الجميع يبتسم و الفلسطيني مندهش!

رفعت التلميذة المجتهدة يدها أثناء الحصة الدراسية ، بسعادة كبيرة مع ابتسامة عريضة تُبرز أسنانها اللبنية ، لأنها الوحيدة من بين زميلاتها بالفصل تفوقت و عرفت الإجابة الصحيحة لسؤال علمي صعب مطروح في الكتاب المدرسي ، فإذا بمعلمتها الفاضلة تنهرها بقوة مستنكرةً قائلة ” لماذا تبتسمين ؟ فالضحك بدون سبب من قلة الأدب ! ”

هكذا تعلم بعضنا في المدرسة أو البيت أو العمل أو حتى في الشارع أن الضحك من غير سبب من قلة الأدب ، فلقد تعودنا أن لا نبتسم للغرباء و أن لا نبتسم لأي أحد بدون سبب وجيه ، فنحن عادةً نبتسم أثناء مجاملة اجتماعية مع الأصدقاء أو تحبب لشخص مهم في حياتنا أو محاولة للتقرب من شخص قد تأتي من ورائه مصلحه ما، مثل أن يكون ذلك الشخص مديرنا بالعمل أو مسئول حكومي كبير أو حتى ضابط أمن صغير يعمل في إحدى المعابر الحدودية و نرجو منه تسهيل سفرنا.

إنها ثقافة العبوس و الجدية التي توارثها للأسف معظم الفلسطينيون بسبب النكبات و النكسات و الانتفاضات و الاتفاقيات و الحروب و الانقسامات التي مروا بها والتي أدت إلي ضياع أمالهم بالحصول على وطن أمن مستقر يحقق أحلامهم و طموحات أبنائهم، مما جعل الفلسطينيون يعيشون معاناة مستمرة و يختبرون أزمات انسانية و سياسية واقتصادية متعاقبة على مر الزمن و متقلبة كأمواج بحر غزة الهائج في فصل الشتاء الممطر.

لقد اعتدنا على أن نبكي دائما أمام أعين العالم ، فملئت دموع نسائنا و أطفالنا و شيوخنا شاشات التلفزيونات العالمية لعلنا ننال عطف و شفقة قادة الشعوب الأخرى فيمدوا لنا يد المساعدة و ينصروا قضيتنا ، قضية الشعب الفلسطيني المظلوم ، المغلوب على أمره ، الذي لم يذق يوما ما طعم الحرية و لم يشعر قط بالأمان فالحروب و الصراعات تتقاذفه بين حين و أخر.

نعم إنها حسرة الماضي التي تكسوا وجوه أجدادنا بسبب هجرتهم من قراهم الأصلية ، إنها بسمة الأمل التي حُرم منها أطفالنا بسبب خوفهم من دوي القنابل ، إنه الصوت الحاد المرتفع الذي يتعارك به بعض شبابنا لكي يُعبروا عن مشاعرهم الغاضبة و المتفجرة بسبب البطالة و الحصار الأمني.

نعم الشعب الفلسطيني يخجل من الابتسامة حتى لو كانت مُصطنعة ،إنه يخشى من الفرحة حتى لو كانت عابرة …..
لذلك نراه عندما يحتفل فهو يحتفل أحياناً بغضب و عندما يحزن فهو يحزن أيضاً بغضب وذلك ما نشعره بشدة عندما نرى بعض الشباب الفلسطيني يخرق غيوم السماء بالرصاص الثائر.

فهل هي رصاصة الثورة على الحياة الغير عادلة أم هي رصاصة تحدي الموت المتوقع في أي لحظه؟

هكذا هي مشاعر معظم أفراد الشعب الفلسطيني الذين يعيشون في قفص الوطن و الذي لا يتردد بعضهم أبداً من السفر للخارج لاستنشاق عبير الحرية الذي ينعم به باقي شعوب العالم ، فهؤلاء الهاربون من ألم الوطن يعبرون القارات من أجل نيل العلم ومنهم حتى من يسافر إلي أقصى الشرق لكي يطرق باب الرزق أو يفتح نافذة عقله على بريق الحياة الساحرة.

لكن ما يثير دهشة هؤلاء الفلسطينيون المغامرون الباحثون عن الحرية و سبل العيش هي الابتسامات الناعمة المرسومة على وجوه شعوب الدول المتقدمة والتي تدل على حالة من السلام الداخلي تشعر بها قلوب وعقول تلك الشعوب ، فالياباني يبتسم و هو يُحييك عندما تمر من أمام منزله و الأمريكي يبتسم عندما يُقابلك بمصعد كهربائي بالطابق الأربعين و الفرنسي يبتسم عندما يبيعك باقة من الزهور و السائق الماليزي يبتسم عندما يَقلك بسيارته العامة ،حتى المتسول في محطات المترو الايطالية يبتسم عندما يطلب منك صدقه.

الجميع يبتسم ! والفلسطيني مندهش ، ألم يَحن الوقت الذي أبتسم فيه؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s