خادمة جارتي السمراء

سكبت دلو الماء على أرضية درج المنزل المعلق و أخذت بكل نشاط تدعك الأرض بقطعة القماش البالية المبتلة بسائل الكلور الحارق ،غير مكترثة برائحته المنفرة و تمسح عرق جبينها بكفتيها المنهكتين من خشونة مساحيق التنظيف و في ذات الوقت تبتسم بصمت ، بسبب نجاحها في إزالة بقعة القهوة البنية اللون وبسبب المبلغ الزهيد الذي ستحصل عليه كأجر لها في نهاية اليوم ،فقد وعدت ابنتها الصغيرة بأن تحضر لها سندوتش الشاورما وعلبة الكولا من أشهر مطعم شاوراما في غزة.
نظرت اليها جارتي قائلةً لها : ” الله يعطيكي العافية ، هل ترغبين بأخذ استراحة قصيرة لشرب كأس من الشاى ” فردت عليها ذات البشرة السمراء والتي تعمل في تنظيف منزل الجارة مرة في كل أسبوع : ” نعم أرغب بالاستراحة لكن بعد قليل عندما أنهي شطف الدرج ” فابتسمت الجارة وقالت لها :”على راحتك يلا هانت كلها كم سنه و تستريحي من شغل البيوت و أولادك يكبروا ومن بعدها يتحملوا المسئولية عنك”
تعجبت السيدة السمراء من تعليق جارتي حول امكانية ترك العمل عندما تكبر سناً وقالت لها بكل ثقة:
“لا مستحيل أن أترك العمل ،سأظل أعمل حتى أخر لحظه في حياتي ،الشغل مش عيب المهم يكون شغل شريف أحسن من الشحده و التسول أمام أبواب الجمعيات الخيريه ” ومن ثم أردفت بالقول “أنا سعيدة جدا بعملي فهو يوفر لي مبلغ محترم في نهاية كل شهر وجميع النساء يتهافتن بالاتصال على ،لكي أذهب لتنظيف منازلهن حتى جوالي سكرته من كثرة الطلبات ” .
كنت في تلك اللحظه في زيارة سريعة لمنزل جارتي ،حيث كنت عائدة منهكة من عملي الذي كنت أتذمر منه أحيانا ، ولكنني اندهشت عندما استمعت لحديث تلك السيدة حول شغفها وحبها لعملها بالرغم من أن وظيفة خدمة تنظيف المنازل تعد من أكثر الوظائف المرهقة ،وهي من الوظائف التى تترفع عنها معظم النساء العربيات و ينظر اليها بعض الأفراد بنظرة سلبية و عين من الشفقة تسودها أحياناً شعور بعدم الاحترام لتلك المهنة الشريفه البسيطة ،و ذلك بسبب ثقافة السيد و الخادم الموروثة من عصر الباشاوات و الاقطاعيين،
فقد كان قصر الباشا يعم بالخدم و الحشم و كان لا يسمح لأبناء الخدم مجالسة أبناء السادة ،و كانت الخادمة ملك لسيدها يتصرف بها كما يشاء ويحق له بيعها أو الاحتفاظ بها ،وقد تعرضت الكثير من الخادمات اللواتي تعملن في الدول العربية للكثير من الانتهاكات لحقوقهن الأساسية ،حيث عانين من عدة أشكال من التمييز و العنصرية و الإهانة بحقهن ،و للأسف بسبب تلك الممارسات السلبية تجاه وظيفة الخدمة بالمنازل ، أصبح هناك انطباع سلبي و سيئ في نفوس الكثير من النساء المتواضعات نحو تلك المهنة ،الأمر الذي أدى الي شعورهن بالخوف من العمل بذلك المجال ، خوفاً من انتقاد المجتمع و هروباً من الإهانة المحتملة لهن من قبل أرباب العمل الأثرياء فأصبحن يفضلن الجلوس متنكرات بالنقاب، أمام أبواب البنوك المحلية ليتوسلن شيكلا من رواتب الموظفين في نهاية كل شهر ،على أن يعملن بشرف في مهنة تنظيف المنازل و يتقاضين نقود تأتي من عرق جبينهن.
و عندما استمعت لحديث الخادمة التى ألقبها أحياناً بالسيدة السمراء ،تذكرت في حينها وزيرة العدل الفرنسية السابقة السيدة رشيدة داتي، التى افتخرت أمام أشهر الصحف الأوروبية بأنها كانت تساعد أمها في تنظيف منازل الفرنسيين و عندما أصبحت داتي وزيرة للعدل لم يعايرها أحد بماضيها المتواضع بل نظر اليها معظم أفراد المجتمع الفرنسي الراقي بعين من الاحترام و التقدير ،كونها امرأة عصامية بدأت حياتها منذ الصغر بعمل متواضع وشريف ، فهي لم تتسول و لم تنحرف للعمل في الوظائف الغير شريفة و الغير شرعية ؛ بل بالعكس من ذلك فكرت بالمنطق ولم تستسلم لظروف الفقر و الحاجة وخططت لحياتها جيدا حتى وصلت الي أعلى الرتب و المناصب في دولة تعد من أعرق الدول الأوروبية في مجال الحضارة و الثقافة و حقوق الانسان.
إن سبب ذكري لموقف الخادمة أو عاملة التنظيف هذه ،هو ليس من باب تشجيع النساء للعمل في خدمة المنازل لكن من أجل طرح إحدى الحلول العملية التي قد تحاول أن تخفف من مشكلة الفقر و البطالة التي تعاني منها بعض النساء المهمشات ،اللواتي يشعرن باليأس و بقلة الحيلة في توفير لقمة عيش لأطفالهن واللواتي لا يرون حل لمشكلاتهن إلا باستقبال المعونات و المساعدات من أموال الزكاة و الصدقات أو التسول في الشوارع.
فلماذا النساء الغير متعلمات و الفقيرات والغير مؤهلات للعمل في مجال الوظائف العامة لا يتم تشجيعهن للعمل ضمن نطاق شركات خدمية مرخصة ، تقوم باستقطابهن من أجل الذهاب للعمل في مجال تنظيف مكاتب المؤسسات و الشركات التجارية و المنازل و ذلك ضمن عقود عمل قانونية و بيئة عمل مناسبة ومحترمة لا تقلل من كرامة المرأة و مقابل أجر عادل يوفر لهؤلاء النساء و لأطفالهن عيش كريم و دخل مستمر .
لذا أؤكد هنا أن حقوق المرأة لا تمنح من قبل الرجال للنساء ، بل تؤخذ ويطالب بها من قبل النساء أنفسهن في حين كانت لديهن الشجاعة و الجرأة للمطالبة بها فالمرأة التي تخشى من ثرثرة نساء الجيران عليها و تخجل من العمل المتواضع الشريف ستبقي ضحية للأبد وستستمر معاناتها مع الفقر و صعوبة العيش ، فالإهانة ليست في تنظيف المنازل بل في محاولة استجداء عطف الناس و التسول من أجل بضعة شواكل من راتب موظف حكومي يكاد هو نفسه أن يتسول بسبب احتمالية انقطاع راتبه جراء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها حكومة بلاده. و أخيرًا أكرر مرة أخرى قول خادمة جارتي السمراء و أقول الشغل مش عيب…..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s