الشعوب العربية و صدمة المستقبل!

إنها ثورة الياسمين في تونس التي اشتعلت في نهاية عام 2010، فانتشر عُطر زهرها في كل أنحاء مصر و ليبيا و اليمن و أخيراً سوريا !

مَر نحو أكثر من عامين منذ انطلاق تلك الثورة التي ألهمت الكثير من الثوار العرب للانتفاض على واقعهم المحبط و الثورة على حكام مستبدين طالما عرفهم الشعب بطغيانهم و فسادهم في السلطة.
لقد تفاءلت بعض دول العالم عندما انطلقت الثورات العربية في الوطن العربي و عندما لاحَ في الأفق ملامح لمستقبل حُر و ديمقراطي يمكن أن تعيشه الشعوب العربية بعد عدة عقود من القمع و الطغيان من قبل بعض الأنظمة العربية الديكتاتورية. و لقد تجاوز العالم الغربي درجة تفاؤله بهذه الثورات العربية مما جعل بعض الدول الغربية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية تطلق على تلك الثورات لقب “الربيع العربي”

لكن مع مرور الأيام ، بدأت تتضح أكثر فأكثر معالم ذلك الربيع العربي من فوضى و فلتان أمني في بعض الدول العربية و من سذاجة سياسية من قبل بعض الزعماء و السياسيين العرب في إدارة الحكم و معالجة المشاكل الجوهرية التي تعاني منها بلادهم الثائرة ، فبدأ ينفذ صبر البعض و بدؤوا بالسخرية من تلك الثورات مُرددين القول بأنها الخريف العربي و ليس الربيع العربي.

و من هنا دعت الحاجة لإثارة سؤال استفهامي كبير بدأ يُطرح في أذهان المواطنين العرب ألا وهو :هل نجحت الثورات في الوطن العربي أم بعد تلك الزلازل السياسية و صدمة التغيير التي بدأت تشعر بها الشعوب العربية، يمكن أن يتم الحكم على تلك الثورات بالفشل؟

و للإجابة على هذا السؤال، لابد من التريث و عدم التسرع في الحكم بالفشل أو النجاح على أي حدث أو تغيير سياسي كبير ، فتقييم النتائج تحتاج الي مدة كبيرة من الزمن ، و يجب أن يُترك المجال للتاريخ لكي يُظهر الحقائق و ُيقيم النتائج فالتاريخ لا يرحم أحد ،وقد كشف بالسابق لعديد من الشعوب على مر العصور خبايا و أسرار طالما حاول اخفائها السياسيون و القادة عن شعوبهم.

إن ما حدث في العالم العربي يمكن وصفه بكل بساطه بأنه تغيير مفاجئ شًكل صدمة كبيرة لم تستوعبها بعض عقول المواطنين العرب، إنها صدمة التغيير، صدمة الديمقراطية الغير مفهومة ، صدمة الحرية لشعوب طالما كانت سجينة أقفاص صنعتها لهم حكامهم و رسمت لهم خطوط حمراء ممنوع أن يتجاوزوها ، فكٌسر القفص ومُحيت الخطوط و هربت الطيور المُروضة على عدم الطيران، لتنطلق في سماء بلا حدود وتتخبط أجنحتها في رياح التغيير التي لم تعتاد عليها بالسابق.

لقد أظهرت لنا الثورات العربية كيف أن المواطن العربي لم يستوعب تلك الصدمة و لم يعرف كيف يتعامل مع أساسيات الديمقراطية خاصةً من قبل بعض الشباب العربي الذي لم يفهم جيداً معنى الديمقراطية الحقيقية ومتطلباتها، فاعتقد البعض منهم أن الديمقراطية تكمن في القدرة على الشتم و الانتقاد المستمر للسلطات بدون الاستماع الي الرأي الأخر و بدون تحليل موضوعي للتطورات السياسية و قد استعمل البعض منهم العنف و لم يحترم ثقافة الاختلاف و أصحاب الأيدولوجيات المخالفة لفكرهم وعقيدتهم ، و لقد تناسى بعضهم للأسف أن مبادئ الديمقراطية تعتمد على التعددية و المشاركة و احترام الرأي المختلف و تحتكم دائماً لقانون و دستور الدولة كمرجع أساسي لأي قضية سياسية يتم مناقشتها في الساحة السياسية.

أما الأن ،فالعالم العربي أمامه طريقين ، طريق يُمكن أن تؤدي به إلي التقدم والازدهار وذلك يأتي عبر تبني ثقافة السلم الأهلي و التسامح و الحوار مع الأخر و اعتماد مبادئ الديمقراطية السِلمية و سيادة القانون ، و طريق أخرى قد تؤدي إلي العودة لمرحلة العصور الوسطى التي عايشتها الشعوب الأوروبية في السابق من نزاعات دينية و صراعات طبقية و من فوضى و فلتان أمني، و ذلك ينتج من خلال استمرار استخدام سياسة إقصاء الأخر وعدم احترام حقوق الانسان و انتهاك سيادة القانون.

إنه من المؤسف فعلاً القول ، أنه في الوقت الذي تتقدم به شعوب العالم في أوروبا و أمريكا و أسيا نحو التطور التكنولوجي و غزو الفضاء و الاكتشافات العلمية الحديثة و ارتفاع ملموس في مستوى الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ، تتجه بعض الدول العربية نحو دوامة من العنف و الصراع و تعاني شعوبها من تأخر في المستوى العلمي و الاقتصادي و التنموي ، فكيف إذاً سيتعامل العقل العربي مع متطلبات الحضارة الحديثة و عجلة التطور العلمي السريعة في الغرب ؟ هل سيفوت الشعوب العربية قطار التقدم و التنمية ؟ و هل ستبقى الدول العربية تعاني من صراعات إقليمية ؟

إنها بالفعل أسئلة حرجة لابد من طرحها و تناولها بجدية ،لأن الحكومات العربية بحاجة مُلحة لتحديث برامجها التنموية و بناء قُدرات شعوبها والعمل على تثقيفها و توعيتها في العديد من المجالات الانسانية و العلمية من أجل مواكبة التغيير و من أجل تأسيس مجتمع صحي مُعافى تسوده قيم التسامح و الانسانية بعيداً عن التعصب السياسي أو الديني أو الفكري و تلك المسئولية لابد أن يتحملها أيضاً المثقفون والإعلاميون العرب الذين تقع على عاتقهم مهام رفع وعي الشعوب العربية و تحفيزهم نحو التفكير المنطقي و الموضوعي بعيداً عن استخدام لغة التحريض و إثارة مشاعر الكراهية و العنصرية ضد الاّخر.

وأخيرا أعتقد أنه لو لم يتم توعية و تثقيف الشعوب العربية في مجال الديمقراطية اللاعنفية و إذا أهملت الحكومات العربية التطور التكنولوجي و الحضاري المتواجد بالغرب ،فسوف تعاني شعوب تلك الحكومات في المستقبل من عدم التكيف مع متطلبات الثورة الانسانية و العلمية و بالتأكيد سوف تشعر تلك الشعوب بقوة بصدمة المستقبل!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s