الأخلاق و حرية التعبير عن الرأي

تعتبر حرية الرأي و التعبير من أهم الأدوات الديمقراطية التي تستعملها الشعوب للتعبير عن حقوقها المشروعة و مطالبها من قبل السلطة الحاكمة لها ،فكلما ارتفع مستوى التعبير عن الرأي لدى الشعوب كلما دل ذلك على ارتفاع مستوى الحرية و الديمقراطية في البلاد.
و يعرف المختصون في مجال حقوق الانسان و الديمقراطية ،حرية التعبير عن الرأي بأنها الحرية في التعبير عن الأفكار و الآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط عدم تعارضها شكلاً أو مضموناً مع قوانين و أعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير و يصاحب حرية الرأي و التعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق كحق حرية العبادة و حرية الصحافة و حرية التظاهرات السلمية.
و يعتبر الفيلسوف البريطاني جون سيتوارت ميل من أوائل الفلاسفة الذين طالبوا بحرية التعبير عن الرأي حيث قال عبارته الشهيرة ” إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً ،و كان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً ،فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة ” وكان الحد الذي وضعه جون لحرية التعبير هو مدى الحاق الضرر بالأفراد و المجتمع و الدولة جراء استخدام هذه الحرية من التعبير عن الرأي.
أما من الناحية التاريخية فقد تم استخدام مصطلح حرية الرأي لأول مره في العصور الوسطى و ذلك بعد الثورة التي أطاحت بالملك جميس الثاني من إنكلترا عام 1688 حيث تم حينذاك تنصيب الملك وليام الثالث و الملكة ماري الثانية على العرش و بعد عام من هذا التنصيب الملكي أصدر البرلمان البريطاني قانون ” حرية الكلام في البرلمان ” ثم انتقلت تلك الظاهرة من السماح بحرية الكلام و التعبير إلي فرنسا و ذلك بعد عقود من الزمن و بعد نجاح الثورة الفرنسية التي نصت في إعلان مبادئ حقوق الانسان و المواطن لعام 1789،على أن حرية الرأي و التعبير جزء أساسي من حقوق المواطن.
أما بالنسبة لمدى تطبيق حرية التعبير عن الرأي في عالمنا العربي ، فقد عانت الشعوب العربية الكثير و مازالت تعاني بعضها من قيود تفرضها السلطات الحاكمة على حرية التعبير عن الرأي حيث ورث بعض الحكام العرب ثقافة الاضطهاد السياسي ضد الكتاب و المثقفين و الناشطين السياسيين المعارضين منذ حقب زمنية متتالية مروراً بحكومات ديكتاتورية انتهت معظمها في عصرنا الحالي الذي بدأ يشهد تغيرات جذرية و ثورات مجتمعية كبيرة أدت الي نشأة واقع سياسي جديد يعايشه العالم العربي الآن و يطلق عليه حالياً بالربيع العربي.
و بما أن أسس الديمقراطية في الوطن العربي تعد حالياً في مرحلة التنمية،يعتقد بعض الخبراء في مجال العلوم السياسية ،أن مستوى الوعي السياسي و الديمقراطي لدى المواطن العربي العادي مازال بسيط و في طور البناء و التكوين و هو يحتاج للكثير من الوقت لكي يستوعب المفهوم الحقيقي لحرية التعبير عن الرأي و كيفية استخدام أدواتها السلمية مع مراعاة الضوابط الأخلاقية و القانونية و بعيداً عن استخدام أساليب الذم و القدح و وسائل العنف.
لذا إذا أردنا أن نتحدث عن طرق ووسائل التعبير عن الرأي التي يستخدمها المواطنون العرب حالياً من أجل ايصال أصواتهم للسلطات الحاكمة في بلادهم ،فقد تم ملاحظة أن تلك الوسائل تتراوح ما بين استخدام أساليب ومناهج سلمية للحوار و المناقشة وما بين استخدام أساليب العنف و الذم و القدح التي تظهر بقوة من خلال التظاهرات العنيفة التي قد تؤدي إلي حدوث اشتباكات مسلحة أحياناً أو إلي تخريب لبعض الممتلكات العامة للدولة.
لذلك لقد رغبت أن أتناول في هذا المقال الجانب الأخلاقي و القانوني لحرية التعبير عن الرأي ، الذي يجب أن يتم اتخاذه بمحمل الجد و المسئولية من قبل جميع أفراد المجتمع ،خاصة أعضاء النخب السياسية و الثقافية ،لأنه يجب علي تلك النخب أن تكون بمثابة قدوة حسنة لباقي أفراد المجتمع وللحكام في ذات الوقت.
و سأسرد هنا بعض حالات و نماذج للتعبير عن حرية الرأي في العالمين العربي و الغربي و التى للأسف تعتبر أمثلة سلبية لتلك الحرية التي أسيئ فهمها من قبل البعض ،لذا وجب التنبيه والتنويه بها ،لعلنا نستطيع أن نستخلص منها الدروس و العبر.
إن من أبرز الممارسات السلبية التي جاءت تحت شعار حرية الرأي و التعبير و التي أدت إلي حدوث أعمال عنف و شغب في بعض البلدان وأدت أيضاً إلي مقتل السفير الأمريكي في ليبيا،كانت عندما قام بعض الكتاب و رسامو الكاريكاتير الغربيون بالتعبير عن حريتهم في انتقاد الأديان السماوية وذلك عن طريق نشر رسوم ساخرة من الديانة الإسلامية في الصحف الغربية بالإضافة إلي إنتاج فيلم مسيء للرسول محمد عليه الصلاة و السلام ،حيث أغضب ذلك الفيلم معظم المسلمين المتواجدين في كافة أنحاء العالم ،كما أنه أيضاً لم يسلم سابقاً من تلك السخرية و الانتقاد اللاذع ؛كل من الديانتين المسيحية و اليهودية اللتان ما زال يسخر بعض الكتاب و الإعلاميون الغربيون من شخصياتها الدينية المذكورة في الكتب المقدسة.
أما على الصعيد السياسي فقد أساء بعض الناشطون السياسيون العرب استخدام أدوات الديمقراطية السلمية للتعبير عن الرأي حيث عندما أراد هؤلاء السياسيون التعبير عن اعتراضهم على سياسة الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي تجاه الإعلان الدستوري الجديد قاموا باستغلال الدعم الانساني الموجه من قبل الحكومة المصرية الحالية لسكان قطاع غزة و اعتبروا ذلك الدعم بمثابة حجة سياسية قوية تثبت أن الحكومة المصرية الحالية تهمل الشأن المصري الداخلي و تهدد الأمن القومي المصري وتشجع تهجير الغزيين للعيش في سيناء ،الأمر الذي يعتبر غير مقبول من الناحية الأخلاقية و الإنسانية لأنه يعتبر متاجرة سياسية في ألام أهالي القطاع الذين يعانون من ويلات الحصار و الحروب.
أما من ناحية الإعلام المجتمعي ،أعتقد أن بعض المواطنين قد أساء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك و التويتر عندما أصبحوا يستخدمون بعض الألفاظ السوقية الخارجة عن نطاق الأدب و الأخلاق و ذلك من أجل التعبير عن غضبهم و سخطهم من بعض القادة السياسيين الفلسطينيين و العرب فقد وصل بهم الأمر بأن أصبح بعضهم يسخر و يتعجب من كلمات الشكر التي تذكر لأي دولة تقدم مساعدة انسانية للشعب الفلسطيني و كأن كلمة شكراً تعتبر مصطلح غريب وبعيد عن أخلاق المجتمع الفلسطيني ، الذي يجب عليه من الناحية الأدبية أن يشكر أي جهة تقدم له مساعدة بغض النظر عن المواقف السياسية لحكومتها.
ومن أكثر الأمور الملفته للنظر أثناء متابعة التعليقات الساخرة المنشورة في الصفحات الاجتماعية لبعض المثقفين و الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي هو التطاول على الناحية الشخصية للقادة السياسيين و التي تعتبر من أكثر الأمور إحراجا لهؤلاء القادة حيث تتعدى تلك الانتقادات المساحة الشخصية و الأسرية لأي إنسان عادي مما يعتبر ذلك تجاوزاً للمعايير الأخلاقية والقانونية لحرية التعبير عن الرأي ، فبغض النظر إذا كان ذلك الشخص المعرض للنقد إنسان ظالم أو مظلوم فحسب حقوق الانسان و الأعراف والدولية ، يجب احترام خصوصية و أسرة أي متهم أو مذنب مهما بلغ جرم ذنبه.
لذلك يجب على المثقف أو الناشط السياسي العربي أن يميز جيداً ما بين حرية التعبير عن الرأي و مابين الذم و القدح الذي يطال الناحية الشخصية و العائلية للشخصيات العامة و السياسية وعليه بدلاً من تضييع الوقت في الذم و الشتم بأن يركز على انتقاد السياسة الخاطئة التي قد ينتهجها السياسي تجاه قضايا وطنه و أن يبحث عن دليل لإدانة المسئول الفاسد قبل تشويه سمعته و إلقاء التهم عليه جزافاً.
أما من ناحية استخدام الشباب العربي لبعض المواقع الاجتماعية من أجل التعبير عن الرأي لقد تم ملاحظة ، بأنه هناك بعض من الشباب الذين يتهاونون في استخدام تعبيرات لفظيه جارحه و خادشة للحياء أثناء انتقادهم لشخصيات و أحزاب سياسية بارزة و قد يستخدم البعض منهم أيضاً ألفاظ عنصرية تتعلق بالتمييز في العمر ،وذلك يتضح جلياً عندما يعبرون عن سخطهم بقولهم على سبيل المثال أن أحد رجال السياسة المسنين قد أصابه الخرف أو عندما مثلاً يعبر بعض الشباب المصري عبر موقع التويتر عن سخطهم من النخبة الحاكمة في مصر فيرددون مراراً بأنهم لا يريدون حكم “العواجيز” حسب تعبيرهم ،و هم لا يدركون هنا بأنهم وقعوا في مصيدة العنصرية و التمييز ضد كبار السن ،مما يجعل بعض المختصين في مجال مناهضة العنف و في مجال الصحة النفسية يصفون هؤلاء الشباب بأنهم يستخدمون تعبيرات العنف اللفظي و المصطلحات العنصرية.
وقد يتساءل البعض لماذا يتم المطالبة باحترام مشاعر الشخصيات العامة و القيادات السياسية و البعض منهم لا يحترم حرية الرأي والتعبير و يقوم باستخدام وسائل غير أخلاقية ضد المواطنين و المعارضين لهم ،فأجيب بأن ما أناشد به هنا هو أن يتم اعتماد لغة الحوار الأخلاقية الراقية و أساليب التعبير عن الرأي القانونية السلمية حتى لو كانت تلك اللغة موجهة و مخاطبة لأشد أعدائنا و أكثر الناس إيذاءً لنا ،لأنه بالأخلاق و القانون تنتصر الأمم ،ولأن الأدوات السلمية والأخلاقية للتعبير عن الرأي هي القوة الناعمة القادرة على التغيير و التأثير في سياسات الحكام و يجب أن لا يستهتر أحد بها و أن لا يعتبرها وسيلة ضعيفة للتغيير المجتمعي و السياسي بل هي وسيلة أساسية للإصلاح و التطوير لا يستغني عنها أي مجتمع مهما اختلفت ثقافته و أخلاقه. و أخيرا أود أن أختم مقالتي هذه ببيت شعري لأمير الشعراء أحمد شوقي يقول:
” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ! ”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s