إعادة إعمار غزة : قيود إسرائيلية و مخاوف فلسطينية

تم نشر المقال في مجلة تسامح : العدد 47

مقدمة:
ا
نتهت حرب ال51 يوم التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة خلال شهر تموز-يوليو من عام 2014 تحت مسمى عملية الجرف الصامد ، و انتهت مع هذه الحرب العنيفة أحلام الكثير من الغزيين بالعيش في وطن مستقر ينعمون به بالأمن و السلام ، فقد راح ضحية هذه الحرب الشرسة نحو (2137 ) شهيدا فلسطينيا من بينهم (1643 ) مدنيا و( 513 ) طفلا و( 294 ) امرأة فضلا عن إصابة نحو( 10741) شخص بجراح وتدمير نحو ( 922) منزلاً مستهدفاً بشكل مباشر تدميراً كلياً عبر قصفه بالطائرات الحربية الإسرائيلية وذلك حسب الإحصائيات الواردة في تقرير الأوضاع الإنسانية الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان خلال شهر أب-أغسطس من العام 2014.

و لقد تركت عملية الجرف الصامد الإسرائيلية أثارا مدمرة بالنسبة للغزين، فبعد تدمير أحياء بأكملها في منطقة الشجاعية و خزاعة ورفح تم نتيجة لذلك تهجير نحو 500 ألف شخص تهجيرا داخليا أي ما يقارب 28% من مجمل سكان القطاع ، و قد اضطرت المئات من العائلات الفلسطينية للرحيل من منازلهن هروبا من خطر القصف الإسرائيلي و لجوءا إلي بعض المدارس الحكومية و المدارس التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث و تشغيل اللاجئين (الأونروا ) وبعض المستشفيات العامة و الكنائس و ذلك من أجل البحث عن الحماية و الأمان.

تقييم خسائر الحرب

ومع انتهاء عملية الجرف الصامد بدون الإعلان عن هدنة رسمية بين حركة حماس و إسرائيل اللتان تفاوضتا بشكل غير مباشر في جمهورية مصر العربية خلال فترة الحرب الأخيرة من أجل إيقاف إطلاق النار بينهما، بدأ الفلسطينيون يقيمون خسائرهم البشرية و المادية و الاقتصادية وفي كافة القطاعات الأخرى ، وبدئوا يلملمون جراحهم و يتعالون على ألامهم لكي يستعدوا لمرحلة جديدة من التعافي و إعادة البناء لما دمرته آلات الحرب الإسرائيلية خلال فترة ل51 يوم ، فقد خسر الفلسطينيون الكثير من حياتهم و ممتلكاتهم في العديد من المجالات المختلفة.

وعبر بيان نشرته وزارة الاقتصاد الوطني بغزة خلال شهر أيلول-سبتمبر من عام 2014 ، أعلنت وزارة الاقتصاد الوطني أن حجم الخسائر الاقتصادية التي حلت على قطاع غزة جراء عملية الجرف الصامد قُدرت بنحو ( 959,620,000 دولار أمريكي ) وقد أشار البيان أيضا إلي أن قوات الجيش الإسرائيلي قد قامت بتدمير العديد من المصانع والمؤسسات الصناعية و الخدماتية والزراعية بمستوياتها المختلفة سواء كبيرة أو متوسطة أو صغيرة حيث لحقت بالمنشآت الصناعية خسارة قدرتها وزارة الاقتصاد الوطني بنحو ( 750,420,000 ) دولار أمريكي.

أما بالنسبة للخسائر في القطاع الزراعي، فقد أعلنت وزارة الزراعة بقطاع غزة أن حجم الخسائر في القطاع الزراعي قد تجاوزت مبلغ ل 550 مليون دولار أمريكي و أشارت الوزارة أنه تم استهداف آبار المياه وخزانات المياه العلوية و برك تجميع المياه و الخطوط الناقلة للمياه، إضافة إلى تدمير الأراضي الزراعية وتجريف التربة الزراعية الواقعة بمحاذاة الحدود الشرقية والبالغ مساحتها حوالي( 34.500 ) دونمًا زراعيًّا تم قصفها وتجريفها بالكامل.

و بالرجوع للخسائر ضمن قطاع الطاقة ، فقد قدر الفريق الهندسي في المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية و الاعمار (بكدار) خسائر قطاع الطاقة في قطاع غزة بنحو 54 مليون دولار أمريكي ، حيث أعلن فريق عمل المجلس بغزة لوسائل الإعلام الفلسطينية أنهم قاموا بإعداد تقرير خاص يوضح تفاصيل الخسائر التي حلت بقطاع الطاقة في غزة بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة ، ووجد الفريق الهندسي أن تلك الخسائر كانت موزعة ما بين شركة توزيع الكهرباء التي قدرت خسائرها بنحو( 39 ) مليون دولار وما بين محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة و التي قدر التقرير خسائرها بنحو( 15 ) مليون دولار. ووجد الفريق الهندسي للمجلس أن معظم خسائر شركة الكهرباء كانت مركزة في المناطق الشرقية بقطاع غزة .

وقد شملت الخسائر الفلسطينية أيضا قطاع التعليم بغزة حيث كان من المخطط بدء العام الدراسي في 24 آب/أغسطس 2014، ولكنه تأجل إلى 14أيلول/سبتمبر 2014، مما أعاق وصول ما يزيد عن نصف مليون طفل إلى التعليم. وحسب تقرير الوضع (طوارئ غزة) الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في الأراضي المحتلة الفلسطينية والذي تم نشره خلال شهر أيلول-سبتمبر 2014، فإن الحرب الإسرائيلية الأخيرة أدت إلي تدمير نحو( 22 ( مدرسة بصورة كاملة و( 118( مدرسة تعرضت لأضرار نتيجة الحرب ، منها ( 75 ) مدرسة تابعه لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وتأثرت عدة مرافق تابعة للتعليم العالي بالحرب الإسرائيلية مثل الجامعة الإسلامية التي تعرضت مبانيها للقصف الإسرائيلي المباشر.

ونتيجة للأضرار الشديدة التي تعرضت لها المدارس بقطاع غزة و لجوء مئات من المهجرين إليها باعتبارها مراكز إيواء مؤقتة لحين توفير منازل لهم ، اضطرت بعض المدارس التابعة لوكالة الامم المتحدة لغوث و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلي العمل بنظام الثلاث فترات دراسية بسبب الازدحام الشديد وتكدس أعداد التلاميذ الذين حرموا من الدوام في مدارسهم الأصلية التي تم استخدامها كمراكز إيواء.
و بناءً على حجم الخسائر الكبيرة التي ابتلي بها قطاع غزة ، طالبت السلطة الفلسطينية الدول المانحة بدعم القطاع بنحو( 4 ) مليارات دولار على الأقل ، و دعت إلي عقد مؤتمر دولي بالقاهرة من أجل حشد دعم دولي كبير لقطاع غزة لكي يتم تمويل مشاريع إعادة إعمار قطاع غزة .

و لكنني أعتقد هنا أنه مهما جمعت السلطة الفلسطينية أموالا لإعادة إعمار غزة فإن ذلك لن يكفي لتلبية احتياجات القطاع الذي عانى من حصار إسرائيلي مشدد منذ عدة سنوات بالإضافة إلي معاناة أهله ليس فقط من الحرب الإسرائيلية الأخيرة بل إن معاناتهم تراكمت أكثر فأكثر مع مرور الزمن نتيجة للحربين الإسرائيليتين السابقتين ألا وهما عملية “الرصاص المصبوب” التي حدثت عام 2008 و عملية “عمود السحاب” التي حدثت عام 2012 ، لكن هذه العملية الإسرائيلية الأخيرة ” الجرف الصامد” كان وقعها الأشد على أهالي القطاع و اعتبرت من أقسى التجارب الحربية التي شهدها قطاع غزة منذ عدة سنوات قليلة ، حيث فقد الغزيون أثناء هذه الحرب أي أمل بالعيش في حياة كريمة مستقرة ، فلم تدمر تلك العملية فقط البنية التحتية لقطاع غزة بل أيضاً دمرت أحلام و أمال الغزيين الذين أصابهم اليأس و الإحباط وجعل بعضهم يهرب نحو سفن الهجرة الغير شرعية ، الأمر الذي يدعو لعمل تقييم جدي لكيفية إدارة ملف القضية الفلسطينية من قبل الساسة و القادة الفلسطينيين لكي يتم تجنيب الشعب الفلسطيني الكثير من ويلات ومصائب الحروب الإسرائيلية التي تسببت بالكثير من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين ، لذا اعتقد هنا أنه من الأجدر أن تقوم القيادة الفلسطينية بعمل ليس فقط تقييم مادي و بشري لخسائر الحرب بل أيضا يجب العمل على تقييم سياسي و أمني داخلي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه و بأسرع وقت ممكن لكي يتم المحافظة على أرواح المدنيين في قطاع غزة.

مؤتمر إعادة إعمار غزة

وفي ضوء الحاجة الملحة لإنقاذ الوضع الإنساني في غزة، ناشدت السلطة الفلسطينية والمنظمات الدولية الأخرى، وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مجتمع المانحين عبر “نداء استغاثة” تقديم مساعداتٍ عاجلة لغزة وإعادة إعمارها.

لذا استضافت جمهورية مصر العربية في 12 تشرين الأول- أكتوبر 2014 “مؤتمر إعادة إعمار غزة” وذلك تحت رعاية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي افتتاح المؤتمر بالقاهرة ، وقد تميز المؤتمر بمشاركة ( 30 ) وزير خارجية و وفود دولية تمثل نحو خمسين دولة ، كما شارك في هذا المؤتمر عدد كبير من المنظمات الدولية مثل البنك الدولي و صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الإسلامي ، بالإضافة إلي مشاركة عدد من الشخصيات الدولية رفيعة المستوى، مثل جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، و كاثرين أشتون ،الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة المفوضية الأوروبية ، وبان كي مون الأمين، العام لمنظمة الأمم المتحدة ، وتدل هذه المشاركة الدولية البارزة على مدى أهمية المؤتمر ومدى جدية الدول المانحة بدعم قطاع غزة من أجل تحفيز الفلسطينيين بالاستمرار بإيقاف إطلاق النار وعدم العودة مرة أخرى للاقتتال مع إسرائيل.

ولقد ركزت معظم كلمات الوفود المشاركة بالمؤتمر على ضرورة عدم السماح بإعادة هدم ما يتم بناؤه في المستقبل ، فقد كان من أبرز الكلمات التي قالها ممثلو الوفود الدولية ، هي كلمة وزير الخارجية الألماني ، فرانك شتاينماير الذي قال في بيان له أن بلاده سوف تقدم مبلغ( 63 ) مليون دولار للمساهمة في إعادة إعمار غزة و أنه لا أحد يرغب في إنشاء بنية تحتية يتم تدميرها بعد فترة قصيرة ، و لتحقيق ذلك لابد من التوصل لوقف دائم لإطلاق النار.

وتدل كلمات الوفود الأجنبية المشاركة في مؤتمر إعادة إعمار غزة حول مدى القلق الشديد الذي يسود الساحة الدولية تجاه جدية وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية و إسرائيل حيث هناك عدة تخوفات دولية من أن تشتعل الساحة الفلسطينية مرة أخرى ويعود القتال في قطاع غزة مما سوف يؤدي إلي نسف الجهود الدولية الساعية لترميم ما هدمته الحروب الإسرائيلية المتكررة ضد قطاع غزة ، حيث لا يوجد فرق زمني كبير بين الحروب الإسرائيلية الثلاثة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ عام 2008 حتى عام 2014 ، الأمر الذي يسبب إزعاج كبير للدول المانحة التي يتم مطالبتها في كل مرة بتقديم مساعدات إنسانية للفلسطينيين في نهاية كل حرب تشنها إسرائيل ضد القطاع ، فتدفع في كل مرة هذه الدول المانحة فاتورة الحرب نيابة عن الحكومة الإسرائيلية التي لم تتكفل و لو لمرة واحدة بتعويض ضحايا حروبها من الفلسطينيين .

وفي نهاية المؤتمر نجح الفلسطينيون بالحصول على تعهدات دولية بتمويل مشاريع إعادة إعمار غزة ومشاريع إنسانية و إغاثة تبلغ قيمتها نحو

( 5,4 ) مليار دولار. و هو مبلغ فاق توقعات الفلسطينيون الذين طالبوا الدول المانحة في بداية الأمر بتوفير فقط مبلغ 4 مليارات دولار أمريكي.

ومن الجدير بالذكر ، أن أبرز التبرعات المعلنة في مؤتمر إعادة إعمار غزة ، جاءت من قبل دول الخليج العربي مثل دولة قطر التي وعدت الفلسطينيين بالتبرع لهم بمبلغ قدره مليار دولار أمريكي ، أما باقي التبرعات الأخرى فقد جاءت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا و بريطانيا و فرنسا .

و لم يعلق الفلسطينيون أمال كبيرة حول نتائج مؤتمر إعادة إعمار غزة حيث شكك الكثير من العاملين في المجال الإنساني و التنموي من جدية الوعود الدولية بتمويل مشاريع إعادة الإعمار لأن الدول المانحة اشترطت على الفلسطينيين أن يتم تسليم التبرعات إلي حكومة الوفاق الوطني وهددت العديد من الدول الأوربية بإيقاف التمويل في حين وصلت تلك الأموال و التبرعات إلي أيدي عناصر حركة حماس ، فقد اعتبرت معظم الدول المانحة حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدلله ، بأنها هي الجهة الرسمية الوحيدة الممثلة للشعب الفلسطيني و المخولة باستلام أموال المنح الدولية.

لذا برزت هنا عدة تحديات في الأفق ، حول مدى قدرة حكومة الوفاق الوطني على إدارة ملف الإعمار في غزة ، فما مازال هناك صراع حول الصلاحيات بين حكومة الوفاق الوطني و عناصر حكومة حماس السابقة الذين مازالوا لم يتفقوا بشكل جدي حول كيفية إدارة الحكم في قطاع غزة ، ومازال هناك اتهامات متبادلة بين السلطة الفلسطينية برام الله و ما بين حكومة حماس السابقة بغزة حول كيفية تسليم السلطة لحكومة الوفاق الوطني و بالأخص تسليم المعابر البرية و التجارية التي سوف تمر عبرها مواد البناء المخصصة لإعمار غزة.

القيود الإسرائيلية حول إعادة الإعمار

و بالإضافة لأثار الانقسام الفلسطيني التي نتج عنها صراع حول السلطة و الصلاحيات ، ظهرت تحديات أخرى تكمن بالشروط و القيود الإسرائيلية التي تم فرضها على الفلسطينيين من أجل الموافقة على إعادة الإعمار، حيث بعد انتهاء مؤتمر إعادة الإعمار ، أعلنت إسرائيل شروطها الرئيسية من أجل السماح لدخول مواد و أدوات البناء الخاصة بمشاريع الإعمار، فقد اتفقت الحكومة الإسرائيلية مع مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط ، روبرت سيري ومع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدلله ، بأن يتم تنفيذ آلية دولية – إسرائيلية لمراقبة مواد البناء التي تمر عادة عبر المعبر التجاري كرم أبو سالم ، وذلك لكي تضمن إسرائيل عدم استخدام مواد البناء في إعادة تأهيل البنية التحتية للأنفاق الهجومية التي تستخدمها المقاومة الفلسطينية من أجل شن عمليات عسكرية ضد إسرائيل.

ومع موافقة السلطة الفلسطينية على الشروط الإسرائيلية التي سمحت لإسرائيل بمراقبة أية مواد بناء يتم إدخالها للقطاع ، بدأت بالفعل تتضح آليات المراقبة الإسرائيلية أكثر فأكثر فقد صرح الجيش الإسرائيلي في بيان له حول آلية المراقبة أن الآلية الدولية للإشراف والمراقبة تشمل على خطة مفصلة لمواد البناء والعتاد الهندسي ورجال الأعمال المختصين الذين ستنقل إليهم المواد لإعادة إعمار المباني السكنية والبنية التحتية بالإضافة إلى فرق إشراف ومراقبة تابعة للأمم المتحدة والتي ستشرف في الميدان، كما أن الآلية تضمنت مشاركة في بيانات الفئات المستهدفة لاستقبال مواد البناء بالإضافة إلي فرض وجود كاميرات مراقبة في المخازن التي يتم وضع الاسمنت فيها حيث يراقب موظفون من الأمم المتحدة هذه الكميات.

وقد بدأت إسرائيل بالفعل بإدخال الدفعة الأولى من مواد البناء إلي قطاع غزة و التي سوف يتم استخدامها من أجل بناء منازل للأشخاص الذين تدمرت منازلهم بشكل كلي أو جزئي أثناء الحرب الإسرائيلية.

مخاوف فلسطينية من آلية إعادة الأعمار

و مع بدء تطبيق آلية مراقبة مشاريع الإعمار بغزة من قبل إسرائيل، أعرب عدد كبير من الفلسطينيين عن مخاوفهم من تلك الآلية التي اعتبروها بمثابة قيود أمنية كبيرة على الفئات المتضررة من الحرب لذا رفض عدد كبير من منظمات العمل الأهلي و على رأسها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية الإجراءات الإسرائيلية التي تم اتخاذها من أجل مراقبة آليات البناء بقطاع غزة بمساعدة الأمم المتحدة ، و اعتبرت هذه المنظمات أن تلك الإجراءات الإسرائيلية هي انتهاكات لخصوصية الفئات المستهدفة التي سيتم مشاركة بياناتها الخاصة مع الجهات الإسرائيلية مما يعد خرقا في حقوق المواطنين الفلسطينيين و تقييدا لحريتهم الشخصية.

و على صعيد أخر ، شعر عدد كبير من متضررين الحرب بالخوف و القلق الشديد من عدم التمكن بإعادة بناء أو ترميم منازلهم المدمرة ومن تخاذل المانحين في دعمهم و تعويضهم حيث مازالت مئات من العائلات الفلسطينية دون مأوى و مازال عدد كبير منها يمكث في كرفانات متنقلة وفرتها لهم الأونروا بشكل مؤقت ، وقد ازدادت مخاوف المتضررين أكثر مع قدوم فصل الشتاء بأمطاره الغزيرة مما جعل العديد من المهجرين يشعرون بالقلق الشديد من تعرضهم لبرد الشتاء القارس ومن الغرق في برك الأمطار الغزيرة.

القلق الإسرائيلي من الانفجار

وبعد انتهاء عملية الجرف الصامد بقطاع غزة ، أعربت الحكومة الإسرائيلية عن مخاوفها من انفجار الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة و من انعكاس ذلك على الوضع الأمني الإسرائيلي، حيث اعتبر الجيش الإسرائيلي أنه هناك إمكانية كبيرة لاشتعال الأوضاع الأمنية مرة أخرى على حدود القطاع في حين شعر الفلسطينيون باليأس من عدم نجاح مشاريع إعادة الإعمار ومن إمكانية عدم فك الحصار كليا على قطاع غزة ، خاصة بعد رفض إسرائيل لشروط حركة حماس لإيقاف إطلاق النار التي تكمن بإعادة بناء مطار غزة و بتأهيل الميناء البحري لغزة ، لذا بناءً على ذلك أعلن كل من وزير الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون و رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بني غانتس ، أن الجيش الإسرائيلي سوف يتبني سياسية إدارة الصراع مع قطاع غزة وليس حله وذلك عن طريق تقديم تسهيلات إسرائيلية تدريجية لسكان القطاع من أجل تخفيف الحصار على مواطني قطاع غزة ومن أجل تنفيس الضغط حتى لا يحدث الانفجار الأكبر ، لذا كان من أولى المفاجآت التي حصل عليها الغزيين بعد انتهاء الحرب هو السماح لمئات من الغزيين مما تبلغ أعمارهم نحو 60 عام فما فوق، بالصلاة في المسجد الأقصى وذلك لأول مره منذ عام 2007 و لم تكتف إسرائيل فقط بالسماح للغزيين بالصلاة في القدس بل وافقت أيضا حول تصدير( 15 ) صنفا من أصناف الخضروات التي ينتجها مزارعو غزة إلى أسواق الضفة الغربية، وقد سمحت أيضا للصيادين الغزيين بتصدير الأسماك إلي الضفة الغربية بعد أن كانت ممنوعة خلال السنوات السابقة.

لذا أرى هنا أن إسرائيل تستخدم مع الفلسطينيين سياسة العصا و الجزرة فهي من ناحية تقوم بعمل عقوبات جماعية من أجل ردع الفلسطينيين من تبني مشاريع المقاومة العسكرية ضدها وفي نفس الوقت تقوم بتقديم تسهيلات مؤقتة من أجل تحفيز الفلسطينيين على الاستمرار بالهدوء وعدم استخدام العنف ضدها، فهي تريد أن ترسل رسالة واضحة للفلسطينيين بأن إسرائيل تملك قرار تحديد مستقبلهم من حيث تسهيل حياتهم اليومية و السماح لهم بحرية استخدام المعابر التجارية و معابر الأفراد ومن ناحية أخرى يمكنها معاقبتهم وتدمير ممتلكاتهم في حين أصروا على محاربتها.

مستقبل الإعمار

و بالنظر إلى مستقبل عملية الإعمار، فيبدو أن هناك توافقا دوليا وإقليميا على تمرير المراحل الأساسية من أعمال الإعمار والإغاثة لضمان استقرار وقف إطلاق النار، خصوصا وأن حركة حماس هددت أكثر من مره بالعودة لإطلاق النار في حين تعطلت مشاريع إعادة الاعمار من قبل السلطات الإسرائيلية، حيث أعلن المتحدث الرسمي لحركة حماس ، سامي أبو زهري خلال تصريحات صحفيه له، أن على المجتمع الدولي أن يتدخل لإلزام إسرائيل برفع الحصار، وبدء الإعمار قبل نفاد صبر غزة، ووصف أبو زهري تهديد وزير الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون، بإيقاف جهود إعمار قطاع غزة، في حال تم ترميم حماس لأنفاقها الهجومية، بأنها نوع من الابتزاز و أن اتفاق التهدئة لا علاقة له بسلاح المقاومة.

لذا فإن استكمال الإعمار تعترضه الكثير من العقبات، حيث مازالت إسرائيل تهدد بإيقاف الإعمار في أي لحظة إذا عادت حركة حماس لترميم أنفاقها ،لذلك أرى هنا أنه هناك تهديدات إسرائيلية جدية قد تعيق مشاريع الاعمار من أجل أن تضمن إسرائيل أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية وتحقيق أطول فترة من الهدوء الأمني، وسعيها إلى خلق تعارض بين مصالح المقاومة من جهة، ومصالح سكان القطاع من جهة أخرى، وذلك بربط مصالحهم الاقتصادية وخصوصا إعمار بيوتهم بتوقف أعمال المقاومة.
ويضاف إلى هذه العقبات الإسرائيلية ، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات أخرى في مجال استلامها للمعابر الرئيسية لقطاع غزة من حكومة حماس السابقة و في مجال متابعتها بشكل مباشر لملف الإعمار بقطاع غزة حيث لا يوجد ضمانات للسلطة الفلسطينية أن لا تتدخل حركة حماس في ملف الإعمار.

خاتمة :

و أخيرا يمكننا القول أن قطاع غزة هو من أكثر المناطق المهمشة و المنكوبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب الحروب الإسرائيلية المتكررة عليه و التي كانت تشنها إسرائيل تحت ذريعة ردع فصائل المقاومة الفلسطينية ومنعها من حفر الأنفاق على الحدود الإسرائيلية و إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية القريبة من حدود القطاع ، لذا تعرض قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة لأقسى الحروب الإسرائيلية التي أدت إلي تدمير البنية التحتية له و التي أنهكت من قوى الاقتصاد الفلسطيني وشردت مئات المدنيين الفلسطينيين من منازلهم، بالإضافة إلي الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف الأبرياء ، مما جعل مواطني قطاع غزة يفقدون الأمل في المستقبل ، لذا أرى هنا أن قطاع غزة يحتاج إلي عشرات السنوات من أجل ترميم جراح سكانه و من أجل التعافي و إعادة ترميم بنيته التحتية و إنعاش اقتصاده الوطني على كافة الأصعدة.

و أعتقد أيضاً ، أنه هناك حاجة ملحة لإعادة تقييم الوضع الإنساني و السياسي و الاقتصادي بقطاع غزة من قبل القادة و المسئولين الفلسطينيين لكي يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، و من اجل تجنيب القطاع في المستقبل من أية حروب محتملة قد تؤدي إلي حدوث خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف المدنيين ، لذا من الأفضل أن يتم محاولة حل مشاكل القطاع عن طريق تبني حل سياسي بالدرجة الأولى يكمن في الوحدة الوطنية و بتطوير إستراتيجية وطنية تحاول أن تجد أفاق لمبادرات سياسية و إنسانية و اقتصادية لإنهاء مشاكل القطاع المتراكمة بسبب الحروب و الصراعات الداخلية.

فليس من المعقول أن يتم في كل مرة المطالبة بإعادة إعمار غزة ، وبعد أن يتم ذلك تأتي حرب إسرائيلية جديدة لتقضي على ما تم اعماره ويعود الغزيين إلي نقطة الصفر ، لذا يجب أن يكون هناك مسئولية وطنية كبرى من أجل عدم توريط قطاع غزة في أية حروب إسرائيلية مستقبلية و يجب الأخذ بعين الاعتبار مدى قدرة مواطني قطاع غزة على الصبر و تحمل ألام الحرب وخسائرها ، فما يمكن أن نحققه عبر القوانين الدولية و الطرق الدبلوماسية يجب أن يعفينا عن تبني منهج المواجهة المباشرة و العنيفة مع الاحتلال الإسرائيلي ، الذي لا يتردد أن يفرض عقابه الجماعي على كل المواطنين الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة تحت شعار “دفع الثمن” وقد دفع بالفعل الغزيين ثمن كبير لهذا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي المحتدم عبر عدة عقود من الزمن وقد آن الأوان أن يستريح الغزيون و أن يتعافوا من ألام المعارك و الحروب المتتالية التي أنهكت قوى كافة شرائح المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة ، فمواطني قطاع غزة يحتاجون بكل بساطه إلي أن يعيشوا حياة الأمل و ليس فقط إلي أن ينجوا من ويلات الحروب .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s