إلي اللواء ماجد فرج: لا تُبرر ولا تُعطي الحبة الزرقاء !

في مشهد مؤثر للفيلم الأمريكي المصفوفة ” The Matrix ” ، تم الطلب من بطل الفيلم أن يختار إحدى الحبتين ، الحبة الزرقاء التي ستجعله يعيش في عالم الوهم و سيضل عبرها يعيش حياة خيالية كاذبة صنعتها له برامج الذكاء الاصطناعي ، أو أن يختار الحبة الحمراء التي ستكشف له الحقيقية المرة بمجرد أن يبتلعها ، وسيرى العالم الحقيقي وكيف أصبح بعد سنين طويلة من الحروب بين البشر و الآلات.

و يجعلنا هذا المشهد السينمائي، نتساءل هنا فيما يقدمه المسئولون و القادة الفلسطينيون لأفراد شعبهم الفلسطيني بالداخل و الخارج ، فهل يقدمون لهم الحقائق المجردة و يكشفون لهم التحديات الواقعية التي تحول دون تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة و تحرير الأراضي الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي ، أم أنهم يعطوهم دوماً الحبة الزرقاء الشهيرة بفيلم المصفوفة و التي تجعل المواطن الفلسطيني يعيش في وهم و خدعة سياسية و أمال زائفة لا يمكن تحقيقها ؟

و للإجابة على تلك التساؤلات، لابد من الإشارة لبعض التصريحات الإعلامية التي تم إعلانها مؤخراً من قبل المسئولين الفلسطينيين عبر وسائل الإعلام الغربية ، أبرزها تصريح لرئيس المخابرات في السلطة الفلسطينية ، اللواء ماجد فرج ، الذي قال خلال مقابلة له مع مجلة الدفاع الأمريكية ” National Defense ” أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد أحبطت 200 عملية كانت ستنفذ ضد إسرائيل منذ بداية المواجهات وحذر فرج من انتشار الجماعات المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية قائلا “إن السلطة تعمل مع إسرائيل والولايات المتحدة وآخرون لمنع الفوضى والعنف والإرهاب”.

و تعقيبا على ما ذكره اللواء فرج للصحافة الأمريكية ، أستطيع القول أن تلك التصريحات يجب أن لا تكون مفاجأة للمواطنين الفلسطينيين ، حيث ما أعلنه اللواء هو الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية وقائدها الرئيس محمود عباس ، الذي أعلن مرارا و تكرارا رغبته بعودة المفاوضات مع إسرائيل و التمسك بالتنسيق الأمني الذي اعتبره أيضاً مقدساً من أجل منع أي حجة أمنية للإسرائيليين بعدم موافقتهم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 ، الأمر الذي يجعلنا نستهجن استغراب قادة الفصائل الفلسطينية من سماعهم تلك التصريحات الأخيرة للواء فرج و كأنهم لا يعلمون مسبقا موقف السلطة الفلسطينية من التنسيق الأمني مع إسرائيل.

إن ما أدعو له هنا ، هو ليس دعم أو مهاجمة أية تصريحات إعلامية تصدر من قبل القادة أو المسئولين الفلسطينيين ، بل ما أناشد به ، هو أنه يجب على أي قائد أو مسئول أو سياسي فلسطيني أن يتجنب أثناء تحدثه عن رؤيته السياسية أسلوب الخطاب المزدوج ، حيث يتم عادة ً توجيه خطاب حول موضوع معين لإسرائيل باللغة العبرية أو إلي الغرب باللغة الانجليزية و من ثم و في ذات الوقت يتم توجيه خطاب أخر للشعب الفلسطيني حول نفس الموضوع لكن برسالة مختلفة باللغة العربية . لذلك يجب أن يتمتع السياسي و المسئول الفلسطيني بقدر كبير من الثقة بالنفس و القناعة و الإيمان بما يقوله، لدرجة أن لا يخشى هذا السياسي أن يصرح و أن يعلن عن رأيه بصراحة كما هو في أي شأن سياسي و عليه أن يرسل نفس المحتوى لرأيه حرفيا كما هو ، سواء باللغة العربية أو اللغة الأجنبية ، فلقد حان الوقت أن يتحلى المسئولون بشجاعة أكبر ، بأن يقولوا نفس الحقيقة و يسردوا نفس الواقع للجميع، و بشكل متساوي و بأسلوب موحد يخلو من التناقض و من سياسة المعايير المزدوجة .

فالشعب الفلسطيني يراقب ويتابع عن كثب و لا يريد حوارات ونقاشات تجري دون علمه من تحت الطاولة ، أو أن يتم تقديم وعود و محاولات طمأنه لإسرائيل و الغرب بالتعاون معهم من أجل تحقيق السلام و الوصول للحل النهائي للدولتين، و في نفس الوقت يتحدث نفس هؤلاء القادة عبر شاشات و إذاعات وسائل الإعلام الفلسطينية بلغه مختلفة تشجع على الثورة و الانتقام من الاحتلال الإسرائيلي ، فيكتشف بعدها المواطنون الفلسطينيون أن نفس القيادة السياسية التي تحرضهم بالعلن على الانتقام هي نفسها التي تستنكر بالخفاء لطريقة ثأر الشباب الفلسطيني من الاحتلال ، فهل يعتقد هذا المسئول أن المواطن الفلسطيني لن يصله ما يحدث من وراء الكواليس أو أن الإسرائيلي و الغربي لن يسمع ما يصرح به هذا المسئول عبر وسائل الإعلام الفلسطينية بالعلن؟

لذا لابد هنا من الإشارة ، أن وسائل الإعلام الغربية و الإسرائيلية تتعمد أن تكشف ما يصرح به المسئولون الفلسطينيون للإسرائيليين و الغربيين عبر المفاوضات السرية أو اللقاءات الشخصية ، من أجل شيء واحد فقط ، وهو أن يتم إحراج المسئول الفلسطيني أمام شعبه ومن أجل إرسال رسالة واحده، مفادها ما يلي :

“تحدثوا لشعبكم بالعلن بنفس اللغة التي تتحدثون بها إلينا بالسر ! ”

و ذلك لأن إسرائيل و الغرب لا يريدون مجرد طمأنه و اتفاق من بعض المسئولين، و لا يعنيهم ما يقوله لهم هؤلاء المسئولين بالخفاء ، هم بكل بساطه وصراحة وحسب ما ينشر بوسائلهم الإعلامية ، يريدون تصريحات علنية رسمية و توافق شعبي ووطني على طريقة واحدة للتعامل مع إسرائيل، إما السلام الدائم معها أو الحرب ودوامة العنف اللانهائية !

لذا أعتقد أنه من الأفضل للواء فرج ، أن لا يُبرر سبب تصريحاته الأخيرة بخصوص إحباط السلطة الفلسطينية لبعض العمليات ضد إسرائيل، بل عليه أن يتحدث بصراحة مع الشعب الفلسطيني عن العجز الفلسطيني لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية الكاملة التي تشمل أراضي فلسطين التاريخية لعام 1948 و أن يعترف اللواء فرج و القادة الفلسطينيين ، بالحقيقة التي لا يتقبلها الشعب الفلسطيني حتى الآن، وهي بأن العالم أجمع بات يدعم فقط حل الدولتين على حدود 1967 ولن تتخلى الدول الكبرى عن إسرائيل ، و لن تسمح لأحد أن يدمرها ، لذا يجب أن يتم إعلام جميع أفراد الشعب الفلسطيني بشكل مباشر وصريح بأن أمامهم خيارين فقط وهما :

1) طريق اللا عنف و القبول بسلام دائم مع إسرائيل ، و لكن عليهم أن يتحملوا النتيجة ، حيث عند اختيارهم هذا الطريق ، لن يستردوا أراضي فلسطين التاريخية وسوف يتغير شكل خارطة فلسطين التاريخية المثلثة الشكل لتتشكل خريطة جديدة على حدود 67 و سيتعامل الفلسطينيون مع إسرائيل بصفتها دولة جارة و ليست عدو، و سيتم منع أي عملية ضد إسرائيل وسيتخلى عدد كبير من الفلسطينيين عن حلم العودة الكاملة لقراهم الأصلية.

2) طريق العنف و الكفاح المسلح و محاربة إسرائيل للأبد، ولكن عليهم أن يتحملوا النتيجة عند اختيارهم هذا الطريق ، لأن إسرائيل سوف ترد بعنف وتعاقبهم وتسبب لهم دمار شامل و سيتشهد ألاف المدنيين الفلسطينيين و سيتم فقدان أكثر من مئة ألف فرصة عمل للعمال الفلسطينيين داخل إسرائيل و سيفرض حصار دولي مشدد و سيصاب مئات الأطفال الفلسطينيين بالإعاقات والتشوهات بسبب الحروب و سيعتقل مئات الشباب الفلسطيني في السجون الإسرائيلية.

وهنا على الشعب الفلسطيني أن يختار أحد الطريقين ، و أن يتحمل مسئولية اختياره ، فإذا اختار طريق الكفاح المسلح، عليه أن لا يبكي عندما يرى صور الشهداء و عليه أن لا يشكوا من الحصار و إهمال العالم له.

و إذا اختار طريق السلام، عليه أن لا يبكي على الأطلال قراه القديمة المهجرة و عليه أن لا يخلف عهده للسلام مع إسرائيل و أن لا يخطط لمهاجمتها مرة أخرى.

إذن ، لا يوجد حل وسط ، و لا يستطيع الفلسطيني أن يضع قدم في الجنة و قدم أخرى في النار ، و ليتم مصارحة الشعب الفلسطيني بالحقيقة القاسية و ليترك له المجال لتحديد مصيره و قدره ، الحرب أم السلام ؟

لذلك، يجب عدم بيع الفلسطينيين أمال و أحلام وهمية تعجز القيادة الفلسطينية مهما بلغت قوتها العسكرية من تحقيقها ، فلماذا يتم استنزاف الدم الفلسطيني من أجل إحداث خدش بسيط في ذراع يهودي أو من أجل محاولة قتل امرأة حامل.

هل سيحقق ذلك ، الانتصار على إسرائيل و هل سيجلب ذلك للشعب الفلسطيني الحرية و الدولة الفلسطينية المستقلة ؟

لتعطوا الشعب الفلسطيني حبة الحقيقية ، الحبة الحمراء التي تجعلهم يستيقظون و يعرفون حقيقة واقعهم و حقيقة قدراتهم الحقيقية أمام احتلال شرس لا يمكن هزيمته بواسطة أطفال فلسطينيين لا تتجاوز أعمارهم عشر سنوات ، يطعنون بسكين فاكهة ترتعش في كفة أياديهم الصغيرة الناعمة !

فهل تم اختيار هؤلاء الأطفال كقرابين بشرية لكي يدفعوا ثمن عجز القيادات عن تحرير الوطن، بينما أطفال المسئولين يسافرون إلي الخارج لكي يمثلون فلسطين في برامج تبادل ثقافية عالمية ، يتحدثون عن السلام الزائف و في ذات الوقت غيرهم من أطفال المواطنين العاديين يتم قتلهم على قارعة طرقات المستوطنات و الحواجز الإسرائيلية !

هل هذا هو النضال و التحرير الذي يريده الشعب الفلسطيني وقياداته ؟

لا يوجد داعي للتبرير و الخوف من قول كلمة “لا ” ، لا لاستغلال الأطفال و المراهقين في عمليات لن تُثمر شيئاً سوى مزيد من القتل و الاعتقال و الاحتلال.

و على اللذين يزايدون بالوطنية ، و يقولون الشعب الفلسطيني يريد ذلك ، عليهم أن لا يتحدثوا باسم الشعب الفلسطيني ، لأنهم لا يعلمون من هو أصلا الشعب الفلسطيني ؟

هل الشعب الفلسطيني، هو الشابة التي ترتدي أحدث صيحات المودة الغربية و تدخن الأرجيلة وتحتسي كأس من الجعة في إحدى المقاهي الفخمة برام الله و لا تكترث لشيء سوى أخذ صورة سيلفي مع مطرب فلسطيني شاب ، أم الفتاة الخليلية المحجبة التي تكاد تموت قهرا ، عندما تقوم مجندة إسرائيلية بتفتيشها يومياً عند ذهابها لأداء الصلاة بالحرم الإبراهيمي و تحلم بشوق بأن تزور الأقصى لأداء صلاة الجمعة في أي وقت و بحرية تامة ؟

هل الشعب الفلسطيني ، هو الشاب الوسيم ابن المسئول، الذي تخرج من جامعة أجنبية بمنحة من منظمة التحرير، ثم تم تعينيه فور تخرجه بمركز دبلوماسي مرموق لأنه يتحدث اللغات الأجنبية ومدعوم من سلطة أبيه ، أم هو الشاب الخريج الذي يقطن في قرى شمال الضفة الغربية و الذي باعت أمه حلاها الذهبية من أجل تعليمه و يكافح يومياً من أجل إيجاد وظيفة إدارية بسيطة في مجال تخصصه، لكن بسبب الواسطة و المحسوبية، يضطر للذهاب للعمل كعامل غير شرعي في إحدى المطاعم الإسرائيلية و يتم اصطياده من قبل الجيش الإسرائيلي وهو مختبئ في الحقيبة الخلفية للسيارة ؟

هل الشعب الفلسطيني هو الطفلة التي تنام ليلا على فراش دافئة و في غرفة مزينة بكافة أنواع الألعاب ، وتذهب في الصباح بعربة مكيفة لمدرستها الخاصة بحي الرمال ، مرتديةً معطفا شتويا محشو بالقطن الفاخر ، أم الطفلة التي تبللت وسادتها بقطرات المطر المنبثقة من سقف الكرفان البالي بقرية خزاعة في غزة، و التي تكافح كل صباح من أجل السير في الوحل الذي يخترق حذائها الممزق، لكي تذهب إلي مدرستها التي تبعد عشرات الكيلو مترات عن مكان سكنها.

من هو الشعب الفلسطيني ؟ الذي تتوجه إليه القيادة الفلسطينية اليوم و تحسب له ألف حساب ؟

الفقراء أم الأغنياء ؟ ، المنافقون السياسيون الذين يستغلون جنازات الشهداء ، أم الوطنيون المخدوعون و الذين يضحون بحياتهم من أجل أوهام ووعود كاذبة ؟

للأسف ، الشعب الفلسطيني صار مُقسم إلي ثلاثة أقسام : ثلث خائف و مقهور ، وثلث منافق واستغلالي و ثلث مُضلل يتم المتاجرة بدمائه لأجندات سياسية خفية.

لذا أيها اللواء ، أقول لك مرة أخرى ، لا تُبرر و لا تعطي الحبة الزرقاء ، دع الشعب الفلسطيني يختار ما بين الحقيقة و الوهم و يتحمل مسئولية اختياره !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s