لا داعي للقلق من عصا و جزرة ليبرمان

تناولت عدة مواقع إعلامية فلسطينية في الآونة الأخيرة خبر تم نقله من المواقع العبرية حول أن وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان قرر أن ينفذ سياسة جديدة مع الفلسطينيين بعنوان سياسة العصا و الجزرة.

وتدعو تلك السياسة إلي معاقبة القرى و المدن الفلسطينية بالضفة الغربية التي تشجع على المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي و التي يخرج منها عدد كبير من منفذي عمليات الطعن و التفجيرات ضد الإسرائيليين ، وذلك عن طريق منع تنفيذ مشاريع تنموية بتلك المناطق و إغلاق الطرق وفرض الحصار و شن حملات اعتقال وهدم لمنازل أهالي الشهداء الضالعين بعمليات المقاومة الفلسطينية ضد الإسرائيليين ، و في المقابل لذلك تحث سياسة ليبرمان الجديدة على منح الجزر أي المكافأة للمدن و القرى الفلسطينية بالضفة الغربية التي يسودها الهدوء و التي لا ينخرط أبنائها بأنشطة و عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

و من المعالم الأخرى لسياسة العصا و الجزرة التي يخطط لها ليبرمان ، هو أن إسرائيل سوف تتواصل مباشرة مع من تسميهم مؤيدي السلام و التعايش عن طريق موقع إسرائيلي الكتروني باللغة العربية يشجع الفلسطينيين على التواصل مباشرة مع المسئولين الإسرائيليين دون حصر العلاقات الإسرائيلية الرسمية فقط مع المسئولين الرسميين للسلطة الفلسطينية.

الأمر الذي أثار قلق عدد من المسئولين بالسلطة الفلسطينية و جعل عدد كبير من الكتاب و المحللين الفلسطينيين يتخوفون من أن يتم سحب البساط من تحت قدمي السلطة الفلسطينية و أن تقوم إسرائيل باستبدال القيادة الفلسطينية الحالية بحلفاء فلسطينيين مسالمين حسب معايير الأمن الإسرائيلي ليتم التفاوض معهم مستقبليا كقيادة بديلة تمثل الشعب الفلسطيني.

وبناءً على هذه المبادرة الإسرائيلية الجديدة التي تشجع التعامل مباشرة مع الشعب الفلسطيني دون حصر العلاقة فقط مع مسئولين من السلطة الفلسطينية، قام بعض المسئولين الفلسطينيين بتحذير أبناء شعبهم عبر وسائل الإعلام عن خطورة التواصل مباشرة مع إسرائيل دون المرور عبر القنوات الفلسطينية الرسمية ، و اعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، أحمد مجدلاني أن كل من يتعامل مع خطة وزير الدفاع الإسرائيلي عميلاً وخارجاً عن القانون والصف الوطني الفلسطيني.

و لكنني أرى هنا ، أن قرار إسرائيل بالتواصل مباشرة مع الفلسطينيين و قرارها استخدام أسلوب العصا و الجزرة هو مجرد زوبعة بفنجان و لا داعي للقلق منه أو محاولة التنبؤ بقدوم قيادة جديدة بديلة عن السلطة الفلسطينية .

فإسرائيل ليست دولة ساذجة تجهل كيف يفكر الفلسطينيون و كيف سوف يتصرفون حين يجرؤ أي قائد فلسطيني سياسي أو مجتمعي أو اقتصادي أو حتى ناشط سلام دولي بأن يقوم بتقديم نفسه كقائد بديل للسلطة ، فالموضوع ليس سهلا ، و أعتقد أن إسرائيل تعلم جيدا أن أي شخصية فلسطينية تحاول التفاوض مع إسرائيل بدون غطاء من السلطة الفلسطينية ، سوف يتم فورا اتهامها من قبل الفلسطينيين بالخيانة الوطنية و سيتم شن هجوم حاد عليها وربما يتم اغتيالها..

إذن لا أعتقد أن إسرائيل تفكر بشكل جدي بالوقت الحالي لاستبدال السلطة الفلسطينية بقيادة سلمية تتماشى مع معايير الأمن الإسرائيلي ، خصوصا أنها تعلم جيدا أن شعبية حركة حماس قد زادت بالضفة الغربية و قد تفوز حماس بالانتخابات القادمة في الضفة الغربية ، حيث سيكون من الصعب إقناع الفلسطينيين في الضفة الغربية بقبول أي حل سلمي مع إسرائيل في ظل فشل اتفاقية أوسلو للسلام وتعثر المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

لكنني في ذات الوقت، لا أستبعد بأن إسرائيل تخطط جيدا للمستقبل البعيد و أنها تحاول أن تتنبأ حول كيف يمكن أن تكون صورة القيادة الفلسطينية الجديدة بعد عشرة أعوام منذ الآن..

لأنه ما الفائدة من أن تتحالف إسرائيل حاليا مع قيادة فلسطينية سلمية، وهذه القيادة لا تستطيع أن تتخذ أي قرار مصيري باسم الشعب الفلسطيني ، و ليس لها أي تأثير على الشعب الفلسطيني في ظل الفوضى الأمنية و الانقسام الفلسطيني..

و أعتقد أن إسرائيل بتوجهها للحديث مباشرة مع الشعب الفلسطيني، لا تريد أن تخلق قيادة بديلة و لا تريد أن تعفي السلطة الفلسطينية من مسئوليتها في إدارة شئون الفلسطينيين و التنسيق مع السلطات الإسرائيلية مثلما تفعل حاليا وزارة الشئون المدنية الفلسطينية ، لكنني أعتقد أن إسرائيل تريد بكل بساطه أن تقوم بإجراء عملية تعديل للذاكرة الفلسطينية المتعلقة بأية ذكريات سلبية حول ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بالسابق و تريد أن تغير الصورة الذهنية و النمطية المطبوعة حول إسرائيل بعقول الفلسطينيين و العرب منذ عقود وذلك من أجل التخطيط لمستقبل جديد و تصالحي مع دول الجوار العربية و مع الفلسطينيين أنفسهم..

و يمكننا القول أن إسرائيل بدأت فعليا بتنفيذ مخطط أو برنامج نفسي و عقلي ضخم يتعلق بالدماغ الفلسطيني و العربي وكيفية التأثير عليه و توجيه لتبنى ثقافة اللاعنف و التسامح مع الإسرائيليين حسب المفهوم الإسرائيلي ، حيث ربما يعتقد الإسرائيليون أنه يمكنهم ترويض العقل العربي لكي يتخلى عن نهج الانتقام و الثأر و الكراهية المطلقة لكل ما هو إسرائيلي..

لذا أرى أن سياسة ليبرمان الجديدة، ليست سياسة ساذجة أو تكتيك مؤقت للبحث عن قيادة بديلة للسلطة في هذه الفترة ، بل هي تطبيق بشكل حرفي لأهم تقنيات تعزيز السلوك الإنساني و اختراق العقل البشري أو ما يسمى باللغة الانجليزية ” Mind Control”

، وهي تقنية معروفة وقديمه في علم البرمجة العصبية ، و قد تم تجربتها في عدد كبير من الدول الغربية منذ أمد طويل.

فقد أدركت إسرائيل فعلياً ، أنه من المستحيل العيش في محيط عربي ناقم وكاره لكل شيء إسرائيلي ، فاتخذت قراراً حاسما ومنذ فترة طويلة و ليس بمجرد قدوم ليبرمان للوزارة، بأن يتم العمل على التواصل مباشرة مع الشعوب العربية و الشعب الفلسطيني مبدئيا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي لمتحدثيها الرسميين لإعطاء فرصة للعرب للتعرف على الثقافة الإسرائيلية و الاقتراب منها.

وقد أظهرت تلك المواقع الرسمية للمسئولين الإسرائيليين مثل صفحة المنسق ، نجاح كبير بجذب متابعين عرب لها يتفاعلون مع تلك الصفحات و يعلقون عليها سواء بشكل سلبي أو ايجابي.

ونتيجة للمحاولات الإسرائيلية للتقرب من العرب ، قد يرى البعض بأن المخطط النفسي و العقلي الذي تحاول أن تنفذه إسرائيل قد يكون خطيرا، مما قد يجعل ذلك عدد كبير من السياسيين الفلسطينيين يشعرون بالخوف و القلق من أن يتم إقصاء الجهات الرسمية الفلسطينية ومن أن يستغني الشعب الفلسطيني عن قيادته المحلية لتنسيق شئونه الرسمية مع إسرائيل مثل تصاريح السفر و العلاج بالخارج..

لذا أجيب هنا على تلك المخاوف ، أنه لا داعي للقلق من تلك المحاولات الإسرائيلية ، لأن الشعب الفلسطيني هو بالأصل ، شعب مسالم ويحب الحياة و لا يكره أحدا و لا يحتاج لغسيل مخ ، فالشعب الفلسطيني غاضب دوما من الاحتلال الإسرائيلي ليس بسبب حبه للانتقام و العنف، بل لأنه مازال هناك احتلال إسرائيلي قائم على أراضيه، و غاضب بسبب الحروب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وأدت إلي استشهاد عدد كبير من المدنيين وغاضب بسبب سياسة العقاب الجماعي الإسرائيلية و غاضب أيضاً لأنه مازال هناك استيطان ومازال هناك لاجئين فلسطينيين لا يعرفون متى سيعودون؟.

و في اختصار شديد، الشعب الفلسطيني غاضب من إسرائيل لأنه بكل بساطه يريد الحرية و الكرامة و ليس لأنه شعب عنيف و يحب الانتقام.

فما الفائدة أن تقصف إسرائيل مدرسة بغزة ثم تسمح للمصابين من القصف بالعلاج بمستشفياتها، هنا يوجد تناقض كبير بين العمل الإنساني و العمل العسكري الذي تتبنهما إسرائيل..

لذلك أعتقد أنه يمكن لإسرائيل أن تعقد سلام عادل مع الفلسطينيين عندما ربما تعتذر بشكل صريح و علني عن أخطاء الماضي و عن الانتهاكات التي قامت بها ضد حقوق المدنيين الفلسطينيين ، بعدها يمكن أن تتفاوض معها القيادة الفلسطينية الرسمية و المنتخبة على الأمور الأخرى التي تتعلق بتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة و الانسحاب من الأراضي الفلسطينية على حدود 67.

أما بالنسبة للأسباب الأخرى التي جعلت إسرائيل تفكر بالتواصل مع الفلسطينيين مباشرة، نستطيع القول أن هناك رغبة إسرائيلية شديدة لكسر الحاجز النفسي بينها و بين الفلسطينيين بشكل خاص و العرب بشكل عام و هناك محاولات إسرائيلية من أجل إيصال رسالة للشعوب العربية، تكمن بأن الشعب الإسرائيلي هو شعب إنساني و متعدد الثقافات و يحب الثقافة العربية و يشارك العرب اهتمامات مشتركة مثل أنه يستمع للموسيقى العربية و يقرأ الشعر العربي و يعرف آيات من القرآن، أي أنه هناك تركيز إسرائيلي حول ما يجمع بين الإسرائيليين و العرب و ليس حول ما يفرقهم ويُبعد المسافات بينهم..

أما بالنسبة للمستقبل وكيف تخطط إسرائيل من ناحية التعامل مع قيادة فلسطينية جديدة أم لا؟ أجيب هنا على هذا التساؤل بأن إسرائيل سوف تترك مسالة القيادة الفلسطينية للزمن، فهي تعلم جيدا أن الشعب الفلسطيني غير مستعدا حاليا للسلام معها و تعلم أنه لا يوجد حاليا قيادة فلسطينية بديلة تجرؤ أن تتنازل عن حق العودة وعن القدس .

لذا بناء على تصريحات ليبرمان للصحافة الإسرائيلية عندما تم سؤاله عن سياسته الجديدة، و قال حينها أنه لا يريد أن يُنصب ملكا بالضفة الغربية ، يمكننا التنبؤ هنا ، بأن إسرائيل ستترك المجال للفلسطينيين بأن يقرروا كما يشاءون طريقة اختيار حكامهم الحاليين سواء عن طريق الانتخابات التشريعية و الرئاسية أو بقاء الوضع كما هو عليه ، لكنها في نفس الوقت سوف تحذرهم دون أن تفرض عليهم أوامر معينه بأنه في حين اختار الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية قيادة تؤيد الكفاح المسلح سوف يتم تشديد الحصار عليهم مثلما حدث بقطاع غزة.

و لا أرى هنا أن إسرائيل ستحاول أن تفرض علي الفلسطينيين أي شخصيات فلسطينية و لن تروج لقيادة فلسطينية جديدة، بل ستترك الفلسطينيين يخوضوا التجربة بأنفسهم ، ربما لمدة عقد أخر من الزمن، تكون إسرائيل خلال تلك الفترة قد قامت بمهمتها في تغيير الصورة الذهنية السلبية عنها بعقول الفلسطينيين و العرب وتكون قد نسجت علاقات قوية مع الدول العربية ، و بعد تلك المدة الزمنية تقوم إسرائيل بحصد نتائج تلك السياسة بعد أن يكون الفلسطينيين قد اختبروا تجارب حكم مختلفة تتنوع ما بين حكام يؤيدون الكفاح المسلح و حكام يؤيدون الحل السلمي ، مما سيفتح باباً أمام الفلسطينيين للمقارنة بين البرامج السياسية المختلفة لهؤلاء الحكام و القادة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة..

لذا القرار الأول و الأخير سيعود للشعب الفلسطيني، وسيعتمد هذا القرار على مدى وعي الشعب الفلسطيني ومدى ثقته بقيادته الوطنية و ليس على ما تخطط له أي حكومة إسرائيلية.

لذلك أقول هنا مرة أخرى، أنه لا داعي للقلق من سياسة ليبرمان الجديدة، حينما يكون لدينا شعب قوي وواعي ومثقف و يعرف مصلحته جيدا و يعرف كيف يختار قيادته.

القلق الحقيقي يأتي، من عندنا نحن الفلسطينيون، ماذا نريد ؟ ما هدفنا؟ وهل هدفنا ذكي و واقعي وقابل للقياس أم لا؟ و إلي أين نحن متجهون؟

فإذا كنا أقوياء و متحدون ، لن يتحكم أحد بمستقبلنا ، و سوف نختصر زمن طويل للتعلم من تجاربنا الخاطئة و سنقصر المسافات بينينا وبين أحلامنا ، وسيكون لدينا دولة في غضون عام و ليس خلال عقد من الزمن، وذلك فقط إذا عرفنا ماذا نريد و إلي أين نتجه؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s