أيها القائد الفلسطيني،راقب وتعلم و لا تغامر !

يختبر الشرق الأوسط  منذ اندلاع الثورات العربية ، أخطر تجربة سياسية و أمنية شهدها العالم العربي بالتاريخ المعاصر ، حيث شهدت تلك الفترة منذ  مطلع عام 2011 عدة انقلابات و ثورات و حروب أهلية و صراعات حادة بين معسكري السنة و الشيعة ، جعلت مهمه المحللين و المراقبين السياسيين شبه مستحيلة للتنبؤ بمستقبل الشرق الأوسط الذي أصبح ساحة  للمراهنات و النزالات الدولية.

لذا  انعكست تلك الأوضاع المشتعلة في الشرق الأوسط   بشكل خطير على الأمن القومي للدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الأوروبية مثل  فرنسا و بلجيكا، الذي تعرض مواطنيها لعدة اعتداءات إرهابية تم تبني معظمها من قبل تنظيم داعش.

وفي ظل عدم وضوح رؤية مستقبلية لما ستؤول إليه الأوضاع في الشرق الأوسط و في ظل العجز العربي لاستقراء الواقع السياسي و تحليل ما بين السطور و أسباب الحروب الخفية و التغيرات الإقليمية التي قد ساهمت بها نوعا ما بعض الدول الكبرى.

أعتقد أنه على الفلسطينيين أن يتريثوا و لا يستعجلوا الأمور ، بل عليهم أن يلتزموا الهدوء وضبط النفس و يراقبوا الوضع عن كثب و يتعلموا بأكبر قدر ممكن من التجارب التي تخوضها الآن بعض الدول العربية مثل سوريا و العراق و ليبيا و اليمن وتونس ومصر.

فليس من الحكمة أن يتسرع القائد الفلسطيني و يفكر منعزلاً، عما يجري بالساحة الإقليمية بل العالمية أيضا ، فالوقت غير مناسب لأية مغامرات فلسطينية سياسية أو عسكرية قد تنعكس سلباً على مستقبل القضية الفلسطينية.

لذا أرى هنا  أن على القائد الفلسطيني، أن يراقب فقط بحذر ما يجري في محيطه العربي ، ثم يتعلم  من تلك التجارب العربية و لا يغامر بأن يتخذ خطوات استباقية  بحجة أنه لا يوجد وقت ، و أن الوقت قد حان الآن  لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي و الوصول لاتفاق سلام نهائي مع إسرائيل.

فإسرائيل أخر همها في تلك الفترة، و خاصة تحت إدارة حكومة نتاياهو، هو أن تصل لحل نهائي مع الفلسطينيين، فهي حسب تقديري و قراءتي للتصريحات الإسرائيلية ، لاحظت أن  مهمة حكومة نتاياهو الحالية هي إدارة الصراع فقط مع الفلسطينيين، و ليس إنهائه بشكل كامل ، وذلك حتى يتثني للقيادة الإسرائيلية العثور على شريك فلسطيني مناسب لها  يقبل بالشروط الأمنية الإسرائيلية، وليس له أي ماضي قتالي أو ذكريات أليمه تتعلق بالأسرى و حق العودة.

لذا لا أستبعد أن تكون قد بدأت إسرائيل  بالفعل التخطيط لمستقبل سلام جديد مع الفلسطينيين، حسب معاييرها الأمنية و قد يتم تنفيذ هذا السلام المستقبلي بعد أن تطبع إسرائيل علاقتها مع معظم الدول العربية خلال عقد أو عقدين من الزمن على أبعد تقدير، لتختتم هذا التطبيع العربي باتفاقية سلام نهائية مع الشريك الفلسطيني المسالم الجديد.

و أعتقد أيضاً أن إسرائيل منشغلة الآن  في مراقبة الوضع بالشرق الأوسط ، و تتخوف من حرب محتملة مع  حزب الله و إيران وحماس،  و تحاول جاهدةً ،  أن تُحبط  بكل محاولتها  السياسية و العسكرية  أية محاولة إيرانية لتأسيس برنامجها النووي أو دعم أعداء إسرائيل.

وبالحديث عن دور الدول العربية في دعم القضية الفلسطينية في الوقت الحالي ، لابد من الإشارة،  أن حتى تلك الدول العربية التي يجب أن تكون راعية لأي اتفاق سلام مع إسرائيل، والتي قدمت مبادرة عربية للسلام مع إسرائيل ، مثل المملكة السعودية العربية ، هي أيضا منشغلة   بالحروب المشتعلة  في كل من سوريا و اليمن، و تتخوف من المشروع الإيراني النووي ومن أزمة النفط،  بالإضافة إلي انشغال مصر الراعية الأولى للقضية الفلسطينية في محاربة الجهاديين بسيناء ، فكيف إذن سوف تُقدم تلك الدول العربية الدعم للفلسطينيين وهي غارقة حتى أخمص قدميها  في حروب دامية و صراع سني – شيعي.

أما بالنسبة للدول الغربية التي يمكنها أن توفر دعم دولي للقضية الفلسطينية، فهي حالياً  تشعر بالبرود السياسي تجاه الفلسطينيين ، خاصة بعد أن أصبح أمن مواطنيها مهدداً  بأي لحظة من قبل هجمات إرهابية ، وهي غارقة بمشاكل اللاجئين السوريين الذين بدؤوا يجتاحون أوربا و أمريكا و يشكلون قلق كبير للمجتمع الدولي.

وربما يقول البعض أن فرنسا تحاول دعم الفلسطينيين ، لكنه بالرغم من تدخل فرنسا لدعم مبادرة السلام التي طرحتها السلطة الفلسطينية مؤخرا على باريس ،إلا و أن هذا الدعم الفرنسي كان مقدم على استحياء و لم تدعم فرنسا بقوة مطالب الفلسطينيين، بل حاولت أن توفق بشكل خجول بين مطالب الإسرائيليين و الفلسطينيين، وفي النهاية رفضت إسرائيل التعامل بشكل مطلق مع تلك المبادرة، مما أدى إلي فشلها قبل حتى عقد مؤتمر دولي لمناقشتها.

لذا أعتقد أن المرحلة الحالية غير مناسبة أبداَ  لأية مبادرات فلسطينية جديدة لتسوية أوضاع القضية الفلسطينية، حيث قد يؤدي الاستعجال السياسي بحسم القضية الفلسطينية مع إسرائيل إلي تقديم تنازلات هامة قد تحرج القيادة الفلسطينية مستقبلياً مع شعبها، أو قد تؤدي إلي فشل الجهود المبذولة بسبب إصرار الطرف الإسرائيلي  للتفاوض مباشرة مع الجانب الفلسطيني، وتهربه من أية مفاوضات قد تُعقد تحت غطاء دولي، لتحديد الحدود النهائية للدولة الفلسطينية في فترة زمنية قصيرة،  مما سيزيد من مشاعر الإحباط عند الشعب الفلسطيني و تفاقم أحاسيس العجز و اليأس عند القيادة الفلسطينية.

لذا أعتقد أنه من المناسب جداً في تلك المرحلة، هو التركيز فقط على ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني و توحيد الصف الفلسطيني تحت مظلة حكومة موحدة بالضفة الغربية وقطاع غزة ، و يجب  العمل على إغلاق ملف الانقسام الفلسطيني و تحضير الشعب الفلسطيني لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، وبعدها عندما تتولد حكومة جديدة منتخبة وشرعية من قبل الشعب يكون هناك الوقت المناسب للتفكير في إعداد ملف تفاوضي جديد متفق عليه بين جميع الفصائل السياسية مع توفر دعم شعبي.

حينذاك  سيقبل الشعب الفلسطيني و الفصائل السياسية الفلسطينية بالنتائج التي ستصدر عن ملف التفاوض ،  لأنها ستكون منبثقة عن حكومة وطنية ومنتخبة و لن يكون هناك صراع بين المفاوضين و بين القيادات السياسية الممثلة لباقي الفصائل الفلسطينية حول مبادئ التفاوض الأساسية.

فما الفائدة أن يتفاوض الجانب الفلسطيني مع إسرائيل، وهو يعلم في قرارة نفسه ، أن  نحو نصف الشعب الفلسطيني غير موافق على مبدأ التفاوض مع إسرائيل !

فهل يؤجل فريق التفاوض موافقة الشعب على المفاوضات بعد الانتهاء كلياً من التفاوض، ثم يصطدم بالواقع السلبي والرفض الشعبي لنتائج المفاوضات ، الأمر الذي يعتبر غير منطقياً ، حيث في حال رفضت الفصائل الفلسطينية و أعداد كبيرة من الشعب الفلسطيني مخرجات التفاوض، لن يكون هناك إمكانية لفرض تلك الالتزامات الناتجة عن التفاوض مع إسرائيل على أرض الواقع في ظل هذا الرفض الشعبي و الحزبي الكبير وفي ظل الانقسام الفلسطيني بين شطري الوطن، فليس من المعقول تطبيق السلام في الضفة الغربية وترك غزة للقدر والمستقبل الغامض.

لذا من أجل توفير الوقت، وعدم إضاعة الجهود المبذولة سدي ، يجب أن يتم أولا العمل على توحيد الصف الفلسطيني ومن ثم العمل على تطوير إستراتيجية وطنية موحدة  لحسم النزاع مع إسرائيل، و ذلك بعد عمل تقييم موضوعي وصادق  لنقاط ضعف وقوة المفاوضين الفلسطينيين السابقين، و التعلم من الدروس السابقة في التفاوض، ومن ثم يذهب الطرف الفلسطيني بدعم شعبي كامل ويتفاوض بكل ثقة وقوة و بروح معنوية عالية مع الجانب الإسرائيلي للمطالبة بالحقوق الفلسطينية المشروعة و التي يكفلها القانون الدولي.

إن المشكلة الأساسية، ليست بعملية التفاوض نفسها  أو بمدى موافقة الطرف الإسرائيلي على التفاوض معنا كفلسطينيين  أو في حتى كيفية  تحديد الحدود النهائية  للدولة الفلسطينية ، المشكلة الحقيقية تكمن  بعد الانتهاء من التفاوض مع الجانب الإسرائيلي ، فهل يمكن تطبيق نتائج المفاوضات على الأرض؟  كيف ستنفذ القيادة تعهداتها مع إسرائيل في حين رفضت الفصائل السياسية الالتزام بتلك التعهدات؟ هل ستفرض السلطة تلك التعهدات بالقوة على الشعب الفلسطيني ؟  وكيف ستنفذ تلك الالتزامات بقطاع غزة وهو خارج عن سيطرتها ؟

لذا إذا عجزت القيادة الفلسطينية الحالية عن الإجابة على تلك الأسئلة الشائكة ، فهي بالتالي تعطي ذرائع  كبيرة لإسرائيل للتهرب من التفاوض معها بحجة عدم إمكانية تطبيق أية تعهدات فلسطينية بقطاع غزة في ظل الانقسام الفلسطيني.

لذلك أفضل شيء قد تقوم به القيادة الفلسطينية، هو العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني والتركيز على بناء مؤسسات الدولة و تعزيز سيادة القانون والعمل على تحليل موضوعي وشامل  للأوضاع الأمنية الحالية التي يمر بها الشرق الأوسط  و  من ثم استخلاص الدروس والعبر من الصراعات العربية في المنطقة، مع التعامل بتوازن مع قوى الإقليم دون الانحياز لأي طرف في الصراع الإقليمي.

فلتعتبر القيادة الفلسطينية تلك المرحلة الغير مستقرة كمرحلة تحضير و إعداد و تعتبرها مرحلة انتقالية إلا ما بعد انتهاء الصراعات في الشرق الأوسط و استقرار المنطقة ،  فلا أحد الآن همهٌ الرئيسي القضية الفلسطينية، و لن تنال القيادة الفلسطينية الدعم العربي والدولي المطلوب.

لذا فإن الحل يكمن بأيدي الفلسطينيين فقط ، و لا يوجد مجال الآن للمغامرات السياسية و التجارب العسكرية ، لنبقى كفلسطينيين صامتين، نراقب الوضع بهدوء حذر ونتعلم من أخطاء العرب التاريخية في المنطقة ومن أخطأنا أولاً كفلسطينيين ، ثم نخطط بعقلانية وواقعية  كيف سنتصرف بالمستقبل وكيف سنفاوض بقوة و بدعم عربي ودولي كبير وضمن تأييد شعبي و فصائلي،  حتى لا نعود إلي المربع صفر أو نندم على اتفاقيات جديدة تزيد من حالة السخط الشعبي،  ويتم مهاجمتها  مرة أخرى مثلما حدث بالسابق مع اتفاقية أوسلو للسلام،  التي تم فرضها على الجميع دون الحصول على موافقة جماهيرية و حزبية عليها،  مما أدى إلي الحكم عليها بالفشل قبل حتى أن يتم تطبيقها.

و أخيراً، أقول هنا و مرة أخرى ، أيها القائد الفلسطيني راقب و تعلم و لا تغامر ….

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s