مفاوضات السلام و عقدة الأمن الاسرائيلية

تم نشر المقال بمجلة تسامح:العدد42
الفلسطينيون بعددهم لا يشكلون قوى عظمى أو تهديد ديمغرافي كبير لإسرائيل ، لكنهم يُعتبرون من قبل إسرائيل و أفراد شعبها ، مصدر قلق أمني خطير حيث يخشى معظم الاسرائيليون من غضب و انتقام حركات المقاومة المسلحة الفلسطينية الذي قد يتفجر بأي لحظة و يؤدي إلي شن عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية مما يُهدد الأمن القومي للدولة العبرية ، فعند إسرائيل الأمن أولاً و أخيراً …

إنها بالفعل عُقدة الأمن و السلامة لدى الشعب اليهودي ، إنها عُقدة المحرقة النازية “الهولكوسوت” التي تركت أثارها السلبية في عقول و نفوس معظم يهود العالم ، فتوارثت معظم الأجيال اليهودية و عبر عدة عصور زمنية متعاقبة تلك العُقدة النفسية و جينات الخوف من الانقراض ، و كانت تلك العُقدة من أهم العوامل التي أدت إلي تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1948 مع اعتراف و تأييد معظم قوى العالم الغربية .

لذلك ما أن يستشعر الإسرائيلي أي تهديد أمني و لو حتى كان بسيط على وجوده المتواضع في محيط من الدول العربية الغير صديقة ، ينتاب هذا الإسرائيلي شعور فظيع بالقلق الشديد و العداء و عدم الثقة تجاه أي مخلوق عربي.

إن اسرائيل تقع بالفعل ضمن حدود جغرافية حرجة بالنسبة لها ، فهي من الشمال مهدده بقوات حزب الله في لبنان التي تتوعد اسرائيل في أية لحظه بهجوم عسكري مفاجئ و من الجنوب مهددة بالصواريخ المحلية الصنع التي تطلقها عناصر المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة ، أما من الجنوب الغربي فهي مهددة من قبل الجماعات الجهادية التي قد تنمو في صحراء سيناء المصرية و إضافة على ذلك فحدودها الشرقية مهددة أيضاً من قبل عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية و التي تحاول بين الحين و الأخر أن تغتنم الفرصة المناسبة لاصطياد هدف اسرائيلي.

لذا يُعتبر الأمن عند اسرائيل من أهم ملفات المفاوضات بينها و بين السلطة الفلسطينية التي لا تستطيع أن تعد اسرائيل بالكثير حول ذلك الشأن بالذات ، فالمفاوض الفلسطيني لا يملك أن يعد المفاوض الاسرائيلي بأنه سوف يمنع المقاومة الفلسطينية للأبد من استهداف اسرائيل و في نفس الوقت يرفض أحيانا هذا المفاوض أن تلعب السلطة الفلسطينية دور شرطي الأمن الذي يحافظ على أمن اسرائيل بدون مقابل فعلي أو وعود حقيقية تؤدي الي الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 ، فبالنسبة لفريق التفاوض الفلسطيني ليس من المعقول أن يتم التفاوض فقط مع اسرائيل حول ملف الأمن دون الاتفاق على ماهية الحدود النهائية للدولة الفلسطينية.

يهودية الدولة و الأمن:

زادت مطالبات الإسرائيليون للفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة منذ عهد رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أرائيل شارون الذي ألقى خطاباً تاريخيا في مدينة العقبة الأردنية بتاريخ الرابع من حزيران 2003، طالب فيه معظم الدول العربية و أعضاء المجتمع الدولي بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية.

و حتى وقتنا هذا مازال نتنياهو يُصر على ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة كشرط أساسي لنجاح مفاوضات السلام مع الفلسطينيين.

ومع تمسك الإسرائيليون بالهوية اليهودية لدولة اسرائيل ، يتراوح رد فعل الجانب الفلسطيني ما بين التردد الكبير أحيانا بالاعتراف بيهودية اسرائيل وما بين الرفض القاطع من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للاعتراف بتلك اليهودية و ذلك اعتقاداً منه أن الاعتراف بيهودية اسرائيل سيؤثر سلبياً على مستقبل فلسطيني ال48 الحاملين للجنسية الاسرائيلية و أن ذلك الاعتراف قد يؤدي إلي الاستبعاد النهائي لإمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين لأراضي فلسطين التاريخية لعام 1948.

أما اذا أردنا أن نتعمق أكثر في معرفة الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء تمسك الجانب الاسرائيلي بيهودية الدولة لابد من أن نعي جيداً أن اسرائيل قد تم تأسيسها أصلا على مبادئ العلمانيه بالرغم من انشائها على يد الصهيونية العالمية التي كان عرابها آنذاك هرتزل والذي عُرف فيما بعد بأنه يهودي علماني .

لذلك لو تمعنا قليلاً في قراءة بعض القوانين الإسرائيلية التي تتعلق بقضايا الحكم سوف نلاحظ أنه مثلا في عملية اختيار رئيس الدولة لا يُشترط بأن يكون مرشح الرئاسة يهودياً بل يسرد القانون الاسرائيلي عبارة عامة تقول أنه ” من حق أي مواطن اسرائيلي ، يحمل الجنسية الاسرائيلية و يقيم بإسرائيل بأن يرشح نفسه للرئاسة ” ، ومعنى ذلك أن القانون الاسرائيلي الحالي لا يستبعد فكرة أن يأتي مواطن اسرائيلي مسيحي أو حتى مسلم يرشح نفسه في يوما ما للرئاسة .

إذاً من هنا نفهم أن أسباب تمسك اسرائيل بيهودية الدولة لا تعود لأسباب دينية فقط أو رغبة منها بتعزيز مكانة الديانة اليهودية بل تعود لأسباب استراتيجية أمنية مستقبلية قد يكون من ضمنها محاولة سد أي ثغرة أمنيه تهدد مستقبل دولة اسرائيل من خلال منع أي مواطن اسرائيلي غير يهودي من التمتع بمناصب سياسية رفيعة المستوى في المستقبل مثل منصب رئيس الدولة أو حتى منصب رئيس الوزراء ، لأنه باعتقاد بعض الاسرائيليين أن ذلك قد يحافظ على مقومات الدولة الاسرائيلية و مستقبلها من أي احتمال لاختراق أمني أو محاولة لتهميش اليهود في الدولة الاسرائيلية ،فالمواطنين العرب الحاملين للجنسية الاسرائيلية قد يشكلون في المستقبل تهديد ديمغرافي للمواطنين اليهود الأمر الذي قد يؤدي في المستقبل لرغبة المواطنين العرب الغير يهود من محاولة السيطرة على كيان الدولة الاسرائيلية ومن محاولة فرض سياستهم العربية أو الاسلامية على المواطنين اليهود .

أما من ضمن الأسباب الأخرى لتمسك اسرائيل بيهودية الدولة هو رغبة اسرائيل بأن تكون بمثابة وطن قومي لجميع يهود العالم أو حسب ما يطلقون عليهم لقب “يهود الشتات ” ، لذلك مع الاعتراف الدولي ليهودية الدولة الاسرائيلية عندها سيكون من حق أي يهودي بالعالم بأن يهاجر الي اسرائيل في أي وقت و أن يتمتع بالجنسية الاسرائيلية دون قيد أو شرط .

ويرى الاسرائيليون أنه من حقهم تأسيس دولة يهودية مثلهم مثل أي دولة في العالم تُعلن أنها دولة اسلامية أو مسيحية فهم يعتقدون أن يهودية الدولة سوف تعطي فرصة للمواطنين اليهود لاعتماد التقويم اليهودي السنوي كتقويم وحيد للدولة و تحديد الإجازات الرسمية للدولة بناء على الأعياد اليهودية فقط مثلما تحتفل الدول المسيحية بأعياد رأس السنه الميلادية ، الأمر الذي سيلزم الأقليات الغير يهودية باحترام التقاليد اليهودية وعدم فرض ثقافتهم الاسلامية أو المسيحية على الشعب اليهودي وستحد من مطالبتهم للحكومة الاسرائيلية باعتماد الأعياد الاسلامية أو المسيحية من ضمن الإجازات الرسمية لإسرائيل.

وحتى لا تُتهم اسرائيل بأنها دولة عنصرية قد تنتهك حقوق الاقليات الغير يهودية ، اقترح العديد من المفكرين الاسرائيليين على الحكومة الإسرائيلية أن تعتمد مُسمى الدولة اليهودية الديمقراطية لكي يمنعوا أي سوء فهم محتمل لأهداف الدولة اليهودية من قبل بعض اليهود المتطرفين ولكي لا تقع اسرائيل في يوم ما في فخ سلطة الحكم الديني و الحاخامات.

القدس و الأمن

يُعتبر ملف القدس من أهم ملفات المفاوضات و هو من ضمن المواضيع الشائكة التي تحاول اسرائيل مراراً التهرب من مناقشتها بشكل جدي مع الفلسطينيين ، حيث أن كلا الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي يعتبران القدس هي عاصمة لدولتهم المستقبلية و أنه لا يمكن التنازل عن أي شبر منها.

و بالرغم من أن السلطة الفلسطينية تطالب فقط بأن تكون القدس الشرقية هي عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية إلا أن اسرائيل مازالت ترفض بشدة طلب السلطة الفلسطينية و تُصر على أن القدس لا يمكن تقاسمها مع الفلسطينيين فهي تعتبرها العاصمة التاريخية للدولة اليهودية و مكان هيكل سليمان الثالث و مملكة الملك داود.

لكن بعيداً عن الصراع الديني حول القدس و مدى قدسية المدينة بالنسبة للطرفين ، لا يمكننا تجاهل أن هناك أسباب أمنية أخرى تتحجج عادة بها اسرائيل و تعتبرها من أهم المبررات الجدية وراء اصرارها على التمسك بالسيطرة بشكل كامل على القدس كوحدة جغرافية واحدة بدون تجزئتها الي قدس شرقية و أخرى غربية .

و من ضمن تلك الأسباب الأمنية التي تعود إليها الحكومة الاسرائيلية في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالتفاوض حول القدس هي المسافات القريبة التي لا تتجاوز عشرات أو مئات الأمتار ما بين مناطق القدس الشرقية و القدس الغربية فعلى سبيل المثال المسافة بين التله الفرنسية و شعفاط تبلغ تقريبا من 275 الي 500 متر أما المسافة بين الحي اليهودي في البلدة القديمة و الحي الاسلامي لا تتجاوز عدة عشرات الأمتار ، الأمر الذي يجعل الاسرائيليون يعتقدون أن هناك خطورة أمنية كبيرة على السكان اليهود القاطنين بالحي اليهودي ، حيث يخشى الاسرائيليون من التهديدات الأمنية المحتملة من قبل الفلسطينيين و التي قد تؤدي في المستقبل البعيد لسيطرة الفلسطينيين على هذا الحي و منع اليهود من تأدية شعائرهم الدينية بالقرب من حائط المبكى الممتد من الحائط الغربي للمسجد الأقصى و الذي مازال يطلق عليه المسلمون اسم حائط البراق.

و من ناحية أمنية أخرى يعتبر الاسرائيليون قضية تقسيم القدس شيئاً معقداً جداً لأن جميع مناطق القدس تربطها شبكة مواصلات موحدة و خطوط نقل مشتركة بالإضافة إلي أن شبكة قطار تل أبيب تمر عبر القدس الأمر الذي يدعو القادة الاسرائيليون للشعور بالحذر الشديد من احتمالية اشتراك الفلسطينيين مع الإسرائيليين في المستقبل بشبكة المواصلات الاسرائيلية التي تعتبر بالنسبة للاسرائليين من الصعب أن يتم تفكيكها ، لذلك تخشى إسرائيل من أن تستغل حركات المقاومة الفلسطينية المعارضة لقضية السلام تلك النقطة المشتركة و تقوم بشن عمليات عسكرية ضد إسرائيل كما قامت بالسابق أثناء الانتفاضة الأولى عندما استهدفت حركات المقاومة المسلحة الفلسطينية حافلات النقل العامة الاسرائيلية بالقدس.

و بالإضافة للأسباب الأمنية المتعلقة بقرب المسافة بين شطري القدس و شبكة المواصلات يخشى الاسرائيليون أيضا من أن الأسلحة الخفيفة التي تمتلكها مناطق السلطة الفلسطينية و التي قد يستغلها بعض الفلسطينيون من أجل اطلاق نيران عشوائية على الاسرائيليون و ذلك من أقرب مكان لهم نحو القدس ، حيث لا يثق الاسرائيليون بقدرات السلطة الفلسطينية على سد جميع الثغرات الأمنية وعلى منعها لمواطنيها من عدم استعمال السلاح ضد الاسرائيليين و يؤكد الاسرائيليون على ذلك عندما يستذكرون أمام الاطراف الدولية الراعية لملف المفاوضات عدة أمثلة حول عمليات اطلاق نار من قبل المقاومة الفلسطينية في مدينة بيت جالا الفلسطينية نحو مستوطنة جيلو في القدس و يقول هنا الاسرائيليون بأنهم انسحبوا أيضاً من قطاع غزة و لكن السلطة الفلسطينية فشلت في منع المقاومة الفلسطينية من اطلاق الصواريخ الفلسطينية نحو الجنوب الإسرائيلي المحاذي لحدود قطاع غزة فكيف سيكون الحال في حين تمَ تقاسم القدس نفسها و القريبة من تل ابيب ، فلن يكون هناك أية حدود بعيدة تمنع أية محاولات عسكرية من قبل عناصر المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل.

و يرى الاسرائيليون أن هناك خطورة أمنية أخرى على شبكة الاتصالات المشتركة في القدس و شبكة الكهرباء و المياه و البنية التحتية لمدينة القدس حيث في حال تم تقسيم القدس سيكون من الصعوبة عدم مشاركة السلطة الفلسطينية للبنية التحتية للقدس الأمر الذي سيؤدي الي حدوث ثغرات أمنية كبيرة في مجال الاتصالات الاسرائيلية على سبيل المثال.

ويعتقد الاسرائيليون أن الصراع على مدينة القدس هو صراع تاريخي و عقائدي بينهم و بين المسلمين في جميع أنحاء العالم و ليس فقط مع الفلسطينيين ، حيث يعلم الاسرائيليون جيدا أن من أهم أهداف بعض التنظيمات الجهادية في العالم مثل القاعدة على سبيل المثال ، هي تأسيس دولة الخلافة الاسلامية وعاصمتها القدس، لذلك فهم لا يثقون كثيرا في عملية السلام مع الفلسطينيين لأنهم يشككون بقدرة الحكومة الفلسطينية المستقبلية من التصدي للحركات الجهادية التي قد لا تكتفي بالقدس الشرقية فقط بل ستسعى بالمستقبل للسيطرة على جميع مناطق القدس بشطريها الغربي و الشرقي.

المستوطنات الاسرائيلية و الأمن:

إن أكثر ما يُشدد عليه المفاوض الفلسطيني في عدة مناسبات سياسية هو ضرورة تجميد الاستيطان الاسرائيلي و ازالة المستوطنات الإسرائيلية من أراضي الضفة الغربية و القدس الشرقية ، لكن اسرائيل مازالت ماضية في مشروعها الاستيطاني الكبير و مازالت ترفض بكل عند و تصلب الانسحاب الكلي من الضفة الغربية .

ويمكننا القول أن من ضمن أسباب تمسك اسرائيل بالمستوطنات هو أنها تعتبر تلك الكتل الاستيطانية بمثابة أحزمة أمنية تحيط بالمدن الاسرائيلية فهي لا تريد أن يكون لديها خطوط تماس قريبة و مباشرة مع أراضي السلطة الفلسطينية في المستقبل و تعتبر المستوطنات الاسرائيلية بمثابة خط دفاع نهائي و وقائي من أية اختراقات أمنية و احتمالات عسكرية مضادة لإسرائيل من قبل الفلسطينيين و العرب أيضا. فإسرائيل بكل بساطة لا تثق بأي طرف عربي مهما وقعت معه عدة اتفاقيات سلام.

لذلك أعلنت الحكومة الاسرائيلية مراراً على لسان رئيس وزرائها نتنياهو، أن اسرائيل لن تتخلي عن أهم الكتل الاستيطانية لها في الضفة الغربية وهي مستوطنة غوش عتصيون التي تقع في جبل الخليل و تطل مباشرة من الجنوب على القدس و تدخل ضمن مخططات اسرائيل لضمها الي منطقة القدس الكبرى و مستوطنة أرائيل التي تقع في شمال الضفة الغربية و تعتبر بمثابة الخاصرة الشرقية لمنطقة تل أبيب الكبرى و أخيرا مستوطنة معاليه أدوميم التي تقع في شرق القدس و التي تسعى الحكومة الإسرائيلية لربطها مباشرة بالقدس .

ومن الجدير بالذكر، أن تلك الكتل الاستيطانية الثلاثة لها أهمية استراتيجية أمنية كبيرة لدى إسرائيل لأنها تُعتبر بمثابة أحزمة أمنية اسرائيلية تحيط بالقدس و بحدود الخط الأخضر وتل أبيب. لذلك أرى هنا أنه ربما تدخل تلك المستوطنات ضمن اتفاقية تبادل الأراضي ما بين السلطة الفلسطينية و الحكومة الإسرائيلية و ذلك في حين تم التفاوض على الحدود النهائية للدولة الفلسطينية.

اللاجئون الفلسطينيون و الأمن:

يُعتبر ملف اللاجئون الفلسطينيون من أعقد الملفات السياسية التي تواجها عملية المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية حيث في كل مرة يتم الحديث عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين يتم تأجيل مناقشة تلك المشكلة الجسيمة بحجة أنه يمكن أن يتم معالجتها خلال مفاوضات الحل النهائي ،الأمر الذي يجعل اللاجئون الفلسطينيون يشعرون بالإحباط و اليأس فحق العودة بالنسبة للفلسطينيين من أهم القضايا الوطنية التي لا يمكن التنازل عنها ، و مصير ملايين من لاجئي الشتات يعتمد على امكانية تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 194 الذي يدعو إلي عودة اللاجئين الفلسطينيين لأراضيهم أو تعويضهم.

لذلك سببت قضية اللاجئون الفلسطينيون حرج كبير لمنظمة التحرير الفلسطينية وبعض الحكومات العربية التي يتهمها البعض أحيانا بالتقصير في متابعة قضيتهم بشكل فعال ومثمر ، فقد مضى أكثر من 40 عاما ومازال ملف اللاجئون الفلسطينيون عالقاً في أروقة الأمم المتحدة و جلسات المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

أما اذا أردنا التحدث عن سبب التعنت الاسرائيلي في مسألة مناقشة ملف اللاجئين الفلسطينيين ، فإن ذلك يعود لقلق اسرائيل من عودة أكثر من مليون لاجئ فلسطيني لأراضي الخط الأخضر التي يرفرف في سمائها العلم الاسرائيلي و الذي يتحدث معظم مواطنيها اللغة العبرية ، فهل سيقبل اللاجئون الفلسطينيون بالعودة للعيش المشترك مع المواطنين اليهود الذين يمتثلون لقوانين الدولة العبرية ؟ بالطبع نشك بذلك ، فلن يقبل اللاجئون الفلسطينيون بذلك و إن قبلوا سيشكل هذا الأمر بالنسبة لإسرائيل تحدي أمنى خطير أمامها من أجل بناء الثقة و التواصل مع هؤلاء اللاجئون و ذلك يقودنا إلي خيار  جديد و سؤال أخر وهو هل ستقبل اسرائيل بإخلاء بعض أراضي الخط الأخضر و من ثم تسلميها للاجئين الفلسطينيين ؟ أعتقد أيضاً أن  هذا الخيار مستبعد تطبيقه لأن إسرائيل لن تقبل بالتنازل عن أي شبر .

لذا أعتقد هنا أن إسرائيل ستكتفي بالسماح فقط للسلطة الفلسطينية بعودة اللاجئين الي أراضي الضفة الغربية و قطاع غزة  وقد تقوم بتعويضهم مادياً اذا وجدت ضرورة لذلك.

إن صعوبة التوصل إلي حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين ، جعلت بعض دول العالم الغربية الراعية لعملية السلام بأن تُطالب الطرفين الاسرائيلي و الفلسطيني بضرورة العمل على إيجاد حل عملي و قابل للتطبيق لتلك القضية و ذلك إشارة منهم أحيانا بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين الي أراضي ما قبل عام 1948 قد لا يكون حل عملي ،وهنا نلمس الموقف الغامض لأعضاء المجتمع الدولي تجاه تلك القضية و الذي قد يُستنتج منه أحياناً أن هناك خطط لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد التي استضافتهم .

الأسرى الفلسطينيون و الأمن:

إن ملف الأسرى الفلسطينيون لا يُعتبر من الملفات الصعبة جدا في عملية المفاوضات ، فقد وافقت اسرائيل على الإفراج عن بعض الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية و ذلك على دفعات متقطعة ، و لكن إسرائيل اشترطت على أن لا تشمل تلك الدفعات أسرى قد يشكلون خطر على أمن إسرائيل حسب تصور القيادة الإسرائيلية الخاص.

و على الرغم من الجدل الكبير في ملف الأسرى الفلسطينيين ، لكننا نستطيع القول بأن ملف الأسرى أمر لا يتصف بالتعقيد الشديد و يمكن التفاوض عليه و حله مستقبلياً و ذلك في حين تم الاتفاق نهائيا على مفهوم و حدود الدولتين الاسرائيلية و الفلسطينييه. و أعتقد هنا أنه في الوقت الحالي تعتبر إسرائيل ورقة الأسرى الفلسطينيين بمثابة جائزة أو مكافأة متقطعة قد تمنحها للمفاوضين للفلسطينيين في حال تحقق انجاز في عملية التفاوض أو في حال رغبتها بطمأنة الجانب الامريكي بأنها فعلاً ترغب بالسلام و بإيجاد حل نهائي لقضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي .

لذلك بالرغم من اصرار بعض القادة الإسرائيليين على عدم الافراج عن بعض الأسرى الفلسطينيين الذين يعتقد الإسرائيليون بأن أياديهم ملطخة بدماء الشعب الإسرائيلي ، خاصة أسرى القدس و ال48 إلا أن هناك إمكانية للإفراج عن هؤلاء الأسرى في المستقبل .

و قد أرسل ممثلون عن أسرى منطقة القدس و ال 48  في السجون الإسرائيلية  رسالة  لوزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية  يقولون فيها بأنه  في حال استمرت المراوغة الإسرائيلية واستثنائهم وشطبهم من أية صفقات إفراج  قادمة ، فإنهم جاهزون للعيش في حدود الدولة الفلسطينية وبشكل مؤقت مرتبط بالمدة الزمنية المتبقية لهم من أحكام وذلك لتفويت الفرصة على حكومة اسرائيل  بإبقائهم داخل السجون و أنهم يتشرفون بالانتقال للحياة في الدولة الفلسطينية تحت راية العلم الفلسطيني.
,لذلك  أرى هنا أن الحكومة الإسرائيلية يمكنها أن تُصادق في المستقبل على الافراج عن هؤلاء الأسرى و ذلك عندما تجد  أنه هناك حاجة  ملحة   لتقديم بعض التنازلات للطرف الفلسطيني من أجل عدم اتهامها بإعاقة عملية السلام في المنطقة.

و ترى إسرائيل أيضاً أنه من الأفضل لها أمنياً بأن تتجنب اختطاف مزيد من جنودها و ذلك عبر محاولة  اقناع الفلسطينيين  بإمكانية تحرير أسراهم عن طريق المفاوضات و الدبلوماسية بدلاً من استخدام القوة كما حدث في عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاط شاليط.

حدود الدولة الفلسطينية و الأمن:

في الوقت الذي تُعلن به السلطة الفلسطينية تمسكها بحدود الدولة الفلسطينية لعام 1967 ، مازالت قضية الحدود غير محسومة بين الفلسطينيين و الإسرائيليين حيث لم يتفق حتى تلك اللحظه كل من الطرفين على شكل الخارطة الجديدة للدولتين الفلسطينية و الاسرائيلية ، لدرجة أن الإعلام الاسرائيلي وصف مؤخرا إن قضية النزاع على الحدود ستؤدي الي انفجار عملية المفاوضات و فشلها.

و بالرغم من أن الفلسطينيين اعتادوا على خريطة فلسطين ذات الشكل المثلث التي تمثل أراضي فلسطين التاريخيه  قبل عام 1948 و التي تبدأ حدودها من صفد حتى النقب فإن القادة الفلسطينيون لديهم استعداد بأن يعتمدوا خريطة جديدة لفلسطين تشمل قطاع غزة و الضفة الغربية و القدس الشرقية فقط وذلك في حال وافق الطرف الاسرائيلي على ذلك ، لكنني أرى هنا أن الأمر لن يكون بهذه السهولة بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي اعتاد أن يرسم في مخيلته الخريطة الكاملة لفلسطين التاريخية ، حيث سيكون من الصعب إزالة تلك الخريطة التاريخية من الصورة الذهنية لعقول أفراد الشعب الفلسطيني ، و أعتقد أن ذلك سيكون من أكبر التحديات التي ستواجهها القيادة الفلسطينيه في حين تم موافقة إسرائيل على تحديد الحدود النهائية للدولة الفلسطينية و في لحظة إعلان السلطة الفلسطينية أمام العالم كله خريطة فلسطين الجديدة على حدود 67.

وبعيدا عن الخرائط و الخطوط الجغرافيه لابد من التحدث عن التصور الإسرائيلي لحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية فالإسرائيليون لا يشكلون أي تصور سياسي إلا بناءً على مسألة الأمن الإسرائيلي و حماية دولة إسرائيل لذلك فهم يصرحون أكثر من مره أنهم مستعدون أن يمنحوا الفلسطينيين دولة منزوعة السلاح و يقصدون بذلك سيطرة اسرائيل على النطاق الجوي و البحري و المعابر البرية للدولة الفلسطينية و على عدم أحقية الفلسطينيين بتشكيل جيش مسلح.

و يرفض الفلسطينيون بشدة ذلك التصور الاسرائيلي للدولة الفلسطينية و يحاولون مرارا اقناع الطرف الاسرائيلي بأنه هناك امكانية لقبول استحضار قوات دولية لحفظ الأمن على الحدود في حال استمرا تشكيك اسرائيل بقدرات القوات الفلسطينية في حماية تلك الحدود ، لكن بالنسبة لإسرائيل فهي لا تثق بأي قوات حتى لو كانت قوات أمريكية أو من حلف الناتو.

فإسرائيل ترى أنه يجب أن يكون لديها قوات عسكرية في غور الأردن لحمايتها من أي محاولة هجوم عسكري من الدول العربية المجاورة في المستقبل البعيد و ذلك بالرغم من أن لديها اتفاقية سلام مع الأردن و من المستبعد أن تشن الاردن أي حرب عليها مستقبليا لكن اسرائيل لا تبني خططها العسكرية بناءً على معاهدات السلام و حسن النوايا بل هي تستعد دائما للأسوأ و للاحتمالات السلبية قبل الاحتمالات الإيجابية فهي تعلم أن الحدود ربما يكون بها ثغرات قد تستغلها قوى معادية مثل القاعدة العالمية أو حتى عدوتها اللدودة ايران .

أما بالنسبة للنطاق الجوي للدولة الفلسطينية فتعتبر اسرائيل أنه من أخطر الأمور التي لا يمكن التنازل عن السيطرة عليها لأنه بالنسبة لإسرائيل لا يوجد أية ضمانات ، فعلى سبيل المثال في حال سيطر الفلسطينيون على المجال الجوي لدولتهم بالكامل فسوف يعتبر ذلك أمر بالغ الخطورة بالنسبة للإسرائيليين حيث  يرى قادة الجيش الإسرائيلي أنه لا يوجد هناك أي شيء قد يمنع قائد طائرة فلسطيني باختراق الأجواء الاسرائيلية و من ثم يقوم بشن هجوم معادي ضد أهداف إسرائيلية.
لذلك لا يوجد لدى الاسرائيليين الثقة الكاملة بالجانب الفلسطيني وذلك ما أكد عليه مؤخراً وزير المالية الاسرائيلي يائير لبيد عندما قال نحن لا نثق بالفلسطينيين لأن الصراع بينا وبينهم يأتي من منطلقات تاريخية .

و يُصر الجانب الإسرائيلي أيضاً على السيطرة على النطاق البحري للدولة الفلسطينية لأنه يخشى من أن تقوم عناصر المقاومة الفلسطينية بشن عمليات بحرية عسكرية ضد اسرائيل أو التسلل للشواطئ الاسرائيلية لاقتحام بعض المدن الاسرائيلية.

و أخيرا نستطيع القول أن العثرة الوحيدة التي تعيق عملية السلام بين الفلسطينيين و الإسرائيليين هي عقدة الأمن الاسرائيلية و أزمة عدم الثقة بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، فالأمن عند اسرائيل بمثابة شريان الحياة للدولة الإسرائيلية وطالما استمرت إسرائيل في التشكيك بقدرات السلطة الفلسطينية لحماية الحدود الاسرائيلية الفلسطينية في المستقبل ، لن يتحقق أي انجاز فعلي في ملف المفاوضات ، لذلك على فريق التفاوض الفلسطيني أن لا يستعجل النتائج النهائية للمفاوضات و أن يتحلى بقليل من الصبر و يستشير بعض خبراء الأمن و القوانين الدولية قبل أن يقدم وعود جدية نهائية للإسرائيليين و يجب على السلطة الفلسطينية أن تشرك جميع أفراد المجتمع الفلسطيني بأية تطورات جدية في ملف المفاوضات قبل الالتزام بأية تعهدات مستقبلية وذلك حتى لا تتحمل السلطة الفلسطينية عبء المسئولية الكبيرة بشكل منفرد ، الأمر الذي قد يؤدي الي حدوث عواقب و نتائج قد يندم عليها الفلسطينيون في المستقبل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s