حلمه أن يكون وزيراً

انتشرت في الآونة الأخيرة بمدينة غزة ظاهرة التجمعات الشبابية التي انضم اليها العديد من الشباب الغزيين و الناشطين الأجانب في مجال حقوق الإنسان حيث يلتقي معظم أفراد تلك المجموعات في أروقة المقاهي الرمالية ذات الطابع الأوربي و التي يتردد عليها غالباً موظفي المؤسسات الغير حكومية و نخبة من الصحافيين الأجانب و المحليين ، لكي يتبادلوا مع بعضهم البعض أطراف الحديث المتنوعة حول العديد من مواضيع الحياة العامة و الخاصة و ذلك بلهجة غزاوية تخترقها بعض الكلمات الأجنبية ، متسائلين أحياناً حول مستقبل غزة المجهول و الوضع السياسي المترقب في ضوء استمرار حكم حركة حماس لغزة ، وبين حديث من هنا وهناك و ضيق مكان المقهى يلمح الزائر المتردد على المقهى وجوه فتيات غزيات عصريات تكاد تلمع أعينهن من كثرة الطموح المتقد والرغبة الشديدة باحداث تغيير جذري بمجتمعهن الغزي و تحويله من مجتمع تقليدي ديني الي مجتمع متحرر نسبيا يشبه بشكل ما المجتمع الباريسي الذي تنعم به المرأة الأوربية بقدر كبير من الحرية الشكلية فعلى سبيل المثال تستطيع الشابة الغربية تدخين سيجارتها الفرنسية الأنثوية مع احتساء رشفة من فنجان قهوة ايطالية على أنغام الموسيقى اللاتنية ، مدندنة مع رفاقها الذكور كلمات لأغنية باللغة الأسبانية الكنارية و ذلك بكل ثقة و اعتزاز بدون أن تتعرض لأي انتقاد أو هجوم من قبل أفراد مجتمعها .
و عودة الي المشهد الغزي ، حيث ما استرعى انتباهي أثناء ترددي على تلك المقاهي هو كثرة التقاء الصحافيون أو المتضامنون الأجانب مع هؤلاء الشباب و الشابات الذين نستطيع أن نطلق عليهم صفة “االشباب المودرن ” و الذين يتحدثون اللغة الانجليزية بطلاقة تشبه لغة مقدمين برامج الأخبار في قناة ل CNN الشهيرة فيستطيع أي زائر للمقهى أن يلمح بدقة مدى اهتمام هؤلاء المتضامنون الأجانب بتلك الفئة من الشباب باعتبارهم قادة للتغيير المجتمعي و الاصلاح و باعتبارهم أيضا حلفاء مستقبليين للغرب .
لقد سعدت بالبداية بمدى التغيير الذي يمكن أن يحدث بالمجتمع الغزي و احتمالية انفتاح غزة على العالم الخارجي خاصة أنني متأثرة بخلفيتى العلمية الغربية التي تحبذ و تشجع ثقافة الاختلاف و التنوع الثقافي و قبول الاخر حتى لو كانت مبادئه و عاداته و ديانته مختلفة ، لكن تردد في رأسي عدة مرات بعض من التساؤلات الحائرة ، و هي ماذا يريد هؤلاء الشباب ، هل بالفعل يريدون انهاء الانقسام ؟ هل يريدون مجتمع فلسطيني متطور؟ أم يريدون فقط حب الظهور و الانتشار في مواقع الصحافة العالمية بصفتهم أبطال للحرية ؟ فهل يريد هؤلاء الشباب بالفعل احداث تغيير مجتمعي حقيقي في غزة ؟ و اذا كانت الاجابة بنعم ، ما نوع هذا التغيير و ما هو المجتمع الذي ينشدونه ؟ هل هو مجتمع علماني ليبرالي ؟ أم مجتمع يساري اشتراكي ؟ أم مجتمع برجوازي مثقف ؟ أم مجرد مجتمع يكفل لهم حرية الرأي و التعبير و يقول لهم أنتم هنا بدلاً من أن يقول الشباب بأنفسهم لكبار المجتمع نحن هنا ؟
لقد استمعت مؤخراً لحديث دار بين شاب غزي و متضامن أجنبي يسأل الشاب ما هو طموحك وما هو حلمك بالمستقبل؟ فأجاب الشاب حينذاك بكل ثقة حلمي بأن أكون وزيرا. سألت نفسي هنا متعجبة أهذا هو طموح هذا الشاب المتقد حماسا للعمل التطوعي أهكذا نظرته للمستقبل و لخدمة وطنه ألا يستطيع أن يخدم بلده اذا كان مهندساً ناجحا في تعمير منازل أصحاب البيوت المدمرة أو اذا كان ممرض رحيم يرعى المرضى أو سائق سيارة اسعاف شجاع ينقذ الجرحى أثناء عمليات القصف الاسرائيلي أو حتى لو كان عامل نظافة نشيط يستيقظ بالصباح الباكر لكي ينعم أهل الحارة بشارع نظيف …
للأسف تصور العديد من الشباب أن المنصب الوزاري هو الذي سيتيح لهم الفرصة السلطوية لتغيير مجتمعهم و اصلاحه و أصبح معظم ما يخططوا له الأن هو أن يصبحوا في يوم ما وزراء أو سفراء لدولة مازال يكافح رئيسها في أروقة الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بها ، و نسوا أو تناسوا أن من أشعل ثورة العالم العربي كله و هز عروش الرؤساء العرب هو مجرد بائع خضار .
أتمنى لكم نوماً هادئاً و أحلام جميلة……

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s