الدولة المدنية و الدولة الدينية : وجهة نظر

عبر عصور مختلفة من الزمن ، سعت شعوب العالم من أجل تأسيس دُول مستقلة لها تتمتع بكيان سياسي ذو سلطه حاكمة و تنظم حياتهم بعد عدة عقود من المعاناة جراء الصراعات الدينية وهيمنة الامبراطوريات الكبرى و نفوذ وسيطرة الاستعمار الأجنبي على موارد بلادهم ، الأمر الذي شَكل أكبر تحدي أمام قادة هؤلاء الشعوب من أجل بناء دُول مستقلة تؤسس لنظام حكم سياسي يُنظم السلطة في البلاد و يُقدم خدمات و حقوق للشعب عبر منظومة من المؤسسات الدائمة التي تعرف حالياً باسم الحكومة التي يعتبرها البعض مجرد وسيلة و ألية لفرض سلطة الدولة على الشعب ، فالحكومة بكل بساطه تعتبر بمثابة عقل الدولة وهي متغيرة بشكل مستمر حسب طبيعة النظام الحاكم ، بينما الدولة تبقى دائماً راسخة و مستمرة.

وفي عالمنا العربي مازال هناك في الأفق عدة محاولات حثيثة من أجل إعادة تأسيس دول حديثة تتمتع بمزايا الديمقراطية و النهضة الاقتصادية و الاجتماعية ، فجاء الربيع العربي ليرسم خريطة سياسية جديدة للوطن العربي من بلدان تخلصت حديثاً من أنظمة حكم ديكتاتورية وتسعى للديمقراطية و من بلدان مازالت على مفترق الطرق لا تعلم لأي وجهه تتجه ! فهل هي ذاهبة الي طريق التحرر السياسي و الدولة المدنية الحديثة ؟ أما ستغرق في دوامة مستمرة من العنف و التطرف الديني؟

و يعتبر الشعب في أية دولة بالعالم هو المحرك الأساسي لعجلة التقدم و التنمية السياسية وهو القوة الكبيرة التي
يمكن أن تُغير أنظمة الحكم و تؤثر في سياسات الدولة ، فذلك فعلاً ما حدث في كل من تونس ومصر و ليبيا واليمن ، حيث ثارت شعوب تلك البلاد و انتفضت بشكل مفاجئ ضد حكامها مما أدى الي اقتلاعهم بشكل نهائي من كراسي الحكم وترتب بالطبع على ذلك تغيرات كبيرة في أنظمة الحكم.

و بما أن الشعب يعتبر من أهم أركان الدولة ومن أهم عوامل التغيير السياسي لأنظمة الحكم فلابد للدولة و أجهزتها الحكومية أن تركز جُل اهتمامها على خدمة مواطنيها و تحقيق أمالهم بوطن أمن ومجتمع عادل ويجب أن يتمتع جميع أفراد الشعب بالكثير من الحقوق المتساوية مثل حقهم في التعليم و الصحة و العمل و انتخاب الحاكم و حرية التعبير عن الرأي ، لكن في ذات الوقت يجب على أفراد الشعب أيضاً أن يقوموا بواجبهم تجاه دولتهم من الاخلاص للوطن و الدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي و دفع الضرائب المستحقة لقاء ما تقدمه لهم الدولة من خدمات وحقوق.

فالعلاقة بين المواطن و الدولة يجب أن تكون علاقة تبادلية ينظمها دستور وتشريعات الدولة فيما يتفق مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.

لذلك نلاحظ أنه خلال القرن الواحد والعشرين قد اهتمت معظم الدول المتقدمة بشكل كبير في تقديم خدمات مميزة لشعوبها وسعت لتحقيق مستوى مرتفع من العدالة الاجتماعية و التنمية البشرية.

وقد تبنت معظم تلك الدول المتقدمة نظام حكم مدني أو ما يعرف بمفهوم الدولة المدنية التي تركز على مبدأ المواطنة ، فالدولة المدنية هي بكل اختصار دولة المواطنة و سيادة القانون التي تُعطي الحقوق و الواجبات على أساس المواطنة ، فلا يكون هناك تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق و هي تضمن أيضاً حقوق الانسان و حرياته الأساسية و تحترم التعددية و التداول السلمي للسلطة و تستمد شرعيتها من الجماهير و تخضع للمحاسبة من قبل الشعب أو ممثليه.

وقد فسر أيضاً بعض المفكرون الغربيون معنى الدولة المدنية بأنها الدولة التي تستقل بشؤونها عن هيمنة و تدخل الكنيسة و هي بالتالي تضع قوانينها حسب المصالح و الانتخابات بطريقة ديمقراطية و لا تخضع لتدخل المؤسسات الدينية أو حتى الجيش نفسه.

لكن إذا أردنا أن نتوسع أكثر في مفهوم الدولة المدنية فلابد لنا من التطرق أيضاً لمعنى المواطنة التي تعتبر من أهم أركان الدولة المدنية ، فالمواطنة بكل بساطه جوهرها التسامح و احترام الأخر و القبول بالتنوع و اقرار بأن حق الأقليات ليس بالضرورة أن يؤثر سلبياً على حقوق الأغلبية ،وتدعم المواطنة مبادئ حقوق الانسان و تطالب بأن يتساوى الجميع أمام القانون دون تحيز لطرف دون أخر و أيضا اتاحة الفرص الاقتصادية و الاجتماعية لكل شخص دون تمييز فكل استبعاد أو تهميش يؤدى بالتأكيد الي الاحباط و التعصب و العدوانية و الصراعات الداخلية.

ولقد وصف أيضاً بعض المفكرين السياسيين أنظمة الحكم المدنية بالعلمانية لأنها لا تتخذ الدين كمرجع أساسي للتشريع لكن في ذات الوقت يحاول بعض المفكرين التمييز بين مصطلحي مدنية الدولة و علمانية الدولة و ذلك لأنهم يعتقدون بأن العلمانية ترفض أن يكون هناك دين رسمي للدولة بينما العلمانية في الواقع تركز بشكل أساسي على دستور الدولة ولا تتدخل في الانتماء الديني لشعوبها ،فالولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال تعتبر دولة مسيحية لكن دستورها علماني وكذلك بعض الدول الاوروبية مثل فرنسا و بريطانيا العظمى ، لذلك أرى هنا أنه لا يوجد فرق كبير بين العلمانية و المدنية فكلاهما يُقصد بهم تحييد الدين و ابعاده عن نظام الحكم ،ففكر العلمانية شبيه بالفكر المدني الذي يقوم على أساس مساواة جميع المواطنين أمام القانون مهما تعددت أديانهم و اختلفت بيئتهم الاجتماعية.

ولكي نستوعب أكثر مفاهيم نظام الحكم المدني أو العلماني يُمكننا أن نستشهد برأي الفيلسوف الانجليزي جون لوك ، مؤسس العلمانية في القرن السابع عشر الذي رأى بأن وظيفة الدولة هي فقط رعاية المصالح الدنيوية للمواطنين أما الدين فهو يسعى الي خلاص النفوس في الآخرة لذلك ليس من مسئولية الدولة استخدام نفوذها و سلاحها من أجل ضمان نجاة المواطنين في الأخرة من عذاب الإله أو من نيلهم الجنة و يُشدد لوك على أن انحياز الدولة لدين معين يشجع المواطنين على النفاق و التدين الشكلي فضلاً أنه قد يُهدد وحدة الدولة و التعايش السلمي بين المواطنين.

لذلك نستطيع القول بأن هناك علاقة تكاملية بين النظام العلماني و النظام المدني فكلاهما لا يعاديان الدين لكنهما فقط يحاولان منع استغلال الدولة أو نظام الحكم للدين من أجل تبرير سياسته و التفرقة بين المواطنين ، فالدولة المدنية أو العلمانية تكفل لجميع المواطنين على اختلاف ديانتهم الحق في حرية العبادة و ممارسة شعائرهم الدينية دون التأثير بشكل سلبي على أصحاب الديانات الأخرى ، وهذا يتضح جلياً عندما نتابع تجارب المسلمين في الغرب من حرصهم للتمسك بحقوقهم بالمواطنة الكاملة التي تكفل لهم حرية ممارسة الشعائر الدينية في تلك الدول الغربية التي يُعتبر المسلمين بها من ضمن الأقليات الدينية.

لكن بالنظر إلي عالمنا العربي نلاحظ بأنه للأسف يوجد هناك سوء فهم كبير في تفسير معنى الدولة المدنية أو العلمانية حيث يعتبرها البعض بأنها ضَربٌ من ضروب الكفر و الفسق و أنها تحارب الدين الإسلامي و تروج لأفكار غربية تخالف الثقافة و العادات العربية ، بينما هي بالحقيقة تدافع عن حقوق المواطنين الدينية و المدنية ، الأمر الذي يدعو الي الحاجة لمراجعة طرق التفكير و التحليل السياسي للأمور التي تعتمد غالبا على نظرية المؤامرة و على أن كل شيء يأتي من الغرب فهو كفر وحرام.

و أعتقد هنا أنه ليس من الضروري أن تتبني الدول العربية نظام الحكم العلماني الكامل بل بالعكس يجب ان يكون لدينا في العالم العربي مرونة كبيرة وسعة أفق من أجل تطوير نظام حكم مدني ديمقراطي مختلط لا يتجاهل بالضرورة هوية الدولة الدينية بل يحافظ أيضاً على نوعية الفكر و الثقافة الشرقية للشعوب العربية حيث يجب عدم تجاهل طبيعة الشعوب العربية التي تميل إلي التدين و التقاليد المحافظة و في نفس الوقت يجب مراعاة حقوق الأقليات الدينية و عدم تغليب الرؤية الدينية للأمور الحياتية في قوانين وتشريعات الدولة .

أما إذا أردنا أن نتحدث عن نظام الحكم الديني فلابد أن نميز بين الدولة الثيوقراطية و الدولة الدينية فالدولة الثيوقراطية حسب احدى التعريفات الغربية تعرف بأنها الدولة التي يكون فيه الحاكم ذا طبيعة إلهية أو أنه مختار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الاله و ذلك حسب ما عُرف بنظرية الحق الالهي و يترتب على ذلك عدم أحقية أي احد من افراد الشعب بانتقاد الحاكم أو الاعتراض على أحكامه بل يجب على الجميع الخضوع التام لإرادة الحاكم و سلطانه.

أما بالنسبة للدولة الدينية فهي الدولة التي يكون فيها الحاكم لا يحكم بإيحاء من الاله و انما يحكم بناء على نصوص الكتب الدينية و تعليمات الرسل و الأنبياء و القديسين و هو يُمكن ان يتم محاسبته ويُمكن للناس أن يختلفوا معه.
و بالإطلاع على المفهوم الإسلامي للدولة الدينية فيمكننا القول بأن الدولة الاسلامية تعتبر دولة دينييه و لكنها ليست ثيوقراطية لأن نظامها السياسي يعتمد على نصوص القرآن و تعليمات السنة النبوية و يمكن لأفراد الشعب أن ينتقدوا الحاكم و يخالفوه بالرأي وتتبنى الدولة الإسلامية نظام حكم الشورى و الرأي و لكنها تستمد مشورتها من طبقة النخبة و علماء الدين المحيطين بالحاكم الإسلامي و لا يتمتع جميع أفراد الشعب بحقهم في اختيار الحاكم لأنه يتم اختياره عن طريق البيعة التي يشارك بها كبار رجال الدولة .

ومن تجارب الحكم الاسلامي في البلدان العربية هي تجربة الخلافة العثمانية التي حكمت الشعوب العربية نحو ما يقارب ستمائة عام ، حيث كان هناك سيادة كبيرة للخلافة العثمانية على العديد من الدول الاسلامية و الغير اسلامية المجاورة لقارة أوربا وكانت تتبع الخلافة آنذاك شرعاً سلطان أل عثمان الذي كان يُلقب في ذلك الوقت بأمير المؤمنين أو بخليفة المسلمين ، و يُعتبر الخليفة في دولة الخلافة الإسلامية بمثابة أعلى سلطه للحكم وهو يستمر في الحكم حتى يوم مماته وذلك بالطبع يناقض مبادئ الديمقراطية التي تعتمد على مبادئ تداول السلطة و على حق الشعب في اختيار حاكمه مما يدعو للاستغراب عندما نسمع أن هناك مناشدات عديدة من قبل بعض المفكرين الإسلاميين بضرورة عودة دولة الخلافة الإسلامية الأمر الذي يشجع على نظام توريث الحكم و حرمان أفراد الشعب من حرية اختيار من يحكمهم.

أما في عصرنا الحديث فقد شهدت بعض الدول العربية مثل مصر و تونس و فلسطين سيطرة لبعض أحزاب الإسلام السياسي المتفرعة من حركة الأخوان المسلمين على بعض أنظمة الحكم ، حيث حاولت تلك الأحزاب أسلمه دستور وقوانين الدولة لكي تتماشى مع مشروعهم الإسلامي العالمي ، لكن ما تم ملاحظته أن تلك الأحزاب الدينية لم تنجح بشكل كبير في تطبيق سياستها الاسلامية حيث واجهت فيضا من الانتقادات الكبيرة و الحادة من قبل المثقفين و السياسيين العرب ذوي الفكر العلماني و الليبرالي الذين اتهم بعضهم تلك الاحزاب بأن تتناقض في سياستها مع مبادئ حقوق الانسان العالمي التي تتمثل بحقوق المرأة و حقوق الأقليات و الحريات العقائدية و الفكرية.

أما على صعيد العالم الغربي فقد عانت الشعوب الأوربية سابقاً خلال مرحلة العصور الوسطى من ديكتاتورية النظام الديني حيث كانت تسيطر الكنيسة آنذاك على مقاليد الحكم و اتسم الحكام في تلك الفترة بطابع مقدس بابوي إلي أن ظهرت حركات التحرير الفكري الغربية و الفلسفة العقلانية التي انتشرت خلال مرحلة النهضة الاوروبية مما شجع الشعوب الأوروبية على الثورة على أنظمة الحكم الدينية والمطالبة بإسقاط القداسة عن النظام الحاكم و فصل الدين عن الدولة حتى وصلت الي ما نعرفه الآن في عصرنا هذا من ازدهار الدولة الحديثة المدنية و الديمقراطية.

و أخيراً لا يسعني القول إلا أن الشعوب هي من تحدد هوية و طبيعة نظام الحكم في أي دولة بالعالم فالشعوب الواعية و المثقفة تستطيع أن تؤثر في طريقة حكم قادتها و في كتابة دستور بلادها بشكل يكفل لهم كافة حقوقهم الوطنية و المدنية أما الشعوب المُغيبة و التي تفتقر للثقافة و العلم فستبقى تعاني لزمن طويل من أنظمة حكم ديكتاتورية قد تستغل أحياناً الدين من أجل تبرير سياستها القمعية و تنتهك بذلك الحريات الأساسية للمواطنين.

و أكرر هنا بأنه ليس من الخطأ الجسيم تأسيس دولة دينيه لكنه من الخطر الكبير أن تستغل تلك الدولة الدينية الدين من أجل محاربة الديمقراطية و حقوق الانسان و تهميش حقوق الأقليات.

لذلك أعتقد أن على الحكومات العربية أن تتعلم من تجربة الغرب في تطبيق سياسة الحكم الديمقراطية المدنية و أن لا تقع في فخ الحكم الديني المتطرف أو أن تتورط في صراعات دينية وطائفية سواء كانت إسلامية أو مسيحية، بل يجب أن تحرص تلك الحكومات على تبني ثقافة التسامح الديني و السلم الاهلي و أن تدعو شعوبها إلي لغة الحوار بين الأديان و الحضارات المختلفة وذلك بعيداً عن العنصرية الدينية و الحزبية فليكن شعارنا الأكبر هو الدين لله و الوطن للجميع…..
( تم نشر المقال في مجلة سياسات ، العدد 25 ،2013)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s