موسيقى الغجر ….

تشتهر الدول الأوروبية بجمال طبيعتها الخلابة و بمدى رقي شعبها وحضارته الذي يتبنى كافة أنواع الفنون و الثقافات ، لكن أشد ما يدخل البهجة إلي قلوب السائحين المتجولين في شوارع أوروبا هو استماعهم لنغمات موسيقى جذابة تطرب الأذن و تداعب مشاعرهم أثناء تجولهم على سبيل المثال في محطات المترو أو بعض الأحياء الرئيسية .
إنها موسيقى فريدة من نوعها ومجانية أحيانا حيث يمكن للسائح أن يتبرع بعدة سنتات و يضعها في طبق معدني أمام العازف و يمكنه في نفس الوقت أن يستمع دون أن يضطر أن يدفع شيئاً !
لأنه بكل بساطه هدف هذا العازف ليس فقط الربح أو التسول بل هدفه أسمى من ذلك وهو نشر فن الشارع الأصيل .
إنه بكل بساطه الفن الغجري، الذي يعبر عن مدى رقي و ذوق قبائل متنوعة من الغجر قد ظلمتها معظم شعوب العالم على مر التاريخ ، وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب و الانتهاكات ضد حقوقها الأساسية ، منذ الحرب النازية التي شنها هتلر ضدهم، مرورا بالديكتاتور الراحل فرانكو حتى عصرنا هذا، الذي مازالت تلك الجماعات تعاني من العنصرية و التهميش في الدول العربية و بعض الدول الأوروبية.
وبالحديث عن تاريخ الغجر ، لابد أن نعي جيدا أن الغجر لهم عدة أصول متنوعة، فمنهم من جاء من الهند و إيران ومناطق وسط وجنوب أسيا ، حيث هاجروا من أراضيهم في حوالي القرن الرابع الميلادي ووصلوا إلي المجر و صربيا ثم انتشروا بعد ذلك في بولندا وروسيا و السويد وانجلترا و اسبانيا.
و يعيش الغجر أيضا في فلسطين وهم يلقبون ب “النور” حيث استقر عدد كبير منهم في نابلس و القدس وغزة ، وبعد عام 1948 تهجر الغجر كباقي أبناء الشعب الفلسطيني، واستقر معظمهم في الأردن ، والقسم الآخر اتجه نحو مخيم جباليا في غزة.
وفي المدن الفلسطينية ، احترف النور الرقص و الغناء و أعمال السيرك و الحركات البهلوانية ، ومارس بعضهم أعمال قراءة الطالع و التنبؤ بالمستقبل.
و يعاني قبائل الغجر في الدول العربية بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص من انتهاكات كبيرة في حقوقهم الأساسية تتمثل فيما يلي:
– معاملة عنصرية و نظرة دونية من العرب تجاه قبائل و أبناء الغجر.
– امتناع العرب عن الزواج و الارتباط بأبناء الغجر بسبب اختلاف الأصل.
– التمييز ضد أطفال الغجر في المدارس مما يؤدي إلي تسرب الأطفال من المدارس.
– عدم اهتمام الحكومة بمشاكل الفقر و البطالة التي يعاني منها الغجر مما يضطرهم ذلك إلي التسول بالشوارع.
– استغلال القدرات الخاصة التي يمتلكها الغجر في مجال علوم الفلك و التنبؤ بالمستقبل وذلك في تسخيرهم لتنفيذ أعمال دجل وشعوذة.
– استغلال الغجر من قبل بعض العصابات المجرمة في تنفيذ أعمال سرقة و نصب و أفعال غير قانونية.
– الضغط على الغجر ومنعهم من ممارسة أعمالهم الأصلية التي تتمثل بالفن و الغناء.
– تقييد حرية الغجر في التنقل و الترحال و حصرهم في مناطق سكنية مهمشة .
لذا نستطيع القول بأن الغجر في كافة أنحاء فلسطين و الدول العربية تعرضوا لعدة أنواع من الانتهاكات ولابد من أن يتم رد الاعتبار لتلك القبائل الغجرية لأنها جزء لا يتجزأ من فئات المجتمع ، لها حقوق و واجبات ، حيث إذا لم يتم معالجة مشكلات الغجر بشكل جدي فإن ذلك سيؤدي إلي تفاقم مشكلة التسول في الشوارع وسيؤدي إلي زيادة العنف في المدن ، بالإضافة إلي ذلك فسوف تتأزم قضية عمالة الأطفال التي معظم ضحاياها هم من أطفال الغجر ، لذا لابد من أن يتم دمج أطفال الغجر في المدارس و تقديم لهم الرعاية الاجتماعية و الصحية الكافية.
و أعتقد أيضاً أنه ، لابد من تخصيص برامج تشغيل بطالة لشباب الغجر ودمجهم في المجتمع حتى لا يضطر هؤلاء الغجر للتسول في الشوارع ، وتقع هذه المسئولية بشكل أساسي على عاتق وزارة العمل الفلسطينية التي يجب أن توفر لهم فرص عمل كريمة ، أما بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني فيقع على عاتقها نشر التوعية بين فئات المجتمع المختلفة في مجال احترام حقوق الإنسان وعدم التعامل بعنصرية مع أي فئة بالمجتمع بغض النظر عن الأصل و الجنس أو الديانة .
و أخيرا يمكننا القول بأنه بالرغم من أن قبائل الغجر في فلسطين تعد من الأقليات إلا و أنه لابد من أن يعيش هؤلاء الغجر بكرامة و يتم احترام حقوقهم في التعبير عن أنفسهم و عن فنهم بوسائل شرعية يكفلها لهم القانون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s