العرب في عيون يابانية

في أيام الصيف الحار تذهب بعض العائلات العربية الميسورة الحال الي المصايف السياحية بينما تختبئ بعض العائلات المتواضعة من ارتفاع درجة الحرارة في منازلها مجتمعةً كافة لمشاهدة بعض البرامج العربية و الغربية التي تعرضها القنوات الفضائية حيث يفضل الأبناء الذكور متابعة مباريات كرة القدم بين فريقي ريال مدريد و برشلونة و يفضل آخرون مشاهدة الأفلام الهوليودية مثل أفلام الأكشن الأمريكية التي يذهب فيها بطل الفيلم الي مغامرة مثيرة من أجل انقاذ مدينته من عصابة ارهابية خطيرة تحاول أن تنظم عمليات إرهابية في وسط المدينة أو تحاول استنساخ فيروس خطير يؤدي الي تغيير الجينات البشرية و تحويلها الي جينات لوحش كاسر يهدد مستقبل البشرية ، تختطف الابنة الوسطى للعائلة جهاز التحكم من يد أخيها لتغير القناة فتجد مسلسل تركي أخر يتحدث عن قصص و مغامرات عاطفية لبطلة المسلسل الهاربة من الريف التركي،ثم يأتي موعد نشرة الأخبار و ينتقل جهاز التحكم مرة أخرى من يد الابنة ليلتقطه هذه المرة الأب الذي يريد أن يتابع أخر التطورات السياسية و الاقتصادية في العالم ؛ من محاولة فرض عقوبات دولية على ايران بسبب مشروعها النووي المرتقب ومن تقلب سعر اليورو بسبب أزمة اليونان الاقتصادية ، ثم تقرأ مذيعة الأخبار خبر في نهاية النشرة عن تطوير احدى الشركات الالكترونية اليابانية لإنسان ألي جديد يساعد ربات البيوت في اعداد وجبة الفطور و يقوم بعزف أحدث النغمات الموسيقية باستخدام آلة الساكسفون .
هكذا يرى المواطن العربي العالم من حوله، عبر البلورة الزجاجية السحرية المتصلة بجهاز استقبال رقمي ، حيث يسافر المشاهد العربي عبر القنوات الفضائية للإطلاع على أخر المستجدات و أخبار الشعوب في معظم دول العالم و ذلك من خلال جهاز تلفاز قد يكون ذو ماركة يابانية معروفة.
لكن ماذا عن الانسان الياباني الذي قام بتطوير جهاز التلفاز ، كيف يرى العالم العربي ؟ و كيف يتعرف على ثقافة العرب و طبيعة حياتهم اليومية و أحدث اختراعاتهم إن وجدت !
أجيب هنا أن بعضهم يفضل قراءة الكتب العربية المترجمة الي اليابانية و بعضهم يفضل أن يعيش التجربة الفعلية و أن يندمج مع الحياة العربية و ذلك بالسفر الي البلدان العربية من أجل السياحة أو العمل أو تحصيل العلم المتعلق باللغة العربية و فنونها . لقد قام بالفعل أحد الكتاب اليابانيين بدراسة أحوال العرب و التعرف على طبيعة ثقافتهم و دراسة اللغة العربية و آدابها انه الكاتب و المترجم الياباني نوبوأكي نوتوهارا الذي سافر الي بلاد المشرق العربي ليتعلم اللغة العربية في إحدى الجامعات المصرية وخاض هناك تجربة شعب ، و عاش حياة الفلاح المصري في الريف و المواطن البسيط في العاصمة القاهرية و ذلك قبل أن ينتقل للعيش مع القبائل البدوية في كل من اليمن و بلاد الشام.
لقد لعب هذا الكاتب الياباني دور هام جدا في عملية نقل الثقافة العربية الي المجتمع الياباني من خلال ترجمته للعديد من الروايات و القصص الأدبية العربية الي اللغة اليابانية حيث كان من أبرز أعماله الأدبية ترجمته لرواية
“عائد الي حيفا” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني ، بالإضافة الي تأليفه لكتابه الهام (العرب ، وجهة نظر يابانية) و الذي أبدى من خلاله وجهة نظره حول طبيعة الشخصية العربية و خصائصها و ذكر فيه أيضاً بعض المواقف و المشاهدات التي أثارت انتباهه و استغرابه من كيفية تعامل الانسان العربي مع أمور حياته اليومية .
إن أشد ما لفت نظر هذا الياباني المغامر في البلدان العربية ، أنه لم يلمح أي ابتسامه سعيدة في وجوه المواطنين العرب أثناء سيرهم في الشارع ، فعلى سبيل المثال يقول الكاتب أن رغبته في الخروج الي شوارع القاهرة قد ذبلت أحيانا و ذلك ليس بسبب الغبار و الحر الشديد و لكن بسبب ما يراه من وجوه متوترة جامدة و صامتة و طوابير طويلة مصطفة أمام الجمعية و مواقف الحافلات ، حيث يروي الكاتب هنا مشاهد التوتر في الشارع العربي المتمثلة في ازدحام المرور و ازدحام المواطنين أمام مكاتب السفر و الهجرة طلبا لتحصيل الرزق في الخارج.
وعلى صعيد أخر ، استهجن الكاتب بشدة عدم محافظة المواطنين العرب على الملكية العامة حيث وصف في كتابه إحدى الظواهر السلبية التي استرعت انتباه عندما قام بزيارة الي بيت صديقه العربي ووصف كيف أنه صدم من كمية القاذورات و القمامة المنتشرة بعشوائية في الشارع و كيف أن مدخل البناية كان غير نظيف و متسخ و إذا به يفاجأ بعالم أخر عند دخوله بيت صديقه ، حيث كان البيت نظيفاً للغاية و مرتب و أنيق عندها استدرك الكاتب قائلاً لقد فهمت حينذاك أن المواطن العربي يعتبر الممتلكات العامة كالشارع و الحدائق العامة و جدران المنشآت بأنها من ضمن ممتلكات الدولة وإهماله لها ما هو إلا مجرد تعبير عن انتقامه الدفين ضد السلطة الحاكمة ، حيث يعيش المواطن في حالة انفصام اجتماعي و يتقوقع و يهتم فقط بملكيته الخاصة وشئون بيته ، لذلك نرى العديد من المواطنين لا يشعرون بأي مسئولية اجتماعية تجاه نظافة محيطهم الخارجي حيث يقوم بعضهم بإلقاء أكياس القمامة في الشوارع و يعتدوا على جدران المنازل و المنشآت العامة بكتابة الشعارات السياسية أو يستخدمونها على سبيل المثال كغرض للمجاملات الاجتماعية مثل التهنئة أو التعزية وبذلك يشوهون المنظر العام للمدينة دون أي ادراك بحجم الخطأ الذي يرتكبونه بحق وطنهم .
أما بالنسبة للمشهد السياسي العربي فما أثار انتباه نوتوهارا هو رغبة الحاكم العربي بالخلود و بأن تبقى ذكراه راسخة في عقول أفراد الشعب الي الأبد و يظهر ذلك بشدة من خلال انتشار صور الحاكم أو الزعيم السياسي في كافة الأماكن العامة و الوزارات الحكومية حيث تضفى الي صورة الحاكم هالة من التقديس و الهيبة تكاد ترقى الي قداسة الرسل و الأنبياء في الكتب السماوية و يستعجب هنا الكاتب من اللغة الخطابية التي يستخدمها أحيانا الحاكم العربي عند مناشداته لأفراد شعبه و عندما يخاطبهم بأنهم أبنائه و بناته حيث يعتبر الحاكم العربي نفسه بأنه أب للشعب و يعلق هنا الكاتب قائلا: نحن في اليابان نعتبر استخدام لغة الأبوة من قبل الحاكم لشعبه بمثابة إهانة للشعب ، حيث الأب حر في بيته فقط و لكن خارج البيت فهو مجرد موظف يقدم خدماته للمواطنين و ليس مؤهلا بأن يتعامل مع أفراد شعبه بصفة شخصية أو بمشاعر أبوية لأن كل انسان له ثقافته الخاصة و طريقة تربيته في البيت و يعتز بأبيه البيولوجي الحقيقي. و تذكرت هنا ضاحكة كيف أن إحدى الموظفات كانت تنادي مديرها الكبير بالسن ب “يا عمو” حيث تغيب هنا العلاقة المهنية بين الموظفين و تتحول الي علاقات شخصية قد تؤثر أحيانا سلبيا على مهنية العمل و تبتعد عن الموضوعية في التعامل مع الناس.
و بالرغم من انتقاد الكاتب لبعض الممارسات السلبية التي لاحظها أثناء اقامته في بعض البلدان العربية ، إلا أنه لا ينكر بوجود بعض الصفات الايجابية عند العرب ،مثل مخافة ألله حيث يذكر موقف قد حدث معه أثناء تعامله مع أحد عمال الصيانة المصريين الذي طلب منه بالبداية أجر مرتفع لأنه أجنبي ،لذا وجه له الكاتب حينذاك سؤالا صغيرا مستعجباً
” ألا تخاف الله ؟ أنا سأطالبك بالنقود الزائدة التي أخذتها مني في يوم القيامة ” و بمجرد أن سمع العامل تلك العبارة خفض فوراً مبلغه المرتفع و قال له أنه سيأخذ منه السعر الحقيقي و بالحلال لأنه يخاف من الله .
و قد عبر الكاتب أيضاً عن اعجابه بحياة البدو الذين يواجهون الطبيعة مباشرة و يتأقلمون مع حياة الصحراء الجافة فوصف كيف أنهم يقدرون قيمة الأشياء لندرتها حيث يعطون قيمة كبيرة لفنجان الماء الصغير و تكلم الكاتب عن قناعة البدوي بحياته المتواضعة وقوة الروابط العائلية بين أعضاء القبيلة بعكس سكان المدن اللذين يملكون الفائض عن حاجاتهم الأساسية ولكنهم يطالبون بالمزيد من تكديس الثروات فتضعف بذلك بينهم العلاقات الانسانية .
وأخيرا تحدث الكاتب عن الكرم الغير متوقع للعرب ، حيث تم دعوته هو وزوجته في إحدى الأيام لمنزل أحد الفنانين العرب الذي عرض لهم بكل فخر لوحاته الفنية الثمينة و التي ينوي عرضها لأول مره في إحدى المعارض الفنية و إذا بزوجة الكاتب الياباني تعبر عن مدى إعجابها الشديد بإحدى اللوحات و تتمنى أن تمتلك واحدة مثلها ، فتفاجأ هنا بأن هذا الفنان يهدي لها تلك اللوحة بالرغم من أنها لم تعرض بعد في المعرض و يعلق الكاتب هنا أن هذا الشيء لا يحدث أبدا في اليابان فالفنان الياباني لا يهدي أحد لوحة سيعرضها في معرض فريد قبل موعد العرض.
تلك كانت ملاحظات تم رؤيتها بعيون يابانية ، عبر صاحبها الكاتب الياباني نوتوهارا بكل موضوعية عن وجهة نظره حول حياة المواطن العربي بعيدا عن استخدام أسلوب النقد الجارح بالرغم من استهجانه لبعض المظاهر السلبية المتواجدة في بيئتنا العربية ، لعله يثير بذلك انتباه القارئ العربي حول تلك الممارسات السلبية التي يتعايش معها المواطن العربي و يعتبرها للأسف من الأشياء الطبيعية في حياته اليومية كأن يتجاهل مثلاً المشاكل البيئية و يفقد الذوق العام و الحس الجمالي أو أن يقوم أحياناً بتقديس بعض الشخصيات السياسية و العامة ولكن في ذات الوقت لم ينسى الكاتب الياباني أيضاً أن يذكر الصفات الايجابية الموجودة في الشخصية العربية مثل الكرم و مخافة الله و التأقلم مع قلة الموارد الطبيعية.
ختاماً أتمنى أن يتعلم الانسان العربي من النقد البناء الموجه اليه سواء من قبل المثقفين و الخبراء الاجتماعين و السياسيين العرب أو الغربيين و ذلك من أجل تحقيق تنمية فعلية و تطور اجتماعي صحي يرقى بنا الي مستوى المجتمعات الراقية ببلدان العالم وذلك مع الأخذ بالاعتبار المحافظة على القيم و العادات العربية الأصيلة.
لذا فلنأخذ من الغرب ما يصلح لنا و نترك لهم ما يتعارض مع ثقافتنا العربية و ثوابتنا الوطنية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s