لماذا يكره العرب إسرائيل و يحبون فرنسا؟

على الرغم من التاريخ الاستعماري الطويل لفرنسا في الوطن العربي، إلا و أننا نرى اللبنانيين وشعوب المغرب العربي يفتخرون بتحدثهم اللغة الفرنسية بطلاقة ، و نلاحظ أن الرجل في الخليج العربي يعبر عن حبه لزوجته بإهدائها عطراً باريسياً فاخراً ، و نشاهد محلات الحلويات المصرية الشهيرة تتباهى بمهاراتها في صنع “البتيفور” الفرنسي، أما سيدات العرب فهن يتنافسن بينهن عن طريق ارتدائهن لأحدث صيحات المودة الفرنسية الباهظة الثمن !
فلماذا يُحب العرب فرنسا بالرغم من أنها أدت بالسابق إلي استشهاد نحو مليون جزائري و بالرغم من أنها استعمرت معظم أراضي الدول العربية لفترات طويلة من الزمن؟
ما الذي جعل العرب يغفرون لفرنسا أخطائها التاريخية و استعمارها لهم ، ويتحالفون معها بل يفتخرون بصداقتهم معها وفي ذات الوقت يكرهون إسرائيل و يرفضون أي نوع من التطبيع و مظاهر السلام العلنية بينهم و بينها ؟
ففرنسا استعمرت أراضي العرب و إسرائيل أيضا، و فرنسا قتلت العرب و إسرائيل أيضا .
لذا السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الأسباب الحقيقية وراء عدم مسامحة العرب لإسرائيل و استمرارهم لكرها ومسامحتهم لفرنسا و تقربهم منها ؟
للإجابة على هذا السؤال ، أعتقد أنه يجب مناقشة العوامل الرئيسية التي جعلت العرب يكرهون إسرائيل و يشعرون بعدم الرضا عن أي محاولة لتطبيع العلاقات بينهم و بين إسرائيل.
لذا أذكر هنا أهم العوامل التي أدت إلي ارتفاع نسبة العداء و الكراهية بين العرب و الإسرائيليين على مر الزمن وهي ما يلي:
مازال هناك احتلال إسرائيليي للأراضي الفلسطينية
بالرغم من الاستعمار الفرنسي السابق لمعظم الدول العربية في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا ، لكن فرنسا اعترفت بخطئها التاريخي و انسحبت من الأراضي العربية و أعلنت دعمها المتواصل لتعويض المغرب العربي عن سنوات الاستعمار و دعمت حقوق الإنسان ، مما جعل العرب يسامحونها و ربما يغفرون لها خطاياها .
بينما إسرائيل مازالت حتى القرن الواحد عشرين ، تعتبر أخر احتلال بالعالم و هي ترفض حتى تلك اللحظة أن تُرسم حدودها النهائية، و ترفض أن تنسحب من الأراضي الفلسطينية لعام 1967، بل تصر على عدم إيقاف الاستيطان بالضفة الغربية ، إضافة إلي استبعادها لفكرة تقاسم القدس مع الفلسطينيين ، مما أثار ذلك غضب وحفيظة العرب ، وزاد من كراهية العرب لإسرائيل.

العقاب الجماعي و قتل المدنيين
إن إسرائيل بإتباعها نظرية العقاب الجماعي للفلسطينيين عن أية أعمال عسكرية للمقاومة الفلسطينية المسلحة ضد إسرائيل ، أدى ذلك إلي إشعال الغضب العربي و زيادة تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني بشكل كبير.
وبسبب الحروب الإسرائيلية المتكررة ضد قطاع غزة، التي نتج عنها سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين الفلسطينيين من بينهم أطفال و نساء، أضافت تلك الحروب إلي ذاكرة العرب مزيد من مشاهد العنف للاحتلال الإسرائيلي، و ذلك زيادةً عما خزنته الذاكرة العربية في الماضي من مشاهد مأساوية حول مجزرة صبرا وشاتيلا و مجزرة قرية دير ياسين و الحروب الإسرائيلية السابقة ضد الجنوب اللبناني، مما أدى ذلك إلي ترسيخ صورة وحشية ودموية للاحتلال الإسرائيلي في العقل العربية ، حيث تابع العرب هذه الحروب عبر القنوات الفضائية العربية ، التي وثقت عبر شاشتها معظم مشاهد العنف و المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني .
بينما أثناء فترة الاستعمار الفرنسي،لم يكن هناك أية فضائيات عربية توثق انتهاكات الاستعمار الفرنسي بدول المغرب العربي ، التي نتج عنها استشهاد نحو مليون جزائري مما جعل العرب يطلقون على دولة الجزائر “بلد المليون شهيد” ، ولكن بدلاً من مهاجمة فرنسا حول تاريخها الاستعماري السابق ،أبرزت بعض وسائل الإعلام العربية، صورة متحضرة للجمهورية الفرنسية بسبب ترحيبها بسخاء بالنخبة المثقفة العربية و احتضناها لتلك النخبة في أروقة أشهر جامعتها العريقة التي تخرج منها أشهر المفكرين العرب، أمثال طه حسين ورفاعة الطهطاوي.
سوء سمعة المخابرات الإسرائيلية عند العرب
إن أكبر خطأ قد يرتكبه أي جهاز مخابراتي متواجد بالعالم هو استغلاله للقضايا الأخلاقية المتعلقة بالسلوك الجنسي للبشر من أجل تهديدهم و الضغط عليهم للتعاون معه رغما عن أنفهم. لذا يتهم الفلسطينيون والعرب دوماً أجهزة المخابرات الإسرائيلية بأنها تقوم باستغلال نقاط ضعفهم المتعلقة بقضايا شرف النساء و سمعة الرجال، من أجل الضغط عليهم للعمل معهم كعملاء ، حيث تعتبر تلك القضايا من أكثر الأمور حساسية عند العرب الذين يهتمون بشكل كبير بسمعتهم الاجتماعية ،خاصة أن معظمهم يعيشون ضمن مجتمعات مغلقة و تقليدية و محافظة ، تحاسب مواطنيها حول سلوكهم الاجتماعي و تهتم كثيرا بقضايا السمعة والشرف.
و بالرغم من أن هناك قانون إسرائيلي جديد يحاسب من يشهر بالمواطنين الإسرائيليين ويهددهم عبر نشر صور علاقتهم الحميمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، إلا أنه على ما يبدو وبناءً على شهادات من بعض الفلسطينيين الذين سقطوا في وحل العمالة ، أن هذا القانون الإسرائيلي لا يطبق فعلياً مع الفلسطينيين الذين تعتبرهم إسرائيل بمثابة أعداء لها .
ونتيجة لما يتردد من روايات على ألسنة العرب حول ضلوع المخابرات الإسرائيلية في إسقاط العملاء أخلاقياً، ارتبط اسم إسرائيل ذهنيا عند العرب بالفضائح الأخلاقية ، و تغلغلت أفكار المؤامرة و الخيانة الوطنية الناتجة عن التعامل مع إسرائيل بشكل عميق في العقل الباطني للمواطن العربي ، لذا عندما يفكر السياسي العربي برغبته في الإعلان عن التفاوض مباشرة مع الإسرائيليين من أجل الوصول إلي اتفاق سياسي ما ، يتصور عقل هذا السياسي العربي تلقائيا مشهداً لتشويه سمعته الأخلاقية ، و يتوقع أن أبناء وطنه سيتهمونه على الفور بأنه سقط في فضيحة أخلاقية دبرتها له أيدي الموساد الإسرائيلي الخفية من أجل الضغط عليه ، فيرفض عقل هذا السياسي العربي مبدأ السلام العلني مع إسرائيل و يقبل بالتفاوض معها من وراء الكواليس.
وعلى النقيض من ذلك ، فإن العرب يتباهون بعلاقتهم بالفرنسيين ،حيث لا يشكك العرب بحسن نوايا فرنسا اتجاههم، بالأخص أن باريس لا تكترث كثيراً لقضايا الشرف، بل تدعم دائما الحرية الجنسية و تعتبرها حق أساسي من حقوق الإنسان ، فلم يسبق و أن تناولت وسائل الإعلام العربية أخبار عن توريط الفرنسيين للسياسيين العرب بفضائح أخلاقية، وذلك لأن فرنسا تعتبر أن التعدي على خصوصية أي إنسان هو بمثابة انتهاك لمبادئ الجمهورية الفرنسية التي تقدس الحرية الشخصية.
الإعلام العربي و السينما المصرية
لقد استغلت بعض وسائل الإعلام العربية ، الروايات التي كانت تروى حول استغلال المخابرات الإسرائيلية لفضائح أخلاقية ضد بعض السياسيين العرب ، و أصبحت تلك الوسائل تساهم في تشويه سمعة رجال السياسة العرب عندما يظهرون بشكل علني في وسائل الإعلام مع شخصيات إسرائيلية سياسية، فعلى سبيل المثال عندما كان أحد المفاوضين الفلسطينيين يصافح مبتسما يد تسيبي ليفني ، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، قامت بعض وسائل الإعلام العربية بتهويل الحدث و بدلاً من أن تقوم بعمل نقد سياسي موضوعي لقضية المفاوضات ، بدأت تلك الوسائل الإعلامية تتغامز و وتتهامس وتلوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن الوزيرة الإسرائيلية لها تاريخ في الموساد الإسرائيلي و أنها بالتالي لها خبرة في التأثير على الرجال بسبب جمالها ، الأمر الذي قزم قضية المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية ، وجعلها مجرد علاقة عاطفية بين الشقراء الإسرائيلية و السياسي الفلسطيني، و إن دل ذلك على شيء فهو يدل على المراهقة الإعلامية لهذا النوع من الصحافة الصفراء التي تشخصن الأمور و تحتقر صورة المرأة في السياسة و تستهتر بقضية مصيريه لشعبين.
و على صعيد أخر ، يوجد للسينما المصرية أيضاً دوراً كبيراً في تعزيز الكراهية و العداء ضد إسرائيل وفي زرع فكرة ارتباط إسرائيل بعالم الجاسوسية و المؤامرات عن طريق عرض السينما المصرية لأفلام قد تكون مقتبسة من الحروب الخفية بين أجهزة المخابرات العربية و الإسرائيلية ، مثل أفلام الممثلة المصرية نادية الجندي التي اشتهرت بأدائها لأدوار فنية تتعلق بعالم الجاسوسية، كدورها في فيلم “مهمة بتل أبيب” ، مما أثر ذلك على تشكيل النظرة السياسية المعادية لإسرائيل و عزز عند العرب صورة الشخصية اليهودية الخبيثة التي تم تجريدها من أي بعد إنساني .
بينما في مقابل ذلك ، قدمت السينما المصرية الفرنسيين في أفلامها كشعب راقي ومثقف، و أبرزت السينما باريس بأنها عاصمة الفن الراقي و الذوق الرفيع ، بل ربطتها بالسعادة الزوجية و الروايات الرومانسية، وذلك عندما عرضت مشاهد سينمائية جميلة لمحبين و أزواج يقضون شهر عسل خيالي في باريس.
الصراع الديني بين اليهود و المسلمين
لا شك أنه منذ القدم كان ومازال هناك صراع ديني بين اليهود و المسلمين ، حيث أن اليهود يعتبرون أنفسهم دائماً بأنهم شعب الله المختار، و أن الله قد ميزهم عن غيرهم من الشعوب، وقد تم ذكر ذلك التمييز في عدة آيات قرآنية .
و من ناحية أخرى ، لا أحد يستطيع أن ينكر أنه منذ العصر الإسلامي كانت هناك عدة حروب دينية مشتعلة بين المسلمين و اليهود ، أبرزها غزوتي الخندق و خيبر اللتان انتصر فيهما المسلمين على أشهر قبائل اليهود في ذلك العصر، وهما قبيلتي بني قريظة و خيبر ، مما اعتبره بعض المؤرخين من إحدى الأسباب الرئيسية للصراع الديني بين اليهود و المسلمين اللذين يتنافسون على حيازة القدس التي تعد بمثابة أرض الميعاد المقدسة لهم جميعاً.
أما بالنسبة لفرنسا فهي تعتبر نفسها دولة علمانية ، و لا يوجد تنافس بينها وبين المسلمين ، و بالرغم من انتقاد مفكريها و أبرز رساميها للشخصيات الإسلامية المقدسة، إلا أن ذلك لم يمنع العرب من الاستمرار بالإعجاب بالفرنسيين و بلغتهم الأنيقة ، ومازالت فرنسا تحتل قلوب العرب الذين يتوافدون عليها بكثرة خلال فصل الصيف.
و أخيرا أعتقد أن جميع العوامل التي تم ذكرها ، ساهمت في زيادة الكراهية بين العرب و الإسرائيليين وفي نزع أي صفة إنسانية عن الشعب الإسرائيلي ، فهل نستطيع أن نتوقع في المستقبل أن يكون هناك سلام و علاقات طبيعية بين إسرائيل و العرب ؟
أعتقد أن الحواجز النفسية و السياسية المتعلقة بقضايا الشرف و الخيانة الوطنية و الاحتلال و الاستيطان سوف تكون من أكبر العقبات التي ستحول من أي فرصة للسلام بين العرب و الإسرائيليين في المستقبل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s