السياسة و فن التفريغ النفسي لدى الشعوب

ما أن أطل الشاب الغزي الأسمر على شاشة قناة تلفزيون الشرق الأوسط السعودية و بدأ صوته يشدوا بألوان الطرب العربي الأصيل و التراث الفلسطيني حتى انهالت دعوات و مطالبات السياسيين و الاعلاميين و المثقفين الفلسطينيين بتأييد الفنان الفلسطيني محمد عساف، حيث طالب معظمهم بتكثيف التصويت لصالح محمد عساف حتى يفوز بلقب محبوب العرب و هو عنوان لبرنامج فني شهير معروف على مستوى العالم و قامت بترويجه لدى الدول العربية قناة الشرق الأوسط ( MBC )منذ عدة سنوات حيث يهدف هذا البرنامج الي ابراز المواهب العربية الشابة في مجال الغناء و الطرب.

لقد لقي هذا البرنامج في السابق اهتمام العديد من الشبان العرب الا أن هذا العام (2013) و تميز بطابع خاص ذو صبغة قومية و لفت أنظار معظم وسائل الاعلام الدولية منها قناة CNN الأميركية و قناة (BBC ) حتى أن القنوات الاسرائيلية تابعت باهتمام مجريات ونتائج هذا البرنامج المربح و ذلك بسبب مشاركة الشاب الفلسطيني محمد عساف القادم من مخيم اللاجئين في خانيونس الذي يعرف بكثافته السكانية و قلة فرص الترفيه المتاحة لقاطنيه.

إن ما أدهش العالم الغربي و العربي هو أنه كيف خرج من قطاع غزة المصنف عالمياً بأنه أكبر بؤره للنزاع و العنف شاب يطرب أذان العرب بأغاني الحب و السلام .فلأول مره يتحد الفلسطينيون خلف شعار واحد ورسالة واحده وهي دعم محمد عساف للفوز بلقب محبوب العرب و لأول مره يشجع رئيس فلسطيني فنان شاب ويمنحه لقب سفير و لأول مره تمنح وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” شاب لاجئ من غزة لقب سفير الشباب للنوايا الحسنه.

إن دعم القادة السياسيين ورجال الأعمال الفلسطينيين للشاب محمد عساف لم يأتي من قبيل الصدفة أو مجرد اعجاب بصوت الشاب العذب بل أيضاً جاء هذا الدعم للاستفادة من شعبية النجم المحبوب وكوسيلة يستخدمها السياسيون في دول العالم الثالث من أجل المساهمة في التفريغ النفسي و تخفيف مشاعر الاحباط و الغضب لدى شعوبهم .

فلقد ترك الانقسام الفلسطيني و عدم تحقيق المصالحة الوطنية بين حركتي فتح و حماس و الحرب الاسرائيلية الأخيرة (عمود السحاب) على قطاع غزة عام 2012 أثار سيئة على نفسية أفراد الشعب الفلسطيني الذي لم يشعر ولو لمرة واحدة بالفرح و الفوز حيث انشغل دوماً معظم الفلسطينيون بتشييع أجساد الشهداء و زيارة الجرحى و دعم الاسرى ، وحتى تلك اللحظه لم ينعم الفلسطينيون بأي انجاز سياسي دولي ملموس من قبل الأطراف المنقسمة سوى انضمام فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة ، فجاء فوز عساف ببرنامج فني عربي كنوع من التعويض عن الفشل السياسي في الساحة الفلسطينية.

و يرى بعض علماء النفس أن وسائل إلهاء الشعوب و تفريغ الضغط النفسي لديهم يأتي باستخدام الفن فى الأفلام السينمائية والمسلسلات والأغانى حيث تم استخدام تلك الوسائل بشكل كبير فى مصر خصوصا فى أوقات الأزمات و الحروب، فخير مثال على ذلك وضع السينما المصرية عقب نكسة 67 حيث ظهرت موجة الأفلام الكوميدية لفؤاد المهندس و اسماعيل يس ، وغيرها بهدف التخفيف عن الناس ورسم البسمة على وجوههم وفى نفس الوقت إلهاؤهم عن أسباب الهزيمة بالإضافة لترك مساحة للتنفيس من خلال نقد بعض المسئولين الحكوميين و نقد الاتحاد الاشتراكى وجاء ذلك بناء لتعليمات من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للتخفيف عن الروح المعنوية للشعب المصرى.

و من وسائل التفريغ النفسي التي تتبعها أيضاً الحكومات في معظم بلدان العالم الثالث هو توجيه الشباب للاهتمام بفرق الرياضه المحلية و العالمية فعلى سبيل المثال ركزت وسائل الاعلام المصرية في عهد الرئيس المخلوع مبارك على مباريات كرة القدم وخلق فجوة بين مشجعى الفرق والتفرقة بينهم كمشجعى الأهلى والزمالك.

و لقد راعت حكومة حماس في غزة حالة الضغط النفسي الذي يعاني منها الغزيين خاصة مع ارتفاع معدل جرائم العنف في القطاع خلال الآونة الاخيرة ، لذلك حاولت حركة حماس أن تتعامل بحكمة مع ظاهرة تأييد عساف و اتبعت سياسة ضبط النفس بالرغم من تضارب طبيعة البرنامج الفني مع المشروع الاسلامي للحركة و حرصت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية بغزة على عدم اعتراض المواطنين المحتفلين و عدم تنغيص فرحتهم بفوز عساف فامتلأت شوارع غزة بمئات الشباب المهللين بفوز عساف و لمعت سماء غزة بجميع أنواع المفرقعات النارية احتفالاً بعساف كاحتفال بطل قومي قام بتحرير فلسطين حتى أن أحد الاعلاميين الفلسطينيين تمادى في تعبيره عن فرحته و لقب عساف بالرئيس الشعبي لفلسطين.

إن ما يحدث حاليا في الشارع الفلسطيني من تعبير كبير عن الفرحة الغامرة بفوز فنان فلسطيني بمجرد برنامج مواهب عربي تجاري بالدرجة الأولى يعتبر مؤشر جدي للقادة السياسيين وزعماء الأحزاب السياسية الفلسطينية الذي يعتبر بعضهم أن جميع أفراد الشعب الفلسطيني هم مشروع مقاومة عسكرية فعلى هؤلاء القادة أن يعيدوا حساباتهم و أن يأخذوا بعين الاعتبار أن هناك فروق فردية بين الشباب الفلسطيني و أن هناك مستويات مختلفة من قدرة أفراد الشعوب لتحمل نتائج الصراع و الأزمات حيث بدأت مظاهر المقاومة السلمية التي يناشد بها الرئيس محمود عباس تعلن عن نفسها بوضوح و ثقة من خلال حجم الفرحه في شوارع فلسطين و ضخامة التأييد من قبل الشباب الفلسطيني لفنان شعبي فبات العديد من الشباب الفلسطيني يردد بكل ثقة و فخر المقولة الشهيرة للرئيس الراحل ياسر عرفات ” أن الثورة ليست بندقية ثائر فحسب، بل هي معول فلاح ومشرط طبيب وقلم كاتب وريشة شاعر “.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s