الحل ليس عند الرئيس

لو جربت أن تسأل أي طفل عربي صغير،لا يتجاوز عمره السبع سنوات، ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ ربما سيجيبك هذا الطفل بشكل عفوي أنه يريد أن يصبح الرئيس.

وعندما تسأل أي ناشط شبابي طموح ما هو حلمك بالمستقبل ؟ ربما يرد عليك بأسلوب غير مباشر بأنه يرى نفسه قائدا سياسيا كبيرا ولا يستبعد احتمالية بأن يرشح نفسه في يوم ما ليكون الرئيس.

هكذا يري بعض الأطفال والشباب العرب أنفسهم في المستقبل، كمحاولة منهم لإيجاد حلول سريعة لمشاكلهم اليومية ومشاكل بلادهم  السياسية والاقتصادية و الاجتماعية، التي تحتدم يوما بعد يوم، وتتأزم أكثر فأكثر مع مرور الزمن.

إن حلم الوصول للرئاسة أو للوزارة،عند بعض الشباب العربي، ما هو إلا مجرد  تعبيرعن رؤيتهم المضلله للتغيير والإصلاح وأسلوبهم الخيالي لإيجاد حلول سريعة لمشاكلهم المجتمعية، حيث يعتقد هؤلاء الشباب أن الشخص الذي سيكون الرئيس أو الوزيرهو من بيده المفتاح السحري لحل كل القضايا، فحسب اعتقادهم أن الرئيس هو الذي سيقضي على البطالة وهو الذي سيقضي على الفقر وهو الذي سيوفر الصحة للناس ويحمي البيئة وهو الذي سينتصر لحقوق المرأة و سيوفر الأمن والاستقرار للبلاد، وذلك تجاهلاً منهم لأهمية دور المؤسسات الحكومية في الدولة.

و ينبع هذا الخلل في التفكير العربي من عدة عوامل أهمها:

  • ضعف النظام التعليمي في الدول العربية ، حيث تتبنى معظم المناهج التعليمية العربية منهجية التلقين والحفظ و أسلوب تعظيم الطالب المتفوق، الذي يصبح زعيم الفصل مع تهميش باقي الطلبة ذوي التحصيل العلمي المتوسط أو المنخفض، والنظر إليهم من قبل مدرس الفصل بدونية، فتتخلد فكرة المتفوق الأبرز في المدرسة، الذي يحصل على كل التكريم والجوائز، مما يرفع مستوى الأنا عند هذا الطالب النجم، مع التقليل من أهمية تحفيز العمل الجماعي عند باقي التلاميذ.
  • هشاشة البرامج الثقافية في الدول العربية التي تروج لأفكار حزبية، وتتجاهل التطور الثقافي في الدول المتقدمة مما يخنق عامل الإبداع و التحليل النقدي عند الشباب، فترى الشباب العربي يتبنى التفكير الساذج الذي يعتقد بنظرية البطل الأوحد الذكي أو القوي الذي سوف يحل جميع المشاكل.
  • إهمال تعزيز سلطة القوانين المدنية وتطويرها، وعدم إشراك الشباب في تطوير قوانين تحمي حقوقهم في حرية التعبير عن الرأي بطرق سلمية، مما يجعل الشاب العربي يندفع لاستخدام العنف في التعبير عن أرائه السياسية والاجتماعية، ويصبح فريسة سهلة للتنظيمات الإرهابية التي تستقطبه للانضمام في صفوفها .
  • قلة الوعي السياسي عند الناشطين السياسيين الذين يروجون لنظرية البطل والرجل الخارق والذي سيحل مشاكل الأمة مما يهمش و يخلي مسئولية عناصر المجتمع الأخرى.
  • عدم جدية ومهنية البرامج التنموية التي تنفذها مؤسسات المجتمع المدني، حيث هناك ميل كبير لإرضاء متطلبات الممول الخارجي، دون الاقتناع بفكرة ومضمون البرامج المنفذة.

 

و بالإضافة إلي تلك العوامل المذكورة، أرى أيضاً  أنه من أهم أسباب الخلل في التفكير الشبابي العربي، هو تكريس ثقافة الولاء والطاعة الجماعية لقمة الهرم.

 

ويعود ذلك لثقافة مؤسسات الدولة التي تروج لأحادية التفكير و لتوحيد الفكر الجماعي نحو تمجيد القائد مع عدم احترام من هو مختلف، مما يجعل الشباب العربي يشعر بأنه عاجز عن تبني وسائل العمل الجماعية التي تهدف لخدمة المجتمع بكافة شرائحه، حيث العمل المجتمعي والسياسي يجب أن يبدأ من القاعدة، وذلك عن طريق رفع وعي جميع أفراد الشعب، بكافة طوائفه وانتمائته نحو هدف واحد، وهو مصلحة المواطن وتوفير الحياة الكريمة له.

ولا يمكننا أن ننكر أيضاً ، دور المجتمع العربي في بناء الشخصية العربية التنموية والمبدعة، فالعائلة العربية توجه عادة أبنائها منذ الصغر، نحو تبني فكرة موحدة، وهي أن القرار الأول والأخير هو بيد رب العائلة وحده، أو الأخ الأكبر مع تهميش باقي أفراد الأسرة،مما يجعل المجتمع العربي يتجه نحو تمجيد السلطة الأبوية، وتحميل تلك السلطة مسئولية حل كل المشاكل، بغض النظر عن عجز تلك السلطة عن تقديم حلول بسبب قلة الموارد أو قلة الخبرة.

لذا نلاحظ أنه حتى عند أعضاء الطبقة المثقفه و النخبه في البلدان العربية، هناك من يعمل على تكريس فكرة عامة، وهي أن الحل دائما يكمن بيد قائد واحد أو حزب واحد، مما يجعل الشباب العربي يشعر بالعجز من إمكانية إيجاد حلول عملية وواقعية لمشاكلهم اليومية فيغرقون بالخيال والأحلام ويعتقدون بأنه يوما ما،  سوف ينتفضون على واقعهم الأليم عبر توليهم منصب سياسي مرموق أوعبر تواصلهم وارتباطهم مع شخصية كبيرة مثل رئيس الدولة.

لكن واقعياً، الشباب العربي يحتاج إلي أن يستيقظ من الثبات العميق و أن يتبني التفكير المنطقي والواقعي بعيدا عن الغوص في أحلام اليقظة وافتراض أشياء خيالية غير موجودة.

وهناك في واقعنا، بعض نماذج من محاولات بعض الشباب العربي  للتواصل مع الرئيس باعتباره الحل، مثل حملات شبابية، قام بها بعض الشباب الفلسطيني للتواصل مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس ،  كحملة  “الشاب بكر” الذي يريد أن يتحدث مع الرئيس، وحملة “وصل العروس للعريس يا ريس” ، التي طالبت الرئيس بمساعدة شابة من غزة للزواج من شاب بالضفة الغربية.

حيث اعتقد أصحاب تلك الحملات، أنهم لو تحدثوا مع الرئيس مباشرة،  سوف يتم حل كل مشاكلهم مما يهمش ويلغي دور مؤسسات الدولة الأخرى و يضعف النظام الحكومي، فالأجدى من ذلك هو العمل على توثيق الثقة بين المؤسسات الحكومية و المواطن، وتحديد جهات فاعلة للاستماع لمشاكل وشكاوي المواطنين، عن طريق تفعيل إجراءات المسائلة الاجتماعية.

لذا فإن توجه المواطن العادي دائما لمناشدة الرئيس،عندما يعجز عن حل مشاكله الحياتية ، ما هو سوى دليل على فقدان الثقة بين مؤسسات الدولة الوطنية والمواطن، حيث يعتقد المواطن أن مشكلته سوف تبقي في أدراج مكاتب الوزارت و لن يتابعها موظفي الدولة  باهتمام شديد وأمانة.

ولكي يلفت هذا المواطن الأنظار لمشاكله،  يقوم بعمل مناشدة للرئيس عبر وسائل الإعلام ، حتى يقوم بالضغط على الوزارة للاستجابة لمطالبه، وهذا إن دل على شيئ فهو يدل على عدم وجود شفافية في التعامل مع شكاوي المواطنين، وفقدان الثقة وضعف المؤسسات الحكومية.

لذلك يجب أن يتم فتح مكاتب لتلقي شكاوي المواطنين ومتابعتها بجدية، و يجب أن تكون تلك المكاتب تابعه للوزرات وأن يتم تعيين لتلك المكاتب كوادر مهنية مخصصة فقط للمتابعة الجدية لشكاوي المواطنين وللابلاغ عن الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن.

ويجب أن يتم أيضا تمكين سلطة القانون والقضاء لمحاكمة الفاسدين وأن تكون اليد العليا للقضاء النزيه، حتى يشعر المواطن بالأمن والحماية، وأنه ليس بحاجة إلي شخص ذو سلطه عليا، لكي يحميه، فعندما تكون إجراءات المتابعة واضحه والقوانين والتشريعات علنية ومحددة، عندها سيكون لدى المواطن ثقة بأن هناك من سيحاسب المسئول في حال أهمل أو تم انتهاك حقه.

إن الاصلاح الذي يحتاجه المواطن الفلسطيني بشكل خاص والمواطن العربي بشكل عام،هو اصلاح في كافة المجالات أهمها مجال التشريعات والقوانين والمسائلة الاجتماعية، واصلاح في طريقة التفكير وأسلوب حل المشاكل المجتمعية و السياسية بشكل لا ينتهك الكرامة الانسانية و لا يسبب الإذلال و الإهانه و الشعور بالتسول من قبل المواطن.

فالرئيس أو الوزير تكمن مهمته الأساسية في إقرار السياسات العليا للبلاد والعمل على التأكد من محاسبة المخالفين وتطبيق القانون بعدالة، وليس إيجاد حلول روتينية للمواطنين التي يجب أن يتم توفيرها تلقائيا من قبل موظفي الدولة في المؤسسات الحكومية، فطريقة رفع المشاكل والمناشدات مباشرة إلي رأس الهرم، تدل على عدم كفاءة  مؤسسات الدولة بالتعامل مباشرة مع المواطن المهضوم حقه ،الذي يعاني من انتهاكات و إهمال بمتطلباته ،مما أعتبره نوعا من  انتهاك روح  المواطنة و الديمقراطية التي تحبذ توزيع السلطات بين عدة جهات، وعدم التفرد بالقرار من قبل شخص واحد.

ويجب أن يكون القانون أيضاً ، هو السلطة العليا بالبلاد، التي يجب أن يخضع لها الحاكم قبل المواطن، وأن يتم سن عدة قوانين لمصلحة المواطن مع مراعاة حقوقهم جميعا بكافة أطيافهم وذلك تماشيا مع المبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لذا عندما يشعر المواطن ، أن القانون سوف يوفر له الحل، سيشعر المواطن بقيمته و بإنتمائه للمجتمع وسوف يتحمل المسئولية الكبيرة لتغيير واقعه السلبي بالاعتماد على نفسه، حيث سوف يطالب  حينذاك هذا المواطن بحقه عبر القانون و دون الحاجة للتوسل أو التسول من أي مسئول رفيع المستوى لكي يسعفه بالحل العاجل لمشاكله.

وعندما أيضاً، يشعر المواطن أن هناك قانون يحميه وأن هناك من يطبق القانون بشكل متساوي وعادل على الجميع و دون تمييز أو محسوبية أو إهمال، وأن هناك  جهة فاعلة للمسائلة وتلقي الشكاوي ، لن يخجل بعدها أن يقول الطفل الصغير أو الشاب، أنه يريد أن يصبح عامل نظافة وليس رئيس ، لأنه حينذاك سيعلم هذا الطفل أو الشاب، أنه سيتم التعامل معه في كافة الأحوال كمواطن لديه كافة الحقوق والواجبات ، و لن يلقى تمييز في المعاملة  من قبل مؤسسات الدولة بسبب مركزه  الاجتماعي المتواضع.

أخيرا أرى أنه يجب أن يتم توعية المواطنين بأنهم كلهم ذو قيمه وكلهم فاعلون بالمجتمع  و أنه بيدهم هم الحل لتغيير واقعهم الأليم عن طريق استخدام القانون و المبادرات السلمية والإجراءات الشرعية للتبليغ عن الفساد والتوجه للجهات المعنية بشكل رسمي، و ليس فقط عن طريق وسائل الاعلام أو واسطة من مسئول كبير.

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s