اتفاقية أوسلو و التفكير في البديل الثالث….

لقد قرأت مؤخراً كتاب للمفكر الأمريكي ستيفن كوفي بعنوان ” البديل الثالث ” و كان من أهم ما جاء في الكتاب أنه على الفرد الذي يحاول ايجاد حل لمشكلته أن لا يقيد نفسه بين خيارين فقط الربح أو الخسارة ،حيث يطرح كوفي في كتابه عدة تساؤلات يجب أن يفكر بها صاحب المشكلة بشكل عام سواء كان ذلك على مستوى التفكير الفردي أو الجماعي و تلك الاسئلة ما يلي:
– هل نلجأ للمواجهة و نقرر أننا لا نتحمل المزيد أو سنرد على أعدائنا؟
– هل نمثل دور الضحية و ننتظر في يأس من ينقذنا؟
– هل نتطرف في توجه التفكير الايجابي وننزلق الي حالة مرضية من الانكار؟
– هل نجلس في حالة من التفلسف العقيم دون أي أمل في تحسن الظروف وهل نعتقد في أعماقنا أن كل ما نتلقاه من علاجات للمشكلة ليس إلا مسكنات ؟
ويعلق هنا كوفي على تلك التساؤلات المطروحة بقوله أن لكل أسلوب نتبعه في علاج قضيانا له تبعاته الطبيعية فالحروب تؤدي الي حروب و الظهور في دور الضحية تؤدي الي الاعتمادية و الواقع يجبر الناس على الانكار و التشاؤم لا يؤدي الي شيء ونحن إذا واصلنا فعل ما نفعله كل مره على أن تختلف النتائج هذه المرة ، فإننا لا نواجه بذلك الواقع .
لذا بمقارنة ما جاء بكتاب كوفي حول البديل الثالث مع طريقة و منهجية التفكير التي يتبناها بعض القادة السياسيين الفلسطينيين في محاولاتهم لإيجاد حلول لقضية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي و الأزمات التي يعاني منها أفراد الشعب الفلسطيني نلاحظ أن هؤلاء القادة و المثقفين السياسيين يقومون بمحاولة استخدام أساليب تقليدية في طريقة طرح المشكلة و حلولها فهم تارة يطالبون باستخدام طريقة المواجهة الشعبية أو العسكرية و إلغاء جميع الاتفاقيات الدولية مع اسرائيل والذي تقابله اسرائيل حينذاك باستخدام لهجة الوعيد و التهديد بالحرب و العقاب الجماعي لأفراد الشعب الفلسطيني ،وتارة أخرى نجد بعض السياسيين يقومون بتصوير جميع أفراد الشعب الفلسطيني على هيئة الضحية الدائمة و يتجاهل بعضهم بأن ما أوصل الشعب الفلسطيني لطريق مسدود هو ليس فقط الاحتلال الاسرائيلي بل أيضاً مشكلة الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني التي أعاقت تنفيذ مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة و قضت على أمل الوحدة الوطنية بين صفوف الشعب الفلسطيني في كل من الضفة والقطاع ،و في نفس الوقت نجد بالمثل أيضاً أن القادة السياسيين الاسرائيليين يقومون بإظهار الشعب الاسرائيلي بصورة الضحية والمهدد بشكل مستمر أمنياً وهم ينكرون بذلك أن الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار الأمني هي استمرار الاستيطان وعدم الاعتراف بحق العودة أو التعويض للاجئين الفلسطينيين و محاولة تهويد القدس الشرقية.
أما الأسلوب الثالث الذي يستخدمه بعض القادة والمثقفين السياسيين في تحليلهم للقضايا السياسية هو اعتماد فلسفة الاحباط و القيام ببث روح التشاؤم بين أفراد الشعب فمنهم من يدعو الي الغاء اتفاقية أوسلو و حل السلطة الفلسطينية ومنهم من يقوم بتشخيص الأمور و ينسب عملية الفشل السياسي و الاقتصادي الي أسماء شخصيات قيادية فلسطينية بعينها مثل السيد اسماعيل هنية أو الدكتور سلام فياض وهم بذلك ينفون المسئولية المشتركة لعناصر النظام السياسي المسيطر في البلاد و لأعضاء الحكومة القائمة في كل من قطاع غزة و الضفة الغربية و كأنه عندما يتم رحيل رأس الحكومة سيتم بعدها ايجاد حل لجميع مشاكل الشعب الفلسطيني وهذا الأسلوب بالطبع يكرس ثقافة البطل الرئيسي أو القائد الأوحد الذي يسيطر عن كافة الأمور .
و لكي نطبق نظرية البديل الثالث في قضية الصراع مع اسرائيل ، دعونا نتحدث بوضوح عن اتفاقية أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الحكومة الاسرائيلية في عام 1993 و التي أسست قواعد السلطة الفلسطينية و مبادئ الحكم الذاتي في غزة و أريحا ،حيث ترددت في الآونة الأخيرة عدة دعوات الي الرئيس محمود عباس من قبل بعض المثقفين و السياسيين الفلسطينيين الذين طالبوا بإلغاء اتفاقية أوسلو و اعلان فشل السلطة الفلسطينية في ادارة ملف القضية الفلسطينية وفي تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني ،الأمر الذي يؤدي بنا مرة أخرى الي خانة التفكير الثنائي و التقييد بين خياران محدودان ” النصر أو الهزيمة “
ولكي نطبق منهجية البديل الثالث فإنه من المناسب أن يتم طرح حل ثالث ألا وهو مطالبة السلطة الفلسطينية للحكومة الاسرائيلية بتعديل بنود اتفاقية أوسلو فيما يتوافق مع مصلحة الطرفيين حيث أن القانون الدولي ومبادئ المعاهدات الدولية تسمح للحكومات بالمطالبة بتعديل الاتفاقيات الدولية؛ فاتفاقية فينا لقانون المعاهدات الدولية التي اعتمدت من قبل الأمم المتحدة عام 1980 تنص في الجزء الرابع منها في المادة رقم 39 تحت عنوان القاعدة العامة بشأن تعديل المعاهدات “أنه يجوز أن تعدل المعاهدة باتفاق أطرافها،وتسري على هذا الاتفاق القواعد الواردة في الجزء الثاني ما لم تنص المعاهدة على غير ذلك ” و قد نصت أيضاً اتفاقية فينا في المادة رقم 41 تحت عنوان” الاتفاقيات الخاصة بتعديل المعاهدات الجماعية التي تنص على:
1) يجوز لطرفين أو أكثر في معاهدة جماعية عقد اتفاق بتعديل المعاهدة فيما بينها فقط وذلك:
أ. إذا كانت إمكانية هذا التعديل منصوصاً عليها في المعاهدة؛ أو
ب. إذا كان هذا التعديل غير محظور في المعاهدة وكان:
– لا يؤثر في تمتع الأطراف الأخرى بحقوقها أو في قيامها بالتزامها بموجب المعاهدة؛
– لا يتعلق بنص يكون الإخلال به غير متسق مع التنفيذ الفعال لموضوع المعاهدة والغرض منها ككل.
2) ما لم تنص المعاهدة على خلاف ذلك في الحالة التي تخضع لحكم الفقرة ( أ ) فان على الأطراف المعنية إخطار الأطراف الأخرى بنيتها في عقد الاتفاق وبالتعديل الذي ينص عليه هذا الاتفاق.

لذلك نستطيع أن نفهم من مواد اتفاقية فينا لقانون المعاهدات الدولية بأن إمكانية تعديل أي اتفاقية أو معاهدة دولية ليس بالأمر المستحيل مادام أنه لا يوجد نص صريح في الاتفاقية المبرمة يحذر من امكانية التعديل و بالإطلاع على بنود اتفاقية أوسلو نلاحظ أنه لا يوجد أي بند صريح يحذر من امكانية تعديلها .
و لكن قبل التفكير في المطالبة بتعديل بنود اتفاقية أسلو ، يجب أن يتم أولا التعرف على البنود التي تحتاج الي تعديل أو التي سيتم اضافتها الي الاتفاقية من أجل حماية حقوق الفلسطينيين ، لذلك أطرح هنا عدة بنود يجب أن تطالب منظمة التحرير بتعديلها وهي البنود التي تتعلق بمفاوضات الوضع النهائي حيث ينص البند المذكور تحت عنوان ” الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع النهائي” على ما يلي:
1. ستبدأ مرحلة الخمس سنوات الانتقالية حال الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا.
2. ستنطلق مفاوضات الوضع النهائي في أقرب وقت ممكن على ألا يتعدى ذلك بداية السنة الثالثة للفترة الانتقالية بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني.
3. من المفهوم أن هذه المفاوضات ستغطي قضايا متبقية تشمل القدس اللاجئين والمستوطنات الترتيبات الأمنية و الحدود العلاقات والتعاون مع جيران آخرين وقضايا أخرى ذات أهمية مشتركة.
4. يتفق الطرفان على أن نتيجة مفاوضات الوضع النهائي لن تكون محكومة ومتأثرة باتفاقات تم التوصل إليها للمرحلة الانتقالية.
و بالتركيز في نصوص البند السابق نلاحظ أنه في النص الثاني لا يوجد تحديد لمدة زمنية معينة لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي حيث تم تحديد فقط بداية انطلاقها بدون نهاية وكأن الهدف من المفاوضات أن تعقد الي ما لا نهاية حتى لو استغرقت مئة عام ولقد تم التأكيد على بداية مفاوضات الوضع النهائي وليس نهايتها أيضا في فقرة الجدول الزمني و خاصةً في نص العبارة التالية اللتي كتبت بأسلوب غامض :
( تبدأ المفاوضات حول الوضع النهائي للأراضي المحتلة في أسرع وقت ممكن وكحد أقصى في بداية العام الثالث من المرحلة الانتقالية)
ونلاحظ أيضا في نفس بند مفاوضات الوضع النهائي و خصوصاً في النص الرابع أنه تم كتابة عباراته بأسلوب مطاطي ومثير للشك حيث يفهم منه عدم ضرورة التزام الطرف الاسرائيلي في مفاوضات الوضع النهائي بأية صفقات أو تفاهمات تم التوصل اليها مع الطرف الفلسطيني أثناء مفاوضات الوضع الانتقالي ، فعلى سبيل المثال اذا حصل المفاوض الفلسطيني في مفاوضات الوضع الانتقالي على تعهد اسرائيلي بعدم بناء مستوطنات جديدة فإن ذلك ليس ملزم للطرف الاسرائيلي بتطبيقه في مفاوضات الوضع النهائي وهذه العبارة بالطبع تنسف جهود المفاوض الفلسطيني وتعيده الي نقطة الصفر.
لذلك بناءاً على ما تم توضيحه حول بند مفاوضات الوضع النهائي فإنه يجب أن يكون من أوليات منظمة التحرير الفلسطينية المطالبة بتعديل ذلك البند الذي كتب بأسلوب مائي عائم المعنى حيث يجب تحديد سقف زمنى معين لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي بحيث لا تتجاوز مدة العشر سنوات كحد أقصى.
أما بالنسبة لباقي بنود الاتفاقية فهي تحتاج الي دراسة معمقة خاصة في البند الثالث عشر الذي ينص على اعادة انتشار القوات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية دون تحديد نطاق جغرافي معين لها بل تركت الأمور معلقة لكي تحدد بناءاً على مصلحة الأمن الاسرائيلي .
ومن يقرأ أيضاً بنود اتفاقية أوسلو بإمعان أكثر يلاحظ بشدة عدم وجود عنصر التحديد و الحسم في معظم نصوصها فقد تم كتابتها باستخدام عبارات ذات نهاية مفتوحة و معلقة وهي تشمل احتمالية انهاء الأمور أو ابقائها معلقة لأجل غير مسمى وهذا ما جعل تلك الاتفاقية معرضة للنقد أكثر من غيرها من الاتفاقيات الدولية السابقة فعلى سبيل المثال اتفاقية كامب ديفيد السلام بين اسرائيل ومصر ،ذكر فيها بوضوح بند الحدود النهائية بين اسرائيل ومصر وهذا ما تفتقده بوضوح اتفاقية أسلو حيث لم يتم تحديد نص صريح يوضح فرضية تحديد الحدود النهائية بين الطرفين الفلسطيني و الاسرائيلي ،بل تم الاكتفاء فقط بذكر قرار مجلس الامن رقم 242 الخاص بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية و الذي إذا دققنا بنصوصه نجد أنه لا يوجد تحديد دقيق لحدود الدولة الفلسطينية بشكل نهائي بل تم كتابة عبارة “الانسحاب من الاراضي التي احتلتها في النزاع الأخير ” ويقصد هنا بكلمة النزاع الأخير بحرب 67 ولكن كتابة كلمة النزاع منفردة بدون الحاقها بتاريخ النزاع يجعل هناك مجال للتلاعب بها من قبل أي طرف.
ونلاحظ أيضاً أنه لم يتم ذكر أي نص بخصوص تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين وتركت قضية اللاجئين معلقة في مفاوضات التسويات النهائية.
و أخيرا يجب القول بأنه من الأفضل للقادة و المثقفين السياسيين الفلسطينيين أن يتبعوا منهجية التفكير بالبديل الثالث والتخلص من الاعتقاد بندرة الخيارات السياسية و باستحالة ايجاد حلول ابداعية لمشاكل الشعب الفلسطيني الاقتصادية و الاجتماعية و لقضية الصراع مع اسرائيل .
فيجب عليهم أن يتبعوا طرق التفكير الابداعي والأسلوب العلمي لإدارة الأزمات والنزاعات باستخدام أدوات القانون الدولي وبالاستعانة بخبراء مختصين في ذلك المجال ،بعيداً عن استخدام أسلوب التشاؤم والردح السياسي و التراشق الاعلامي الذي يثبط من عزيمة الشعب الفلسطيني ويجعل شبابه شموع محترقة في ظلام الاحباط السياسي و الاقتصادي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s