أثرياء فلسطين و التغيرات السياسية

ينتمي معظم أفراد الشعب الفلسطيني إلي الطبقة المتوسطة ،وهي الطبقة التي تُمثل عدد كبير من الموظفين الحكوميين و العاملين في مؤسسات المجتمع المدني و أصحاب الأعمال التجارية المتوسطة مثل أصحاب المحلات التجارية و الشركات الخاصة الصغيرة.إن ما يميز هذه الطبقة ، هو عدم تدخلها كثيرا بالعمل السياسي حيث أن انشغالها اليومي يقتصر على كيفية تحصيل الرزق و توفير لقمة العيش الكريمة لأبنائهم .

وبينما يكافح أبناء تلك الطبقة المتوسطة للاستمرار في الحياة ، بالرغم من صعوباتها و بالرغم من المعاناة اليومية التي يعانون منها جراء الحصار و أزمة دفع الرواتب ،بالإضافة إلي تردي الأوضاع الاقتصادية في فلسطين ، تبرز في المجتمع فئة أخرى تنعم بالثراء و الرخاء وتجني أموال طائلة عن طريق أعمالها الحرة و استثماراتها الداخلية و الخارجية ، إنها بالطبع طبقة الأغنياء التي نجدها في كافة مجتمعات العالم أو التي يمكننا أن نطلق عليها مسمى الطبقة البرجوازية.

لقد لعب أثرياء فلسطين دورا هاما في التحولات السياسية و الاقتصادية التي مرت بها القضية الفلسطينية عبر عدة حقب زمنية مختلفة ، فقد ساهم بعض الأثرياء بالماضي بتمويل بعض أنشطة منظمة التحرير الفلسطينية لدرجة أن حركة فتح لقبت هؤلاء الأثرياء بلقب “البرجوازيون الوطنيون” وذلك نظرا لدورهم المشهود به في دعم منظمة التحرير، حيث قام عدد منهم بالماضي أثناء فترة أحداث أيلول الأسود خلال ثمانيات القرن السابق بالوساطة ما بين النظام الأردني وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من أجل تحسين العلاقات الأردنية – الفلسطينية .

و برز دور الفئة البرجوازية بوضوح أكثر في فترة ما بعد أوسلو ، أي الفترة التي تأسست بها السلطة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية ، حيث نشأت علاقات قوية بين كبار رجال الأعمال الفلسطينيين و السلطة الحاكمة حينذاك ، وحاز الكثير من رجال الأعمال على امتيازات خاصة من أجل تشجيعهم على الاستثمار الداخلي بفلسطين، لكن في تلك الحقبة الزمنية ، لم تكن السلطة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة التي اهتمت بتوطيد العلاقات الاقتصادية مع كبار رجال الأعمال بل سعت أيضاً بعض الجهات الاسرائيلية الرسمية و الغير رسمية من أجل التشبيك بين مجموعات من رجال الأعمال الفلسطينيين في الضفة و القطاع مع رجال أعمال أخرين إسرائيليين وذلك في اطار التعاون الاقتصادي و تبادل الخبرات ،حيث كانت تلك اللقاءات تتم أحيانا بتنسيق من قبل الرباعية الدولية وبعض المؤسسات الغير حكومية التجارية وذلك خلال فترة التسعينات ، أي فترة الحماسة السياسية التي اتجهت نحو تفعيل عملية السلام بين الفلسطينيين و الاسرائيليين.

ولقد تبؤ العديد من كبار رجال الأعمال الفلسطينيين مناصب وزارية هامة خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق سلام فياض في العام 2008 ، حيث كان اتجاه حكومة فياض في ذلك الوقت يتجه نحو تشجيع الرأسمالية الفلسطينية التي أصبحت تتغلغل في العمل السياسي وتؤثر في عملية صنع القرارات السياسية والوطنية ، فلا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي لعبته المصارف الفلسطينية في اقراض أموال للسلطة الفلسطينية عندما كانت تمر بأزمة دفع رواتب موظفيها ، لذا فإن العلاقة بين السلطة الفلسطينية و كبار رجال الأعمال الذين يقودون القطاع المصرفي في فلسطين تتسم بأنها علاقة حاجة وضرورة، و لا يمكن أن يتم الاستغناء عنها من قبل أي طرف.

أما عند الحديث عن المصالحة الفلسطينية ، فلا أحد يستطيع أن يتناسى دور رجال الأعمال الفلسطينيين المستقلين في انهاء الانقسام الفلسطيني ، فقد شارك العديد منهم في لجان المصالحة التي كانت تٌعقد في القاهرة ، وكان لهم دور بارز في محاولة التخفيف من الصراع بين حركتي فتح وحماس و التقريب في وجهات النظر المختلفة بين الإخوة المنقسمين سياسيا ، ولقد برز دور الرجل الفلسطيني الثري بوضوح أثناء توقيع اتفاقية المصالحة بين فتح وحماس وذلك عنما تصدر المليونير الفلسطيني منيب المصري المشهد السياسي الوطني أثناء مشاركته في وفد المصالحة الفلسطينية، حيث كان هو الرجل الاقتصادي و البرجوازي الوحيد الذي حضر مع الوفد الوطني بجانب قادة الأحزاب السياسية الفلسطينية.

وبالرغم من الأدوار الوطنية التي لعبتها الطبقة البرجوازية في التأثير على الحياة السياسية و الاقتصادية الفلسطينية ،إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل ، أنه يوجد هناك أيضاً فئات مستغلة من تلك الطبقة البرجوازية التي تتغذى على دماء و طاقات أفراد الشعب الفلسطيني ، فهناك للأسف طبقة من رجال الأعمال الفلسطينيين الذين استغلوا فترة الحصار المفروض على قطاع غزة من أجل رفع أسعار السلع الأساسية و احتكار معظم البضائع التجارية ، بالإضافة إلي الانتهاكات التي حدثت في مجال حقوق الانسان نتيجة لاستغلال كبار تجار الأنفاق لبعض الأطفال، الذين تم تشغيلهم بالأنفاق و تعرض العديد منهم لخطر الموت.

و من جهة أخرى ، مازال يوجد لحتي تلك اللحظة، بعض رجال الأعمال و أصحاب المصانع الكبرى الذين مازالوا يستغلون حاجة العامل الفلسطيني من أجل العمل في ظل ارتفاع نسبة البطالة في فلسطين ، حيث يتم تشغيل هؤلاء العمال بأجور زهيدة لا تكفي لسداد حاجتهم اليومية.

و أخيرا ، أرى هنا أن على أثرياء فلسطين أن يساهموا في تنمية المجتمع الفلسطيني وتطويره اقتصاديا ، وذلك من منطلق وطني بعيدا عن سياسية المصالح المشتركة بينهم وبين القيادات السياسية ، بل يجب أن تعمل تلك الطبقة الثرية في اتجاه توعية أبناء الطبقتين المتوسطة والمهمشة حول سبل الثراء المشروعة وكيفية تحقيق النجاح المادي عن طريق مشاركتهم لهم بخبراتهم وتجاربهم الاقتصادية ، حتى ينهض الجميع وتحدث تنمية حقيقية بالمجتمع .
و أعتقد أيضا أن هذه الطبقة الثرية يجب أن لا تنظر بفوقية إلي طبقة الفقراء وتتعامل معها من منطلق الشفقة و الرحمة خلال المناسبات الدينية فقط حين يتم توزيع أموال الصدقات و الزكاة ، بل على أبناء هذه الطبقة الثرية أن يمدوا أيديهم للفقراء من أجل مساعدتهم للتغلب على مشاكلهم الاقتصادية عن طريق تمويل مشاريع اقتصادية تنموية تخدم هؤلاء الفقراء وتدرُ عليهم دخل كريم ،و ليس استغلال الاحسان لهؤلاء الفقراء من أجل عمل دعاية مجتمعية أو سياسية للرجل الثري الذي يحتاج إلي تجميل صورته أمام المجتمع و أن يظهر أمامهم على هيئة الرجل الصالح التقي ، فالطبقة المهمشة تحتاج أن تتعلم كيفية الصيد قبل أن يتم اعطائها السمك.                                    

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s