قوقعة غزة

الكل يتحدث عن غزة و حصار غزة و معاناة مواطني غزة و كهرباء بيوت غزة و أطفال غزة ومرضى غزة و طلبة غزة و صيادي غزة والقائمة تطول و الشكاوي لا تنتهي و لن تنتهي….

إن غزة التي لا تتجاوز مساحتها 360 كم مربع و الذي يقترب عدد سكانها من مليوني نسمة لفتت أنظار العالم بكوارثها الغير طبيعية و مصائبها السياسية التي تعتبر بمثابة فوائد عند البعض الذين يسعون للحصول على التمويل و الدعم الخارجي ، فبكل بساطه مصائب قوم عند قوم فوائد.

لقد أدى اهتمام العالم بقضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلي توليد مشاعر قوية لدى الفلسطينيين و خاصة الغزين بأنهم هم مركز الصراع العالمي و أن الدول الكبرى تحسب لهم ألف حساب في تكتيكاتها السياسية و العسكرية ، فأصبح الفلسطينيون يشعرون بأنهم قوى إقليمية مؤثرة في الشرق الأوسط خاصة عندما يتم الحديث عن حركات المقاومة الفلسطينية التي تستطيع أن تغير من قواعد لعبة الشطرنج السياسية في المنطقة و التي يتنافس فيها جنود الملك الأبيض ” رمز السلام ” و جنود الملك الأسود “رمز الحرب ” .

وبالرغم من كثرة المشاكل و النقم المتوالية التي يعاني منها أهالي قطاع غزة باستمرار إلا أن هناك بعض المزايا الايجابية المحدودة و التي يتمتع بها بعض مواطني القطاع لكنها لا تنال تقدير و امتنان معظم الغزين فعلى سبيل المثال :
لا أحد يُدرك في غزة أن ميناء غزة المتواضع يشبه بجماله الكثير من موانئ الصيد المتواجدة في دول العالم الساحلية و السياحية.
ولا أحد يُدرك في غزة أن نساء غزة لديهن القدرة على الثورة و الانتفاض على واقعهن المرير و التعبير عن أرائهن بحرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من النساء العربيات في بعض دول الخليج العربي البترولية.
ولا أحد يُدرك في غزة أن شباب غزة لديه اختراعات علمية لم يتم اكتشافها بعد و تكاد توازي اختراعات شباب آخرون في دول العالم ينعمون بالرفاهية و الحرية.
ولا أحد يدرك في غزة أن مستوى المطاعم و المقاهي السياحية في غزة تكاد تضاهي مستويات بعض المطاعم الأمريكية و الأوروبية ذات النجوم الثلاثة المتواجدة في دول العالم.

لقد تعود الغزيون أن يتقوقعوا في قطاعهم لدرجه أنهم أصبحوا يُنكرون أو لا يُقدرون أي تقدم و تطور بسيط يحدث للمربع الصغير الذي يعيشون به ، بالرغم أن بعض المشاكل الاقتصادية التي يعانون منها تعتبر بمثابة مشاكل اعتيادية تعاني منها أكبر دولة نامية مستقلة في أفريقيا.

لقد اعتبر الغزيون أنفسهم بأنهم يعيشون في سجن كبير محاصر أمنياً من كافة الحدود ويُقيد حقهم في الحرية و التنقل لذا فقد حاولوا أن يزينوا هذا السجن بأكبر قدر من ألوان و تصاميم الحياة العصرية و الرفاهية المتواجدة في العالم الخارجي و التي لا ينعم بها إلا أفراد الطبقة الميسورة بالقطاع و لقد تم ترك الفتات فقط إلي أبناء الطبقة الفقيرة المهمشة ، الذين يُعتبرون هم الضحايا الحقيقيين للحصار وكوارث الحروب.

فالأغنياء بغزة يزدادون ثراءً من تجارة الحصار و الفقراء في غزة يزدادون فقراً من التجارة بآلامهم و معاناتهم دون ايجاد حلول جذرية لمشاكلهم الحياتية اليومية.

إن ما ينقص الغزيون بالفعل هو الشعور بالحرية و بالسلام الداخلي و العدالة الاجتماعية و الاستقرار السياسي ومستقبل آمن بعيداً عن التقلبات الإقليمية و الحروب. فقد اختبر أهالي غزة العديد من الحروب و الصراعات الداخلية و الخارجية التي أثرت سلبياً على نفسيتهم و زادت من الفجوة الاجتماعية و الاقتصادية بين الأغنياء و الفقراء. وقد نال القطاع ما يكفيه من الخسائر البشرية و المادية وسالت الكثير من الدماء التي أرهقت مستشفيات غزة وحرمت أطفالا من آبائهم و أمهاتهم و أفقدتهم الأمل بالعيش ضمن حياة أمنة و عادلة.

لذا لقد حان الوقت أن يخرج الغزيون من القوقعة التي يعيشون بداخلها و قد آن الأوان أن يتحمل هؤلاء المواطنون مسئولية اختياراتهم السياسية و أن يعترفوا بقدرتهم على تغيير أوضاعهم وظروفهم السيئة بأنفسهم بعيداً عن الاكتفاء فقط بالتعبير عن مشاعر السخط و الانتقام و الاعتمادية على الغير و التقمص الدائم لدور الضحية . فبكل بساطه العالم ليس غزة و غزة ليست العالم .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s