المخاوف العربية من الاتفاق النووي الإيراني

تتسم العلاقة بين إيران و معظم الدول العربية بنوع من البرود و عدم الثقة بين الطرفين حيث يسود تلك العلاقة كثير من الريبة و الشك و بعض التحفظات و الانتقادات العلنية المتبادلة بين دول الخليج العربي على وجه الخصوص و إيران وذلك بسبب دعم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الخميني للمعسكر الشيعي المتواجد في بعض الدول العربية و المعارض لسياسة بعض الحكام العرب الذين ينتمون لجماعة السنة .

ومع انقسام المسلمين بالعالم الإسلامي إلي عدة ملل وطوائف إسلامية أبرزهما طائفتي السنة و الشيعة، دخلت إيران في أتون الصراع الإسلامي الداخلي بتبعيتها للنهج الإسلامي الشيعي المنافس للنهج الإسلامي السني الذي يتبناه معظم الدول العربية في المنطقة .

فالخلفية التاريخية و الإسلامية لإيران و الدول العربية، لابد لها من أن تؤثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقات بين الطرفين خاصة بين المملكة السعودية التي تعتبر نفسها أكبر دولة عربية سنية يحج إليها ملاين المسلمين كل عام لأداء طقوس الحج ،و إيران التي تعتبر نفسها أكبر دولة إسلامية شيعية تناصر المسلمين الشيعة في جميع أنحاء العالم و تنافس السعودية و باقي الدول العربية للسيطرة و الهيمنة على الشرق الأوسط و تأسيس الخلافة الإسلامية الكبرى حسب تصورات الخامنئي.

لكن لابد من القول أن الصراع بين الدول العربية و إيران ليس فقط صراع ديني أو أيدلوجي بل يمتد إلي عمق أخطر من ذلك بكثير، وهو الصراع على النفوذ و المواراد الطبيعية و الأخطر من ذلك الصراع للحصول على أقوى سلاح في العالم وهو القنبلة النووية .

لذا سأتناول في هذا المقال أهم أسباب المخاوف التي يشعر بها العرب جراء الاتفاق النووي الإيراني المحتمل بين دول (5+1) و إيران، و سيتم مناقشة العوامل الرئيسية لتلك المخاوف العربية و دور الولايات المتحدة الأمريكية في زيادة القلق العربي من احتمالية حصول ايران بالمستقبل على سلاح نووي ، قد يهدد موازين القوى في الشرق الأوسط و يؤدي إلي خلق سباق تسلح نووي في المنطقة.

الأسباب الرئيسية للمخاوف العربية من الاتفاق النووي الإيراني :

إن من أهم أسباب المخاوف العربية من الاتفاق النووي الإيراني المحتمل توقيعه في نهاية شهر حزيران 2015 بين دول (5+1) و الحكومة الإيرانية ، هو عدم ثقة العرب بالنوايا الخفية للحكومة الإيرانية تجاه احتمالية إنتاج سلاح نووي إيراني يجعل إيران قوة نووية كبرى تهدد استقرار الأمن في الدول العربية خاصة في الخليج العربي مما يؤدي إلي زيادة دعم المعارضة الشيعية في تلك الدول العربية التي من شأنها أن تهدد استقرار الحكم السني في البلدان العربية. وتعود جذور عدم ثقة الدول العربية السنية الكبرى بإيران إلي عدة عوامل دينية وسياسية أهمها ما يلي:

أولا) الخلافات العقائدية بين العرب و الإيرانيين:
لا يوجد شكك أن الخلاف العقائدي بين طائفتين هما الأكبر في العالم الإسلامي وهما جماعتي السنة والشيعة لقد ألقى بظلاله على العلاقة بين دول الخليج العربي و إيران و تسبب بانعدام الثقة بينهما، فعلى الرغم من أن بداية الخلاف بين السنة و الشيعة كان قديم منذ عصر الخلفاء الراشدين ، حيث بدأ مع مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، الذي تسب مقتله في حدوث نزاعات بين الإمام علي بن أبي طالب و الذي تم مبايعته كخليفة رابع وبين معاوية بن أبي سفيان والي الشام حول القصاص من قتلة عثمان ، إلا و أن هذا الخلاف القديم تحول مع مرور الزمن من خلاف سياسي بين وجهتي نظر حول قضية لا خلاف عليها وهي القصاص من قتلة عثمان بن عفان إلي خلاف ديني وطائفي .

و لقد تطور الخلاف السياسي بين السنة و الشيعة حتى أصبح خلاف عقائدي يتمركز حول موضوع العصمة ، حيث يرى الشيعة أن الله منح العصمة من الخطأ للأنبياء ثم للأئمة حتى يكونوا مرجعًا ودليلًا للأمة ، بينما يرى أهل السنة أن العصمة هي للأنبياء وحدهم.

و من هنا فإن الشيعة لا يأخذون عن الصحابة لأنهم مختلفون في الرأي والاجتهاد لكنهم يأخذون عن الأئمة الاثنى عشر من أهل البيت.

أما الخلافات الأخرى التي نشأت أيضا بين الطائفتين هي نقطة تتمثل في صحابة الرسول ، فالسنة والشيعة يرون أن الصحابة هم بشر يصيبون ويخطئون، لكن الخلاف يكمن في أن الشيعة يعتقدون أن من بين الصحابة العادل الفاضل ومن بينهم المنافق الفاسق وذلك يعارض وجهة النظر السنية التي تقدس الصحابة.

أما بالنسبة لأكثر نقاط الخلاف جدلا بين السنة و الشيعة هو موضوع زوجات الرسول حيث ينتقد الشيعة دوما السيدة عائشة ، زوجة الرسول ويرون أنها قد خالفت شرع الله وخرجت على إمام المسلمين ولم تحقن الدماء وكانت سببا في إشعال الفتنة بين المسلمين .

لذا نتيجة لتلك الخلافات العقائدية ووجهات النظر الدينية المتناقضة بين السنة و الشيعة، انعكست هذه الخلافات بشكل سلبي على العلاقة العربية الإيرانية التي تدهورت أكثر مع قيام الثورة الإيرانية الإسلامية ضد حكم الشاه خلال عام 1979 ، حيث قاد تلك الثورة أية الله الخامنئي المتعصب للطائفة الشيعية المتواجدة في جميع أنحاء الدول الإسلامية ، و قد حمل الرؤساء الإيرانيين بعد الثورة فكر الخميني من حيث دعم الشيعة في كافة أنحاء العالم و لم يخفوا مساندتهم العلنية وانحيازهم لأبناء الطائفة الشيعية المتواجدة في الدول العربية خاصة المتواجدين في لبنان و البحرين و العراق ، الأمر الذي أثار قلق الحكومات العربية السنية وجعلها تفقد الثقة بالأقليات الشيعة المتواجدة تحت حكمهم ، فعملت على تقييد أنشطتهم السياسية و حالت من تقلدهم مناصب سياسية عليا .

و بسبب دعم إيران المتواصل للشيعة العرب ، أصبحت إيران بالنسبة للدول العربية خطر أمني و سياسي و ديني يهدد استقرار حكمهم ، لذا وظفت الدول العربية رجال الدين السنيين من أجل انتقاد الفكر الديني الشيعي و تعزيز مفاهيم الإسلام السني بين المواطنين العرب.

ثانيا) التدخل الإيراني في الشئون الداخلية للدول العربية

تلعب إيران دور هام في مدى استقرار بعض الدول العربية ، حيث يوجد لدى إيران تأثير كبير على بعض الدول العربية التي يتواجد بها عدد كبير من الشيعة، مثل لبنان و العراق و البحرين و اليمن ، بالإضافة إلي دعم إيران المتواصل لحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين ، الأمر الذي أثار حفيظة بعض الدول العربية الكبرى مثل المملكة السعودية ومصر .

و للحديث عن أبرز التدخلات الإيرانية في الشئون العربية ، أوجز هنا طبيعة التدخلات الإيرانية في سياسة و استقرار الحكم لبعض الدول العربية مثل العراق و البحرين و لبنان و سوريا و اليمن.

التدخل الإيراني في العراق

بعد الغزو الأمريكي للعراق برز في الأفق الدور الإيراني بالعراق سواء في الساحة السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، فقد أثرت إيران في المعادلة الأمنية العراقية منذ سقوط نظام صدام حسين، و ذلك عن طريق دعمها واستضافتها لمليشيات المعارضة الشيعية من أجل الضغط على العراق، ومن ثم توسعت إيران بعد انتهاء الغزو الأمريكي في التقرب من التيارات الشيعية على وجه الخصوص وأجنحتها المسلحة ، كما داومت طهران التعلل دائماً في تدخلها بهذا الشكل إلى أسباب دينية تتضمن حماية المراقد المقدسة.

و لم تكتف إيران فقط بدعمها للمليشيات الشيعية العراقية بل امتد الأمر إلي التدخل في تشكيل الحكومات العراقية ، مما أدّى ذلك إلى حدوث مشاحنات طائفية واسعة بين فئات الشعب العراقي .

ومع ظهور تنظيم داعش في العراق، أصبح التدخل الإيراني أكثر قوة، خصوصاً في الجانب الأمني والعسكري، و أصبحت إيران من أهم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط و التي تحارب تنظيم داعش بالعراق ، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية و قوى التحالف الدولية تنسق أحيانا مع إيران من أجل القضاء على داعش ، مما زاد من تعقيدات الساحة العربية و الإقليمية وزاد من حساسية الخليجيين لأي تحرك إيراني في المنطقة، لا سيما إذا كان هذا التحرك على حدود المملكة السعودية، لذا عمل الخليج العربي على المشاركة الواسعة في التحالف الدولي ضد داعش كإشارة إلى رئيس الوزراء العراقي الجديد العبادي حتى لا يلجأ إلى إيران على حسابهم.

و تمثل التحركات الإيرانية في العراق مصدر خطر مقلق بالنسبة إلى البلدان الخليجية خاصة المملكة العربية السعودية ، نظراً لتاريخ العلاقات الحافل بالصدامات والصراعات بين الطرفين والذي هو في أساسه مذهبي ، لذا قامت السعودية بعدة محاولات لدعم العشائر العراقية السنية و قامت بتمويل عدة أنشطة للطائفة السنية بالعراق ، وشجع الخليجيين أيضاً المعارضة العراقية ضد رئيس الوزراء العراقي السابق نور المالكي الذي ينتمي للشيعة و أصروا على رحيله من الحكم و ذلك حتى لا ينفرد حلفاء إيران في العراق بالمشهد وحدهم على الأرض.

التدخل الإيراني في البحرين

بعد أن انهارت قوى العراق التي كانت بمثابة قوة إقليمية في الخليج العربي، سعت إيران والمملكة العربية السعودية لتأكيد هيمنتهما على الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط.

وقد تجلى هذه التنافس في مختلف الساحات، خصوصاً في البحرين حيث تدرك كل من إيران والمملكة العربية السعودية أهمية مملكة البحرين، مما أدى ذلك إلي نشوء تنافس كبير حول بسط نفوذ كل دولة على البحرين التي تعتبرها السعودية ، دولة عربية خليجية تحكمها أسرة ملكية سنية تابعة لها وهي أسرة أل خليفة ، لذا تقوم السعودية بتقديم الدعم و المساعدة لهذه الأسرة حتى تثبت حكمها في البحرين وتتغلب على المعارضة الشيعية المدعومة من إيران.

وفي الحديث عن مدى التنافس السعودي الإيراني على النفوذ في البحرين ، لابد من الإشارة إلي أن هذا التنافس بين الطرفين هو تنافس قديم يعود في قدمه إلى القرن الثامن عشر، عندما انتزع أسلاف آل خليفة البحرين في عام 1783 من الحكم الفارسي غير المباشر، و من ثم في عام 1820، بدأت المطالبات الفارسية بضم البحرين إلي الحكم الفارسي ، بيد أن هذه المطالبات بملكية البحرين امتدت إلى أعقاب انسحاب القوات البريطانية من الخليج، حيث رأت إيران أنها فرصة لتأكيد هيمنتها على المنطقة، وقامت فوراً بإحياء مطالبها التاريخية بالسيادة على البحرين، غير أن المملكة العربية السعودية عارضت بشدة هذه الفكرة وقد تم حل هذه المشكلة عندما أشار شاه إيران إلى أن البحرينيين ينبغي عليهم أن يكونوا قادرين على تحديد مصيرهم، وهو ما فتح الباب لبعثة الأمم المتحدة لعمل استفتاء شعبي للبحرينيين الذين أعلنوا رغبتهم بالاستقلال عن إيران خلال عام 1970 .

ومن الجدير بالذكر ، أن الغضب العربي من التدخلات الإيرانية في البحرين زاد خلال عام 1981 ، حيث اتهمت الأسرة الحاكمة السنية في البحرين إيران بدعمها لمحاولة الانقلاب التي قامت بها الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ضد حكم ال خليفة مما زاد من الجدل بين العرب و الإيرانيين.

و لم تكتف الأسرة الحاكمة في البحرين من الشكوى للدول الخليجية حول محاولات إيران الحثيثة للتدخل بشئونها الداخلية بل اتهمت الحكومة البحرينية إيران بدعمها للمعارضة الشيعية في البحرين التي حاولت أن تثور ضد حكم الأسرة الحاكمة إبان ثورات الربيع العربي الأمر الذي استدعى العائلة الحاكمة بالبحرين بالاستنجاد بدول الخليج العربي من أجل دعم استقرار حكمها في البحرين .

وترى السعودية أن التدخل الايراني في البحرين عن طريق دعمها لشيعة البحرين يشكل مصدر قلق كبير لها نظراً لتداعياتها المحتملة على الاستقرار في المنطقة الشرقية، خاصة وأن المملكة العربية السعودية تخشى منذ فترة طويلة من تزايد قوة سكانها من الشيعة، وأن تزايد قوة الشيعة داخل السعودية تزامن تاريخياً مع تحقيق الشيعة لمكاسب في أجزاء أخرى من المنطقة، ، وهكذا، فإنه في تقديم الدعم لنظام آل خليفة ضد الشيعة في البحرين، فإن الرياض تسعى لمنع التمكين السياسي للشيعة بالسعودية.

التدخل الإيراني في لبنان

يعد حزب الله من أبرز أوجه التدخل الإيراني المباشر في الشأن اللبناني فعلى الرغم مما يؤكده قادة الحزب بأنه لبناني إلا أن الدور الإيراني جاء لاحقاً ليؤكد مدى تأثير إيران على سياسة حزب الله ، فمعظم المعطيات تؤكد أن إيران لعبت دوراً أساسياً في تأسيس و تطور الحزب، وتصريحات قادة الحزب وميثاق الحزب تؤكد التبعية للثورة الإيرانية ومرشدها.

وتتميز العلاقة بين حزب الله وإيران بتداخل البعدين السياسي والديني فيها، فاللبنانيون الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامئني أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم، ويسمى أمين عام حزب الله حسن نصر الله الوكيل الشرعي لآية الله خامئني.

و مع اعتبار إيران مصدر دعم رئيسا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا لمنظمة حزب الله ، أثار ذلك الدعم الإيراني العلني لحزب الله ، حفيظة الأحزاب السياسية اللبنانية الأخرى فزاد من انتقاد تلك الأحزاب اللبنانية لإيران ، حيث هاجم سعد الحريري رئيس تيار المستقبل ، خطاب نصر الله الأمين العام لحزب الله الذي ألقاه بمناسبة عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيين باليمن ، و قال الحريري ” المشهد الذي يقدمه حزب الله مستورد من إيران وبعيد عن مصلحة لبنان ابتعاد إبليس عن الجنة ” و أضاف الحريري ” نحن أمناء على درء الفتنة عن لبنان، وهم أمناء على إنقاذ نظام بشار الأسد والدور الإيراني باختراق اليمن والتدخل في الشؤون العربية”.

و تدل التصريحات الإعلامية للحريري المضادة لسياسة حزب الله على مدى انزعاج اللبنانيين من قوة النفوذ الإيراني في لبنان و على خشية اللبنانيين بالتورط في صراعات إقليمية هم في غنى عنها ، لذا بدأت أصوات إعلامية وسياسية كبيرة تعلو في الساحة اللبنانية تدعو حزب الله بعدم التورط أكثر في السياسة الإيرانية الداعمة لنظام بشار الأسد في سوريا و الداعمة للحوثيين في اليمن و العمل على تعزيز سياسة النأي بالنفس.

 التدخل الإيراني في سوريا

بدا التدخل الإيراني في سوريا بشكل مباشر منذ بداية الثورة السورية عام 2011، حيث قدمت إيران دعما كبيرا للنظام الحاكم السوري خلال الثورة السورية، بما في ذلك الدعم اللوجستي والتقني والمالي وتدريب جيش النظام السوري وإرسال بعض القوات المقاتلة الإيرانية لسوريا.

وتعتبر إيران بقاء نظام الأسد ضمانا لمصالحها الإقليمية في الشرق الوسط بشكل عام، حيث دعا المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية , علي خامنئي في أيلول ، 2011 ، جميع الإيرانيين القادرين على القتال للجهاد لصالح النظام السوري.
وقد شجعت إيران قوات حزب الله اللبناني التابعة لها بالقتال مباشرة في سوريا من أجل مساندة نظام بشار الأسد .

و في عام 2014، وبالتزامن مع مؤتمر جنيف 2 للسلام في الشرق الأوسط، كثفت إيران دعمها لرئيس النظام السوري بشار الأسد، وأعلن وزير الاقتصاد السوري أن النظام الإيراني قد ساعد النظام السوري بأكثر من 15 مليار دولار. وبما أن معظم الدول العربية و الخليجية تعارض استمرار حكم بشار الأسد وتقوم بدعم قوى المعارضة السورية ، أثار الدعم الإيراني المتواصل لبشار الأسد حفيظة الدول العربية، خاصة المملكة العربية السعودية التي اعتبرت أن إيران تحاول أن تبسط نفوذها على دول الشرق الأوسط، وهي بذلك تهدد المصالح العربية وخاصة المسلمين السنة في الشرق الأوسط ، لذا اتفقت السعودية مع تركيا حول احتضان المعارضة السورية المعتدلة و الاستمرار بتقديم لها الدعم المالي و اللوجستي من أجل الانتصار على نظام بشار الأسد المدعوم من إيران وروسيا.

 التدخل الإيراني في اليمن

يوجد لليمن أهمية دينية وتاريخية لدى إيران، وترتكز الأهمية الدينية على ما تسمى “الثورة السفيانية” التي تحدث عنها العلامة الشيعي علي الكوراني العاملي في كتابه (عصر الظهور)، حيث يتحدث الكتاب عن ثورة ستكون في اليمن، ووصفها بأنها “أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق”، وتحدد الروايات الشيعية وقتها بأنه “مقارب لخروج السفياني في شهر رجب، أي قبل ظهور المهدي ببضعة شهور”، وأن عاصمتها صنعاء.
أما عن الأهمية التاريخية، فإن اليمن كانت تعد ولاية تابعة للإمبراطورية الفارسية قبل الفتح الإسلامي .

لذا تقوم إيران بشكل مستمر بدعم الحوثيين الذين يتبعون الطائفة الشيعية ، حيث تعتبر إيران الحوثيين امتدادا لها في اليمن ومنفذ لبسط سلطتها و نفوذها السياسي و الأمني في اليمن وقد برز شدة اهتمام إيران باليمن بعد قيام الثورات العربية ، و قد اتهمت الحكومة اليمنية إيران بدعم الحوثيين سياسيا و عسكريا .

و يرى المراقبون للوضع اليمني أن إيران تعمل بشكل حثيث على ضمان تدفق السلاح إلى الحوثيين، سواء عبر تهريب شتى أنواع الأسلحة إلى صعدة، أو عبر الدعم المالي لشراء السلاح من الأسواق اليمنية.

وقد أشارت بعض التقارير الدولية مثل تقرير أمريكي أمني صادر عن مركز (ستراتفور) للاستشارات الأمنية في ولاية تكساس، عام 2009م ، أن إيران قامت بإنشاء قاعدة لها في إريتريا لمد الحوثيين بالسلاح عبر رحلات بحرية إلى المناطق القريبة من سواحل مينائي مِيِدي واللُّحَية القريبين من صعدة.

وقد ازاداد القلق العربي من التدخل الايراني في اليمن أكثر فأكثر ، بعد أن قام الحوثيين بالانقلاب على الرئيس اليمني هادي خلال شهر شباط 2015 ، حيث شكل الحوثيين بالتحالف مع الرئيس اليمني السابق على عبدالله صالح ، لجنة ثورية بقيادة محمد على الحوثي لقيادة اليمن وتم حل البرلمان مما أدي إلي اندلاع اشتباكات عسكرية بين الحوثيين و الموالين للرئيس هادي الذي استنجد بدوره بالسعودية و الدول العربية من أجل استعادة الحكم و القضاء على الحوثيين، الأمر الذي أدى إلي شن الدول العربية لعملية عسكرية عربية بقيادة السعودية تحت مسمى عاصفة الحزم و ذلك بتاريخ 26 آذار 2015، مما أدى إلي اعتراضات و انتقادات شديدة من قبل إيران ضد الدول العربية حيث أعلنت إيران دعمها الصريح للحوثيين في اليمن و طالبت الدول العربية بإيقاف العملية العسكرية.

و أثناء عملية عاصفة الحزم ، حذر المستشار الأعلى للمرشد الإيراني بالحرس الثوري ، الجنرال يد الله جواني من أن السعودية ستتحمل تبعات ثقيلة جراء هجومها العسكري على اليمن، وأضاف الجنرال أن السعودية ينتظرها “مستقبل صعب” بسبب عملية عاصفة الحزم.

لذا نستطيع أن نرى هنا بوضوح مدى التدخلات الإيرانية في الشئون اليمنية ، الأمر الذي أثار غضب العرب و جعلهم يشنون حملة عسكرية ضد حلفاء إيران باليمن من أجل تقويض المد الإيراني في الدول العربية.

الدور الأمريكي و أثره على زيادة المخاوف العربية

ومع الإطلاع على أهم العوامل التي أدت إلي زيادة المخاوف العربية من احتمالية توقيع اتفاق نووي إيراني ، لابد من الإشارة أن الدول العربية قلقة جدا من إمكانية توقيع هذا الاتفاق بين إيران و دول (5+1) تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية ، الذي يصر رئيسها أوباما على انجاحه مهما كلف الأمر بالرغم من اعتراضات إسرائيل و الدول العربية ضد هذا الاتفاق.

وقد أعربت الدول العربية و إسرائيل خشيتهم المستمرة من توقيع هذا الاتفاق النووي لأن الدول العربية تعتقد أن هذا الاتفاق النووي سيؤدي في المستقبل إلي تسهيل عملية إنتاج سلاح نووي إيراني ، الأمر الذي يجعل الدول العربية على مرمى قريب من أي هجوم نووي إيراني في المنطقة و سيهدد ذلك بالطبع الأمن القومي العربي .

لذا حاولت الدول العربية أن ترسل رسائل قلق شديدة للولايات المتحدة الأمريكية ، تعرب بها عن مدى عدم ارتياحها لما يجري في أروقة المفاوضات الإيرانية – الدولية ، لكن إدارة أوباما مازالت مصممه على عمل المستحيل من أجل انجاح الصفقة الايرانية الدولية ,وقد أعلنت بالفعل حول انجاز الصفقة مع إيران بتاريخ 14 تموز ،2015 بالرغم من الاعتراضات الشديدة من أعضاء الكونغرس الجمهوريين ومن رغم محاولات اسرائيل الحثيثة لاحباط عملية الوصول لاتفاق نووي بين الدول 5+ 1 من شأنه أن يؤدي إلي رفع العقوبات الدولية عن ايران و الي احتمالية إنتاج قنبلة نووية إيرانية.

و أعتقد هنا أن تمسك أوباما بإنجاح الصفقة النووية بين إيران و الدول (5+1) يعود لرغبة أوباما الشديدة بإنجاز أي نجاح تاريخي يتوج فترة حكمه للولايات المتحدة الأمريكية، فأوباما لا يريد أن يغادر البيت الأبيض دون أن يترك أثر تاريخي في سيرته الذاتية ، كأن يقدم على سبيل المثال حل دولي تاريخي بطرق دبلوماسية دون توريط الولايات المتحدة الأمريكية بحروب دامية .

وقد يظن البعض أن أوباما ربما يتسم بالسذاجة السياسية لتبنيه دوما النهج الدبلوماسي في قضية صراع نووي عالمي قد تؤدي في المستقبل الي سباق عربي – ايراني للتسلح النووي ، لكن نستطيع القول هنا أنه على الرغم من أن أوباما يبدو في الساحة السياسة الأمريكية كصاحب القرار الأول في السياسات العليا للولايات المتحدة الأمريكية، لكنه في ذات الوقت لا يستطيع أن يتخذ أي قرار سياسي مصيري ، يتعلق بمسألة الأمن القومي الأمريكي بشكل خاص دون استشارة مركز المخابرات الأمريكية CIA ، و وزارة الدفاع الأمريكية ، وعلى ما يبدو أن أوباما لقد تلقى فعلياً دعم وتوصيات هامة من قبل هذه الأجهزة الأمنية الأمريكية التي تقدم له دوما تغذية راجعة دورية وتقارير أمنية حول أية نتائج محتملة من توقيع اتفاقية النووي بين ايران و الدول (5+1) ، و تشجعه على توقيع الصفقة مع إيران.

وأعتقد أيضاً أن سياسة أوباما تجاه العرب و اسرائيل تختلف عن طبيعة سياسة الرؤساء الأمريكيين السابقين ، حيث أن أوباما لا يريد أن يدخل في معارك دولية مع ايران أو دول أخرى بالنيابة عن اسرائيل أو الدول العربية ، لذا أتصور هنا أنا أوباما يتبنى منهجية “ليدافعوا عن أنفسهم بنفسهم” أي أنه إذا كانت كل من إسرائيل و الدول العربية تخشيا على مصالحهما الأمنية فليحاربوا بأنفسهم و لن تحارب أمريكا بالوكالة عنهم ، وهذا يتضح جليا عندما منع أوباما الجيش الأمريكي من التدخل مباشرة في محاربة الحوثيين باليمن أثناء عاصفة الحزم ، ولكنه لم يمتنع عن تشجيع العرب على محاربة الحوثيين وقدم لهم دعم لوجيستي و استشارات فنية دون أن يورط أي جندي أمريكي في العملية العسكرية العربية.

و أرى أيضاً أن أوباما يتعامل بنفس هذا الأسلوب مع إسرائيل بقضية الملف النووي الايراني فقد صرح أوباما لوسائل الإعلام الدولية أن إيران لو كانت تنوي أن تنتج قنبلة نووية فهي لن تنتجها قبل عام و أن لدى أمريكا الوقت لاختبار نية إيران الحقيقية، فإذا نكست إيران عهدها مع أعضاء المجتمع الدولي ، ومنعت المفتشين الدوليين من مراقبة مفاعلها النووية ، سيكون حينذاك لدى أمريكا الوقت الكافي للرد عليها و إرجاع العقوبات الدولية ضد إيران.

وهذا التصريح يذكرنا بما حدث سابقا بالعراق في عصر صدام حسين عندما رفض صدام أن يستمر المفتشين الدوليين بالتفتيش عن المفاعل النووية العراقية ، الأمر الذي نتج بعده حرب ثعلب الصحراء الأمريكية ضد العراق خلال عام 1998 ، فهل يفكر أوباما في هذا السناريوا أيضا مع إيران ؟

لذا أرى هنا أن أوباما لا يتوقع تهديدا إيرانيا على الولايات المتحدة الأمريكية ، بل يراها عضو فاعل في محاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا ، لذا فهو لا يريد أن يخسر قوى فعالة في محاربة داعش بالمنطقة ، لكن بالنسبة لمخاوف الدول العربية من إيران فهو يحاول إرسال رسائل طمأنة لتلك الدول العربية بأن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تدعم حلفائها العرب في المنطقة و أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لإيران بإنتاج قنبلة نووية بالمستقبل.

و على الرغم من عدم رغبة أوباما حاليا ، باعتماد حل عسكري ضد إيران، إلا أنه لا يمكن تجاهل إمكانية أن تدعم الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل في حال شنها عملية عسكرية ضد إيران في المستقبل وذلك من خلال تقديم الدعم الفني و اللوجستي لإسرائيل.

ومن الجدير بالذكر أن المخاوف العربية من الاتفاق النووي الإيراني المحتمل ،جعل إسرائيل تقترب أكثر من الدول العربية و ذلك تحت شعار “عدو عدوي هو صديقي” ، فقد نقلت تقارير دبلوماسية غربية مؤخرا أن إسرائيل عرضت على السعودية ، بنقل تقنية القبة الحديدية لدول الخليج العربي للحفاظ على عمق الأمن الإستراتيجي لمنطقة جيزان السعودية المحاذية لليمن والتي تعرضت لقصف صاروخي عدة مرات.

لذا السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل قربً الاتفاق النووي الإيراني ، الدول الخليجية من إسرائيل بسبب مشاركتهم نفس المخاوف الأمنية من المشروع النووي الإيراني ؟ أتوقع أن الإجابة على هذا السؤال ستتضح أكثر في المستقبل وسوف تنعكس على طبيعة مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية.


 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s