقودنا ذلك الطرح لسؤال جدلي ألا وهو ؛ هل هدف الناشط السياسي هو فعلا إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي ببلده أم هدفه الشهرة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي و أن يصبح بطلا مضحيا في نظر الصحافة العالمية و يتم تنظيم لأجله حملات مناصرة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان ؟

لذلك قبل أن يتم المطالبة بتطبيق أي مظهر من مظاهر الديمقراطية في بلادنا العربية ، على الناشطين السياسيين أن يقوموا أولا بعمل دراسة احتياجات و أبحاث وتحليل لمدى ملائمة التغيير الديمقراطي لبلادهم وشعوبهم ، مع عدم تجاهل دور القيادات الشعبية و السياسية في وطنهم، لأنه يجب أن يكون هدف الناشط السياسي هو التقويم والمساهمة في الإصلاح عبر المشاركة المجتمعية وليس قلب الطاولة على رأس الجميع، أو الهجوم أو تنفيذ أجندة أجنبية كما تتهم عادة أنظمة الحكم بعض الناشطين السياسيين بذلك عندما يحتمون بمنظمات حقوقية غربية.

ولأن طبيعة أنظمة الحكم العربية متشبثة بالحكم و لا يمكن تغييرها دفعة واحدة، فعملية التسرع و اللهفة لتحقيق حلم الديمقراطية ، تؤدي على الفور إلي إحداث فوضى أمنية و أعمال عنف، وذلك فعلاً ما حصل في كل من العراق وسوريا و مصر و اليمن و ليبيا بسبب إتباع الأسلوب الثوري المباشر ضد أنظمة الحكم ، مما أشعل نيران الفوضى الأمنية و الحرب الأهلية بسبب عدم ملائمة هذا الأسلوب في الثورة لطبيعة البلدان العربية، ولعدم استعداد أصلا العقلية العربية لتطبيق منهج الديمقراطية الثائرة، فكان من الأجدر أن يتم ضخ العملية الديمقراطية على عدة دفعات و إتباع أسلوب الإصلاح السياسي الذي يمهد للتغيير الديمقراطي الكلي بدون خسائر بشرية أو مادية.

إن حال بعض الدول العربية يكاد يشبه حال المريض الذي يحتاج أولاً لجس نبضه و قياس ضغطه و فحص عينة من دمه، و من ثم يتم علاجه بأدوية مناسبة لحالته الصحية مع تقديم دعم نفسي له لكي يتماثل للشفاء بشكل كامل.

لكن ما حصل في بعض الدول العربية تحت ما يسمى بالربيع العربي ، هو أنه تم القيام بشكل فوري بعملية جراحية خطيرة ، قبل تشخيص طبيعة المرض وقبل البدء بالعلاج بالأدوية الممهدة للعملية ، فلقد تم اتخاذ قرار إجراء العملية الجراحية بسبب لهفة المعارضين و الثوار للتغيير و بسبب جهل الدول الغربية بطبيعة العرب، حيث رحبت بعض الدول الغربية و احتفت بهؤلاء المعارضين من أجل تغيير الحكم بأي طريقة دون عمل تقييم ودراسة للنتائج و الآثار المترتبة عن تلك الثورات ، ودون وضع خطة واضحة لمرحلة ما بعد الثورات، فعمت الفوضى والتهبت جراح الوطن العربي قبل التماثل للشفاء .

إن التغيير لا يحدث مرة واحده بل هو خطوات صغيرة تؤدي إلي الوصول لتغيير كبير يتم نتيجة استخدام أسلوب التوعية السلمية لكل من المواطنين و المسئولين حول الشفافية و سيادة القانون وحقوق الإنسان و محاربة الفساد.

ولكي ينجح السياسي في تفعيل العملية الديمقراطية، عليه أن يبدأ أولا بالمطالبة لتفعيل سلطة القانون عن طريق استخدام أدوات المجتمع المدني من أجل ضمان توفير قناة اتصال مدنية لإيصال صوته للمسئولين، فعلى سبيل المثال ، عندما يتم التركيز على خلق قوانين تحمي حقوق الإنسان و تحمي حرية الرأي سيكون ذلك أكثر فعالية من رمي زجاجة حارقة على سيارات الشرطة للتعبير عن الغضب الشعبي .

وعندما يتم عقد ورشة عمل باستضافة المسئولين لمناقشة كيفية حماية المواطن من ظلم وفساد المسئولين، سيكون أفضل بكثير من استخدام ألفاظ نابية ضد المسئولين ونشر تعليقات ساخرة عبر صفحات الفيسبوك.

وعندما يتم تقديم رسالة شكوى رسمية للنائب العام للإبلاغ عن فساد مسئول معين سيكون أكثر فعالية وعمليا من نشر فيديوهات فاضحة ووثائق مسربه عن فساد المسئولين دون اتخاذ إجراءات قانونية رسمية للإبلاغ عن الفساد.

للأسف ، إن معظم المعارضون السياسيون في عالمنا العربي يفضلون البكاء على الأطلال و السخرية و الصراخ للتعبير عن معاناتهم عبر كتابة شكواهم على جدران مواقع افتراضية قد تكون مراقبة من قبل أجهزة استخبارات دولية، دون أن يتخذوا أية خطوات عملية توثق الانتهاكات ضد حقوقهم وحقوق المواطنين ، فيضحون بمستقبلهم ، وربما يتم القضاء على حياتهم، لأنهم يعتبرون أن التضحية بالحياة هي أسمى أنواع النضال، و لكن هل التضحية جلبت لهم الديمقراطية ومزيد من حقوق الإنسان في عالمهم القاسي و الموحش؟

إن الديمقراطية ليست مجرد مظاهرة أو تصريح على الفيسبوك أو شتيمة ضد مسئول أو سخرية من حاكم، إن الديمقراطية هي القدرة على خلق قانون يحمي المواطن و يحد من سلطة الحاكم للتحكم بحياة المواطنين.

الديمقراطية هي أن تخلق وعي شعبي حول الحقوق و الواجبات ليصبح أفراد الشعب مواطنين صالحين و أسوياء و ليس مجرد وحوش هائجة في إطار ثورة جياع.

الديمقراطية هي أن يتم تفعيل المسائلة الاجتماعية للمسئولين والمواطنين، فتطبيق القانون هو من سيحمي الديمقراطية و الشعب و ليس لسانك السليط أو جسدك النحيل سوف ينقذ الشعب.

نحن بالقرن الواحد وعشرين، ولابد من استخدام أدوات ذكية وحضارية تحمينا من أن نكون ضحايا للديمقراطية السطحية، فمن لا يستطيع أن يحمي نفسه لا يستطيع أن يحمي شعبه أو أن ينشر مبادئ الديمقراطية.
لذا لابد من إتباع إجراءات السلامة و الحماية عند ممارسة أي نشاط سياسي، وعدم الاستهتار بالحياة الشخصية و بحياة الآخرون حتى لو كانوا أعدائنا.

الديمقراطية لن تأتي مرة واحدة، بل يجب أن تمر بعملية تحول اجتماعي و سياسي و أمني و بمراحل معينه حتى يتشكل عند الشعب و الحكام نضج ووعي سياسي كافي بأهمية الديمقراطية لنهضة و تطور مجتمعاتهم.
و أخيرا أقول هنا: “فاقد الشيء لا يعطيه”، فمن لا يمتلك قرار نفسه و يخضع لغسيل مخ حزبي أو أيدلوجي، لا يمتلك أن يقرر عن شعبه ومستقبل بلده.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s